لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

بدأت بتأمين الملك عبد العزيز للحجاج حتى عهد الملك سلمان بخدمات متكاملة

TT

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

لأكثر من 100 عام... نجاحات سعودية في إدارة الحج

السعوديون والحج قصة ممتدة وتاريخ متأصل وإنجازات غير مسبوقة، منذ أول حج تحت حكم المؤسس الملك عبد العزيز حتى اليوم... إنه شرف عظيم، لكنه مسؤولية كبرى. بدأت قصته بعد أسابيع من دخول الملك المؤسس مكة المكرمة (جمادى الأولى 1343هـ - ديسمبر - كانون الأول 1924م).

الملك عبد العزيز خلال تأدية الحج في سنوات عهده الزاهرة

الملك عبد العزيز يوجه نداء للمسلمين

أصدر الملك عبد العزيز نداءً عاماً إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أعلن فيه ترحيبه بحجاج بيت الله الحرام من الأقطار كافة، مؤكداً تكفله براحتهم وتوفير الأمن لهم وحفظ حقوقهم وتسهيل وصولهم إلى مكة من موانئ رابغ والقنفذة والليث، لأن جدة كانت محاصرة من قبل جيشه، والأوضاع لم تكن قد استقرت بعد في الديار المقدسة.

وجاء في ذلك النداء، الذي وجّهه الملك عبد العزيز: «إننا نرحب ونبتهج بقدوم وفود حجاج بيت الله الحرام من كافة المسلمين في موسم هذه السنة ونتكفل بحول الله بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وتسهيل أمر سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ التي ينزلون إليها، وهي: رابغ أو الليث أو القنفدة، وقد أُحكم فيها النظام واستتب الأمن استتباباً تاماً منذ دخلتها جيوشنا. وسنتخذ من التدابير في هذه المراكز جميع الوسائل التي تكفل تأمين راحة الحجاج إن شاء الله تعالى».

الملك عبد العزيز يفتح المجال للأعمال الخيرية

تضمن النداء إعلاناً، هذا نصه: «أعلن لكافة إخواننا المسلمين أنه لم يبق أثر للمشاكل والعراقيل التي كانت تضعها الحكومة السابقة ضد المشاريع الخيرية والاقتصادية، وأن أبواب الحجاز مفتوحة لجميع من يريد القيام بأي عمل خيرى أو اقتصادي، وأن الحكومة المحلية مستعدة للقيام بجميع التسهيلات الممكنة لتنشيط من يريد القيام بهذه المشاريع الخيرية والاقتصادية».

الملك عبد العزيز خارجاً من المسجد الحرام على ظهر جواده بعد ضمّه مكة المكرمة إلى حكمه

تحديات الحج قبل العهد السعودي

النداء صدر باسم سلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، يوم 1 شعبان 1343هـ - 25 فبراير (شباط) 1925م، إذ لم يكن قد بويع بعد ملكاً على الحجاز، فكيف تم تنظيم أول موسم حج في عهد الملك عبد العزيز؟ وما هي الظروف التي أدى فيها الحجاج شعائرهم؟ وما الخدمات التي توفرت؟ ثم ما الفرق الجوهري الذي حصل في ذلك الموسم؟ وكيف اختلف تنظيم الحج في العهد السعودي عما سبقه من العهود؟ لقد كان الأمن أكبر التحديات التي تقلق الحاج، ناهيك عن الأمراض، وسوء معاملة الحجاج من قبل السلطات المحلية، ونقص الخدمات.

تؤكد الوثائق البريطانية أنه لم تكن هناك سياسات وأنظمة واضحة! وتشير إحداها إلى سخط المسلمين في بلاد البنغال على سلطات الحجاز بسبب المعاملة السيئة لحجاجهم خلال مواسم الحج السابقة لموسم سنة 1342هـ - 1924م.

كما تشير وثيقة أخرى إلى أن المسلمين الهنود يعتقدون أن ترتيبات (حكومة الحجاز) في مكة كانت سيئة جداً، وكي لا يظن أحد أن في الأمر مبالغة، نعود إلى ما أورده اللواء إبراهيم رفعت باشا، الذي حجّ عدة مرات خلال عامي 1318هـ (1901م) و1325هـ (1908م)، وكان في أحدهما أميراً للحج المصري، وسجّل مشاهداته عن مواسم الحج ومعاناة الحجاج، يقول عن حجته الأولى سنة 1318هـ (1901م): «أمر (حاكم) مكة بجمع إعانة للسكة الحديدية، وقدّر على كل حاج غير معسر ريالاً، فأخذ المطوفون يجمعونها ويوردونها (للحاكم) كل يوم». ويضيف: «كان بعض الحجاج يمتنع عن الدفع، وبعضهم دفع عن نفسه وعمن يرافقه في القافلة... وقد أمر (الحاكم) بعدم خروج أحد من الحجاج من مكة حتى تجبى الضريبة كلها. وعلى ذلك، حبس الحجاج بمكة بعد تأدية الفريضة 7 أيام، كانوا فيها على أحر من الجمر. شوقهم لزيارة الرسول (صلى الله عليه وسلم) يهيب بهم أن أسرعوا، (والحاكم) يقول: مكانكم حتى تدفعوا».

ويذكر: «بلغني أن بعضاً من حجاج المغرب شكا لدولة الوالي حبسهم بمكة، فأرسل بهم مع مندوب من قبله إلى (الحاكم) ليسمح لهم بالخروج، فلما وصلوا إليه نزل عليهم ضرباً بالعصي، وإذ ذاك انقض عليهم زبانيته أيضاً (الباوردية)، فتشتتوا مذعورين ورجعوا بخفي حنين. شكوى عادلة جوابها إهانة قاسية في بلد جعله الله حرماً آمناً (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)». وأضاف: «لئن دام هذا الظلم لينصرفن الناس عن الحج، وتلك الطامة الكبرى ببلاد العرب، وأهلها الذين يجدون في الحجاج العيش الكفاف، بل الرزق الواسع، بل ذلك جناية على الإسلام ومعتنقيه، فإن هذا البلد واسطة التعارف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا انقطعت بينهم الأسباب، وانفصمت عروة التوادِّ كانوا كالغنم القاصية، تلتهمها الدول المستعمرة فتستغيث فلا مغيث، فليقلع الظالم عن ظلمه كيلا يعمنا الله بعذاب من عنده...».

ويضيف: «لم يسمح (الحاكم) بخروج الحجاج من مكة إلا بعد أن دفعوا جميعاً ريال الإعانة للسكة الحديدية، فلما أن صدر الإذن بالخروج، أخذ جميع الحجاج في الرحيل، وهم ألوف مؤلفة يسلكون طريقاً ضيقة، ولما بلغوا مكاناً مخصوصاً بالطريق أوقفوا حتى يدفعوا ريال الحكومة (عوائد) عن كل جمل خالٍ أو محمل». ويبين: «أخذوا يدفعون، ولكن بلغ الزحام أشده لأن المحصل شخص واحد قام بجانبه اثنان من الزبانية لا يسمحان لأحد بالمرور حتى يدفع الريال واستعملا كل غلظة وقساوة لا تصدر من الوحوش، فضلاً عن الأناسي، فضلاً عن مسلم يدين بالإسلام، وقد أصبحت الطريق التي كانت معدة لسير جملين بشقادفهما متحاذيين فيها أربعة صفوف، فدخلت الشقادف بعضها في بعض، وكاد الناس يكونون طبقات بعضهم فوق بعض، وهنالك تحطم كثير من الشقادف، وسقط بعض الراكبين من عليها، فتهشمت منهم العظام وبلغت فيهم الجراح، وفقدوا من الأمتعة، وتلف كثير منها».

ويذكر: «كنت لا تسمع إذ ذاك إلا ولولة النساء وعويل الصبيان واستغاثة الضعفاء ومنازعات الرجال، ولا شرطة هناك تحول دون ذلك، وكل هذا مغبة حبس (الحاكم) للحجاج وسوء نظام الجباية، وماذا على الحكومة لو عيّنت عدداً من المحصلين وعيّنت لكل قافلة يوماً تخرج فيه، ومعرفة القوافل من الأمور الهينة، لأن المطوفين والمتعهدين يعرفونها، وأولئك معروفون لدى الحكومة، وبذلك يسهل التحصيل وتسير القافلة بهدوء وسكينة، ويأمن الناس على نفوسهم وأمتعتهم».

قوات وآليات أمن الحج خلال الاستعراض العسكري السنوي (واس)

أمن الحجاج... أهم التحديات

لم تكن تلك المعلومات غائبة عن ذهن الملك عبد العزيز عشية دخوله مكة، فقد أدرك أن الصعوبات التي يواجهها الحجاج خصوصاً، ومشاكل الحجاز عموماً، تتمثل في «الفوضى في الإدارة وانعدام سلطة القانون ونهب الحجاج»، إضافة إلى عدم توفر الخدمات الكافية، سواء أكانت صحية أم بلدية أم غذائية أم خدمات النقل والمواصلات حتى الخدمات الإدارية.

