تناقضات البيانات الاقتصادية الصينية تثير الشكوك بشأن جودتها

بكين تواجه تحديات في جمعها وتحليلها

كانت بيانات إنتاج الصلب الصيني لشهر ديسمبر 2023 مثيرة للجدل لأنها تتعارض مع الزيادة المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
كانت بيانات إنتاج الصلب الصيني لشهر ديسمبر 2023 مثيرة للجدل لأنها تتعارض مع الزيادة المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
TT

تناقضات البيانات الاقتصادية الصينية تثير الشكوك بشأن جودتها

كانت بيانات إنتاج الصلب الصيني لشهر ديسمبر 2023 مثيرة للجدل لأنها تتعارض مع الزيادة المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)
كانت بيانات إنتاج الصلب الصيني لشهر ديسمبر 2023 مثيرة للجدل لأنها تتعارض مع الزيادة المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي (رويترز)

من بين عشرات المؤشرات الاقتصادية التي أصدرها المكتب الوطني للإحصاء الصيني خلال الأسبوع، كانت بيانات الصلب الأكثر إثارة للجدل. فقد انخفض الإنتاج في ديسمبر (كانون الأول) بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، وهو انخفاض كبير لا يتفق مع الزيادة المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي.

قبل بضعة أشهر فقط، كان إنتاج الصلب - الذي كان يخضع في السابق لقيود غير رسمية مع سعي بكين للحد من الانبعاثات والإنتاج - في طريقه للتوسع بشكل كبير في عام 2023 لأول مرة منذ عامين، وفق صحيفة «فايننشيال تايمز».

ولكن، تماشياً مع الرغبة الرسمية في خفض الإنتاج، انخفض إنتاج ديسمبر، بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، إلى أضعف مستوى له منذ عام 2017، وهو معدل انخفاض يعني ارتفاع إجمالي الإنتاج السنوي، لكنه ظل ثابتاً بشكل أساسي عند ما يزيد قليلاً على مليار طن.

وقال المحلل في شركة «بي إم أو كابيتال ماركيتز» ومقرها لندن، كولين هاميلتون، معلقاً على بيانات الصلب وخام الحديد بالصين في ديسمبر: «من العدل أن نقول إننا لا نصدق هذه الأرقام».

وعدّ هاميلتون أن قضايا جودة البيانات تثير رؤوسها مرة أخرى في الصين، وأشار إلى احتمال الافتقار إلى التقارير الاستراتيجية لتحقيق الأهداف الرسمية.

وأضاف: «إن الانخفاض ليس مرتبطاً بأي شيء آخر، وإن إنتاج فحم الكوك، الذي يستخدم في صناعة الصلب، انخفض بشكل طفيف فقط على أساس سنوي في ديسمبر. لقد شهدنا تناقضات في نهاية العام من قبل، ولكن لم يسبق أن وصلنا إلى هذا الحد».

البيانات موضع شك

أرقام الصلب، التي تم الإعلان عنها جنباً إلى جنب مع قراءة نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2 في المائة لعام 2023، والتي تتفوق بفارق ضئيل على الهدف الرسمي لبكين، هي مجرد مثال واحد على التدقيق العالمي المكثف الذي يتلقى إصدارات البيانات من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ولسنوات عديدة، استخدم خبراء الاقتصاد تدابير بديلة ـ من استهلاك الكهرباء إلى واردات الطاقة - لتعزيز فهمهم لبيانات الناتج المحلي الإجمالي في الصين والتحقق من الصورة التي رسمتها التقارير الرسمية.

ويُقال إن رئيس الوزراء السابق لي كه تشيانغ، الذي توفي العام الماضي، اعترف عام 2007 لمسؤول أميركي بأنه، نظراً لعدم موثوقية بعض البيانات الإقليمية، استخدم تدابير بديلة مثل القروض المصرفية لتقييم النشاط الاقتصادي.

وأدى تشديد بكين الشديد لسيطرتها على تدفق المعلومات أثناء وبعد جائحة «كوفيد - 19» إلى تعميق حالة عدم اليقين بشأن البيانات الرسمية.

