سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

قالوا إنه كيسنجر العرب.. وفقيه الدبلوماسية والحكيم والمنقذ

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه
TT

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

سعود الفيصل.. بعيون نظرائه

لحظة.. لم تكن في الحسبان.. أن يترجل الفارس عن حصانه. لم يتوقعها أحد.. حتى زملاؤه الذين عاصروه على مدى 40 عاما على رأس الدبلوماسية السعودية.. فالرجل الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب على جدران الدبلوماسية العالمية، يصعب تخيل تخليه عن منصبه. رحلته مع الدبلوماسية امتدت منذ أيام الحرب الباردة بين القطبين العالميين، وحتى قيام أول تحالف عربي في العصر الحديث لإعادة الشرعية واستعادة هيبة الدولة في اليمن. ظل الأمير سعود الفيصل.. الرهان الأول. راهن عليه الملوك الراحلون خالد.. وفهد.. وعبد الله، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث بقي الفيصل خيارا أساسيا في تشكيلات الحكومات السعودية على مدى 4 عقود. وعلى الرغم من أوجاعه التي دهمته في سنينه الأخيرة، ظل خيارا أوحد، حتى استجاب الملك سلمان لرغبته الملحّة بإعفائه من منصبه وزيرا للخارجية، لكنه عينه في الوقت نفسه وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء ومستشارا خاصا ومبعوثا له.. والمشرف على الشؤون الخارجية للبلاد.
مدحه نظراؤه في كل أنحاء العالم، ووصفوه بكيسنجر العرب والمنقذ والحكيم. كما وصفه وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بفقيه السياسة والدبلوماسية، وأنه سيبقى في ذاكرتهم معلما تاريخيا بارزا. وقالوا في بيان أصدروه بعد إعلان ترجله عن منصبه، إنه سيظل محل تقديرهم واعتزازهم البالغين.. وثمنوا الجهود المخلصة والمتفانية التي بذلها طوال العقود الأربعة الماضية، لنصرة القضايا الخليجية والعربية، والدفاع عن حقوق الأمة العربية والإسلامية في المحافل الإقليمية والدولية، حيث كان صوته حاسمًا ومؤثرًا في إظهار الحقائق وإبرازها أمام المسؤولين والرأي العام العالمي في مختلف المواقف والقضايا.
وقال وزير الخارجية الأميركي عنه {إنه عاصر 12 وزير خارجية في الولايات المتحدة وكان محل إعجابهم جميعا}.. وقال إنه سيظل يتعلم منه ويستمع إلى نصائحه. وفي السابق قال عنه ميخائيل غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي: «لو كان لدي رجل كسعود الفيصل، ما تفكك الاتحاد السوفياتي».

ظل الفيصل ربانا ماهرا لخارجية بلاده بعد أن تسلم السفينة من والده الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز في 25 مارس (آذار) عام 1975. تمسك الأمير سعود بمقود السفينة جيدا وقادها في أمواج أزمات المنطقة والعالم دون أن يتخذ يوما خطوة رعناء لا تعبر عن حلم وإدراك.
شكل الفيصل طيلة أربعة عقود بنية صلبة للسياسة السعودية، لم تخترقها أزمات المنطقة، ولم تثقبها المشاغبات الإقليمية، ظلت البلاد مرتهنة لمبادئها، وساندت قضايا العرب والمسلمين وفي طليعتها قضية فلسطين ورفضت الاعتراف بإسرائيل، وفتحت علاقاتها مع دول العالم تحت بند الاحترام المتبادل والاستقلال السياسي، ولم تلعب الرياض يوما على وتر العواطف واستمر خطابها عقلانيا تجاه الأحداث.
ولعل من أهم الاختبارات التي خاضها الفيصل ونجح فيها، هي حرب الخليج أو ما سمي بعاصفة الصحراء في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، وما تطلبه الموقف من حشد 34 دولة تحت مظلة الأمم المتحدة لتحرير الأراضي الكويتية بعد الغزو العراقي، إضافة لمواجهة السفارات السعودية حول العالم وخصوصا في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية لأزمة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 التي شهدت تفجير مبنيي التجارة العالمي في نيويورك من قبل متطرفين بينهم سعوديون، وما صاحب تلك الهجمات من تداعيات.

* الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة
وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أكد أن الأمير سعود الفيصل أدى دورا دبلوماسيا عظيما وحكيما وناجحا خلال الفترة التي مرت بها مملكة البحرين في عام 2011، وقال «كان يعتبر في هذه الفترة بمثابة وزير خارجية مملكة البحرين بالإضافة إلى عمله». وأشار الشيخ خالد إلى مواقف قال إنه لن ينساها له شعب البحرين «ويقدرها بعظيم الإجلال. وأضاف: «دبلوماسيته، تعد مدرسة نتعلم منها جميعا، ورسخت مكانة المملكة العربية السعودية، والتي يمكن وصفها بالثابت وما حولها هو المتغير».
«يقول الحقيقة عن البحرين بأفضل وأبدع صورة يمكن شرحها، ويبين للقاصي والداني في الحلفاء والأصدقاء وكذلك لمن كان لديهم رأي آخر». «كان مستعدا على الدوام لإظهار الحقائق وما يجري على الأرض في البحرين بحكم تواصله معنا هاتفيا حتى في الليل وفي ساعات الفجر للاطلاع على كل الأمور.. كما زار المملكة في تلك الفترة عدة مرات، ووضع كل جهده لإيضاح الصورة الحقيقية.. في موقف لن ينساه شعب البحرين لهذا الرجل الكبير».
ويقول الوزير البحريني «عملت مع الأمير سعود الفيصل منذ نحو 10 سنوات، وقبل ذلك بحكم عملي في السلك الدبلوماسي، وكنا نلتقي بين الحين والآخر في مختلف المجالات، وتعلمت منه الكثير، حيث رأيته في أصعب المواقف وتعلمنا منه كيفية التعامل معها».
وأضاف: «بعض هذه المواقف تحدث في بعض الاجتماعات العربية والتي تشهد أحيانا صعوبة في النقاش حول بعض الأمور والتي كانت تهدد بإنهاء الاجتماع، غير أن الفيصل يطرح في لحظة حرجة طرحا لا يحمل أي ذرة تنازل أو تراجع، لكنه يحظى في نفس الوقت بالقبول من الجانب الآخر، وهو حقيقة مدرسة تعلمنا منها ولا زلنا نستذكرها سواء في اجتماعات الجامعة العربية أو بعض اللقاءات مع الدول الكبرى وفي مواقف دقيقة تتعلق بأمن المنطقة».

* الشيخ عبد الله بن زايد
يقول وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، إن الفيصل طراز نادر من الوزراء، وهو من تلك الشخصيات التي صفّحت كتب التاريخ الإسلامي والعربي، والتي لا يملك المرء إلا أن يتوقف عند دهائها، وشاعريتها، ولطافة قولها وحزْم فِعْلها.
ويضيف: «عندما قرأتُ خبر تنحيه عن منصبه كوزير للخارجية، قلتُ لزملائي الذين كنتُ جالسًا معهم إن مَن وصف الأمير سعود الفيصل بأنه كيسنجر السياسة العربية قد ظلمه، فهو سعود السياسة العربية، وسعود السياسة الدولية».
يقول ميخائيل غورباتشوف عنه: «لو كان لدي رجل كسعود الفيصل، ما تفكك الاتحاد السوفياتي»، فمن يعرف الأمير سعود يُدرك ذكاءه الفائق، ودهاءه الذي يجعل الجالسين حول الطاولة يريدونه أن يقول المزيد، إلا أنه كان يكتفي بالكلام المفيد والمباشر، وكان دائمًا ينظر للأمور بمنظار مختلف، حيث يستطيع أن يربط الأحداث بتحليل مدهش، ويتخذ قرارات قد تبدو لمن معه أن نتائجها مستحيلة، لكن الأيام سرعان ما تثبت عكس ذلك.
يقول الشيخ عبد الله: «سألني أحد الأصدقاء أن أصف الأمير سعود الفيصل في كلمة واحدة، فقلتُ له (الهِمّة). فلم أرَ وزير خارجية قط بهمّته العالية، وكان النشاط والعمل الدؤوب من أهم صفاته وأجملها». ويضيف: «لا أدري كيف ستبدو طاولة اجتماعات وزراء الخارجية العرب بعد اليوم، ورغم أن الأمير سعود قد وضع ركائز العمل الدبلوماسي العربي، فإنني متأكد من أن طاولتنا ستظل ناقصة دائمًا، أما قلوبنا فستظل عامرة بحب هذا الرجل النبيل، الذي أدعو الله له بعمر مديد، وصحة وافرة، وحياة سعيدة».