لقد قرأ الملك المؤسس التاريخ ووعاه وأدرك أن ما بذلته الدول والحكومات المتعاقبة لخدمة الحرمين والحجاج، التي تمثلت في المشروعات العمرانية والمائية لطرق ومرافق الحج وتوسعات وعمارة الحرمين على مرّ القرون السابقة، هي جهود مقدرة ومشكورة، لكنها لم تكن كافية.

والسبب يكمن في بعد الديار المقدسة عن مراكز اتخاذ القرار، منذ خروج عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى خارج الجزيرة العربية عام 36هـ -657م، وعلى مدى قرون ظلت الجزيرة العربية خارج الاهتمام المباشر من قبل عواصم القرار، ولولا وجود الحرمين الشريفين قد لا يوجد أي اهتمام أصلاً! ومع ذلك ظلت التهديدات التي تواجه الحج والحجاج مستمرة على مرّ العصور، ولم تتوفر حلول شاملة لها، وكأن الحج أشبه برحلة رعب للحاج.

رصد المؤرخ المكي تقي الدين الفاسي (توفي 832هـ - 1429م) في كتابه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» التهديدات والأزمات في مواسم الحج منذ سنة 200هـ - 816م، التي تمثلت في: اضطراب الأمن والفتن والقلاقل، ونقص المواد الغذائية وغلاء الأسعار، وقلة المياه، ونهب الأموال والسرقات، والمكوس الجائرة، والأوبئة والأمراض.

هذا عدا الكوارث الأخرى كالسيول والأمطار والحرائق، إضافة إلى الخلافات العقدية والمذهبية التي تفسد الحج حيث وقف الناس بعرفة سنة 199هـ - 815م بلا إمام، وصلوا بلا خطبة، كما كان الخلاف في تحديد دخول شهر ذي الحجة، الذي ترتب عليه وقوف بعض الحجاج على صعيد عرفة يوم الاثنين، وبعضهم يوم الثلاثاء، وكان ذلك سنة 292هـ - 905م، وتكرر ذلك في أكثر من موسم.

أما الرحالة والمؤرخ المصري محمد لبيب البتنوني فيصف أمن الحجيج خلال رحلته عام 1327هـ - 1909م: «والرفقاء من الحجاج يتناوبون السهر على حراسة عفشهم، ومن يسهر منهم تراه على الدوام يصرخ بكلمات الاضطراب والانزعاج كقولهم: (شايفك، ابعد، لا تقرب) وهكذا. والحجاج يقضون حاجتهم بين رحالهم في الغالب، ومن ابتعد عنها لا بد أن يكون معه أنيس يحرسه عند اشتغاله بنفسه، وإلا فإنه لا يحرم واحداً من الأعراب ينقض عليه ويضربه في رأسه بعصا يابسة قصيرة تخمد معها أنفاسه!! وهنالك يشلحه من ملابسه أو يكتفى بقطع كمرة من حزامه أو من ذراعه».

ويضيف: «فإذا استغيبه صحابته قاموا للبحث عنه فيجدونه إما فاقداً للحياة فيوارونه التراب على حاله!! وإما فاقداً للشعور فيأخذونه ويقومون بشأنه، وقليلاً من ينجو من هذه الضربة... وقد يقطع الجمالة بعض الجمال من القافلة أثناء سيرها، ويتظاهرون بإصلاح حمولها حتى إذا ابتعدت القافلة عنهم أوقعوا بركابها، وهم يستغيثون ولا يعانون، وسلبوهم متاعهم، وكثيراً ما يجهزون عليهم، ويفرون بجمالهم إلى حيث أرادوا.

والأدهى من ذلك كله ما يهدد القافلة من خطر هجوم بعض القبائل التي في طريقها عليها، أو على الأقل وقوفهم في وجهها، فلا يدعونها تمر إلا بعد أن يأخذوا منها ما يرضيهم باسم أجرة المرور في أرضهم».

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

الملك عبد العزيز يتحرك لتأمين الحجاج

أدرك الملك عبد العزيز كل تلك التحديات، وتأخر في ضم الحجاز عدة سنوات مع أن حكومة الحجاز منعت حجاج سلطنة نجد من أداء الحج خلالها، وبالرغم من أن الطريق كانت ممهدة أمامه، فإن الملك المؤسس لم يشأ أن يكون ضمّه للحجاز سبباً لتدخل القوى الخارجية في شؤونه.

واتبع الملك عبد العزيز سياسة النفس الطويل، حيث أصدر عدة بيانات، وأجرى مراسلات ليبين موقفه من تصرفات حكومة الحجاز ومنعها للحجاج، وكان سوء المعاملة التي يلقاها الحجاج من مختلف الأقطار من قبل السلطات الحجازية كافياً لتأييد أي تحرك من قبله لضمّ الحجاز. لكن في هذا التحقيق، نجد أن الملك عبد العزيز لم يتأخر في خطوته بسبب ذلك فحسب، بل كان مدركاً حجم الصعوبات والمشاكل التي ينوء بها الحجاز، والتي تحتاج إلى حلول جذرية.

وبالرغم من أن ضم الحجاز كان خطوة مهمة في مشروع الملك عبد العزيز الوحدوي، فإن الهدف الأولي للملك عبد العزيز كان حماية المقدسات وتأمين الوصول لها وبسط الأمن ورفع المظالم التي أرهقت العباد، ناهيك عن تهيئة وتوفير السبل لتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بيسر واطمئنان.

من هنا، كانت رؤية الملك عبد العزيز ترتكز على سرعة توفير الخدمات كافة للحجاج. وقبل ذلك، فرض الأمن وإرساء قواعد العدل على أسس مستمدة من الشريعة الإسلامية. استشعر الملك المؤسس تلك المسؤولية العظيمة، رغم قلة الإمكانات والموارد وعدم استقرار الأوضاع بسبب ظروف الحرب وحصار جدة، ومقاطعة بعض الدول لموسم الحج والحملات الإعلامية ضد الملك عبد العزيز.

تنظيم أول حج في العهد السعودي

نجح الملك عبد العزيز في تنظيم أول موسم للحج تحت حكمه، وذلك لم يكن ليتأتى لولا توفيق الله ثم الرؤية الواضحة والخطط المحكمة في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتحسين الخدمات.

كانت مسؤولية جسيمة ومهمة كبرى، لكن الملك عبد العزيز كان يدرك أبعادها ويتابع تفاصيلها ويشرف بنفسه على تنفيذها، وكانت التجربة الناجحة لإدارة الحج في عهد الدولة السعودية الأولى ماثلة أمامه.

مخيمات الحجاج في بداية العهد السعودي

خطط الملك عبد العزيز لنجاح الحج

سنتطرق في هذا التحقيق إلى نماذج من الخطط والإجراءات والترتيبات التي اتخذها الملك المؤسس، مع الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات والهياكل الإدارية المتعلقة بتنظيم الحج والإشراف على شؤون الحجيج في الحجاز لم تكن كافية أو مكتملة، فكيف كانت البداية؟

من خلال تتبع المصادر وقراءة تسلسل الإجراءات والقرارات التي اتخذها الملك عبد العزيز في الأشهر الأولى لدخوله مكة المكرمة، نجد أنه استعد لإنجاح أول موسم حج تحت إدارته، ويتضح ذلك من التخطيط الدقيق والجهد الكبير الذي بذله لتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن تعيق تنظيم حج عام 1343هـ - 1925م، وفيما يلي نماذج ولمحات عن الإجراءات والتدابير «العاجلة» التي تم اتخاذها في عدد من المجالات، مثل...

الأمن

مع إعلانه للعالم عن استتباب الأمن في الحجاز بعد أسابيع من دخوله مكة، كان الملك المؤسس قد بدأ في اتخاذ خطوات سريعة لضبط الأمن، فأعلن أنه سوف يُنزل أشد العقاب على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، وركز على أمن الحج والحجيج، وأرسل السرايا لتعقب المجرمين الذين يعتدون على الحجاج والقضاء عليهم. وأكد على رؤساء القبائل بعدم التعرض لقوافل الحجاج، وعدّ رئيس القبيلة مسؤولاً عن الجرائم التي تقع في حدود قبيلته، وتعهد بالاستمرار في تتبع المجرمين وقطاع الطرق وإنزال أشد العقوبات بهم، وهذا ما كان، فارتدع المجرمون.

عملت الأجهزة الحكومية منذ بدايتها على توعية الحجاج فيما يتعلق الصحة العامة والتغذية

الصحة والخدمات البلدية

منذ الأيام الأولى لوصوله مكة، كلّف الملك عبد العزيز طبيبه الخاص الدكتور محمود حمدي حمودة بإدارة الصحة العامة، وبدأ بتنظيم الأمور الصحية ونشر مقالات توعوية في الأعداد الأولى من جريدة «أم القرى»، وكانت للصحة أولوية بعد الأمن بسبب انتشار الأمراض والأوبئة. ومن الإجراءات التي اتخذت: التأكد من أسباب الوفيات، ونشر إحصائية أسبوعية عنها، والبدء في وضع التدابير الصحية قبل موسم الحج للوقاية من الأمراض، واقتراح التشكيلات الصحية المناسبة، مع التركيز على الجوانب الوقائية. وتم تجهيز عدد من المستشفيات والمراكز الصحية للعمل في موسم الحج. كما تم مراقبة بيع المأكولات والمشروبات وأفران الخبز للحرص على النظافة، وإعلان تعليمات صحية للحلاقين والقيام بجولات تفتيشية ومعاقبة المخالفين، إضافة إلى تنظيف المشاعر وحفر أماكن ذبح الأضاحي.