وعلى الرغم من التوسع الرئيسي الذي تجاوز بكثير النمو العالمي المتوقع بنسبة 3 في المائة عام 2023، لا يزال صانعو السياسات الصينيون يتصارعون مع التباطؤ العقاري المستمر منذ عدة سنوات والانكماش وحذر المستهلكين.

ولفت رئيس قسم اقتصاديات آسيا في وكالة «ستاندرد آند بورز» والخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي في الصين، لويس كويغس، إلى وجود تناقضات في البيانات التي صدرت حديثاً. كما أعرب عن قلقه من كون السلطات الإحصائية في الصين غير مستقلة عن الحكومة.

البيانات السابقة كانت غريبة

وفي يوليو (تموز)، توقفت السلطات عن نشر بيانات البطالة بين الشباب، التي وصلت في يونيو (حزيران) إلى 21.3 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ طرح المقياس في عام 2019. وقد تم ذلك رسمياً بسبب مخاوف منهجية. ومع ذلك، أعيد تقديم البيانات هذا الأسبوع بمنهجية جديدة وضعت معدل البطالة بين الشباب عند 14.9 في المائة لشهر ديسمبر.

وقال كبير الاقتصاديين الصينيين في شركة «كابيتال إيكونوميكس» جوليان إيفانز بريتشارد، إنه يميل إلى قبول تفسير الحكومة على محمل الجد. ومع ذلك، لاحظ أن البيانات السابقة كانت غريبة لأنها لم تتبع دورة الأعمال وتضمنت طلاباً بدوام كامل. كما أضاف أنه كان ينبغي للحكومة الاستمرار في نشر السلسلة السابقة أيضاً.

وقالت مديرة معهد التنمية الخارجية، وهو مركز أبحاث في لندن، ريبيكا نادين، إن الصعوبة الخاصة الآن تتمثل في «التحدي»... أي القدرة على التحدث إلى الأشخاص في الصين والتحقق من بعض البيانات الاقتصادية أو التحقق من صحتها. وأشارت إلى التركيز على الأمن القومي، وهو ما قد يؤثر على المؤشرات الاقتصادية.

دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

وفيما يتعلق ببيانات الناتج المحلي الإجمالي للعام بأكمله، سلط كثير من الاقتصاديين الضوء على اختيارات الصين لمعامل الانكماش، وهو مقياس واسع للأسعار يستخدم لتحويل النمو الاسمي إلى رقم حقيقي، ويعتمد على درجة عالية من الحكم الإحصائي. وكان الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في الصين أقل من النمو بنسبة 5.2 في المائة بالقيمة الحقيقية، مما يعني أن انخفاض الأسعار عزز النمو الرئيسي.

وقال كبير الاقتصاديين الآسيويين في بنك «إتش إس بي سي»، فريد نيومان: «إن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي يحتاج إلى تقليص النشاط الصناعي وإلى تقليص الخدمات الحكومية، وهناك كثير من الافتراضات المتدفقة التي يمكن أن تؤدي إلى بعض التشوهات».

وقال كويغس إن معامل الانكماش الذي تستخدمه الصين للإنتاج الصناعي، يبدو أنه يتتبع مؤشر أسعار المنتجين، وهو مقياس لأسعار بوابة المصنع التي تتأثر بشدة بأسعار السلع الأساسية العالمية. وقد يكون هذا النهج مضللاً، لذا فعندما تتحرك أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، فإنه يعدل بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصيني وفقاً لذلك.

ويكمل كثير من البنوك الاستثمارية وبيوت الأبحاث نهجه بمقاييس بديلة. ونشرت شركة «تي إس لومبارد»، «مؤشر الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي» الخاص بها، وأشارت هذا الأسبوع إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام بأكمله «من المرجح أن يصل إلى 3.6 في المائة».

ويستخدم إيفانز بريتشارد، الذي لاحظ في عام 2020 أن الناتج المحلي الإجمالي الرئيسي للصين كان «مستقراً بشكل مخيف» مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى، «وكيل نشاط صيني» داخلياً.

وقال: «النشاط... في الربع الثالث على وجه الخصوص كان أضعف بكثير مما كانوا على استعداد للاعتراف به»، في إشارة إلى النتائج التي توصلت إليها «كابيتال إيكونوميكس».