* كيري
في الولايات المتحدة، ثمن وزير الخارجية الأميركي جون كيري مجهودات الفيصل، مؤكدا على أن علاقات الصداقة التي تربطهما، ستستمر من أجل الحصول على نصائحه.
وقال كيري إن «الدوائر السياسية ستفتقد الأمير سعود الفيصل كثيرًا». وسلط كيري الضوء على مجهودات الأمير سعود على مدى أربعة عقود من الدبلوماسية الدولية، قائلا: «ساعد وزير الخارجية سعود الفيصل في توجيه المملكة السعودية في عالم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأقدر صداقته والساعات الكثيرة التي كنا نقضيها في مناقشة التحديات التي تواجه دولنا، وسأواصل الحصول على نصائحه». وأضاف كيري: «لم يكن الأمير الفيصل أقدم وزير خارجية في العالم فقط، بل أكثر وزراء الخارجية حكمة، وقد عمل مع 12 من وزراء الخارجية الأميركيين السابقين، وكان محل إعجاب الجميع».

* هيرفيه دو شاريت.. من المعجبين
وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هيرفيه دو شاريت من المعجبين بالأمير سعود الفيصل وبالعمل الذي قام به طيلة أربعين عاما على رأس الدبلوماسية السعودية. يقول وفي حديث بالهاتف لـ«الشرق الأوسط» بسبب وجوده خارج فرنسا، إن لديه «كثيرا من الذكريات» عن الأمير سعود الفيصل الذي «طبع الدبلوماسية السعودية بطابعه خلال سنوات طويلة يحسده عليها كثير من وزراء الخارجية» الذين لا يمضون عادة عُشر ما أمضاه الفيصل وزيرا للخارجية. ويضيف هيرفيه دو شاريت أن السعودية التي خدمها الفيصل وزيرا للخارجية «لعبت دورها كاملا كقطب للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط».
ويستذكر دو شاريت المرحلة التي قامت خلالها إسرائيل بعملية «عناقيد الغضب» عام 1996 ضد لبنان والتي لعب فيها الوزير الفرنسي دورا هاما للتوصل إلى اتفاق لوقف النار. وبهذه المناسبة التقى دو شاريت الأمير سعود الفيصل عدة مرات ما بين الرياض والقاهرة. وعن هذه الفترة يقول إن وزير الخارجية السعودي السابق كان «شريكا صلبا وثابتا ومن غير أن يتخلى أبدا عن الكياسة واللطف في التعاطي مع الآخرين». لا يكتفي الوزير دو شاريت بالنظر إلى الماضي، بل يريد التركيز على الحاضر والمستقبل، إنْ لجهة العلاقات التي يريدها لبلاده مع المملكة السعودية استمرارا لما كان قد بناه نظيره، أو للمشاريع المستقبلية التي يسعى البلدان إلى إرسائها وتطويرها. فضلا عن ذلك يرى دو شاريت أن مروحة المسائل التي تستطيع باريس والرياض التعاون بشأنها واسعة، فمن توفير الأمن للخليج إلى إعادة الاستقرار إلى العراق والتعاون بشأن الملف السوري، يعتبر دو شاريت أن العاصمتين المذكورتين «تستطيعان القيام بالكثير»، خصوصا أن بينهما «علاقات استراتيجية قابلة للتطوير وإعطائها مضمونا أكبر وأوسع». ولا ينسى دو شاريت التعاون السعودي الفرنسي بشأن لبنان الذي قال عنه إن البلدين «شديدا التمسك به» ويريدان له أن تعود مؤسساته إلى العمل بشكل طبيعي. كما شدد على «أهمية عودة مصر لتقوم بدورها كاملا في الشرق الأوسط» وملء الفراغ السياسي والدبلوماسي الذي نتج عن خروجها من الصورة في السنوات الأخيرة. كذلك نوه الوزير الفرنسي الأسبق بـ«إمكانيات التعاون» بين بلاده والسعودية في موضوع اليمن إعادته إلى أحضان الأمن والاستقرار.

