ريتا حايك لـ«الشرق الأوسط»: في «البرابرة» أُثبتُ مَن أكون

المشاركة بالسينما الفرنسية حلمٌ تحقَّق... والطموح يتّسع

أرادت محو الأحكام المسبقة عندما يتعلّق الأمر بامرأة وافدة من الشرق الأوسط (صور ريتا حايك)
أرادت محو الأحكام المسبقة عندما يتعلّق الأمر بامرأة وافدة من الشرق الأوسط (صور ريتا حايك)
TT

ريتا حايك لـ«الشرق الأوسط»: في «البرابرة» أُثبتُ مَن أكون

أرادت محو الأحكام المسبقة عندما يتعلّق الأمر بامرأة وافدة من الشرق الأوسط (صور ريتا حايك)
أرادت محو الأحكام المسبقة عندما يتعلّق الأمر بامرأة وافدة من الشرق الأوسط (صور ريتا حايك)

حضر رجلٌ أحد العروض القليلة لمسرحية «فينوس» الشهيرة من بطولة ريتا حايك في باريس. لفته الأداء وأثمر تعارُفهما تحوّله وكيلَ أعمال الممثلة اللبنانية في فرنسا والخرائط المجاورة. ولمّا بلغه أنّ الفرنسية جولي دلبي تبحث عن ممثلة، اقترح أن تُجرِّب. لقاؤهما الأول عبر «زووم» تجاوز اختبار المهارة. فتلقّي ريتا حايك أسئلة شخصية بيَّن تعمُّد المخرجة وكاتبة السيناريو اكتشافَ جانبها الإنساني. «لم تُرد مجرّد ممثلة. بحثتْ في أفكاري وشخصيتي ونظرتي إلى الإنسان»، تقول مَن قدَّمت دور «ألمى» المؤثّر في فيلم «البرابرة» المعروض أخيراً في مهرجان «تورنتو السينمائي الدولي».

لم تُرد جولي دلبي مجرّد ممثلة بل بحثت في النظرة إلى الإنسان (صور ريتا حايك)

في قرية فرنسية صغيرة، تدور الأحداث. إنها حكاية سكان همُّوا لاستقبال حافلة ظنّوا أنها تقلّ لاجئين أوكرانيين ليتبيَّن أنهم سوريون. هنا تتبدَّل الملامح وتُستبدل النظرة إلى الإنسان بأخرى. يمرّ الفيلم على مشهدية صعود اليمين المتطرّف في فرنسا وازدواجية المعايير المتعلّقة بإشكالية اللجوء. فيه تؤدّي ريتا حايك شخصية طبيبة توليد سورية بُترت قدمها جرّاء تمادي العنف، فالتحقت هي وعائلتها بالملاذ الفرنسي لعلّه يُنقِذ.

غابت لمدّة عن منزلها، وهي أمٌّ لطفل ودَّع عامه الدراسي في يوم التصوير الأول، فكثَّفت حميمية المناسبة حزن الانسلاخ. تذكُر: «لم أحضر حفل نهاية السنة، لكنّ ما غادرتُ لأجله يستحق. أخبرتُ ابني أنّ ريتا في سنّه كانت تحلم، والآن تُحقّق أحلامها. بإمكانكَ فعل الشيء نفسه إنْ حلمتَ واجتهدت. هذا تعاملي الأول مع ممثلين فرنسيين لا يعرفون مَن أكون. جزءٌ مني أراد أن يُثبت لهم نفسي. أردتُ محو الأحكام المسبقة عندما يتعلّق الأمر بامرأة وافدة من الشرق الأوسط. شعرتُ بالفخر وأنا أتحدّث بأربع لغات: مع الفرنسيين بالفرنسية، ومع الإسبان بالإسبانية، ومع المخرجة بخليط إنجليزي - فرنسي، وباللهجة السورية. أريتهم إلمامي بالتاريخ والثقافة. كأنني أقول: هذا هو اللبناني وهذا ما نستطيع فعله».

أدَّت دور «ألمى» المؤثّر في فيلم «البرابرة» (صور ريتا حايك)

تصف الفيلم بالإنساني لمَنحه أسماءً ووجوهاً وحكايات لبشر مُطارَدين بالنمطية والانطباع الجاهز. تؤكد أنه يُضحك على مواقف ويستدعي أيضاً الدمع: «تشاء جولي دلبي عبر أعمالها خوض ثورتها. فنّها رسائل. وهذا تحوَّل كذلك جزءاً من رحلتي. أريد بفنّي أن أقول شيئاً. الفرص الخالية من فعل القول، لن تجد طريقها إليّ. أترقّب الدور المُحمَّل بفكرة مؤثّرة. الدور الناطق. خارجه لستُ أكترث».