وأضاف بريتشارد أنه يعتقد أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بشكل عام كانت دقيقة، لكن الافتراضات المستخدمة في معامل الانكماش سمحت «بدرجة من المرونة» في الرقم الرئيسي الذي يمكن للسلطات استخدامه «لدفع الأمور في الاتجاه الذي تريد رؤيته».

ولكن على الرغم من الشكوك، فإن فرص وجود أي بديل شامل للأرقام الرسمية الصينية ضئيلة. وقال نيومان من بنك «إتش إس بي سي»، الذي لا يصدر مقياساً مستقلاً للناتج المحلي الإجمالي: «كل هذه البدائل كانت بها عيوب».

ورغم أن هناك «مجموعة كبيرة من الناس» قد لا تتفق مع هذا الرأي، يعتقد كويغس أن حسابات الإحصاءات الوطنية في الصين تصف على نطاق واسع الصورة التي يتوقعها من الاقتصاد.

وقال: «سيكون من الصعب التوصل إلى مؤشر من شأنه أن يزاحم بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء».



تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: حزمة قرارات لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن حزمة قرارات جديدة لتحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال (الرئاسة التركية)

أعلنت تركيا حزمة قرارات جديدة لتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال من الخارج لدعم الاقتصاد وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً عالمياً.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن الحكومة ستتيح للمواطنين الأتراك والشركات إمكانية نقل أموالهم وذهبهم وأوراقهم المالية الموجودة في الخارج إلى داخل تركيا عبر نظام ضريبي منخفض لفترة محددة، في خطوة تهدف إلى تشجيع إعادة دمج الأصول الخارجية في الاقتصاد.

تسهيلات للأتراك بالخارج

وأضاف إردوغان أن القرارات تشمل تسهيلات كبيرة للمقيمين الأتراك في الخارج، مشيراً إلى أنه بالنسبة للأفراد الذين لم يكونوا خاضعين للضرائب في تركيا خلال السنوات الثلاث الماضية، لن تُفرض عليهم ضرائب داخل البلاد على دخلهم وأرباحهم من مصادر أجنبية لمدة تصل إلى 20 عاماً في حال عودتهم إلى الاستقرار في تركيا، على أن يقتصر فرض الضرائب على الدخل المحلي فقط.

وتابع الرئيس التركي، خلال مشاركته في فعالية «قرن تركيا: مركز قوي للاستثمار» التي أُقيمت بالمكتب الرئاسي في قصر «دولمه بهجة» في إسطنبول ليل الجمعة-السبت، أنه سيتم تطبيق تخفيضات كبيرة في ضريبة الشركات، حيث سيتم خفضها إلى 9 في المائة للمصدرين الصناعيين، و14 في المائة لباقي المصدرين، في إطار دعم القدرة التنافسية للصادرات التركية في الأسواق العالمية.

إردوغان متحدثاً خلال فعالية في إسطنبول حول الاستثمار (الرئاسة التركية)

وأعلن توسيع الحوافز الضريبية في مركز إسطنبول المالي، بما في ذلك رفع نسبة الخصم على أرباح تجارة الترانزيت والوساطة في التجارة الخارجية إلى 100 في المائة، مما يعني عدم فرض ضريبة شركات على هذه الأنشطة داخل المركز، بالإضافة إلى إعفاءات تصل إلى 95 في المائة خارج نطاقه.

وتضمنت حزمة القرارات الجديدة إنشاء مكتب موحّد لإدارة الاستثمارات الدولية، سيعمل تحت إشراف رئاسة الاستثمار والمالية برئاسة الجمهورية التركية، بهدف تسهيل جميع الإجراءات للمستثمرين من مكان واحد، بما في ذلك تأسيس الشركات، وتصاريح العمل والإقامة للأجانب، والضرائب، والضمان الاجتماعي، والحوافز الاستثمارية.

وقال إردوغان إن تركيا تسعى لتكون مركزاً عالمياً جاذباً لرؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات، مشيراً إلى أن بلاده تعمل على تعزيز بنيتها التحتية الاقتصادية والمالية لمواكبة التحولات العالمية.