* عمرو موسى
يقول الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير سعود الفيصل شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى، شهدت له الساحة العربية والدولية بكثير من المواقف التي خدمت المنطقة العربية، مؤكدا أن بصماته وفكره أصبحا ملكا للشباب السعودي داخل وخارج الديوان السياسي للمملكة.
وأضاف موسى أن الفيصل من أفضل الرجال المشهود لهم في الحياة الدبلوماسية، مشيرا إلى أن وجوده على الساحة السياسية العربية كان مطمئنا وبمثابة صوت العقل والرصانة، بالإضافة إلى صفاته الشخصية الأخرى، وسوف نفتقده جميعا سواء الذين في السلطة أو الحياة العامة.
وتابع السياسي المصري البارز أن «هذا الرجل الفاضل لو كان مثله من العرب ألف، قطعا سنكون في وضع أفضل.. أتمنى له الصحة وأن يكون على الدوام متاحا بخبرته وآرائه وباتصالاته لتحقيق المصالح العربية».
ووصف موسى مدرسة الفيصل الدبلوماسية بأنها «مدرسة التعقل البالغ والآراء الرصينة القوية»، وتابع: «كان قويا حين يحتاج الأمر إلى موقف قوي وكان إنسانا حين يحتاج الأمر لمواقف إنسانية، وكان دبلوماسيا إذا احتاج الأمر لمواقف دبلوماسية وكان خبيرا إذا احتاج الأمر لخبرته».
وحول مواقفه الدبلوماسية قال: «للأمير الكثير من المواقف الشجاعة ما لا يعد ولا يحصى، فقد كانت له مواقف قوية جدا في قضية فلسطين والقدس والوحدة العربية والمصلحة العربية المشتركة».

* فايز الطراونة
رئيس الديوان الملكي الأردني فايز الطراونة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير الفيصل «أحد عمالقة الدبلوماسية في العالم، ليس لأنه صاحب خبرة طويلة كوزير للخارجية بل لفاعليته في العمل السياسي والدبلوماسي لما يتمتع به من جاذبية في شخصيته وحسن مجلسه».
وأضاف: «عندما تتطلب بعض القضايا الحزم نجده حازما في موقفه، وهذا مهم في وزير الخارجية لإثبات الحضور، حيث كان له حضور مميز نال إعجاب وزراء الخارجية في العالم وكل من قابله على مدى أربعين عاما».
وأشار الطراونة إلى تعامله مع الأمير الفيصل بصفته وزيرا للخارجية الأردنية وكرئيس للوزراء وكرئيس للديوان الملكي. وقال: «عندما نلتقي ونجتمع لبحث أية قضية تجده شفافا واضحا يلتزم بما يقول، إضافة لصفة خفة الدم التي تلازمه وانعكست على حضوره».
واستطرد: «أتذكر أنني كنت في لجنة صياغة البيان الختامي لاجتماعات وزراء الدول المشاركة في مؤتمر الدول الإسلامية في طهران عام 1997، وكنت أحاول وضع فقرة في توصيات البيان الختامي تنص على تثمين وتقديم الشكر للملك الراحل الحسين بن طلال على قيامه بصيانة وتجهيز وطلاء قبة مسجد الصخرة في مدينة القدس حيث كان هناك رفض من وفد منظمة التحرير الفلسطينية، فتدخل الأمير الفيصل بقوة وأقر التوصية وطرحها على القمة رغم أن هذا من صلاحيات رئيس القمة في ذلك الوقت وهو وزير الخارجية الإيراني بصفته رئيسا للمؤتمر».
وتابع هناك مواقف كثيرة للأمير خاصة في القضية الفلسطينية فهو من أكبر المدافعين عن الحقوق الفلسطينية وهو يؤمن بعملية السلام المستندة للشرعية الدولية على أساس إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وذكر أن «الأمير حضر اجتماعات اللجنة التوجيهية لمفاوضات السلام وتصدى للوفد الإسرائيلي لدى مناقشة إقامة الدولة الفلسطينية وهذا الموقف عبرت عنه السعودية بعد عقد من الزمان عندما طرحت مبادرة السلام العربية في قمة بيروت».