تطلّبت شخصيتها الاستعانة برِجل اصطناعية. أخبرها المتخصِّص في تركيب هذه القِطع أنها المرّة الأولى التي يضعها على بشريّ لم يفقد ساقه. لبَّس قدمها بمادة «الجفصين» وأجرى اللازم لتبدو مبتورة: «حين صوّرني بعد الانتهاء من مَهمّته، صُدِمت. آلمني المشهد. يقتضي كوني ممثلة التمرين على الحالة الجديدة. عليَّ اعتياد السير بها والتعامل معها بوصفها بعضاً من جسدي. بعد انتهاء التصوير، رحتُ أشعر بأوجاع استجدَّت. ثم تبيَّن أنّ تلك الرِّجل خلَّفت رواسب. كل ذلك يستحقّ العناء. أحياناً نشقى لكي نسعد».

بعد عرضه الأول في «تورنتو»، تهامس حاضرون في كونها مبتورة القدم بالفعل، أم أنّ ألم البتر وتداعياته ألمَّ فقط بالشخصية: «شعرتُ بنظراتهم، كأنهم يقولون: لا، هذا تمثيل! لمحتُ التأثّر في العيون».

صُدِمت حين صوّرها المتخصِّص بعد الانتهاء من تركيب الرِّجل الاصطناعية (صور ريتا حايك)

كان بلوغ السينما الأوروبية حلماً وقد تحقَّق. وريتا حايك من الصنف الذي يوسِّع الأحلام ويُطلقها إلى البعيد: «طموحي السينما الإسبانية وربما الإيطالية أيضاً. وستظلّ السينما الفرنسية مرادي. انطلاقي من لبنان نحو هذه الآفاق الشاسعة، يُشعل وجودي. أعمال بهذا الحجم تُهوِّن الصعب وتُخفّف قسوة غياب الأم عن طفل ينتظرها».

بدأ عرض «البرابرة» في الصالات الفرنسية، وتأمل فنانته بعرضه في لبنان متى تهدأ ناره. ترى أنّ إشكاليته مطروحة، وتهمّ المُشاهد المحلّي لانخراطه في جدلية اللاجئين ونقاش العنصرية. ماذا تعني لها جولي دلبي؟ تراها ملهمة وفيها سحر يميّزها: «هي جزء من تاريخ السينما الفرنسية، وكاتبة مرشّحة لـ(أوسكار أفضل سيناريو). وجودي في القرية الفرنسية حيث تجري الأحداث، أمام كاميرتها، ممتع. بعض التجارب لا يتكرّر، وهذا الفيلم منها».

هل لا تزال الفرص المحلّية مُغرية؟ لذّة الشخصية في مسلسل لبناني، أو مشترك، أو معرَّب، هل غادرتها؟ جوابها: «على الإطلاق». ما يهمّ ريتا حايك هو الفرصة المُحمَّلة بما يؤثّر ويُغيِّر: «أريد كلَّ مختلف وفريد، والأهم أن يُقنعني فأؤدّيه بأقصى الشغف».


مقالات ذات صلة

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

يوميات الشرق «يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق فيلم «صقر وكناريا» حظي باهتمام كبير بعد إطلاق البرومو الترويجي له (الشركة المنتجة)

انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية خلال موسم الصيف السينمائي بمصر

يشهد موسم الصيف السينمائي بمصر، انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية، وذلك بعد إعلان طرح أفلام جديدة يطغى على أحداثها اللون الكوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعد «المحطة» أول فيلم يمني يعرض في مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

سارة إسحاق: «المحطة» ينتصر لمثابرة المرأة في زمن الحرب

قالت المخرجة اليمنية سارة إسحاق إن فيلمها الروائي الطويل «المحطة» يعكس تعقيدات النفس البشرية وتناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم الافتتاح «العميل السري» (سينما متروبوليس)

انطلاق مهرجان السينما البرازيلية في دورته الثامنة في بيروت

تشتهر السينما البرازيلية بسماتها البارزة المتعلقة بالواقعية الاجتماعية والسياسية. ومنذ ظهور حركة «سينما نوفو»، تطرح قصصاً تتناول التفاوت الطبقي والفساد السياسي

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تطرق الفيلم لما واجهه أشقاؤه بحياتهم (الشركة المنتجة)

إيدي سانشيز: «مكسيكي أميركي» يفكك أبعاد الهجرة والاندماج

قال المخرج والكاتب الأميركي إيدي سانشيز إن فيلمه الوثائقي الطويل الأول «مكسيكي أميركي» خرج للنور من فكرة عفوية وليدة اللحظة.

أحمد عدلي (القاهرة )

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
TT

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»، في خطوة تعدّ محطة رئيسية بمسيرة التحضير للحدث العالمي، وتُعزِّز الإطار المؤسسي والتنظيمي لاستضافته.

