قادة العالم يتوافدون إلى «دافوس» على وقع حربَي غزة وأوكرانيا

مديرته العامة لـ«الشرق الأوسط»: المعلومات المضللة أبرز خطر يحدق بالمجتمعات... و3 سبل لمكافحتها

يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
TT

قادة العالم يتوافدون إلى «دافوس» على وقع حربَي غزة وأوكرانيا

يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)

تنطلق مساء الاثنين أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري. ومثل كل عام، يتوافد قادة دول وحكومات ومسؤولو الشركات العملاقة إلى جبال الألب السويسرية، للمشاركة على مدى 5 أيام في ملتقى يتيح لممثلي القطاع العام والخاص بحث ورسم السياسات الاقتصادية.

إلا أن هذا التقليد السنوي الذي واظبت عليه نخب العالم منذ سبعينات القرن الماضي، ينعقد هذه السنة في ظلّ «السياق الجيوسياسي والاقتصادي الأكثر تعقيداً منذ عقود»، وفق رئيس المنتدى بورغه برنده.

استعدادات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 13 يناير (رويترز)

فمع دخول الحرب الإسرائيلية على غزة يومها الـ100، واقتراب الحرب الروسية- الأوكرانية من عامها الثالث، وتهديد التوتر العسكري في البحر الأحمر سلاسل الإمداد العالمية، يبدو شعار «إعادة بناء الثقة» الذي ينضوي تحته المنتدى هذه السنة بعيد المنال.

إلى جانب الحرب في الشرق الأوسط وأوروبا، يتوقّع أن يُخصّص قرابة 2800 مشارك من 100 دولة جزءاً كبيراً من مباحثاتهم لمواجهة شبح الركود، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في النشاط الاقتصادي، وتحدي المعلومات المضللة التي باتت تهدد سير الانتخابات في عام يتجه فيه نصف سكان العالم إلى صناديق الاقتراع.

بناء الثقة

تدافع سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي، عن اختيار القائمين على الدورة الـ54 للمنتدى شعار «إعادة بناء الثقة» الذي عدّه البعض «مفرطاً في التفاؤل»، محددة 3 عناصر تدعم تحقيقه.

وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن العنصر الأول يتمثل في فرصة الحوار التي يوفرها اجتماع دافوس السنوي لمختلف أصحاب المصلحة حول العالم، في خطوة أولى ضرورية للتمكن من إعادة بناء الثقة.

أما الجانب الثاني -وفق زاهدي- فيشمل بحث القادة عن «رؤية مشتركة». وتقول إنه في غياب هذه الرؤية: «لن نستطيع استعادة ثقة شعوبنا المختلفة، (...) واستعادة بعض الإيمان والأمل في المستقبل».

ويعتمد العنصر الثالث على تعزيز التعاون بين القادة المشاركين؛ إذ ترى زاهدي أن «الكلمات والرؤية المشتركة لن تكون كافية. لذلك قمنا بإنشاء هذا التعاون طويل الأمد بين القطاعين العام والخاص»، مشيرة إلى أن الاجتماع السنوي سيشهد عرض نتائج التعاون بين القطاعين العام والخاص في المجالات التي تم بحثها في المنتديات السابقة. وتابعت: «لكننا سنطلق كذلك مبادرات جديدة؛ لأن (...) مجموعة المشكلات التي تحدق بالعالم مستمرة في النمو».

مشاركة دولية

يتوقع أن يشارك في المنتدى هذا العام 2800 شخصية سياسية واقتصادية، بينهم أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة.

زيلينسكي مخاطباً المشاركين في «دافوس» في 23 مايو 2022 (أ.ب)

وسيكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، في طليعة المشاركين في أعمال المنتدى، إلى جانب الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير ميلي الذي أثار ذهول المجتمع الدولي باقتراحه «إصلاحات» اقتصادية تسببت في انهيار قيمة عملة بلاده، وقد تقود إلى إلغاء البنك المركزي.

إضافة إلى ذلك، يتوقع أن تحظى مشاركة الرئيس الأوكراني بمتابعة خاصة. فولوديمير زيلينسكي الذي يشارك في المنتدى حضورياً للمرة الأولى، بعدما اكتفى في السنتين الماضيتين بمشاركات عبر الفيديو، سيُلقي «خطاباً خاصاً» في وقت تخشى فيه بلاده تراجع الدعم الغربي لمجهودها الحربي في مواجهة روسيا.