* ناصر جودة
نائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية ناصر جودة يقول لـ«الشرق الأوسط»، ان الأمير الفيصل «مخزون استراتيجي للأمة العربية والعالم بحنكته وحكمته وثقافته الواسعة وحضوره المميز ومهاراته الدبلوماسية والسياسية». وقال جودة: «نحن بأمس الحاجة للأمير الفيصل الآن وفي المستقبل في موقعه الجديد. لهذه الحكمة التي يتمتع بها في التواصل معنا والاستفادة من خبراته الهائلة خاصة ونحن نواجه التحديات الجسيمة التي تشهدها منطقتنا والعالم».
وأضاف: «على مدى أربعين عاما كان الفيصل يمثل كل الصفات العربية الحميدة وكان أسلوبه حضاريا جدا في التعامل مع قادة الدول ووزراء خارجيتها، يعالج كثيرا من القضايا السياسية المعقدة بأسلوب سلس ودبلوماسية هادئة تنم عن خبرة طويلة وحكمة وعن معرفة ودراية».
ولفت جودة إلى أن حضور الفيصل كان مميزا في المحافل الدولية وكلماته كانت دائما منتقاة ودقيقة وهو معروف لدى كل الذين عملوا معه كزميل وأخ كبير وعميد لوزراء الخارجية العرب، مشيرا إلى أنه «يتبع المثل العربي القائل (خير الكلام ما قل ودل)، إذ إن كلماته منتقاة بحكمة، وكان لا يتجاهل صلب الموضوع بل يعالجه مباشرة بطريقته المعروفة».
وقال: «بالنسبة لي كوزير خارجية الأردن اجتمعت مع الفيصل مرات كثيرة لا تحصى مما يجعلني أنظر بكل فخر واعتزاز لهذه العلاقة التي تربطني به شخصيا بعيدا عن أنها تربط مملكتين شقيقتين».
وأضاف: «عندما تشرفت بهذا المنصب قد أكون رقم عشرين من وزراء الخارجية الأردنيين الذين التقوا الأمير خلال فترة الأربعين عاما لكنه دائما يشعرك أنك زميل قديم له ويحرص على التواصل والتشاور».
ونوه جودة إلى أن «لدى الأمير قائمة بأسماء وزراء عرب يجري اتصالات معهم لمتابعة قضايا سياسية محددة ويحرص على التشاور معنا في كل صغيرة وكبيرة في كل القضايا التي تهم مصلحة بلدينا».

