«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «صندوق النقد» رد سلباً على التمويل الطارئ لربطه بـ«استمرار التعثر»

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.

في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.

وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.

وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.

وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر مايو (أيّار)، وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.

خيام زرقاء لإيواء النازحين الفارّين من منازلهم وقراهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب على طول واجهة العاصمة (د.ب.أ)

ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.

ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.

ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرواقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.

ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.

وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.

أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.

ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


مقالات ذات صلة

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شبكة تنقل أموالاً إلى «حزب الله»

المشرق العربي مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شبكة تنقل أموالاً إلى «حزب الله»

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على 10 أفراد يشكلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال إلى «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)

عون يطلب دعم الفاتيكان لتحقيق انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان

أعرب الفاتيكان، الخميس، عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

إسرائيل تحاول قضم «علي الطاهر» تدريجياً بعد رفض «حزب الله» إخلاءها

تحاول إسرائيل تنفيذ قضم تدريجي لمرتفعات «علي الطاهر» بموازاة ضغوط دبلوماسية على الدولة اللبنانية و«حزب الله» الذي يرفض بالمطلق أي نقاش حول إخلاء المنشأة.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي نتنياهو وزوجته سارة يدليان بصوتيهما في انتخابات «الليكود» يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

إعلام إسرائيلي: ضرب مطار أبو الظهور «حملة انتخابية لنتنياهو في إدلب»

نفذت إسرائيل خلال أسبوعين 27 غارة و36 عملية برية في سوريا، وما زالت تصعّد في غزة والضفة الغربية...

نظير مجلي (تل ابيب )
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية) p-circle

الفاتيكان يعرب عن قلقه حيال «صعوبات» تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

أعرب الفاتيكان عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان والذي تمّ التوصل إليه في يونيو (حزيران) بوساطة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

الدبيبة يأمر الشركة الليبية للحديد والصلب بوقف الإنتاج لنقص الكهرباء

رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يأمر الشركة الليبية للحديد والصلب بوقف الإنتاج لنقص الكهرباء

رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

أمر ​رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، الشركة الليبية للحديد والصلب، الأكبر من نوعها في البلاد، بوقف ‌الإنتاج بسبب ‌نقص ​الطاقة ‌الكهربائية.

و⁠أفادت ​قناة الوطنية التلفزيونية الحكومية، الخميس، بأن رئيس ⁠الوزراء أمر الشركة المملوكة للدولة في مدينة مصراتة الساحلية بربط محطتها لتوليد الكهرباء بشبكة الكهرباء الوطنية.

وتعد الشركة الليبية ‌للحديد ‌والصلب واحدة ​من الشركات ‌القليلة خارج قطاع الطاقة ‌التي لا تزال تصدر منتجاتها من البلد الواقع في شمال أفريقيا، وتبلغ طاقتها التصميمية 1.7 مليون طن ⁠من ⁠الصلب السائل سنويا.

تعاني ليبيا من أزمة كهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة، وتصل فترات انقطاع التيار إلى 10 ساعات يوميا في مدن رئيسية، مما أدى إلى ​اندلاع ​احتجاجات.


الدَّين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار

وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض يوم 30 يوليو 2026 (أ.ب)
وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض يوم 30 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

الدَّين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار

وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض يوم 30 يوليو 2026 (أ.ب)
وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض يوم 30 يوليو 2026 (أ.ب)

شكّل تجاوز الدَّين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، محطة لافتة في علاقة واشنطن بالاقتراض؛ إذ لم يعد التحدي يقتصر على حجم الدين، بل يمتد إلى تكلفة خدمته، مع تزايد مدفوعات الفوائد وضغطها على الموازنة الفيدرالية والعجز.

وجاء هذا المستوى رغم تعهدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة خفض الدين وتعزيز الانضباط المالي؛ إذ تضاعف الدَّين تقريباً منذ حملته الرئاسية الأولى عام 2016.

وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل؛ إذ تجاوز عائد أجل الـ30 عاماً 5.3 في المائة، ما دفع وزارة الخزانة للتدخل عبر مضاعفة بعض عمليات إعادة الشراء، في خطوة تستهدف دعم السيولة، لكنها لا تعالج أصل مشكلة العجز، وفق خبراء.

وفي الخليج، لا يرى خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن مستوى الدَّين الحالي يمثل خطراً فورياً على الاستثمارات، في ظل قوة الاقتصاد الأميركي ومكانة الدولار، في حين توفر العوائد المرتفعة فرصاً جديدة للصناديق السيادية لتنويع محافظها والاستثمار بعوائد أعلى.


«بتكوين» يقفز 11 % في يومين بدعم من تحرك ترمب لإقرار قانون تنظيم العملات المشفرة

تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)
تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)
TT

«بتكوين» يقفز 11 % في يومين بدعم من تحرك ترمب لإقرار قانون تنظيم العملات المشفرة

تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)
تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)

ارتفع سعر «بتكوين» بأكثر من 5 في المائة خلال تعاملات الخميس، مقترباً من مستوى 72 ألف دولار، ليسجل أعلى مستوياته منذ الأول من يونيو (حزيران)، في ظل تحرك أخير من البيت الأبيض وقادة قطاع العملات المشفرة لدفع الكونغرس إلى إقرار قانون «كلاريتي آكت» خلال الأسابيع المقبلة.

وبذلك بلغت مكاسب «بتكوين» خلال يومين أكثر من 11 في المائة، بعدما كان يتداول في وقت سابق من الأسبوع قرب مستوى 63 ألف دولار.

وامتدت موجة الصعود إلى أسهم شركات العملات المشفرة، إذ ارتفع سهم «كوينبيس» و«سيركل» بنحو 6 في المائة لكل منهما، فيما قفز سهم «ستراتيجي» بأكثر من 9 في المائة في تعاملات ما قبل افتتاح السوق، مواصلاً مكاسبه من الجلسة السابقة.

ويأتي الارتفاع وسط مساعٍ مكثفة من إدارة الرئيس دونالد ترمب وقادة قطاع العملات المشفرة لإنهاء حالة عدم اليقين التنظيمي في الولايات المتحدة، عبر تمرير قانون «كلاريتي آكت» الذي يستهدف وضع إطار تنظيمي أوضح للأصول الرقمية وتحديد اختصاص الجهات الرقابية عليها.