قادة العالم يتوافدون إلى «دافوس» على وقع حربَي غزة وأوكرانيا

مديرته العامة لـ«الشرق الأوسط»: المعلومات المضللة أبرز خطر يحدق بالمجتمعات... و3 سبل لمكافحتها

يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
TT

قادة العالم يتوافدون إلى «دافوس» على وقع حربَي غزة وأوكرانيا

يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)
يستعد منتجع دافوس السويسري لاستقبال 2500 مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع (أ.ب)

تنطلق مساء الاثنين أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري. ومثل كل عام، يتوافد قادة دول وحكومات ومسؤولو الشركات العملاقة إلى جبال الألب السويسرية، للمشاركة على مدى 5 أيام في ملتقى يتيح لممثلي القطاع العام والخاص بحث ورسم السياسات الاقتصادية.

إلا أن هذا التقليد السنوي الذي واظبت عليه نخب العالم منذ سبعينات القرن الماضي، ينعقد هذه السنة في ظلّ «السياق الجيوسياسي والاقتصادي الأكثر تعقيداً منذ عقود»، وفق رئيس المنتدى بورغه برنده.

استعدادات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 13 يناير (رويترز)

فمع دخول الحرب الإسرائيلية على غزة يومها الـ100، واقتراب الحرب الروسية- الأوكرانية من عامها الثالث، وتهديد التوتر العسكري في البحر الأحمر سلاسل الإمداد العالمية، يبدو شعار «إعادة بناء الثقة» الذي ينضوي تحته المنتدى هذه السنة بعيد المنال.

إلى جانب الحرب في الشرق الأوسط وأوروبا، يتوقّع أن يُخصّص قرابة 2800 مشارك من 100 دولة جزءاً كبيراً من مباحثاتهم لمواجهة شبح الركود، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في النشاط الاقتصادي، وتحدي المعلومات المضللة التي باتت تهدد سير الانتخابات في عام يتجه فيه نصف سكان العالم إلى صناديق الاقتراع.

بناء الثقة

تدافع سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي، عن اختيار القائمين على الدورة الـ54 للمنتدى شعار «إعادة بناء الثقة» الذي عدّه البعض «مفرطاً في التفاؤل»، محددة 3 عناصر تدعم تحقيقه.

وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن العنصر الأول يتمثل في فرصة الحوار التي يوفرها اجتماع دافوس السنوي لمختلف أصحاب المصلحة حول العالم، في خطوة أولى ضرورية للتمكن من إعادة بناء الثقة.

أما الجانب الثاني -وفق زاهدي- فيشمل بحث القادة عن «رؤية مشتركة». وتقول إنه في غياب هذه الرؤية: «لن نستطيع استعادة ثقة شعوبنا المختلفة، (...) واستعادة بعض الإيمان والأمل في المستقبل».

ويعتمد العنصر الثالث على تعزيز التعاون بين القادة المشاركين؛ إذ ترى زاهدي أن «الكلمات والرؤية المشتركة لن تكون كافية. لذلك قمنا بإنشاء هذا التعاون طويل الأمد بين القطاعين العام والخاص»، مشيرة إلى أن الاجتماع السنوي سيشهد عرض نتائج التعاون بين القطاعين العام والخاص في المجالات التي تم بحثها في المنتديات السابقة. وتابعت: «لكننا سنطلق كذلك مبادرات جديدة؛ لأن (...) مجموعة المشكلات التي تحدق بالعالم مستمرة في النمو».

مشاركة دولية

يتوقع أن يشارك في المنتدى هذا العام 2800 شخصية سياسية واقتصادية، بينهم أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة.

زيلينسكي مخاطباً المشاركين في «دافوس» في 23 مايو 2022 (أ.ب)

وسيكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، في طليعة المشاركين في أعمال المنتدى، إلى جانب الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير ميلي الذي أثار ذهول المجتمع الدولي باقتراحه «إصلاحات» اقتصادية تسببت في انهيار قيمة عملة بلاده، وقد تقود إلى إلغاء البنك المركزي.