ولفت إلى أن الوضع الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة من عدم الاستقرار تؤثر على الطاقة والتجارة والنقل، لكن تركيا أصبحت «جزيرة استقرار» في المنطقة، وركيزة مهمة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

وذكر إردوغان أن الاقتصاد التركي شهد نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية، حيث ارتفع حجمه من 238 مليار دولار إلى 1.6 تريليون دولار، وأن الحكومة ستواصل تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تعزيز الإنتاج والاستثمار والتصدير، وتحويل تركيا إلى أحد المراكز الاقتصادية الكبرى في العالم.

تأجيل قيود على بطاقات الائتمان

في الوقت ذاته، قررت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية تأجيل لائحة جديدة مقترحة من شأنها إدخال تغييرات كبيرة على حدود بطاقات الائتمان وآلية إعادة هيكلة الديون.

تم تعليق قرارات متعلقة ببطاقات الائتمان بسبب الوضع الاقتصادي (إعلام تركي)

وأفادت مصادر مصرفية بأنه بموجب اللائحة المقترحة سيتم العدول، مؤقتاً، عن الخطة التي كانت تقترح خفض حدود الائتمان بنسب تتراوح بين 50 و80 في المائة للبطاقات التي يتجاوز سقفها 400 ألف ليرة، وسيستمر العمل بالنظام المعمول به حالياً دون أي تعديلات، مما يحافظ على مستوى القدرة الشرائية للمستهلكين في الوقت الراهن.

وكانت اللائحة المقترحة تتضمّن بنوداً أخرى، من أبرزها تمديد فترة إعادة جدولة الديون المتعثرة حتى 48 شهراً، واستثناء نفقات الصحة والتعليم من أي خفض في حدود الائتمان، بالإضافة إلى ربط سقف البطاقة بالدخلَيْن الشهري والسنوي للمواطنين بحلول عام 2027. وحسب المصادر، سيتواصل العمل وفق السياسات الحالية دون تطبيق أي تخفيض إلزامي على حدود البطاقات خلال الفترة المقبلة.

تراجع توقعات التضخم

في غضون ذلك، أكد وزير الخزانة والمالية التركي، محمد شيمشيك، أن الحكومة ستواصل تنفيذ سياساتها الرامية إلى ضمان استقرار الأسعار، مؤكداً أنه شرط أساسي لتحقيق نمو مستدام وزيادة دائمة في الرفاهية.

وقال شيمشيك، عبر حسابه في «إكس»، إن ارتفاع تكاليف الطاقة، في ظل الحرب (في إيران)، تسبّب في تراجع توقعات التضخم.

وأضاف أنه «مع الصدمة التي شهدناها في أسعار النفط، تتفاقم الضغوط التضخمية على مستوى العالم، في حين يُلاحظ تراجع في التوقعات، متوقعاً أن يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة، سلباً، على توقعات التضخم في تركيا.

وفي وقت سابق، رد شيمشيك على انتقادات حادة وُجّهت إليه من جانب وسائل إعلام قريبة من الحكومة تحدثت عن انهيار البرنامج الاقتصادي متوسط المدى للحكومة الذي وضعه شيمشيك.

وقال شيمشيك إنه منذ فترة، تُبذل «محاولات متعمدة» لتشويه الحقائق عبر نشر أخبار كاذبة، مضيفاً أن «همّنا هو خدمة الوطن، وجدول أعمالنا حافل بالتحديات في ظل هذه الظروف الجغرافية الصعبة، وأمامنا عمل كثير لحل مشكلات بلادنا وتعزيز إمكاناتها وأدائها».

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (إكس)

وأضاف شيمشيك: «نحن عازمون على خفض التضخم، وتقليل عجز الحساب الجاري، وإرساء الانضباط المالي، ومعالجة المشكلات الهيكلية».

واختتم: «سنواصل تعزيز برنامجنا الذي حظي بدعم رئيسنا (رجب طيب إردوغان) الكامل منذ البداية، وعندما يحقق برنامجنا أهدافه سيرتفع مستوى معيشة مواطنينا بشكل دائم».