* طاهر المصري
من جانبه، يقول طاهر المصري، وزير الخارجية الأردني في عقد الثمانينات رئيس وزراء أسبق ورئيس مجلس أعيان في الأردن، لـ«الشرق الأوسط»: «لي مع الأمير الفيصل ذكريات عميقة وحميمة». وأضاف: «الفيصل رجل السهل الممتنع حيث كان صارما وواضحا في مواقفه أو قراراته لكنه في الوقت نفسه رجل في منتهى اللطف والعفة والذكاء الدبلوماسي».
وقال المصري: «أذكر أنني تزاملت مع الفيصل 6 سنوات في العمل الدبلوماسي في وقت الحرب العراقية الإيرانية، حيث كنت والفيصل والشيخ صباح السالم وزير الخارجية الكويتي نعمل سوية ضمن إطار اللجنة السباعية التابعة لجامعة الدول العربية وشكلنا نحن الثلاثة محور التحركات الدبلوماسية في الأمم المتحدة من أجل الوصول لقرارات تصدر عن مجلس الأمن الدولي قبل أن تعلن إيران قبول وقف القتال».
ووصف المصري الفيصل بأنه «رجل متمكن من عمله وكان محبا للأردن وله بصمات واضحة على الدبلوماسية العربية وأثر كبير جدا كونه كان والده الملك فيصل بن عبد العزيز وزيرا للخارجية السعودية فهو عاش في بيت سياسي مثقف بشكل واضح انعكس على عطائه للدبلوماسية العربية والسعودية».

* عبد الإله الخطيب
وزير الخارجية الأردني الأسبق عبد الإله الخطيب، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الفيصل مدرسة دبلوماسية بحد ذاتها وصاحب خبرة طويلة في السياسة يستفيد منها الآخرون»، مضيفا أنه «بطبيعته وشخصيته القريبة إلى كل من زامله وعمل معه يكتشف أنه عميق التفكير ورزين جدا ومحاور جيد».
وأشار إلى أن «الفيصل كان يعبر دائما عن إعجابه وتقديره لدور الأردن في التعامل مع القضايا العربية المشتركة ويبدي حرصه الدائم على تمتين العلاقات السعودية بين البلدين».
ووصف الخطيب الفيصل بأنه «واسع الثقافة ملم بالتطورات الدولية وهو ينتمي إلى المدرسة الدبلوماسية الواقعية، وبعيد النظر والانفتاح وشخص نبيل».
وتابع: «لقد عملت مع الأمير الفيصل في أكثر من ملف سواء القضية الفلسطينية والقضية العراقية وحرب 2006 على لبنان، وكانت للأمير مساهمات واضحة في تطوير الموقف الدولي إزاء هذه القضايا».

* صائب عريقات
يقول صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل كان يبعث الاطمئنان لديه ولدى بقية القيادة الفلسطينية عندما كان يكون حاضرا في أي اجتماع يخص القضية الفلسطينية إذ كانوا يعتبرونه بحق صوت فلسطين العالي.
وأضاف عريقات وهو الوجه الدبلوماسي الأبرز لدى الفلسطينيين: «أنا تشرفت بالتعامل مع الأمير سعود الفيصل على مدار عقود طويلة. لقد التقيته في أكثر من مرة في مكتبه في جدة والرياض وفي كل المؤتمرات، في القمم العربية واجتماعات وزراء الخارجية العرب ومبادرة السلام وعدم الانحياز والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفي كل قضية للعرب وفي كل مرة كانت فيها فلسطين قضية العرب الأولى حاضرة كان سعود الفيصل في المقدمة حاضرا.
إنه قيمة دبلوماسية للعرب والقامة الدبلوماسية لنا جميعا. عندما كنت أشاهد سعود الفيصل كنت اعرف أن صوت فلسطين سيكون عاليا. أقول بصدق لقد كان صوت فلسطين العالي. وهذا ليس نهجا شخصيا لسعود الفيصل هذا نهج المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وهذه هي الحقيقة لا أستطيع أن أقول شكرا لسعود الفيصل، لقد كان ينطلق من أن لديه واجبا تجاه فلسطين والقدس لقد كانت فلسطين قضيته الأولى. أدرك أنه سوف يستمر ببذل كل جهد ممكن من أجل إعادة فلسطين بعاصمتها القدس إلى خريطة الجغرافيا.
أتذكر مواقفه من المفاوضات وعملية السلام ومن الانقسام. لقد رأيت الألم في قلب وعيون الفيصل عندما حصل الانقسام.
كان المحرك الأول وراء اجتماع مكة وكم تحدث لنا وفي القمم العربية واجتماعات وزراء الخارجية العرب عن ضرورة إنهاء هذا الملف وتوحيد الصف الفلسطيني. لقد كانت تسكنه القضية في كل جوانب حياته.
«ببساطة شديدة أقول إنه على مدى 40 عاما ودائما كان وسيكون صوت فلسطين وصوت القدس وصوت الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، حيث كانت فلسطين قضيته الأولى». وأضاف: «هذه القيمة الدبلوماسية هي قيمة للعرب وقامة دبلوماسيه لهم. أذكر دائما كيف كان مهتما بعملية السلام وبالمحادثات، كان يقول لي نحن نقف معكم في كل ما تريدونه».
ويقول عريقات: «كانت القدس الخط الأحمر بالنسبة له، كان يطلب مني أن آتي إليه حتى أطلعه على الخرائط والتفاصيل وكان على اتصالات دائمة ومهتم ومتابع لكل صغيرة وكبيرة وقد جند نفسه للتواصل مع الإدارة الأميركية ومع جميع دول العالم من أجلنا.. كانت الدبلوماسية السعودية حاضرة في كل قضية لفلسطين. كان يتابع ليل نهار كل تفاصيل المفاوضات.. وصيته لي كانت دائما القدس، وطالما قال لي لا معنى لفلسطين دون القدس».