مقر أوكرانيا في دافوس (إ.ب.أ)

كما سيرأس مستشاره ومدير مكتبه، أندري ييرماك، اجتماعاً لسبعين مستشاراً للأمن القومي في دافوس، الأحد، عشية انطلاق أعمال المنتدى.

ومن الولايات المتحدة، سينضم بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان إلى المشاركين، وسيتحدثان في عدد من الجلسات حول خطر اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط، وتراجع شهية الغرب لدعم كييف. كما سيشارك الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

عربياً، يقود وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وفداً واسعاً يضم الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبد العزيز، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأميركية، والدكتور ماجد القصبي، وزير التجارة، وعادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار، ومحمد الجدعان، وزير المالية، والمهندس عبد الله السواحة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وبندر الخريّف وزير الصناعة والثروة المعدنية، وفيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط.

استكمال الاستعدادات في مقر اجتماعات «نيوم» في دافوس (رويترز)

إضافة إلى ذلك، يتوقع أن يشارك رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، ونظيراه: القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والأردني بشر الخصاونة.

وعلى صعيد المؤسسات الدولية، سيحضر المنتدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

توقعات متواضعة

رغم بداياته المتواضعة، تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي من تجمع لمسؤولي شركات أوروبية إلى موعد سنوي ثابت، يجمع أهم صناع السياسة والاقتصاد في منتجع شتوي شبه معزول لمدة 5 أيام.

عناصر من الشرطة السويسرية يتجهون إلى مقر المنتدى في دافوس في 13 يناير (إ.ب.أ)

وعلى عكس اجتماعات «السبع» و«العشرين»، لا يتوقّع من المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي الخروج ببيان ختامي، أو تحقيق اختراقات في هذه الأزمة أو تلك. بل يعدّ فرصة لقادة الاقتصادات النامية والكبرى للاجتماع بقادة القطاع الخاص، وبحث توجهات الاقتصاد العالمي، بغية تعزيز التعاون الدولي لمواجهة أحدث التحديات، لذكر بعض الأهداف المعلنة للمنتدى.

لكن المحفز الأهم بالنسبة لمجتمع الأعمال وكبار المستثمرين الذين يتوافدون بالمئات للقاء قادة الدول والحكومات، هو اللقاءات الجانبية التي تنعقد بعيداً عن عدسات وآذان الصحافيين. هناك يسعى المشاركون من القطاع الخاص إلى الدفع بمصالحهم، وإبرام صفقات لتبرير سعر العضوية في المنتدى الحصري، والذي يتراوح بين 58 ألفاً و580 ألف دولار أميركي، وفق تقارير.

صورة أرشيفية لترمب وفون دير لاين في دافوس في 21 يناير 2020 (رويترز)

أما على مستوى التمثيل السياسي، فقد شهد مستوى المشاركة تراجعاً نسبياً خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ لم يلبِّ الرئيس الأميركي جو بايدن دعوة المنتدى منذ انتخابه للبيت الأبيض. وبينما كان البعض يعزي ذلك إلى جائحة «كورونا» التي فرضت إلغاء دورة المنتدى عام 2021، ثم للأزمة الاقتصادية الخانقة في الولايات المتحدة، فقد عزّز غياب بايدن عن الملتقى الدولي للعام الثالث على التوالي نظرية مقاطعته لاجتماع يصفه منتقدون بـ«ملتقى الأغنياء».

بدوره، اختار رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك التغيب عن «دافوس» للسنة الثانية، بينما تعاني بلاده من أزمة غلاء المعيشة هي الأسوأ منذ سنوات، ليكون الرئيس الفرنسي الممثل الوحيد لاقتصادات مجموعة السبع هذا العام.

جانب من مشاركة سابقة في «دافوس» للرئيس الفرنسي في يناير 2018 (أ.ف.ب)

أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد اختار المنتدى إقصاءه من لائحة المدعوِّين، بعد غزو بلاده أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. بينما تعود آخر مشاركة حضورية للرئيس الصيني شي جينبينغ إلى عام 2017، عندما فاجأ العالم بخطاب يدافع فيه عن العولمة والتعاون الدولي، في تناقض صارخ مع الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب الذي قاد سياسات حمائية إلى حد بعيد.