وصدر تقرير صحي بعد موسم الحج، أكد خلو الحج من الأمراض الوبائية وانخفاض نسبة الوفيات عن المواسم السابقة، وتضمن التقرير عدداً من التوصيات.

المياه والغذاء

وجّه الملك عبد العزيز بصيانة مجاري عين زبيدة، والتأكد من نظافتها وعدم انسداد ما يوصلها بمنابعها الأصلية في وادي نعمان، تلافياً لما وقع من عطش الحجاج في موسم الحج الماضي.

وفي بداية شهر ذي القعدة، أُعلن عن تشغيل مضخة الماء لنقل الماء إلى منى والبدء في تعبئة الخزانات ليكون الماء متوفراً للحجاج، وطلب الملك من مستشاره حافظ وهبة أن يتأكد من سير العمل في توفير المياه، وقام وهبة بتفقد آلة الضخ والخزانات في منى وعرفات، ورفع تقريراً بذلك للملك.

وقبل موسم الحج، أعلن عن اكتمال تنظيف وتطهير مجاري وأحواض المياه وملء «البازان» العمومي في منى.

واتخذ الملك عبد العزيز التدابير اللازمة لجلب الغذاء والأرزاق من سائر الجهات وفتح الأسواق، وتم توفير السلع والمواد الغذائية كالتمر واللحم والسمن والعسل والحنطة والدخن والذرة والسمسم من نجد وعسير وجازان والطائف.

كما كلّف أحد رجالاته (التاجر وقتذاك) عبد الله الفضل بالسفر منذ وقت مبكر إلى مصوع وعدن والهند لجلب البضائع والأرزاق إلى مكة، وقبل موسم الحج وصلت عدة بواخر تحمل كميات من الدقيق والسكر والشعير والكاز، وقبل ذلك وصلت قوافل من الجمال تحمل أقواتاً وأرزاقاً ومؤناً.

وتم الإعلان عن توفر السلع ومراقبة الأسعار ونشر أسعار السلع أسبوعياً، واتخاذ الإجراءات ضد التجار المحتكرين. ونشرت بعض الشركات إعلانات عن توفر المواد الغذائية بأسعار في متناول الجميع.

وسائل النقل القديمة المتمثلة في قوافل الجمال والحافلات التي تطورت عبر الزمن

النقل والمواصلات

نظراً لحصار جدة، فقد اتخذ الملك عبد العزيز قراراً باستخدام موانئ رابغ والليث والقنفذة لاستقبال الحجاج، وتم الاستعداد لذلك، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة.

وانتدب الموظفين للعمل في هذه الموانئ، وتأمين قوافل الجمال لنقل الحجاج إلى مكة. وفي شهر ذي القعدة 1343هـ - مايو (أيار) 1925م، أعلن عدد من التجار عزمهم تأسيس شركة سيارات لنقل الحجاج، بعد أن أدركوا حرص الملك عبد العزيز على راحة الحجاج وعنايته بكل ما له علاقة بشؤون الحج.

كما تم تنظيم البريد والاهتمام بشؤونه، كونه أهم وسائل التواصل بين الحجاج وذويهم وقتذاك. وبدأت إدارة البريد مساعيها للانضمام لاتحاد البريد العالمي ومخاطبة إدارات البريد في الدول الأخرى لإرسال الرسائل إلى ميناء القنفذة بدلاً من جدة، واتخاذ إجراءات عاجلة لإرسال الرسائل عن طريق القنفذة إلى مصوع ثم إلى وجهاتها وفتح طريق أخرى بإرسالها إلى البحرين عن طريق الرياض ثم إلى وجهاتها الخارجية، وأصدرت إدارة البريد طوابع بريدية من عدة فئات، أسمتها «تذكار الحج الأول».

الجوانب الإدارية والتنظيمية

بدأ الملك عبد العزيز في إعادة تنظيم الأوضاع الداخلية لمكة المكرمة فور دخوله، فتم تشكيل المجلس الأهلي لإدارة الشؤون الداخلية والإشراف على الدوائر الحكومية ومتابعة شؤون الحج، كما تم إعادة تنظيم وتشكيل عدد من الإدارات مثل البلدية والمالية والأوقاف والنظر في احتياجاتها. كما تم تنظيم إسكان الحجاج في مكة، وكان الملك يتابع بنفسه أدق التفاصيل، خاصة تلك المتعلقة بشؤون الحج والحجيج، ويؤكد خطابه المرسل إلى علي الناصر العماري، الذي انتدبه للإشراف على وصول الحجاج إلى ميناء رابغ، حرصه على راحة الحجاج وسلامتهم.

الخطاب الذي وجّهه الملك عبد العزيز إلى العماري وابن مبيريك

إلى جناب الأخ المكرم علي العماري، سلمه الله تعالى...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد

لا بد واصلكم مأمور التأشير على جوازات الحجاج، ومعه دفاتر طبعت خصيصاً لهذه المسألة، كما ترون «نمونتها» (عيّنتها) بطيّه، ومنها تفهمون أن القصد هو تنظيم مسألة الواردين من الحجاج ومعرفة هويتهم وتابعيتهم وعددهم وغير ذلك، مما هو معرفته ضرورية لأجل ضبط الشغل، ويوضع على الباص «تذكرة المرور» التي بيد الحجاج طابع بعشرة قروش، ويُعطى ورقة مرقمة من هذه الدفاتر.

 

ويصل إلى طرفكم معهم... ثلاثة مأمورين لأجل تعريف الحجاج عند نزولهم بما يحتاجون إليه بواسطة الترجمة والتعارف بينكم وبينهم، ولقضاء لوازمهم، وأيضاً شخص آخر مندوب من قبل جمعية المطوفين ليستشير بحرية كاملة للحجاج الأشخاص المطوفين الذين يرغبون موافقتهم بالتطويف وغيره، ولكن الحذر من استعمال أساليب غير مشروعة في انتقاء المطوفين، فنزول الحاج بالرغبة والحرية الكاملة في انتقاء المطوفين.

 

ويكون مأمور التأشير مع أنه مأمور بريد في الوقت نفسه، والترجمة، ومندوب المطوفين، تحت نظارتكم. فأنتم المسؤولون عن أعمالهم، كما أنهم مسؤولون تجاهنا في حساباتهم وتصرفاتهم.

 

ويوكل أمر الكراوي (أجرة النقل) على اختلاف أنواعها في البر والبحر لنظركم بعد الاتفاق أنت وابن مبيريك (أمير رابغ إسماعيل بن مبيريك الغانمي) وشيخ المطوفين، ولا تتخذوا أمراً إلا بعد المشاورة والاتفاق.

 

 ثم في النظر إلى بُعد الميناء عن البلد، لا بد من إنزال الحجاج إلى البر في الصباح أو المساء اتقاء ضرر الشمس، ثم يجب أن يكون مع كل عشرين جملاً خادم خاص غير الجمال، تقطعون له أجرة زهيدة من الجمّال ويكون مساعداً للجمّال أثناء الطريق.

 

ثم أن يعين مطوف الحجاج قبل وصولهم إلى مكة، بعد ترك الخيار التام كما ذكرناه أعلاه للحاج وتُمضى الورقة المتعلقة بذلك منكم ومن خادم الحكومة الترجمان ومن مندوب رئيس المطوفين وترسل الورقة إلى مكة قبل الحاج لأجل التنبيه للمطوف للقيام بوظيفته، فيجب أن يكون مع كل قافلة رجال مسلحون معينون من ابن مبيريك للمحافظة على الحجاج ومراقبة الجمالة أثناء سيرهم كي لا يسلكوا طريقاً آخر غير معروف.

 

 ثم يجب عليك وعلى ابن مبيريك حتى نزول الحجاج في البغيلة ورابغ أن تأمروا بإحضار باعة المأكل والمشارب للحجاج، ثم يجب أن تنبهوا على الجمالة والمطوفين ألا يأخذوا شيئاً من الحجاج على طريق الاختلاس والجبر غير الذي تقرر لهم، ولكن تترك مسألة السماح للحجاج بتقديم العطايا وإعطاء المنح والمكافآت وسواها بما يجودون به بسماحة خاطر. هذا ما لزم تعريفه، ودمتم محروسين.

 

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

 

6 ذو القعدة 1343هـ - 28 مايو 1925

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

تبين هذه الوثيقة (التي أعدّها مثالاً فقط) مدى التخطيط الدقيق للملك عبد العزيز فيما يتعلق بأمور الحج والحجاج والاستعداد لكل الاحتمالات ومعرفة جميع التفاصيل. والوثيقة تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى شرح، لكن ما يجب إيضاحه أن ما ورد في هذه الوثيقة من تعليمات وتوجيهات وما قام به الملك عبد العزيز من تدابير لموسم حج ذلك العام لم يكن في ظروف طبيعية.