إضافة إلى ذلك، يتوقع أن تحظى مشاركة الرئيس الأوكراني بمتابعة خاصة. فولوديمير زيلينسكي الذي يشارك في المنتدى حضورياً للمرة الأولى، بعدما اكتفى في السنتين الماضيتين بمشاركات عبر الفيديو، سيُلقي «خطاباً خاصاً» في وقت تخشى فيه بلاده تراجع الدعم الغربي لمجهودها الحربي في مواجهة روسيا.

مقر أوكرانيا في دافوس (إ.ب.أ)

كما سيرأس مستشاره ومدير مكتبه، أندري ييرماك، اجتماعاً لسبعين مستشاراً للأمن القومي في دافوس، الأحد، عشية انطلاق أعمال المنتدى.

ومن الولايات المتحدة، سينضم بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان إلى المشاركين، وسيتحدثان في عدد من الجلسات حول خطر اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط، وتراجع شهية الغرب لدعم كييف. كما سيشارك الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

عربياً، يقود وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وفداً واسعاً يضم الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبد العزيز، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأميركية، والدكتور ماجد القصبي، وزير التجارة، وعادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار، ومحمد الجدعان، وزير المالية، والمهندس عبد الله السواحة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وبندر الخريّف وزير الصناعة والثروة المعدنية، وفيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط.

استكمال الاستعدادات في مقر اجتماعات «نيوم» في دافوس (رويترز)

إضافة إلى ذلك، يتوقع أن يشارك رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، ونظيراه: القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والأردني بشر الخصاونة.

وعلى صعيد المؤسسات الدولية، سيحضر المنتدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

توقعات متواضعة

رغم بداياته المتواضعة، تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي من تجمع لمسؤولي شركات أوروبية إلى موعد سنوي ثابت، يجمع أهم صناع السياسة والاقتصاد في منتجع شتوي شبه معزول لمدة 5 أيام.

عناصر من الشرطة السويسرية يتجهون إلى مقر المنتدى في دافوس في 13 يناير (إ.ب.أ)

وعلى عكس اجتماعات «السبع» و«العشرين»، لا يتوقّع من المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي الخروج ببيان ختامي، أو تحقيق اختراقات في هذه الأزمة أو تلك. بل يعدّ فرصة لقادة الاقتصادات النامية والكبرى للاجتماع بقادة القطاع الخاص، وبحث توجهات الاقتصاد العالمي، بغية تعزيز التعاون الدولي لمواجهة أحدث التحديات، لذكر بعض الأهداف المعلنة للمنتدى.

لكن المحفز الأهم بالنسبة لمجتمع الأعمال وكبار المستثمرين الذين يتوافدون بالمئات للقاء قادة الدول والحكومات، هو اللقاءات الجانبية التي تنعقد بعيداً عن عدسات وآذان الصحافيين. هناك يسعى المشاركون من القطاع الخاص إلى الدفع بمصالحهم، وإبرام صفقات لتبرير سعر العضوية في المنتدى الحصري، والذي يتراوح بين 58 ألفاً و580 ألف دولار أميركي، وفق تقارير.

صورة أرشيفية لترمب وفون دير لاين في دافوس في 21 يناير 2020 (رويترز)

أما على مستوى التمثيل السياسي، فقد شهد مستوى المشاركة تراجعاً نسبياً خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ لم يلبِّ الرئيس الأميركي جو بايدن دعوة المنتدى منذ انتخابه للبيت الأبيض. وبينما كان البعض يعزي ذلك إلى جائحة «كورونا» التي فرضت إلغاء دورة المنتدى عام 2021، ثم للأزمة الاقتصادية الخانقة في الولايات المتحدة، فقد عزّز غياب بايدن عن الملتقى الدولي للعام الثالث على التوالي نظرية مقاطعته لاجتماع يصفه منتقدون بـ«ملتقى الأغنياء».

بدوره، اختار رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك التغيب عن «دافوس» للسنة الثانية، بينما تعاني بلاده من أزمة غلاء المعيشة هي الأسوأ منذ سنوات، ليكون الرئيس الفرنسي الممثل الوحيد لاقتصادات مجموعة السبع هذا العام.

جانب من مشاركة سابقة في «دافوس» للرئيس الفرنسي في يناير 2018 (أ.ف.ب)

أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد اختار المنتدى إقصاءه من لائحة المدعوِّين، بعد غزو بلاده أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. بينما تعود آخر مشاركة حضورية للرئيس الصيني شي جينبينغ إلى عام 2017، عندما فاجأ العالم بخطاب يدافع فيه عن العولمة والتعاون الدولي، في تناقض صارخ مع الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب الذي قاد سياسات حمائية إلى حد بعيد.