سلّم المخاطر

عشية انطلاق دورته الـ54، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي لائحة لأكبر المخاطر التي تواجه العالم على المدى المتوسط والبعيد. وبعد استطلاع رأي 1400 خبير عالمي في سبتمبر (أيلول) 2023، وجد التقرير الذي صدر قبل أيام أن يكون التضليل الإعلامي أحد أكبر المخاطر التي تهدد البشرية في العامين المقبلَين.

مؤتمر صحافي لمنظمي المنتدى الاقتصادي العالمي في كولوني قرب جنيف في 9 يناير (إ.ب.أ)

وجاء في التقرير أن «الاستخدام الواسع النطاق للمعلومات الخاطئة والمضللة وأدوات نشرها، يمكن أن يقوّض شرعية الحكومات المنتخبة حديثاً». وأضاف: «يمكن أن تتراوح الاضطرابات الناجمة عن ذلك بين التظاهرات العنيفة وجرائم الكراهية، والاشتباكات المدنية والإرهاب». وذكَّر التقرير بأن اقتصادات كبيرة شهدت أو ستشهد انتخابات على مدى عامين، منها: بنغلاديش، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، وباكستان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.

وعن سبل مواجهة هذا الخطر الجديد نسبياً، طرحت زاهدي استراتيجية من 3 عناصر؛ تشمل: تثقيف المواطن، وتقنين المحتوى الذي يولّده الذكاء الاصطناعي من طرف الحكومة، ودور القطاع الخاص، وخصوصاً وسائل الإعلام.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن هناك دوراً للجميع في مواجهة هذا التحدي (...) أعتقد أنه يتعين علينا ضمان تعليم المواطنين، والتوعية الذاتية (...) ودور الحكومات في ضمان حصول سكانها على معلومات كافية حول كيفية اكتشاف المعلومات الخاطئة والمضللة».

العنصر الثاني -وفق زاهدي- يتمثل في اعتماد الحكومات «أنظمة العلامات المائية التي يمكن أن تميِّز بشكل واضح بين المحتوى الذي تم إنشاؤه بشكل مصطنع، وما هو غير ذلك». وتابعت بأن تمييز المحتوى «الاصطناعي» بهذه العلامة سيشجِّع التزام اللاعبين المسؤولين في مجال المحتوى الاصطناعي.

أما الجانب الثالث من استراتيجية مواجهة المعلومات الكاذبة والمضللة -وفق زاهدي- فيتعلق بدور وسائل الإعلام على نطاق واسع. توضح: «أعتقد أن (هناك دوراً) بالتأكيد لوسائل التواصل الاجتماعي والقواعد واللوائح التي تضعها على منصاتها. ولكن الأمر يتعلق أيضاً بوسائل الإعلام التقليدية. إنها لحظة مهمة لوسائل الإعلام التقليدية لتصبح مصدراً للمعلومات المدروسة جيداً والموثقة جيداً والمحللة جيداً، (لتكون بديلاً) لبعض ما يمكنك رؤيته عندما يتم استخدام المحتوى الاصطناعي بشكل سيئ».

موظفون انتخابيون يستعدون لفرز الأصوات في قرية قرب دكا ببنغلاديش، في 7 يناير (أ.ب)

ووجد التقرير أن ترتيب أبرز 5 مخاطر يختلف باختلاف الدول. فعلى سبيل المثال، لا يرد خطر المعلومات المضللة في أبرز 5 مخاطر في الولايات المتحدة؛ لكنه يحتل المرتبة الأولى بالنسبة للهند.

وإلى جانب المعلومات الخاطئة المولدة بالذكاء الاصطناعي، حذر التقرير من خطر «الاستقطاب المجتمعي»، و«المخاوف بشأن أزمة معيشة مستمرة»، والنزاعات المسلحة بين الدول، كأبرز المخاوف في العامين المقبلين على المستوى العالمي.

أما على مدى العقد المقبل، فستصبح الظروف الجوية القاسية والتغيرات الحاسمة في النظم البيئية للأرض أكبر مصدر للقلق.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

يضع هذا التناقض الجذري صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

أنطوان الحاج
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.