فالوضع لم يستقر بعد في الحجاز، والحرب قائمة، والحملات ضد دخوله الحجاز مستعرة، والمطالبات بمقاطعة الحج مستمرة، هذا عدا أن إمكانات الدولة حينها محدودة. وقد يبدو للقارئ أن مثل هذه الإجراءات وغيرها مما ذكرنا سهلة وممكنة، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تتم قبل الملك عبد العزيز آل سعود؟

الأفعال تسبق الأقوال لراحة الحجاج

إن المتمعن في سيرة الملك عبد العزيز يدرك أنه كان صاحب رسالة. تدل على ذلك أفعاله قبل أقواله، لقد قال عند تحركه لمكة: «إني مسافر إلى مكة، لا لأتسلط عليها، بل رفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله...»، وكان حريصاً على تطبيق تلك المقولة عشية دخوله مكة.

وعندما حاصر جدة، واقترب موعد الحج، بعث إلى قناصل الدول الأجنبية يخبرهم بعزمه على الحج مع بقاء بعض قواته في حصار جدة.

وأشعرهم أن الأمن في مكة والطرق المؤدية إليها وموانئ رابغ والليث والقنفذة مستتب، وقد اتخذت الاحتياطات كافة للمحافظة على سلامة الحجاج وراحتهم.

كان الهدف من ذلك الكتاب هو تطمين القناصل على رعاياهم المسلمين (أكثر الدول سكاناً من المسلمين: الهند وأندونيسيا، كانتا تحت الاستعمار البريطاني والهولندي)، وعصر يوم الأحد 30 ذو القعدة 1343هـ - 21 يونيو (حزيران) 1925م تحرك ركب الملك عبد العزيز من مقره في الوزيرية، يرافقه ابناه الأميران محمد وخالد، والشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فوصل إلى المسجد الحرام الساعة السادسة مساء، فطاف وصلى وسعى، ثم نزل في دار السقاف بالأبطح.

واستقر في مكة يشرف ويتابع شؤون الحج والحجيج، وأدى فريضته مع جموع الحجاج وشاهد ما وفرته لهم حكومته في المشاعر المقدسة، وهناك كثير من التفاصيل عن ذلك الموسم، لكننا سنقتصر على بعض الجوانب والملامح.   

الملك عبد العزيز خلال تأدية مناسك الحج

أوليات الحج في عهد الملك عبد العزيز

بتتبع المصادر التاريخية التي تناولت سيرة وتاريخ الملك عبد العزيز، لم نجد في أي منها أي إشارة أو معلومة عن أدائه الحج قبل عام 1925 حينما دخل مكة. وبمراجعة سياق الحوادث والوقائع منذ دخوله الرياض عام 1319هـ - 1902م، يتبين عدم إمكانية ذهابه للحج، وبذلك يتضح أن أول مرة يؤدي فيها الملك عبد العزيز مناسك الحج كانت تلك السنة.

 أول خطيب لمنبر عرفة في العهد السعودي

كان من بين أهداف الملك عبد العزيز التي أعلن عنها أن الشريعة الإسلامية هي مرجع الأحكام، وأنه حريص على وحدة كلمة المسلمين، من هنا كان حرصه على اختيار أول خطيب لمنبر عرفة في عهده، وكان الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأصبح ذلك تقليداً بأن يتم تعيين خطيب عرفة من قبل ملك المملكة العربية السعودية، وسنتناول تفصيلاً تاريخ خطباء عرفة في العهد السعودي مع ترجمة مختصرة لكل منهم.

الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رؤساء وقادة الدول وكبار الشخصيات الإسلامية ورؤساء وفود الحج بالديوان الملكي في منى (واس)

أول استقبال

استقبل الملك عبد العزيز، ثاني أيام عيد الأضحى 11 ذو الحجة 1343هـ - 3 يوليو (تموز) 1925م، في السرادق المنصوب له في منى، وفد جمعية الخلافة في الهند، ووفد جمعية العلماء، ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا الاستقبال الملكي تقليداً سنوياً يستقبل فيه ملك المملكة العربية السعودية الزعماء والقادة وكبار الشخصيات الإسلامية الذين يؤدون فريضة الحج في منى، ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.

أثناء تغيير كسوة الكعبة المشرفة في العهد السعودي

أول كسوة للكعبة في العهد السعودي

أعلنت الحكومة المصرية منع حجاجها من الحج، وبررت ذلك بأنه بسبب اضطراب الأوضاع في الحجاز، وامتنعت عن إرسال كسوة الكعبة ذلك العام.

 وبدأت الشائعات حول الكسوة، في محاولة لإحراج الملك عبد العزيز أمام العالم الإسلامي، نظراً لرمزية الكسوة والعادة السنوية المتبعة.

لكنه في صباح يوم العيد تم استبدال كسوة الكعبة المشرفة بكسوة جديدة، نسجت في الأحساء وفقاً لما أعلن حينه، وتجدر الإشارة أن للأحساء تاريخاً في صناعة الكسوة حيث كانت تصنع هناك في أيام الدولة السعودية الأولى.

وما زال بعض معالم «بيت الكسوة» في المبرز بالأحساء قائماً حتى اليوم. واستمر استبدال الكسوة تقليداً سنوياً خلال موسم الحج إلا أنه تغير إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا العام تم الإعلان أنه سيتم في غرة محرم (مطلع السنة الهجرية).

صحيفة «أم القرى» في أول تغطية لها لموسم الحج عام 1925

أول تغطية إعلامية

 واكبت صحيفة «أم القرى» التغطيات الإعلامية للحج، ونشرت كثيراً من الأخبار والتفاصيل عن أول موسم في عهد الملك عبد العزيز، وكانت الصحف والإذاعات الخارجية تبثّ أخبار الحج، وكذلك الصحف والمجلات السعودية التي تأسست تباعاً.

بدايات الإذاعة السعودية التي عملت على نقل وقائع الحج للأقطار كافة

في عام 1368هـ - 1949م، انطلق بثّ الإذاعة السعودية مساء يوم عرفة 1368هـ - 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1949م. ومنذ ذلك التاريخ، واكبت تغطيات الحج، أما التلفزيون السعودي الذي أنشئ عام 1385هـ - 1965م، فكان يبثّ أخبار الحج مسجلة حتى عام 1391هـ - 1971م، حين بدأ في بثّ بعض التغطيات. وفي عام 1394هـ - 1974م، بدأ البثّ المباشر لمناسك الحج، وتم الاستعانة بعدد من المشايخ للتعليق وإلقاء أحاديث ومواعظ يوم عرفة.

استعراض للقوات المشاركة في أمن الحج (واس)

أول استعراض عسكري

 كان من بين التدابير الذي اتخذها الملك عبد العزيز خلال ذلك العام أن يخيم حجاج سلطنة نجد في الأبطح خارج مكة، وعدد قليل منهم سكن داخل المدينة، وكان لهذا الإجراء أكثر من هدف، الأول هدف أمني للحماية من أي غارت، والثاني هدف صحي وقائي، لكي لا يكون هناك ازدحام داخل البلد فتنتشر الأمراض.

 وفي منى، أمر بنصب خيامهم بمتاخمة الجبال لحماية الحجاج من أي هجمات. كانت نسبة كبيرة من هؤلاء الحجاج من المقاتلين في جيش الملك عبد العزيز، يمثلون عدة ألوية، وكانت تحركاتهم حول مكة وفي منى تمثل استعراضاً عسكرياً لردع من يفكر في تعكير صفو الحج، وهذا ما يمكن اعتباره أول استعراض لقوات أمن الحج.

الحجاج يؤدون طواف الوداع في المسجد الحرام (واس)

أول استخدام لمكبرات الصوت

عندما ألقى الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ خطبته على منبر عرفة، بحضور الملك عبد العزيز، لم تكن قد أدخلت مكبرات الصوت بعد، واستمر الوضع كذلك حتى عام 1366هـ - 1947م.

وذكر السيد أحمد علي الكاظمي أنه في ذلك العام «وضع ميكروفون (مكبر الصوت) في مسجد نمرة، وكان يقرأ فيه قارئ القرآن قبل الصلاة، ثم ألقيت خطبة عرفة بواسطة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وهذه أول مرة يستعمل فيها المكبر للصوت في عرفات». كما نشرت صحيفة «أم القرى» خبراً عن ذلك، لكن الملك عبد العزيز لم يحج ذلك العام وأناب ولي عهده (الأمير) سعود.

 أول إحصائية للحجاج في العهد السعودي

بلغ عدد الحجاج ذلك العام 78593 حاجاً، منهم 3593 حاجاً من الخارج و75000 حاج من حجاج سلطنة نجد، وتناقل العالم أنباء موسم الحج ذلك العام، وازداد الاهتمام به بسبب الحملات المعادية للملك عبد العزيز، وتفاجأ المسلمون في أصقاع الدنيا بنجاح موسم الحج وعدم حصول ما يعكر صفو الحجاج.