وتُرسِّخ الاتفاقية الإطار القانوني المنظّم للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يضمن الحقوق والامتيازات والشروط الممنوحة للمشاركين الرسميين وفقاً لإطار المكتب الدولي.

وتعكس موافقة الجمعية العامة تنامي الثقة الدولية برؤية السعودية وقدراتها التنظيمية والتنفيذية، وتُمثِّل خطوة رئيسية في استعدادات البلاد لاستضافة الحدث، وتُعزِّز التعاون مع المكتب والدول المشاركة، بما يسهم في تقديم نسخة استثنائية من معارض «إكسبو» الدولية.

وجاء هذا الإنجاز خلال مشاركة وفد السعودية في أعمال الاجتماع الـ178 للجمعية العامة في باريس، برئاسة عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمفوّض العام لـ«إكسبو 2030 الرياض».

وقدَّر الجبير، خلال الاجتماع، للمكتب والدول الأعضاء على ثقتهم المستمرة وشراكتهم البنَّاءة، مؤكداً أن «إكسبو 2030 الرياض» سيكون منصة عالمية تجمع الدول والشعوب والأفكار لتعزيز الحوار وإلهام التعاون، وتشجيع العمل الجماعي نحو مستقبل أفضل.

وجدَّد الوزير السعودي التزام بلاده بمواصلة العمل الوثيق مع المكتب وجميع المشاركين لضمان تقديم معرض عالمي شامل وذي أثر مستدام يترك إرثاً للأجيال القادمة.

واستعرض الوفد السعودي في الاجتماع، آخر مستجدات «إكسبو 2030 الرياض»، بما في ذلك تطورات موضوع المعرض، والتقدم المحرز في المخطط الرئيسي، وأعمال تطوير الموقع، بما يؤكد التقدم المتواصل عبر مختلف مسارات التخطيط والتصميم والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية.

من جانبه، أكد طلال المري، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، أن المشروع يواصل إحراز تقدم متسارع في أعمال الإنشاءات والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية، مدعوماً بشراكات قوية وتكامل في التنفيذ بين مختلف الجهات المعنية.

وأشار المري إلى أن «إكسبو 2030 الرياض» دخل مرحلة التنفيذ المتكامل، مع التركيز على تقديم تجربة عالمية المستوى للمشاركين والزوار، وترسيخ إرث مستدام لمدينة الرياض والعالم.

وسيقام معرض «إكسبو 2030 الرياض» خلال الفترة من 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2030 حتى 31 مارس (آذار) 2031، ليجمع العالم في احتفال عالمي بالثقافة والابتكار والطموح الإنساني.

وعلى مدى ستة أشهر، ستقدم السعودية برنامجاً ثرياً من التجارب الثقافية والترفيهية والتفاعلية، فيما يستعرض المشاركون من مختلف أنحاء العالم أفكارهم وابتكاراتهم ورؤاهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.


بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات
TT

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً عن إجابة لسؤال لطالما شغل الخيال الإنساني طويلاً: هل توجد حياة أخرى في هذا الكون؟ ليعود إلى السؤال نفسه في فيلمه الجديد Disclosure Day أو «يوم الكشف»، الذي بدأ عرضه في صالات السينما الأسبوع الماضي، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فبدلاً من البحث عن الكائنات القادمة من الفضاء، ينشغل هذه المرة بالبشر أنفسهم، ليطرح أسئلة جديدة من شاكلة: ماذا يحدث حين تصبح الحقيقة معروفة؟ وكيف يتعامل العالم مع معلومة قادرة على تغيير كل ما اعتاد تصديقه؟

الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب عن فكرة أصلية لسبيلبرغ، يجمع إيميلي بلانت وجوش أوكونور وكولين فيرث وكولمان دومينغو في حكاية تبدأ مع خبير أمن سيبراني يعثر على معلومات شديدة الحساسية، بالتوازي مع مقدمة طقس تقودها ظواهر غامضة نحو المسار نفسه. ومع تقدم الأحداث، تتشابك الخيوط داخل عالم تمتلئ أركانه بالأسرار والمصالح والملفات المغلقة.

السبعينات تلتقي 2026

منذ لحظة صدور الإعلان التشويقي للفيلم مع عبارة «قصة من ستيفن سبيلبرغ»، بدا للكثيرين أن المخرج البالغ 79 عاماً يستعد لتقديم عمل يكون تتويجاً لمسيرته، وخلاصة أفكاره حول سؤال شغله لعقود طويلة. بيد أنه حاول قراءة الحاضر بأدوات صاغها في سبعينات القرن الماضي، وكأن نصف قرن من التحولات التقنية والثقافية مرّ خارج حدود الفيلم، فبدت الهواتف الذكية، التي صارت امتداداً للذاكرة البشرية، حاضرة على الهامش أكثر من حضورها في قلب الحكاية.