المخاطر الصينية والأميركية تهدد مستقبل قطاع الرقائق الأوروبي

لوحة إلكترونية مع رقائق من شركة «إنفينيون» الألمانية (إ.ب.أ)
لوحة إلكترونية مع رقائق من شركة «إنفينيون» الألمانية (إ.ب.أ)
TT

المخاطر الصينية والأميركية تهدد مستقبل قطاع الرقائق الأوروبي

لوحة إلكترونية مع رقائق من شركة «إنفينيون» الألمانية (إ.ب.أ)
لوحة إلكترونية مع رقائق من شركة «إنفينيون» الألمانية (إ.ب.أ)

تتزايد المخاوف الأوروبية حول مستقبل قطاع صناعة الرقائق وسط تهديدات كبرى للقطاع من الصين والولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، أعلنت وزارة التجارة الصينية، يوم الخميس، أن الصين والاتحاد الأوروبي اتفقا على عقد اجتماع أو اجتماعين على مستوى الوزراء سنوياً لآلية التشاور التجاري والاستثماري بين الصين والاتحاد الأوروبي.

وصرح المتحدث باسم الوزارة خه يادونغ، في مؤتمر صحافي، بأن الجانب الصيني وجه دعوة إلى مسؤول التجارة في الاتحاد الأوروبي لزيارة الصين هذا الخريف لحضور الاجتماع الثاني لآلية التشاور.

ويأتي ذلك بينما خلص تقرير ممول من الاتحاد الأوروبي، نُشر يوم الخميس، إلى أن ضوابط التصدير الصينية، والاعتماد على الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا، والضعف الهيكلي لصناعة الرقائق الإلكترونية المحلية في أوروبا، كلها عوامل تُنذر بمستقبل قاتم. وخلص التقرير المستقل، الصادر عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي ومركز الأبحاث الفرنسي «مونتين»، إلى أن ضوابط التصدير الصينية على المعادن الحيوية والمغناطيس، أو خطر نشوب حرب في مضيق تايوان، تُشكل تهديدات رئيسية لإمدادات الاتحاد الأوروبي.

ويتفاقم ضعف الاتحاد الأوروبي نتيجة اعتماده على الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا، بما في ذلك برامج التصميم، واحتمالية قيام الولايات المتحدة بحظر صادرات شركة «إيه إس إم إل»، الموردة لمعدات تصنيع الرقائق الإلكترونية، وهي الشركة الأوروبية الأغلى قيمة، إلى الصين.

ويناقش الكونغرس الأميركي حالياً مشروع قانون يمنح واشنطن سلطة فرض قيود أحادية الجانب على صادرات الدول الحليفة وشركاتها. وقال جوريس تير، المحلل السياسي في معهد الدراسات الأمنية، لوكالة «رويترز»: «مع أن بكين لا تزال تشكل التهديد الأكبر، فإن الاعتماد على واشنطن بات مصدر قلق بالغ في ظل إدارة ترمب الثانية».

قانون جديد

وتسعى المفوضية الأوروبية إلى دعم صناعة الاتحاد، وقد اقترحت في يونيو (حزيران) قانوناً جديداً للرقائق الإلكترونية (Chips Act 2.0) يتعين على المشرعين الأوروبيين مناقشته الآن.

ويتضمن المقترح حوافز لزيادة الطلب على الرقائق المصنعة محلياً، كما انضمت أوروبا إلى مبادرة «باكس سيليكا» التي أطلقتها واشنطن، وهي مبادرة مشتركة بين الدول الحليفة لتأمين سلاسل التوريد.

وإضافة إلى التعاون مع الحلفاء لمواجهة الصين، قال تير إن «السبيل الوحيد المتاح» أمام أوروبا هو البناء على نقاط قوتها الحالية، مثل معدات تصنيع الرقائق التي تنتجها شركة «إيه إس إم إل»، لتعزيز قدرتها التنافسية.

وخلص التقرير، الذي استند إلى مصادر صناعية وسياسية وأكاديمية، إلى أن عوامل من بينها استمرار ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا، ونقص رأس المال الخاص، وتراجع الصناعات التي تستخدم الرقائق، قد أضعفت القدرة التنافسية لهذا القطاع.