 وتبدلت أحوال الحج عما عهدوه، وكان ذلك مثار تساؤل الجميع، وأشارت وثيقة بريطانية أن تقريراً عن موسم الحج الأول تحت إشراف الملك عبد العزيز أرسل من على ظهر بارجة فرنسية  في شهر صفر 1344هـ - سبتمبر (أيلول) 1925م يفيد: «إن جميع الحجاج يعترفون أن الحج لم يكن في زمن ما، أفضل تنظيماً وأكثر أمناً، وأحسن انسيابية، وأرخص تكاليف كما هو في عهد عبد العزيز بن سعود».

بقي الإشارة إلى جانب توثيقي هام يتعلق بخطب وخطباء عرفة في العهد السعودي الحديث، وذلك لأهمية منبر عرفة في بث رسالة الإسلام للعالم، ودعوة المسلمين للتعاون والتعاضد، ونبذ الفرقة والتطرف.

حيث إن تكليف خطيب عرفة يصدر بإرادة ملكية، ولما لاحظته من عدم التوثيق الدقيق لمسيرة خطباء عرفة في العهد السعودي والاختلاف في بعض السنوات حول شخصية خطيب عرفة، رأيت توثيق هذا الجانب. وفيما يلي بيان أسماء خطباء عرفة، مع تعريف مختصر بكل منهم، والأعوام التي كلف بها خطيباً...

 

1 - الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام وكبير علماء نجد، درس على والده العلامة عبد اللطيف وأخيه الشيخ عبد الله وغيرهما من علماء عصره. ولي القضاء في عدد من البلدان، وأصبح قاضي الرياض ومفتيها بعد وفاة أخيه عبد الله. عيّنه الملك عبد العزيز إماماً وخطيباً في المسجد الحرام عام 1343هـ - 1925م وكلّفه بإلقاء خطبة عرفة في موسم حج ذلك العام.

2 - الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس القضاة والمشرف على الشؤون الدينية في الحرمين الشريفين. درس على والده الشيخ حسن بن حسين وعلى مفتي نجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيرهما من العلماء. رافق الملك عبد العزيز في أسفاره وغزواته إماماً وقاضياً للجيش ومفتياً. كلّف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1344هـ - 1926م حتى عام 1369هـ - 1950م.

3 - الشيخ محمد بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

درس على والده العلامة عبد الله بن حسن ولازمه، كما درس على عدد من علماء المسجد الحرام، والتحق بالمعهد العلمي السعودي وتخرج فيه. عمل مديراً عاماً للشؤون القضائية والتفتيش في رئاسة القضاء، وتولى منصب المدير العام للتربية الإسلامية بوزارة المعارف. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1370هـ - 1951م.

4 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد الحرام، درس على والده الشيخ عبد الله بن حسن وعلى الشيخ محمد بن إبراهيم، كما درس في المعهد العلمي السعودي، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر. عمل معاوناً لرئيس القضاة ووكيلاً لوزارة المعارف ثم وزيراً لها، ثم رئيساً عاماً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1371هـ - 1952م حتى عام 1401هـ 1981م، باستثناء عام 1399هـ 1979م الذي خطب فيه الشيخ صالح اللحيدان.

5 - الشيخ صالح بن محمد الحيدان

رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء، درس في كلية الشريعة بالرياض والتحق بالمعهد العالي للقضاء وتخرج فيه، كما تلقى العلم على عدد من العلماء. عمل رئيساً لمحكمة الرياض ثم عضواً بالهيئة القضائية العليا فرئيساً لمجلس القضاء الأعلى. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج عام 1399هـ - 1979م.

6 - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وحفيد الخطيب الأول لعرفة. درس على الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهما من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعمل أستاذاً بها. عين عضواً في هيئة كبار العلماء وإماماً وخطيباً لجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة بدءاً من موسم حج 1402هـ - 1982م حتى عام 1436هـ - 2015م.

7 - الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى، ورئيساً عاماً لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1437هـ - 2016م.

8 - الشيخ سعد بن ناصر الشثري

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في أصول الفقه. عمل أستاذاً مشاركاً بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرّس في عدد من الجامعات. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1438هـ - 2017م.

9 - الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

إمام وخطيب المسجد النبوي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. عمل قاضياً في محاكم نجران والرياض والمدينة المنورة، ومدرساً في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1439هـ - 2018م.

10 - الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ

عضو هيئة كبار العلماء. حاصل على الماجستير من المعهد العالي للقضاء، تولى عدداً من المناصب، منها رئيس المجلس العلمي لمجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للحديث النبوي، ورئيس مجلس الأوقاف الفرعي بمنطقة الرياض. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1440هـ - 2019م.

11 - الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع

المستشار في الديوان الملكي وعضو هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها عام 1391هـ - 1971م. درس على عدد من العلماء، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تدرج في السلك القضائي ووصل لأعلى درجاته (رئيس محكمة تمييز). كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1441هـ - 2020م.

12 - الشيخ بندر بن عبد العزيز بليلة

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مساعداً في كلية الشريعة والأنظمة بجامعة الطائف، كما أنه عضو في هيئة كبار العلماء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1442هـ - 2021م.

13 - الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، حاصل على شهادة الدكتوراة في الدراسات القضائية المقارنة، وهو عضو في هيئة كبار العلماء. عمل وزيراً للعدل ورئيساً للمجلس الأعلى للقضاء. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1443هـ - 2022م.

14 - الشيخ يوسف بن محمد بن سعيد

نائب وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد وعضو هيئة كبار العلماء، حاصل على درجة الدكتوراة في العقيدة. عمل أستاذاً ورئيساً لقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. كلف خطيباً ليوم عرفة في موسم حج 1444هـ - 2023م.

15 - الشيخ ماهر بن حمد المعيقلي

إمام وخطيب المسجد الحرام، حاصل على درجة الدكتوراة في الفقه. يعمل أستاذاً مشاركاً في كلية الدراسات القضائية بجامعة أم القرى. تولى إمامة المصلين في صلاتي التراويح والتهجد بالمسجد النبوي. كلف خطيباً ليوم عرفة هذا العام 1445هـ - 2024م.

 

من كان خطيب عرفة بداية عهد الملك سعود؟

  

هناك لبس يتداول حول شخصية خطيب عرفة خلال السنوات (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م)، ولإيضاح ذلك حاولنا مراجعة المصادر التي تحدثت عن خطباء عرفة في العهد السعودي، ووجدنا أن هناك اختلافاً وتغييراً للمعلومات حول خطيب عرفة خلال تلك السنوات الست.

بعضهم يقول إنه الشيخ عبد الله بن حسن، وآخرون يذهبون إلى أنه ابنه الشيخ محمد، وفريق يرى أنه ابنه الآخر الشيخ عبد العزيز، ووجدنا في هذا التحقيق أن هذه الآراء في مجملها لا تستند إلى معلومات موثقة أو استنتاجات علمية، لكنها مع شديد الأسف تتداول في منصات وقنوات رسمية بشكل واسع.

 ومما يسترعي الانتباه أن بعض الجهات تتبنى رأياً في سنة من السنوات، ثم تغيره في سنة أخرى، دون إيضاح سبب التغيير ودون الإحالة لمصدر.

 وحيث إن هناك 3 أسماء تتداول كخطيب لعرفة خلال تلك السنوات، فسنحاول توضيح بعض التفاصيل حولها، والنتيجة التي وصلنا إليها. بالنسبة للشيخ محمد بن عبد الله، المؤكد أنه خطب عاماً واحداً 1370هـ - 1951م، ونشرت ذلك صحيفة «أم القرى»، وسبب خطبته ذلك العام هو ظروف والده الشيخ عبد الله الصحية التي لم تمكنه من إمامة المصلين حينها، كما أن أخيه الشيخ عبد العزيز كان للتوّ منهياً دراسته في الأزهر، ووفقاً لما أورده السيد أحمد علي الكاظمي أن الشيخ عبد العزيز عيّن «خطيباً وإماماً للحرم، وكأنه لم يرغب في أول الأمر، وأراد أن يستقيل، أو قدم الاستقالة بالفعل، ثم قبل بالوظيفة».

ولا نعلم عن أسباب ذلك، لكننا نرى أن اعتذار الشيخ عبد العزيز هو سبب تكليف الشيخ محمد بإمامة عرفة، حيث لم تشر المصادر إلى أن الشيخ محمد خطب أو أمَّ في المسجد الحرام أو في عرفه قبل أو بعد ذلك.

أما الشيخ عبد العزيز فعند عودته من مصر صدر الأمر بتعيينه إماماً وخطيباً للمسجد الحرام، وكانت خطبته الأولى بعد تعيينه رسمياً يوم الجمعة 25 محرم 1371هـ - 26 أكتوبر 1951م، وهذا متسق مع ما أورده الكاظمي.