وناشد شيمشيك المواطنين عدم تصديق الشائعات المتداولة، قائلاً: «لا تصدقوا أخباراً حول سياساتنا لم تسمعوها منا مباشرةً».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030». هذه الرحلة لم توجد بيئة تنافسية فحسب، بل حققت قمة تاريخية في الاستكشاف التعديني، حيث قفز الإنفاق لكل كيلومتر مربع من 105 ريالات (28 دولاراً) في 2020 إلى 539 ريالاً (143 دولاراً) حالياً، متجاوزاً المستهدفات المرسومة عند 200 ريال (53 دولاراً) بمراتب عديدة. بينما استطاعت المملكة من خلال رؤيتها رفع الاستثمارات الصناعية إلى 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، بعد أن كانت نحو 963 مليون ريال (256 مليون دولار) في 2020.

وبدأت الحكومة المرحلة الرابعة من إطلاق «رؤية 2030» عام 2016 التي استشرفت مستقبل التعدين واهتمت بتطويره، بوصفه قطاعاً استراتيجياً يولِّد الوظائف وفرص الاستثمار، ويدعم الصناعة، مستندة في ذلك على ما بُني طوال المراحل الثلاث السابقة، ومقتنصة فرصة ما تزخر به أرض المملكة من معادن ثمينة ونادرة وحرجة، لتعطي القطاع ميزة تنافسية تدفعه للتقدم أكثر، وتعزيز مكانته في جذب الاستثمارات التعدينية، والتكامل مع القطاع الصناعي ودعم نموه، عبر تزويده بالمعادن التي تحتاج إليها صناعات واعدة واستراتيجية وعالية التقنية.

وضمن جهود المملكة لتعزيز القطاع وتحفيز الاستثمار فيه، تمكَّنت خلال العام الماضي من إطلاق مبادرة استوديو الابتكار التعديني، وإطلاق المنافسة العالمية للابتكار في المعادن «رواد مستقبل المعادن»، وكذلك تدشين أكاديمية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وإطلاق منصتها الإلكترونية، وأيضاً انتقال إصدار الترخيص الصناعي لمزاولة صناعة المعادن الثمينة والأحجار الكريمة إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

جذب الاستثمارات

أصبحت المملكة اليوم من بين الدول الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني، وهو ما يجعلها مصدراً موثوقاً في تثبيت دعائم أمن واستقرار سلاسل الإمداد التعدينية. إذ زادت القيمة المقدَّرة للثروات المعدنية إلى أكثر من 9.4 تريليون ريال (2.5 تريليون دولار)، بنمو بلغ نحو 90 في المائة، مقارنة بعام 2016، مع قفزة في قيمة المعادن الأرضية النادرة التي قُدِّرت قيمتها بـ375 مليار ريال (100 مليار دولار).

وقد انعكس هذا التطور في التقارير الدولية؛ إذ حلت المملكة في المرتبة العاشرة عالمياً حسب تقرير معهد فريزر الكندي 2025. وجاءت في المرتبة العاشرة خلال العام المنصرم، والأولى عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بنظام الضريبة التعدينية، والمؤشر الفرعي الخاص بالاتساق التنظيمي وعدم التعارض، بالإضافة إلى مؤشر وضوح لوائح النظام التعديني وكفاءة الإدارة التنفيذية.

وحلَّت المملكة ثالثة في المؤشر الفرعي الخاص باستقرار ووضوح التشريعات البيئية، وأيضاً في مؤشر التعامل مع مطالبات الأراضي وتنمية المجتمعات المحيطة، والرابعة عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بالسياسات والتشريعات.

الرخص التعدينية

على صعيد العمل الميداني، نما عدد رخص الاستغلال التعديني إلى 275 رخصة، وزاد عدد رخص الكشف إلى أكثر من ألف رخصة، مقابل 50 رخصة فقط في 2015.

وتسارعت أعمال المسح الجيولوجي إلى 65 في المائة في 2025، مما أدى لاكتشافات أولية في نجران (جنوب المملكة) بنحو 11 مليون طن من المعادن (ذهب، وفضة، وزنك، ونحاس)، مما رفع قيمة الثروات غير المستغلة إلى أكثر من 227 مليار ريال (60.5 مليار دولار).

النهضة الصناعية

في ملف الصناعة، حققت المملكة خلال العام الفائت عدداً من المنجزات، لعل أبرزها وصول بلوغ عدد المصانع المنتشرة في أنحاء المملكة نحو 12.9 ألف مصنع منتشرة في أنحاء المملكة، مقارنة بـ7.2 ألف في 2016. ونمت الاستثمارات لتصل إلى 1.2 مليار ريال في 2025.