«سنترا»... كيف كسب رئيس «الفيدرالي» الجديد ثقة نظرائه؟

محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)
محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)
TT

«سنترا»... كيف كسب رئيس «الفيدرالي» الجديد ثقة نظرائه؟

محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)
محادثة جانبية بين وارش ولاغارد خلال منتدى البنك المركزي الأوروبي (البنك)

شهدت مدينة سنترا البرتغالية التاريخية، وتحديداً في أروقة الدير القديم الذي يحتضن المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي، تحولاً لافتاً في المشهد المالي العالمي. فبينما كان حكام المصارف المركزية من مختلف قارات العالم يصلون والمخاوف تساورهم بشأن مستقبل التعاون الدولي، غادروا بعد ثلاثة أيام وهم يشعرون بأنهم قد وجدوا حليفاً جديداً وموثوقاً في رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش. هذا التقارب يمثل نقطة توافق نادرة وثمينة في وقت اتسمت فيه العلاقات مع واشنطن بالصعوبة والتعقيد.

وعلى مدار أيام المؤتمر الثلاثة، قاد رئيس «الفيدرالي» الجديد دبلوماسية هادئة وخلف الأبواب المغلقة، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات الخاصة والمكثفة مع نظرائه من أوروبا وخارجها. وكان من أبرز هذه التحركات مأدبة غداء مطولة جمعته برئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في الفناء الداخلي الهادئ والمحاط بالأعمدة للدير القديم. ورغم أن هذه المحادثات ظلت في مستويات رفيعة ولم تخض في التفاصيل التقنية المعقدة مثل اتجاهات التضخم، أو مخاطر صيرفة الظل، أو آليات التنسيق الدولي للسياسات، فإن الأوساط المحيطة بالنقاشات رأت في مبادرة وارش رسالة واضحة التزم فيها ببقاء «الفيدرالي» شريكاً فاعلاً في الساحة العالمية، مما بدد مخاوف تراجع واشنطن عن المنصات الدولية التي ترعى التعاون النقدي.

وكانت هذه الطمأنة بالغة الأهمية بالنسبة لحكام المصارف المركزية؛ إذ كان بعضهم يعبر في مجالسهم الخاصة عن القلق من أن يكون رئيس «الفيدرالي» المعين من قِبل الرئيس دونالد ترمب أكثر عرضة واستجابة لضغوط البيت الأبيض فيما يتعلق بأسعار الفائدة، أو أقل التزاماً بالتنسيق الدولي الذي طالما اعتُبر ركيزة أساسية للسياسة النقدية العالمية. وتكتسب هذه المخاوف مشروعيتها من الثقل الذي يمثله مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»؛ فهو ليس مجرد بنك مركزي لدولة كبرى، بل هو المزود النهائي لسيولة الدولار في أوقات الأزمات المالية والاضطرابات العاصفة، والملاذ الآمن لنسبة هائلة من احتياطيات الذهب العالمية لعديد من الدول، فضلاً عن كونه الصوت الأكثر نفوذاً وتأثيراً في صياغة السياسات النقدية والتشريعات المالية الدولية.

صحافيون يتابعون وارش وهو يتحدث خلال جلسة في منتدى البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

وفي هذا السياق، وصل المسؤولون إلى البرتغال ولديهم رغبة ملحة لمعرفة ما إذا كانت علاقات العمل الوثيقة والناجحة التي تمتعوا بها مع الرئيس السابق جيروم باول ستنجو وتستمر خلال هذه المرحلة الانتقالية. وقد ساهم تاريخ وارش المهني في تسريع وتيرة الثقة، حيث أشار عدد من الحكام الذين عرفوه خلال فترة عمله كعضو في مجلس المحافظين لـ«الفيدرالي» بين عامي 2006 و2011، أو من خلال نشاطه اللاحق في «مجموعة الثلاثين» الاستشارية، إلى أنهم وجدوا فيه نفس صانع السياسات الرصين الذي تعاملوا معه لسنوات طويلة. ورغم أن بعض الحاضرين آثروا التريث معتبرين أنه من المبكر الحكم على أدائه الفعلي حتى يبدأ ممارسة مهامه رسمياً ويواجه اختبار الموازنة بين الحفاظ على مصداقيته ومقاومة الضغوط السياسية، فإن الأجواء العامة مالت نحو التفاؤل.