منذ ذلك التاريخ بدأ مسيرة حافلة مع الإمامة والخطابة في المسجد الحرام وعلى صعيد عرفة. أما الشيخ عبد الله فتجاوز عمره خلال تلك السنوات 84 عاماً، وهذه نقطة لم يتنبه لها من يؤكدون أنه خطب في عرفة خلال موسم 1371هـ - 1952م وما بعده.

 وبتتبع ظروف الشيخ عبد الله الصحية، يقول ابنه الشيخ حسن: «ولما ضعف بصره استبدل بقراءته قارئاً يصحبه أينما كان، وكثيراً ما تشرفت بالقراءة عليه». ويقول الأستاذ مصطفى عطار: «وقد خفف عنه ارتقاء المنابر ابنه الشيخ عبد العزيز في السنوات الأخيرة».

من كل هذا، يتضح أن الشيخ عبد الله لم تكن صحته تساعده على القيام بأعباء الإمامة والخطابة خلال تلك السنوات، ولم نعثر في المصادر المتوافرة أنه خطب في المسجد الحرام خلال تلك السنوات، بل إنه عندما توفي الملك عبد العزيز، أقيمت صلاة الغائب عليه في المسجد الحرام، بحضور الملك سعود يوم الجمعة 6 ربيع الأول 1373هـ - 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م، وأمّ المصلين الشيخ عبد العزيز الذي خطب خطبة مؤثرة، ولو كان الشيخ عبد الله قادراً على الإمامة لما تأخر حينذاك.

الأمر الآخر أنه منذ دخول مكة تحت حكم الملك عبد العزيز جرى العرف أن الإمام والخطيب الرسمي للمسجد الحرام هو الذي يكلف بخطابة عرفة، وهذا ما كان مع الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ثم الشيخ عبد الله بن حسن، وحينما عجز، عُين الشيخ عبد العزيز إماماً وخطيباً رسمياً، وعلى ذلك يكون الشيخ عبد العزيز هو خطيب عرفة خلال تلك السنوات المختلف عليها (1371 إلى 1376هـ - 1952 إلى 1957م).   

الشعراوي خطيباً ليوم عرفة!

الشيخ محمد الشعراوي

من المعلومات الأخرى غير الدقيقة التي تتداول على نطاق واسع؛ أن الشيخ محمد متولي الشعراوي ألقى خطبة عرفة عام 1396هـ - 1976م، والحقيقة أن ذلك كان تعليقاً للتلفزيون السعودي على البثّ المباشر من عرفات، وفقاً لما ذكره الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.

ويفتح هذا التحقيق باباً مهماً بأن تُولى هذه الجوانب التوثيقية ما تستحقه من عناية من قبل الجامعات ومراكز البحوث المعنية بالتاريخ، وأن يوجه الدارسون والباحثون للتنقيب في زواياها من خلال رسائل وأطروحات علمية، حفظاً لتاريخنا من الاجتهادات والتأويلات.

لقد وضع الملك عبد العزيز أسساً وقواعد لخدمة السعوديين للحرمين الشريفين، سار عليها أبناؤه من بعده واجتهدوا في تطويرها ابتغاءً لمرضاة الله وخدمة لضيوف الرحمن واستشعاراً لمسؤولياتهم التاريخية.

النزاعات المذهبية في الحج

مما يحمد للدولة السعودية أنهم أبعدوا الحج عن النزاعات المذهبية والخلافات العقدية والصراعات السياسية، وفرضوا الأمن الشامل ليتمكن الحاج من أداء نسكه بيسر وطمأنينة. كل ذلك دون تمييز فيما يقدم من خدمات وتسهيلات بين مسلم وآخر ودون البحث عن مكاسب دنيوية. ويكفي المسلمين ما هم فيه من خلاف وتشتت، كما يكفي الحج ما مرّ به من مآسٍ وفواجع تئن منها كتب التاريخ، كل ذلك بسبب استغلال الحج في إثارة النزاعات وتحويله ساحة للصراعات. كانت الحكومة السعودية حازمة وحاسمة ووقفت في وجه كل المحاولات لاستغلال الحج لأغراض سياسية أو لتمرير الأجندات الحركية، صيانة لقدسية المكان وتعظيماً لشعائر الله.

خادم الحرمين الشريفين

لقد تشرف ملوك المملكة العربية السعودية بحمل لقب خادم الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس، واتُخذ لقباً رسمياً بدل جلالة الملك منذ عهد الملك فهد، حتى اليوم، وكانوا أهلاً له، كما برهنوا أنهم أحق به. وستبقى مآثرهم  شاهدة على ما بذلوه من عطاءات لا محدودة وما قدموه من عناية لا ممنونة لخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، ومفخرة من مفاخر المملكة العربية السعودية.

نجاح حج هذا العام 2024

يأتي نجاح موسم حج هذا العام ليثبت للعالم ما يوليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان من عناية ورعاية لتقديم أفضل الخدمات وتسخير كافة الموارد واستنفار كافة الأجهزة والمؤسسات واستخدام أفضل التقنيات لإدارة الحج.

وهنا يجب أن نستذكر أن البناء المؤسسي للهياكل الإدارية للدولة بدأ متزامناً مع أول حج  في عهد الملك عبد العزيز، وكأنما تزامن البناء التنظيمي للدولة مع البناء التنظيمي للحج، وهذه مفارقة تاريخية ليس لها مثيل.

 من هنا، علينا أن ندرك أن علاقة المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين ليست في بعدها الجغرافي أو التاريخي فقط، حيث إنها علاقة وجودية تزامنت فيها تطورات خدمة الحرمين ورعاية قاصديهما مع تطورات بناء الدولة وبناء الإنسان.

 لكن الملمح الأهم أن هذه التطورات غير مسبوقة ولا نظير لها في التاريخ، لا من ناحية توسعات وعمارة الحرمين وخدمة ضيوف الرحمن، ولا من ناحية تطور البناء المؤسسي للدولة خلال زمن قصير بمقياس عمر الأمم، ناهيك عن الشعور الممتد بهذه المسؤولية لدى كل السعوديين أفراداً ومؤسسات.

ولمعرفة أبعاد العلاقة السعودية بالحرمين الشريفين، نجد في  المادتين: المادة الرابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم: «تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة».

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يطل من شرفة زجاجية بالقصر الملكي في مشعر منى خلال الإشراف على راحة وأمن وتنقلات الحجاج

والمادة الثالثة والثلاثين منه: «تنشئ الدولة القوات المسلحة وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن». هذا مع التطبيق والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. من هنا كانت هذه العلاقة المتجذرة والممتدة والمتفوقة على كل ما سبقها نموذجاً متفرداً ومتميزاً عبر التاريخ بكل زواياها وأبعادها، خاصة أنها تنطلق من دوافع دينية وقيمية، ولا يريد السعوديون من ورائها جزاءً ولا شكوراً.


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

الخليج إطلاق «الباقة الشاملة» يأتي ضمن الاستعدادات المبكرة لموسم الحج المقبل (واس)

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية، الاثنين، إطلاق «الباقة الشاملة» لحجاج الخارج لموسم (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

مع اقتراب موعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) للانتخابات النصفية الأميركية، تتجاوز المعركة الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى صراع على الطبقة العاملة والنساء والشباب والمزارعين وسكان الضواحي. وبين تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب والغضب من الأسعار والحرب مع إيران، تبرز كتلة الناخبين المترددين والمحبطين باعتبارها القوة التي قد ترسم الخريطة السياسية الجديدة.

لكن السؤال لم يعد مقتصراً على قدرة الديمقراطيين على انتزاع الأغلبية من الجمهوريين، بل أي أميركا ستذهب إلى صناديق الاقتراع، وأيها ستبقى في منازلها؟ أميركا المدن الكبرى التي يهيمن عليها الديمقراطيون، أم المناطق الريفية التي تشكل العمود الفقري للجمهوريين؟ عمال المصانع الذين استمالهم ترمب بوعوده الصناعية، أم نساء الضواحي القلقات من سياساته؟ الشباب المتطلعون إلى التغيير، أم الناخبون الأكبر سناً الذين اعتادوا المشاركة؟

وراء هذا المشهد، تتشكل خريطة اجتماعية تتداخل فيها الفوارق الجغرافية مع التعليم والدخل والعمر والعرق والمهنة، فيما تعيد تداعيات الحرب مع إيران ترتيب أولويات ناخبين كانت ولاءاتهم تبدو مستقرة.

ناخبون يهتفون ترحيباً بالرئيس السابق باراك أوباما والمرشحين الديمقراطيين ووزيرة الخارجية جوسلين بنسون وعبد السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت بميشيغان (أ.ف.ب)

وتكشف الاستطلاعات عن تحولات لافتة، حيث أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» قبل أيام، تراجع شعبية ترمب إلى 31 في المائة، وتقدم الديمقراطيين في نيات التصويت بنسبة 47 مقابل 35 في المائة. لكن استطلاعاً لجمعية المتقاعدين الأميركيين «إيه إيه آر بي» في 43 دائرة تنافسية بمجلس النواب، أظهر تقدماً ديمقراطياً بـ3 نقاط فقط. والفارق يختصر معضلة الديمقراطيين: التفوق الوطني لا يتحول تلقائياً إلى أغلبية برلمانية. والأهم أن تراجع التأييد لترمب لا يعني انتقال أنصاره إلى الديمقراطيين؛ فبعضهم غاضب لكنه لا يزال محافظاً، وبعضهم يشكك في قدرة الحزبين على تحسين أوضاعه. لذلك، قد تُقرَّر النتائج بأصوات من يغيرون ولاءاتهم، وكذلك من يقررون عدم المشاركة.