كما وافقت الحكومة على وثيقة مشروع تخصيص مصنع الملابس والتجهيزات العسكرية، وأطلقت الأكاديمية الوطنية لصناعة الأسمنت، وكذلك أطلقت تجمع صناعات الطيران بواحة مدن في جدة، والإعلان عن اشتراطات ممارسة الأنشطة الصناعية خارج المواقع المخصصة للأنشطة الصناعية.

أحد المصانع السعودية (واس)

ومن خلال برنامج «صُنع في السعودية»، استطاعت الحكومة تصدير أكثر من 3 آلاف منتج إلى ما يزيد على 74 دولة، في شبكة تربط بين المصدِّرين المحليين والمشترين.

وتمكن صندوق التنمية الصناعية من تقديم 4.5 مليار ريال كقروض تمويلية خلال النصف الأول من عام 2025، وتمويل 300 مشروع خلال الفترة من 2022 إلى 2024.

وقدَّم بنك التصدير والاستيراد السعودي تسهيلات ائتمانية في 2025، بلغت 116 مليار ريال. أما المدن الصناعية فقد أتاحت 2200 مصنع جاهز حتى منتصف العام الفائت.

المنتجات السعودية

توسعت المملكة في دعم المنتج المحلي؛ حيث تجاوزت المنتجات في القائمة الإلزامية 1.6 ألف منتج في 2025، من 100 منتج في 2019، في حين ارتفع عدد المصانع المستفيدة من هذه القائمة بما يتجاوز 6.7 ألف مصنع في العام السابق.

واستثمرت المملكة في تطوير البيئة الصناعية وربطها بالموانئ والطرق، وعملت على تطويرها، ما جعلها جاهزة ومحفزة لاحتضان المصانع، وتمكين صناعات واعدة واستراتيجية، وتوطينها.

وتحتضن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات، الذي يضم مصانع مثل «لوسِد»، و«سير» و«هيونداي»، وغيرها.

مصنع تابع لشركة «لوسِد» في السعودية (واس)

وتم إطلاق أول مصنع متخصص في أنظمة طاقة الرياض في ينبع الصناعية، ومجمعين صناعيين نوعيين في المنطقة الشرقية، وكذلك أكبر مصنع لأغشية التناضح العكسي، بالإضافة إلى اقتراب إنجاز أكبر مصنع لقاحات في الشرق الأوسط، بمدينة سدير للصناعات والأعمال.

وحقق برنامج مصانع المستقبل الذي يهدف إلى تمكين المصانع من تبني التقنيات الحديثة، الوصول إلى 3900 مصنع، في حين أن المستهدف 4000 مصنع.

وضمن مبادرات البرنامج السعودي لأشباه الموصلات، تمت صناعة 25 رقاقة إلكترونية بأيدٍ سعودية، تستخدم في تطبيقات متنوعة؛ كالإلكترونيات، والاتصالات اللاسلكية، والترددات العالية، والإضافة الموفرة للطاقة، وغيرها.


السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
TT

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، من خلال تطوير منظومات متكاملة تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفق ما ورد في «تقرير رؤية 2030» للعام 2025.

على مدار سنوات طويلة، عززت المملكة قدراتها الغذائية، والزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي بوصفه أساساً للاستقرار، والرخاء. واستمرت هذه الجهود حتى جاءت «رؤية 2030» التي أكملت المسار، واضعةً أسساً وممكنات تتواكب مع تحديات المرحلة، ومتغيراتها.

وأُعيدت هيكلة منظومة الغذاء، والزراعة، حيث أُسست الهيئة العامة للأمن الغذائي لإدارة أمن الغذاء، والمخزون الاستراتيجي، كما جرى تخصيص مطاحن الدقيق عبر أربع شركات لتحقيق الكفاءة التشغيلية.