سلّم المخاطر

عشية انطلاق دورته الـ54، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي لائحة لأكبر المخاطر التي تواجه العالم على المدى المتوسط والبعيد. وبعد استطلاع رأي 1400 خبير عالمي في سبتمبر (أيلول) 2023، وجد التقرير الذي صدر قبل أيام أن يكون التضليل الإعلامي أحد أكبر المخاطر التي تهدد البشرية في العامين المقبلَين.

مؤتمر صحافي لمنظمي المنتدى الاقتصادي العالمي في كولوني قرب جنيف في 9 يناير (إ.ب.أ)

وجاء في التقرير أن «الاستخدام الواسع النطاق للمعلومات الخاطئة والمضللة وأدوات نشرها، يمكن أن يقوّض شرعية الحكومات المنتخبة حديثاً». وأضاف: «يمكن أن تتراوح الاضطرابات الناجمة عن ذلك بين التظاهرات العنيفة وجرائم الكراهية، والاشتباكات المدنية والإرهاب». وذكَّر التقرير بأن اقتصادات كبيرة شهدت أو ستشهد انتخابات على مدى عامين، منها: بنغلاديش، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، وباكستان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.

وعن سبل مواجهة هذا الخطر الجديد نسبياً، طرحت زاهدي استراتيجية من 3 عناصر؛ تشمل: تثقيف المواطن، وتقنين المحتوى الذي يولّده الذكاء الاصطناعي من طرف الحكومة، ودور القطاع الخاص، وخصوصاً وسائل الإعلام.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن هناك دوراً للجميع في مواجهة هذا التحدي (...) أعتقد أنه يتعين علينا ضمان تعليم المواطنين، والتوعية الذاتية (...) ودور الحكومات في ضمان حصول سكانها على معلومات كافية حول كيفية اكتشاف المعلومات الخاطئة والمضللة».

العنصر الثاني -وفق زاهدي- يتمثل في اعتماد الحكومات «أنظمة العلامات المائية التي يمكن أن تميِّز بشكل واضح بين المحتوى الذي تم إنشاؤه بشكل مصطنع، وما هو غير ذلك». وتابعت بأن تمييز المحتوى «الاصطناعي» بهذه العلامة سيشجِّع التزام اللاعبين المسؤولين في مجال المحتوى الاصطناعي.

أما الجانب الثالث من استراتيجية مواجهة المعلومات الكاذبة والمضللة -وفق زاهدي- فيتعلق بدور وسائل الإعلام على نطاق واسع. توضح: «أعتقد أن (هناك دوراً) بالتأكيد لوسائل التواصل الاجتماعي والقواعد واللوائح التي تضعها على منصاتها. ولكن الأمر يتعلق أيضاً بوسائل الإعلام التقليدية. إنها لحظة مهمة لوسائل الإعلام التقليدية لتصبح مصدراً للمعلومات المدروسة جيداً والموثقة جيداً والمحللة جيداً، (لتكون بديلاً) لبعض ما يمكنك رؤيته عندما يتم استخدام المحتوى الاصطناعي بشكل سيئ».

موظفون انتخابيون يستعدون لفرز الأصوات في قرية قرب دكا ببنغلاديش، في 7 يناير (أ.ب)

ووجد التقرير أن ترتيب أبرز 5 مخاطر يختلف باختلاف الدول. فعلى سبيل المثال، لا يرد خطر المعلومات المضللة في أبرز 5 مخاطر في الولايات المتحدة؛ لكنه يحتل المرتبة الأولى بالنسبة للهند.

وإلى جانب المعلومات الخاطئة المولدة بالذكاء الاصطناعي، حذر التقرير من خطر «الاستقطاب المجتمعي»، و«المخاوف بشأن أزمة معيشة مستمرة»، والنزاعات المسلحة بين الدول، كأبرز المخاوف في العامين المقبلين على المستوى العالمي.

أما على مدى العقد المقبل، فستصبح الظروف الجوية القاسية والتغيرات الحاسمة في النظم البيئية للأرض أكبر مصدر للقلق.


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.