يضاف لذلك طريقة تعامل الفيلم مع الإعلام والتلفزيون هي أيضاً تبدو قادمة من زمن آخر... ففي عالم يتحرك عبر المنصات الرقمية والبث المباشر والخوارزميات، يضع الفيلم جزءاً مهماً من رهانه على التلفزيون المحلي بوصفه بوابة الحقيقة الكبرى، بما يُظهر التباعد بين العالم الذي نعيشه والعالم الذي يتخيله الفيلم.

ورغم ذلك، دخل الفيلم شباك التذاكر العالمي بقوة، محققاً افتتاحية بلغت 92.8 مليون دولار، ومتصدراً الإيرادات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى. لكن الأرقام نفسها تكشف جانباً آخر من الحكاية، ففي حين احتل الفيلم إيرادات شباك السينما في بريطانيا بإيرادات تجاوزت 7.5 مليون دولار وهي الأعلى عالمياً، حقق في المكسيك نحو 4 ملايين دولار، وسجل في فرنسا وأستراليا والبرازيل أرقاماً قوية، فيما كان الأداء أكثر تواضعاً في عدد من الأسواق الأخرى، وخاصة الآسيوية منها.

وفي السعودية تحديداً اكتفى الفيلم بإيرادات بلغت نحو 416 ألف دولار خلال أسبوعه الأول، محتلاً المركز الخامس في شباك التذاكر المحلي، بنحو عشرين ألف تذكرة مبيعة.

مطاردة السر الأكبر

خلال الفيلم يلعب جوش أوكونور دور دانيال، خبير الأمن السيبراني العامل لدى منظمة نافذة تدعى «واردكس»، ومهمة المنظمة هي إخفاء المعلومات المتعلقة بالكائنات الفضائية عن العالم. يقرر دانيال كشف هذه الأسرار، إلا أن السيناريو يرسله في رحلة طويلة مع صديقته جاين (إيف هيوسن) بانتظار إشارة من زميله هوغو (كولمان دومينغو).

في خط درامي آخر تظهر إيميلي بلانت بدور مقدمة نشرة الطقس مارغريت، التي تكتشف فجأة أنها قادرة على التحدث بجميع لغات الأرض، إضافة إلى لغات أخرى غريبة، وتقدم بلانت أفضل أداء في الفيلم، فيما تشكل مشاهد تطور قدراتها النفسية أكثر لحظاته حيوية، لما تجمعه من قوة وهشاشة، وربطها بين حاضر الشخصية وطفولتها.

العالم الذي يتخيله سبيلبرغ

يبدو Disclosure Day من الخارج فيلماً عن الفضائيين والمؤامرات الحكومية، لكن يطرح الكثير من الأسئلة من الداخل... كيف تتصرف الحكومات تجاه الحقائق المفزعة؟ كيف يتفاعل الإعلام؟ ماذا يحدث للمسلمات الراسخة حين تهتز فجأة؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف موقعه داخل الكون؟

كما تظهر خبرة سبيلبرغ الطويلة في بناء هذا الإحساس بالترقب، فحتى في المشاهد الهادئة، ينجح في خلق شعور دائم بأن حدثاً هائلاً يقترب من الأفق. وطيلة الفيلم، تتحرك الكاميرا بثقة، أما الموسيقى التي صاغها جون ويليامز، فأضافت طبقة من الرهبة والحنين تذكر بأعماله الكلاسيكية.

وربما تكمن المعضلة الأساسية في Disclosure Day في الفجوة بين نظرة ستيفن سبيلبرغ المتفائلة للعالم ومزاج الجمهور المعاصر. فالمخرج الذي بنى جزءاً كبيراً من إرثه على الإيمان بالإنسان وقدرته على التعاطف والتوحد أمام المجهول، يقدم هنا فيلماً يرى أن كشف وجود حياة خارج الأرض قد يصبح لحظة تتوحد فيها البشرية، بيد أن هذا التفاؤل يبدو منفصلاً عن عالم يعيش وسط تدفق يومي من الأخبار والأزمات والانقسامات، ومن هنا تنشأ المسافة بين الفيلم وجمهوره؛ فبينما ما زال سبيلبرغ يؤمن بقدرة الحقيقة على جمع البشر حول معنى مشترك، يعيش العالم اليوم وسط ضجيج متواصل يجعل الدهشة أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل نصف قرن.

عاجل مونديال 2026: ثنائية مبابي تقود فرنسا لبداية واعدة بفوز صريح على السنغال 3-1