المدن والأرياف: انقسام يتجاوز السياسة

بحسب مركز «بيو» للأبحاث، تقدم انتخابات 2024 محطة مهمة لفهم التحولات؛ فقد حصل ترمب على 69 في المائة من أصوات الناخبين الريفيين، مقابل 29 في المائة لكامالا هاريس. وفي المدن، انعكست الصورة: 65 في المائة لهاريس مقابل 33 لترمب. والأهم أن حصة ترمب الريفية ارتفعت من 59 في المائة التي كان حققها في عام 2016 إلى 65 في المائة في 2020، ثم 69 في المائة عام 2024، من دون أن يحقق الديمقراطيون مكاسب مماثلة في المدن.

ويعكس هذا الانقسام تحولات اقتصادية وثقافية؛ ففي المدن حيث تتركز الجامعات والخدمات والتكنولوجيا والوظائف المهنية، يميل الناخبون إلى الديمقراطيين. أما الأرياف التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، فيجد الخطاب الجمهوري بشأن الضرائب والهجرة والهوية الوطنية صدى أوسع. ومع ذلك، الريف ليس كتلة متجانسة، فهو يضم مجتمعات سوداء ولاتينية وبلدات جامعية، مثلما تضم المدن محافظين وأصحاب أعمال صغيرة يتجاوبون مع الجمهوريين.

في المقابل، يواجه الديمقراطيون بدورهم معضلة حسابية؛ فانتصارات المدن لا تكفي إذا واصل الجمهوريون توسيع تقدمهم في المناطق الأقل كثافة. لذا فهم يراهنون على تقليص خسائرهم الريفية، بينما يعوّل الجمهوريون على استمرار تحالف المحافظين والعمال غير الجامعيين. لكن هل تصمد الولاءات الثقافية أمام الضغوط الاقتصادية؟

الضواحي: الطبقة الوسطى تعيد حساباتها

إذا كانت المدن والأرياف معقلَيْن شبه ثابتين للحزبين، فالضواحي هي المنطقة التي تتداخل فيها الهوية السياسية مع المصالح الاقتصادية. ووفق «بيو»، احتفظ الديمقراطيون في انتخابات 2024 بتقدمهم فيها، لكن هذا التقدم تقلص عملياً من 10 نقاط عام 2020 إلى 4 نقاط فقط، ما أسهم في عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وتضم الضواحي موظفين ومهنيين وأصحاب أعمال وعائلات تعتمد على دخلين لتغطية أقساط السكن والتأمين الصحي والتعليم ورعاية الأطفال. وقد تؤيد هذه الفئات خفض الضرائب وتشديد الرقابة على الحدود، لكنها تتحفظ على بعض السياسات الاجتماعية للجمهوريين، كالقيود على الإجهاض مثلاً.

ويراهن الديمقراطيون على استعادة ناخبين خسروهم عام 2024 لأسباب اقتصادية، مستفيدين من تراجع شعبية ترمب. أما الجمهوريون فيحذرون من أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستعني مزيداً من الإنفاق والضرائب.

وتبرز أهمية هذه المنافسة في ولايات بنسلفانيا وميشيغان ونيوجيرسي وأريزونا، حيث تتداخل الضواحي مع المناطق الصناعية والأحياء المتوسطة الدخل. وقد يجمع الناخب الواحد في هذه المناطق، بين موقف محافظ من الهجرة، وموقف ليبرالي من الحقوق الاجتماعية، وقلق متزايد من أسعار السكن والرعاية الصحية.

غير أن التحول نحو الديمقراطيين امتد إلى دوائر أكثر محافظة، حيث نقلت «واشنطن بوست» عن تقرير «كوك» الانتخابي أنه عدّل تصنيف 11 سباقاً للنواب لمصلحتهم، بينها دوائر في أوهايو وكارولاينا الجنوبية وكانساس ونبراسكا. كما أصبحت دائرة في مونتانا فاز فيها ترمب بفارق 12 نقطة عام 2024 ضمن السباقات المتكافئة. وهذا يعني أن الضواحي لم تعد وحدها معرضة للتقلب، بل إن التراجع الجمهوري قد يمتد إلى مناطق كان الحزب يعدّها آمنة نسبياً، ما يفرض عليه توزيع موارده على خريطة أوسع.

لافتة في مصنع في ضواحي أوهايو كتب عليها «طوبى لمن دفعوا ثمن حريتنا» (رويترز)

العمال والمزارعون: ولاء بحسب الأسعار

من مصانع السيارات في ميشيغان إلى حقول الذرة في آيوا، ومن مستودعات النقل في أوهايو إلى الطرق السريعة، يواجه الجمهوريون مفارقة لافتة؛ فبعدما ساعدت فئات بعينها ترمب على الفوز، أصبحت هي نفسها الأكثر عرضة لتداعيات سياساته الاقتصادية والحرب مع إيران، فقد استمال ترمب العمال غير الجامعيين بخطابه المناهض للعولمة وإغلاق المصانع ونقل الوظائف إلى الخارج.

لكن الطبقة العاملة ليست جمهورية بالكامل، فالنقابات الصناعية وبعض المجتمعات العمالية تحتفظ بروابط قوية مع الديمقراطيين، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط. وفي استطلاع «بيو»، تقدم الجمهوريون بين الناخبين الذين لم يتجاوز تعليمهم المرحلة الثانوية بنسبة 39 مقابل 35 في المائة، لكن التعليم لا يعكس بالضرورة الانتماء المهني، فالعمال الصناعيون ليسوا بدورهم كتلة واحدة، وخياراتهم تختلف بحسب القطاعات والنقابات والمناطق ومستوى الأجور.

وتبدو الضغوط أشد في قطاعي الزراعة والنقل، حيث ارتفعت أسعار الديزل بنحو 70 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران، لتبلغ 6.32 دولار للغالون، رغم إجراءات الإدارة لزيادة الإمدادات وتخفيف الضرائب. ويصيب ذلك المزارعين وسائقي الشاحنات مباشرة؛ لأن الوقود يدخل في كلفة الإنتاج والنقل، وليس فقط في النفقات المنزلية.

وفي مؤشر إلى حساسية الموقف، أعلن ترمب أخيراً في أمر تنفيذي برنامجاً بقيمة 8 مليارات دولار لمساعدة المزارعين على تحمل كلفة الديزل خلال موسم الحصاد، عبر توسيع استخدام المعفى من الضرائب في ظروف محددة.

غيرنوت دولنر الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» للسيارات يتحدث إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في جورجيا (رويترز)

لكن المشكلة السياسية للجمهوريين لا تكمن فقط في الأسعار، بل في التناقض بين وعود حماية الاقتصاد المحلي والنتائج التي يلمسها الناخبون، فالرسوم الجمركية التي قدمها ترمب وسيلة لدعم الصناعة الأميركية زادت كلفة المعدات والمواد المستوردة، فيما يضغط ارتفاع الطاقة على أرباح المزارعين وشركات النقل. وهو ما يراهن عليه الديمقراطيون، بينما يعول الجمهوريون على بقاء الروابط الثقافية والمواقف من الهجرة والتجارة أقوى من الغضب الاقتصادي. وقد تكون النتيجة تراجع المشاركة الجمهورية في بعض المناطق، لا انتقالاً جماعياً إلى الديمقراطيين، وهذا فارق مهم في الدوائر التي اعتاد الجمهوريون الفوز بها بهوامش ضيقة.

النساء والشباب: أصوات التغيير

يشكل الناخبون من النساء والشباب قاعدتين أساسيتين للتفوق الديمقراطي، لكنهما تختلفان في الأولويات والسلوك الانتخابي. كما أن الانقسامات داخلهما لا تقل أهمية عن الفوارق بين الحزبين.

ناخبون يسلّمون بطاقات اقتراعهم في فعالية "تحرّك للتصويت" في حديقة سيول الدولية في لوس أنجلوس، كاليفورنيا (أ ب إ)

بحسب «بيو»، يتقدم الديمقراطيون بين النساء بنسبة 45 مقابل 31 في المائة، بينما يتعادل الحزبان بين الرجال عند 42 في المائة. وفي استطلاع «رويترز/إبسوس» الأحدث، اتسع تقدم الديمقراطيين بين النساء إلى 50 مقابل 32 في المائة. وتظل قضية الإجهاض عاملاً مهماً في تعبئة الناخبات، خصوصاً في الضواحي. لكن كلفة المعيشة والرعاية الصحية ورعاية الأطفال تضيف أبعاداً اقتصادية إلى خياراتهن، فالمرأة الجامعية في إحدى الضواحي تختلف سياسياً عن امرأة تعمل في قطاع الخدمات بمنطقة ريفية، رغم اشتراكهما في الضغوط المعيشية.