برامج ومبادرات

وامتد التطوير إلى برامج ومبادرات داعمة للمزارعين، من أبرزها برنامج الإعانات الزراعية، وبرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف)، إضافة إلى إصدار نظام صندوق التنمية الزراعية بما يواكب التحول في القطاع. كما أُطلق نظام الإنذار المبكر المطور للأغذية، الذي يهدف إلى متابعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومستويات المخزونات المحلية للسلع الاستراتيجية، بما يعزز اتخاذ القرار، ويضمن استدامة واستقرار أسواق الغذاء. ولتعزيز كفاءة الإنتاج، تم دعم تبني التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للحد من الفقد، والهدر في الغذاء (لتدوم).

رجل وابنه في موسم حصاد الورد الطائفي (وزارة السياحة)

كما تسهم «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) في دعم استدامة الغذاء، من خلال استثماراتها في الداخل، والخارج، إضافة إلى تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب» بالتعاون مع «الشركة الوطنية للنقل البحري» (بحري) لتعزيز سلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي.

وأُنشئت أيضاً «الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب» (سابل) لإدارة الصوامع، والخزن الاستراتيجي للقمح، إضافة إلى تطوير محطة الحبوب في ميناء ينبع التجاري بمساحة 313 ألف متر مربع.

الاكتفاء الذاتي في 2025

سجلت المملكة نسب اكتفاء ذاتي في عدد من السلع الغذائية خلال عام 2025 على النحو التالي:

- لحوم الدواجن: 76 في المائة.

- بيض المائدة: 105 في المائة.

- الأسماك والروبيان: 69 في المائة.

- الألبان: 120 في المائة.

- اللحوم الحمراء: 55 في المائة.

موظف يطعم الأبقار في إحدى مزارع «المراعي» السعودية (الشركة)

مركز عالمي في الأغذية

هذا وتواصل المملكة تطوير سوق المنتجات والخدمات الغذائية بوصفه قطاعاً استراتيجياً، مستفيدة من نمو القاعدة الزراعية، وارتفاع الإنتاج، وتطور الصناعات الغذائية، إلى جانب كون السوق السعودية الكبرى في المنطقة.

متجر نوق (سواني)

وشهد القطاع تأسيس شركات وطنية متخصصة، منها: شركة «تطوير منتجات الحلال» (حلال)، وشركة «سواني» لمنتجات حليب الإبل، وشركة «تراث المدينة» (ميلاف) لمنتجات التمور، و«الشركة السعودية للقهوة» (جازين).

كما تواصل «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) دورها في دعم استدامة الغذاء، من خلال 13 استثماراً في 7 دول، و5 قارات، إضافة إلى مساهمتها في تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب».

وفي إطار تعزيز تنافسية السوق، أُنشئ المركز السعودي للحلال لمنح شهادات اعتماد للمنتجات وفق المعايير الشرعية.

كما تطورت البنية التحتية للقطاع، من خلال التجمع الغذائي في جدة بوصفه الأكبر عالمياً، ومجمع صناعات الألبان في الخرج، إضافة إلى الإعلان عن مدينة للثروة الحيوانية في حفر الباطن.

المياه و«غينيس«

تُعد المملكة رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال منظومة عززت استدامة المياه في بيئة صحراوية، وتحديات مائية معقدة.

إحدى منظومات تحلية المياه في السعودية (هيئة المياه)

وأُعيد تنظيم القطاع عبر تحويل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى الهيئة السعودية للمياه، بما يعزز شمولية إدارة الموارد المائية.

كما أُسست المنظمة العالمية للمياه في الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه عالمياً.

وتجسدت جهود المملكة في تنويع مصادر المياه لتتجاوز 471 مصدراً، إلى جانب تطوير شبكات الإمداد والتحلية والمياه الجوفية، ورفع المحتوى المحلي في القطاع.

وسجلت الهيئة السعودية للمياه 12 رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس»، من أبرزها:

- أكبر محطة تحلية بتقنية التناضح العكسي.

- طاقة إنتاجية تبلغ 670.8 ألف متر مكعب يومياً.

- أقل معدل استهلاك للطاقة في التحلية عند 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب.

هذه المنظومة المتكاملة تعكس أن المملكة تتجه نحو بناء نموذج مستدام في الأمن الغذائي والمائي، وقائم على تطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الكفاءة، وتوسيع الشراكات، بما يدعم استقرار الموارد، ويرسخ مكانتها لتكون قوة إقليمية وعالمية في القطاعين.