وقد تجلى هذا التحول في حفاوة الاستقبال التي حظي بها وارش، والتي كانت لافتة ومثيرة للاهتمام، خاصة وأن العديد من المشاركين كانوا قد أبدوا في وقت سابق تضامناً كبيراً ودعماً مطلقاً لجيروم باول خلال صراعه الطويل مع ترمب، بل إن مجموعة من المسؤولين الحاليين والسابقين دافعوا علناً عن استقلالية باول، وشهد مؤتمر سنترا في العام الماضي تصفيقاً حاراً ووقوفاً تقديراً له. ولكن بدلاً من أن يكون الظهور الأول لوارش مشحوناً بالتوتر أو الارتباك، اتخذ المؤتمر طابعاً أشبه بالاحتفاء الجماعي برئيس «الفيدرالي» الجديد.

ترحاب حار

بدأت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في رسم ملامح هذا التقارب منذ العشاء الافتتاحي للمؤتمر، حيث استقبلت وارش الذي وصل متأخراً بترحاب حار وأعربت علناً عن تطلعها الصادق للعمل معاً بشكل وثيق. ومن جانبه، رد وارش بإيماءات دبلوماسية تركت أثراً إيجابياً واسعاً؛ إذ ساعدته طلاقته في اللغة الفرنسية التي أتقنها أثناء دراسته في فرنسا على التحدث مع المشاركين الفرنسيين بلغتهم الأم. وبخلاف بعض الشخصيات الرفيعة التي تفضل الانكفاء على دوائر مغلقة وصغيرة، قضى وارش وقتاً طويلاً في التنقل والتحدث بحرية بين حكام المصارف خلال عشاء عمل غير رسمي. كما ظهر هذا الانسجام جلياً عندما اعتلى منصة المناقشة إلى جانب لاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، ومحافظ بنك كندا تيف ماكليم، حيث حرص وارش على إبداء نبرة زمالة عالية مؤكداً على شعوره بالفخر والتجاور مع زملائه الثلاثة. ورغم أن هذه التفاصيل قد تبدو بروتوكولية بسيطة، فإنها تكتسب أهمية قصوى في الأوساط الضيقة للبنوك المركزية، حيث تلعب العلاقات الإنسانية والشخصية دوراً حاسماً في إدارة الأزمات المالية وتسهيل التعاون السريع عند حدوث اضطرابات مفاجئة.

وامتدت مساحات التقارب والتفاهم لتشمل التوجهات العامة للسياسات النقدية وآليات التواصل مع الأسواق؛ إذ لمس المشاركون توافقاً كبيراً حول ضرورة تبسيط الخطاب المالي والعودة إلى القواعد الأساسية. وجاء تفضيل وارش للرسائل المباشرة والبسيطة وتشككه المعلن تجاه أدوات «التوجيهات المستقبلية» المعقدة ليتماشى تماماً مع الشعار غير المعلن للمؤتمر وهو «العودة إلى الأساسيات».

واستغل وارش هذا المنبر ليؤكد بقوة على استقلالية مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، مشيراً إلى أن صناع السياسات يتشاركون «رؤى وقرارات مشتركة» رغماً عن اختلاف نطاقاتهم الجغرافية والقانونية. وفي السياق ذاته، وافقت لاغارد على هذا الطرح مؤكدة أن «المركزي الأوروبي» لم يعد بحاجة إلى «صيغ معقدة للتوجيهات المستقبلية»، بينما لفت محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي إلى أن وضع مثل هذه التوجيهات وتطبيقها يكون دائماً أسهل بكثير من التراجع عنها وإلغائها.