* نشاط الفيصل وانضباطه أذهلا الإعلاميين
«الحديث عن الأمير سعود الفيصل معجز»، هكذا وصف الدكتور هاشم عبده هاشم، رئيس تحرير جريدة «عكاظ» السابق، الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السابق، معتبرا إياه موسوعة سياسية تدرس في أرقى الجامعات، في خصائصه التي تجمع بين رؤيته بعيدة المدى ونظرته للأحداث والتطورات وقراءته للمستقبل وتحليله للمواقف، وبين امتلاكه أدوات التعبير والتزامه بأدب الحوار مع الخصوم.
وأكد هاشم أنه لاحظ تلك الصفات في شخصية الأمير الفيصل على مدى أكثر من 35 عاما قضاها في رئاسة التحرير، من خلال مرافقته للوفود في زيارات الملكين الراحلين، الملك فهد بن عبد العزيز والملك عبد الله بن عبد العزيز.. وفي آخر لقاء مع الفيصل كان في زيارة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى تركيا عندما كان وليًا للعهد حين أحاط الوفد بكل جديد حول أهمية تلك الزيارة والأحداث التي تعيشها المنطقة في تلك الفترة.
وكشف أن «الفيصل كان يشكل باستمرار هاجسا عند رؤساء التحرير أثناء الرحلات الملكية، لأنه يطالب بحضورهم في تمام الساعة السابعة صباحا حين يطلبون منه اللقاء للوقوف على آخر الأخبار والمعلومات والتحليلات، رغم أنهم يعلمون أن لقاءاته في مساء الليلة السابقة مع نظرائه من وزراء خارجية الدول الأخرى قد امتدت إلى الثالثة أو الرابعة صباحا». وأضاف «ذلك هو الفيصل.. الفكر والانضباط والقدرة على قراءة المجهول والقوة في التعبير عن آرائه».
من جهته، قال الدكتور جاسم الياقوت، مدير الإعلام الخارجي في وزارة الثقافة والإعلام سابقا، إن «الفيصل شديد الاحترام في مواعيده سواء في الداخل أو الخارج، يجيب بإتقان وبتمكن نادر عن أسئلة الصحافة، بشفافية ووضوح بأي لغة يسألون بها، ويجيد سبع لغات، وهو ما أثار إعجاب وذهول الصحافيين الأجانب». وأوضح أن فريق مكتبه الخاص أكد له أكثر من مرة أنهم يقضون ساعات السفر الطويلة مع الأمير في الطائرة دون انقطاع عن العمل، ويفتحون الملفات السياسية معه، ويدرسون القضايا المختلفة، ويراقبون مستجدات الأحداث، وهو ما يعكس حرصه على الإحاطة بكل شيء يخص عمله.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.