أما الشباب بين 18 و29 عاماً، فيفضلون الديمقراطيين بنسبة 51 مقابل 23 في المائة، لكن ربعهم تقريباً لم يحسم خياره أو يفضل مرشحاً آخر. وفي استطلاع لمركز «سايكل» بجامعة تافتس، شمل أكثر من 5500 شاب وشابة، قال 56 في المائة إنهم مرجحون للغاية للمشاركة، فيما أبدى 41 في المائة استعداداً أكبر للتصويت إذا توافرت أحزاب أو شخصيات تمثل جيلهم بصورة أفضل. وهذا يعني أن الشباب ليسوا بالضرورة متحمسين للديمقراطيين بقدر رغبتهم في تغيير الوضع القائم.

كما أن مكاسب ترمب بين بعض الشباب، خصوصاً الرجال، عام 2024 لا تعني تحولهم إلى جمهوريين ثابتين. فالقلق من فرص العمل وكلفة السكن والحرب يمكن أن يدفعهم إلى تغيير خياراتهم مجدداً، أو الابتعاد عن الصناديق.

وتبرز أهمية المقترعين للمرة الأولى، الذين لا يحملون بالضرورة ولاءات حزبية متوارثة، لكنهم أكثر عرضة لضعف المشاركة. لهذا، قد لا تكفي الأفضلية الديمقراطية بين الشباب والنساء ما لم تتحول إلى إقبال فعلي، خصوصاً في المدن الجامعية والضواحي المتنافسة.

ملاحظة كتب عليها «ديمقراطيتنا تعتمد على ذلك» خلال فعالية «تحرّك للتصويت» التي أقيمت في حديقة «سيول الدولية» في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

الأقليات: مكاسب على المحك

كان توسيع ترمب حضوره بين بعض الناخبين اللاتينيين والرجال من الأقليات أحد أبرز تحولات 2024، ما أضعف الافتراض بأن التنوع العرقي يصب تلقائياً في مصلحة الديمقراطيين. لكن استطلاعات 2026 تشير إلى أن هذه المكاسب لم تتحول إلى ولاء جمهوري مستقر. وبحسب «بيو»، يفضل 51 في المائة من الناخبين اللاتينيين الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين. وبين الناخبين السود، تبلغ النسبتان 70 و7 في المائة، وبين الآسيويين 56 و16 في المائة. لكن هذه الأرقام لا تعني عودة تلقائية للتحالف الديمقراطي القديم، فالناخبون اللاتينيون يختلفون في أصولهم ودخولهم وأجيالهم ومناطق إقامتهم، ولا تتقدم الهجرة دائماً على الاقتصاد والرعاية الصحية في أولوياتهم.

وتقدم إحدى الدوائر في كولورادو مثالاً لافتاً، حيث عرضت «واشنطن بوست» حالة عاملة صناعية من أصل مكسيكي، لا تنتمي إلى أي حزب، مترددة بين مرشح ديمقراطي تفضل موقفه من الرعاية الصحية، وآخر جمهوري تتجاوب مع سياساته في مجال الطاقة المؤثرة في دخل أسرتها. وتختصر هذه الصورة طبيعة المنافسة؛ الناخب نفسه قد يكون ديمقراطياً في قضية وجمهورياً في أخرى، ما يجعل تصنيفه وفق انتمائه العرقي وحده غير كاف لتوقع تصويته.

وبينما يراهن الديمقراطيون على استعادة أصوات خسروها في 2024، خصوصاً بين اللاتينيين والناخبين الأصغر سناً، يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على اختراقاتهم داخل الطبقة العاملة متعددة الأعراق. وقد تحسم النتائج قدرة الحزبين على مخاطبة هذه الفئات بعدّها جماعات اقتصادية واجتماعية، لا مجرد كتل عرقية.

مشاركون في تجمّع انتخابي في ميشيغان وبدا أحدهم يعتمر قبعة «ماغا» (رويترز)

كبار السن والمستقلون: قوة صامتة

رغم التركيز على الشباب، قد يكون كبار السن أكثر تأثيراً بسبب انتظام تصويتهم. ففي استطلاع «إيه إيه آر بي» الذي شمل 43 دائرة متنافسة، قال 83 في المالئة من الناخبين فوق الخمسين إنهم متحمسون للغاية للتصويت، مقابل 66 في المائة ممن تقل أعمارهم عن الخمسين. ويتقدم الجمهوريون بين الأكبر سناً بنسبة 53 مقابل 43 في المائة، بينما يتقدم الديمقراطيون بين الأصغر سناً بنسبة 60 مقابل 34 في المائة.

وهنا تكمن معضلة الديمقراطيين؛ فالفئات الأكثر ميلاً إليهم ليست بالضرورة الأكثر انتظاماً في التصويت. لكن الاستطلاع أظهر أيضاً أن 21 في المائة من الناخبين فوق الخمسين في الدوائر المتنافسة لا يزالون قابلين للإقناع، وتتصدر أولوياتهم الأسعار والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

أما المستقلون فيفضل 40 في المائة منهم الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين، فيما لم يحسم 27 في المائة موقفهم، بحسب «بيو». وهذه كتلة قد تؤثر بصورة غير متناسبة في السباقات المتقاربة، خصوصاً إذا كان قرارها مرتبطاً بالأداء الاقتصادي أكثر من الانتماء الحزبي. والأكثر دلالة أن 77 في المائة ممن صوتوا لترمب عام 2024 يعتزمون تأييد مرشحين جمهوريين، مقابل 87 في المائة من ناخبي هاريس يعتزمون التصويت للديمقراطيين. وبين ناخبي ترمب ذوي النظرة السلبية للجمهوريين، لا يعلن سوى 49 في المائة تأييدهم لمرشحيهم، فيما يتوزع الباقون بين التردد وخيارات أخرى.

وهذا يعني أن الديمقراطيين قد يستفيدون من تراجع حماسة جزء من ناخبي ترمب، من دون إقناعهم بالتصويت لهم. لكن احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس قد تدفع هؤلاء أيضاً إلى المشاركة دفاعاً عن الرئيس وأجندته.

تظهر انتخابية تدعم فيفيك راماسوامي المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أوهايو إلى جانب لافتات أخرى في ولاية أوهايو (رويترز)

الرهان الأخير: من يخرج للتصويت؟

قبل أقل من أسبوعين على الاقتراع، تبدو البيئة السياسية أكثر ملاءمة للديمقراطيين، لكن السيطرة على مجلسي الكونغرس ليست محسومة؛ ففي مجلس النواب، يحتاج الديمقراطيون إلى 3 مقاعد لانتزاع الأغلبية. أما مجلس الشيوخ، حيث يسيطر الجمهوريون على 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فيحتاجون إلى 4 مقاعد إضافية.

وبحسب مؤسسة «رول كول» ارتفع عدد الولايات التي تشهد سباقات تنافسية لمجلس الشيوخ من 5 إلى 13، مع اضطرار الجمهوريين للدفاع عن مقاعد في آيوا وكانساس وتكساس وألاسكا. وكشفت «أسوشييتد برس» عن إعادة توزيع الإنفاق الجمهوري بين دوائر مجلس النواب، بينما وسّع الديمقراطيون استثماراتهم إلى مناطق كانت تعدُّ آمنة نسبياً لمنافسيهم. ويراهن الديمقراطيون على تعبئة المدن والنساء والشباب والأقليات والضواحي، مع تقليص خسائرهم الصناعية والريفية.

أما الجمهوريون فيعولون على تماسك قاعدتهم المحافظة والريفية، واستمرار تأييد قطاعات العمال، والتفوق في مشاركة كبار السن.

وتبقى الأسعار القاسم المشترك، بحسب استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الأخير، الذي أظهر أن 85 في المائة من الناخبين يعتبرون الاقتصاد قضية أساسية، و84 في المائة كلفة المعيشة، فيما يضع 64 في المائة حرب إيران ضمن أولوياتهم.

لكن الغضب الاقتصادي قد يؤدي إلى تغيير الأصوات، أو الامتناع عن التصويت، أو تعزيز الولاءات السابقة إذا غاب البديل المقنع. وتظهر هذه الاحتمالات في محاولات الديمقراطيين استعادة حضورهم في ولايات ريفية عبر التركيز على المشكلات المحلية وكلفة الوقود والأسمدة وتأثير سياسات الهجرة على اليد العاملة، بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة ترمب.

وقد تصنع بضعة آلاف من الأصوات في دوائر محددة الفارق بين انتصار ديمقراطي واسع واحتفاظ الجمهوريين بأحد مجلسي الكونغرس. وفي هذه المسافة بين الانتماء الحزبي والقلق المعيشي، قد يتحدد مصير الكونغرس، وربما ما تبقى من ولاية ترمب الثانية.


أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.


الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».