وارش برفقة زوجته جين لودر يسيران لحضور جلسة في منتدى البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

ومع ذلك، لم يخلُ المشهد من تباينات واختلافات طفيفة ظلت تحت السطح؛ فقد أوضحت لاغارد أن البنك المركزي الأوروبي سيستمر في شرح وتفصيل كيفية استجابته للبيانات الاقتصادية الواردة، وهو المفهوم الذي أطلقت عليه اسماً جديداً وهو «توجيه الإطار العملي»، وهي العبارة التي لقيت صدى فورياً وترحيباً في تصريحات محافظ بنك كندا تيف ماكليم. وفي المقابل، أظهر وارش ميلاً أقل واهتماماً محدوداً بمناقشة التفاصيل الدقيقة لدليل عمل وسياسات «الاحتياطي الفيدرالي». ولكن رغم هذه الفروقات الفنية، ركز المجتمعون على نقاط الالتقاء عوضاً عن الخلاف، ورأوا في النقاشات الجارية داخل البنك المركزي الأوروبي حول إعادة ضبط وتطبيع متطلبات الاحتياطي الإلزامي للمصارف دليلاً إضافياً على أن البنوك المركزية الكبرى على ضفتي المحيط الأطلسي تتحرك بخطى متزامنة لإنهاء الممارسات والسياسات الاستثنائية التي فرضتها حقبة الأزمات المالية المتلاحقة.


الهند واليابان توقّعان اتفاقيات في الذكاء الاصطناعي والمعادن والطاقة

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية (إ.ب.أ)
TT

الهند واليابان توقّعان اتفاقيات في الذكاء الاصطناعي والمعادن والطاقة

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية (إ.ب.أ)

اتفقت الهند واليابان، الخميس، على تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعادن والطاقة والدفاع، بالإضافة إلى إعداد خريطة طريق مشتركة للأمن الاقتصادي، في إطار سعي الدولتين الآسيويتين إلى توطيد علاقاتهما.

ووُقّعت الاتفاقيات بعد محادثات بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي، التي تقوم بزيارة رسمية إلى نيودلهي تستغرق ثلاثة أيام.

وقالت تاكايتشي للصحافيين عقب المحادثات: «ستستفيد اليابان والهند من نقاط قوة كل منهما لتحقيق النمو والازدهار معاً. وفي ظل المشهد الدولي المضطرب، بات بناء علاقة تعاونية تكاملية كهذه ذا أهمية متزايدة». وتأتي زيارة تاكايتشي عقب زيارة قام بها مودي إلى طوكيو العام الماضي، حيث تعهدت اليابان بمضاعفة استثماراتها في الهند إلى أكثر من 61 مليار دولار خلال العقد المقبل؛ ما يسلط الضوء على تعميق العلاقات الاقتصادية. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 27.5 مليار دولار في السنة المالية 2025 -2026، في حين بلغ حجم الاستثمار الياباني في الهند 3.2 مليار دولار بين أبريل (نيسان) وديسمبر (كانون الأول) 2025، وفقاً لبيانات الحكومة الهندية.

مباحثات موسعة

أعلنت وزارة الخارجية الهندية أن الزعيمين أجريا «محادثات موسعة النطاق حول جميع جوانب العلاقات الهندية - اليابانية، بما في ذلك التجارة والاستثمار، والأمن الاقتصادي، والطاقة، والتقنيات الناشئة، والدفاع، والتبادلات الشعبية».

وأضافت الوزارة أن الجانبين اعتمدا ثلاث وثائق «تاريخية» بشأن الأمن الاقتصادي، واستدامة الطاقة، والذكاء الاصطناعي.

وصرح مودي للصحافيين قائلاً: «إن التقارب بين التكنولوجيا الدقيقة اليابانية وقدرات البرمجيات الهندية سيعطي زخماً وقوة جديدين لتطوير الذكاء الاصطناعي عالمياً».

وقال مودي إن البلدين، العضوين أيضاً في مجموعة الحوار الرباعي (كواد)، وقَّعا اتفاقية بشأن أول مشروع تطوير مشترك لهما في قطاع الدفاع. وتُعدّ أستراليا والولايات المتحدة العضوين الآخرين في مجموعة الحوار الرباعي، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها كتلة تشكلت لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتُعدّ اليابان من أكبر المستثمرين في الهند، حيث تدعم مشاريع بنية تحتية ضخمة، من بينها خط سكة حديد فائق السرعة يربط بين مدينتي مومباي وأحمد آباد. كما زادت الشركات اليابانية استثماراتها في الشركات الهندية، بما في ذلك صفقة حديثة بقيمة 1.6 مليار دولار للاستحواذ على حصة 20 في المائة في «بنك يس».