بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
TT

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)
القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية، فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي، بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا على التعامل مع التهديدات المحتملة. هذا الشعور هو ما يدفعك مثلاً إلى القفز فزعاً عندما تظن أنك رأيت ثعباناً أثناء نزهة في الطبيعة، قبل أن تكتشف أنه مجرد غصن، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ولا يقتصر القلق على المواقف المفاجئة، بل يظهر أيضاً في مواقف مألوفة؛ مثل ارتجاف الصوت، وتعرّق اليدين قبل عرض تقديمي، أو في موعد مهم، أو حتى في صورة أفكار متكررة تُبقيك مستيقظاً في ساعات متأخرة من الليل.

في العادة، يطوّر معظم الناس أساليب خاصة للتعامل مع هذه المشاعر، تمنحهم قدراً من السيطرة والطمأنينة؛ مثل التحقق المتكرر من الاستعدادات قبل حدث مهم، أو طلب الدعم من شخص مقرّب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: متى تظل هذه السلوكيات ضمن الإطار الطبيعي؟ ومتى تتحول إلى مؤشر على اضطراب القلق أو حتى الوسواس القهري؟

يشير اختصاصيون نفسيون سريريون إلى أن هذا الالتباس أصبح شائعاً، خصوصاً مع ازدياد الحديث عن الوسواس القهري على وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، من المهم فهم الفروق الدقيقة بين القلق الطبيعي، واضطرابات القلق، والوسواس القهري، وكذلك طرق التعامل مع كل منها.

متى يصبح القلق مشكلة تستدعي الانتباه؟

يتحوّل القلق من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً، ويبدأ في التأثير سلباً على الحياة اليومية. وتشير التقديرات إلى أن نحو شخص واحد من كل ثلاثة قد يُصاب باضطراب قلق في مرحلة ما من حياته.

ومن أكثر اضطرابات القلق شيوعاً:

- اضطراب القلق الاجتماعي، الذي يتمثل في الخوف من المواقف الاجتماعية.

- اضطراب الهلع، الذي يتضمن نوبات متكررة من الهلع والخوف من تكرارها.

- اضطراب القلق العام، الذي يتميز بقلق مفرط ومستمر يصعب السيطرة عليه.

ورغم اختلاف الأعراض بين هذه الأنواع، فإنها تشترك جميعاً في سمة أساسية، وهي القلق المفرط الذي يسبب ضيقاً نفسياً، وقد يدفع الشخص إلى تجنّب مواقف مهمة في حياته، مثل العمل أو الدراسة أو التفاعل الاجتماعي.

ماذا عن الوسواس القهري؟

على الرغم من أن الوسواس القهري يتضمن القلق، فإنه يُعدّ اضطراباً مستقلاً في التصنيفات التشخيصية المعتمدة لدى المتخصصين. ومن الممكن أن يُصاب الشخص بالوسواس القهري إلى جانب أحد اضطرابات القلق، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين نصف إلى ثلاثة أرباع المصابين به يعانون أيضاً من شكل من أشكال القلق.

يتجلّى الوسواس القهري في صورتين رئيسيتين:

أفكار وسواسية: وهي أفكار أو صور أو دوافع مُلحّة ومزعجة، مثل الخوف الشديد من التلوث، أو تخيّل إيذاء الآخرين، أو الإحساس المتكرر بارتكاب خطأ جسيم.

أفعال قهرية: وهي سلوكيات أو طقوس متكررة يقوم بها الشخص لتخفيف القلق الناتج عن تلك الأفكار، مثل التحقق المتكرر، أو تكرار عبارات معينة، أو غسل اليدين بشكل مفرط، أو طلب الطمأنينة بشكل دائم.

ومن المهم الإشارة إلى أن كثيراً من الناس قد يمرّون بأفكار غير مرغوب فيها أو يميلون إلى التحقق أحياناً من بعض الأمور اليومية، مثل التأكد من إطفاء الفرن. كما أن حب النظام أو الالتزام بروتين معين لا يعني بالضرورة وجود اضطراب.

لكن الفارق الجوهري يكمن في شدة هذه السلوكيات وتأثيرها. فإذا أصبحت الوساوس أو الأفعال القهرية تستغرق وقتاً طويلاً، أو تسبب ضيقاً شديداً، أو تعيق أداء الشخص في حياته اليومية، فقد يكون ذلك مؤشراً على الوسواس القهري.

ومن التحديات المرتبطة بهذا الاضطراب أنه لا يُشخَّص دائماً بسهولة، إذ قد تكون بعض الأفعال القهرية ذهنية وغير ظاهرة، مثل العدّ أو تكرار عبارات داخلية. كما قد يلجأ بعض المصابين إلى إخفاء أعراضهم بسبب الشعور بالحرج.

هل تختلف طرق العلاج؟

رغم وجود أوجه تشابه بين اضطرابات القلق والوسواس القهري، خصوصاً من حيث الأفكار المتكررة والمزعجة، فإن الآليات النفسية التي تقف وراء كل منهما تختلف، وهو ما ينعكس على أساليب العلاج.

يُعدّ العلاج السلوكي المعرفي من أكثر الأساليب فاعلية في الحالتين، إلا أن تطبيقه يختلف:

في الوسواس القهري، يُستخدم أسلوب متخصص يُعرف بـ«التعرّض ومنع الاستجابة»، حيث يواجه المريض تدريجياً المواقف التي تثير القلق، مع الامتناع عن أداء السلوك القهري.

في اضطرابات القلق، يركّز العلاج على فهم أنماط القلق، وتحدي المعتقدات التي تغذّيه، وتطوير مهارات عملية للتعامل مع الضغوط، مثل حل المشكلات واتخاذ خطوات تدريجية للتغلب على المخاوف.

كما يمكن أن تلعب بعض الأدوية، مثل مضادات الاكتئاب (خصوصاً مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية)، دوراً مهماً في علاج الحالتين، تحت إشراف طبي متخصص.

وفي الخلاصة، القلق شعور إنساني طبيعي، لكنه قد يتحول إلى اضطراب عندما يتجاوز حدوده ويؤثر في جودة الحياة. أما الوسواس القهري، فهو حالة أكثر تعقيداً تتطلب فهماً دقيقاً وتشخيصاً متخصصاً. وبين هذا وذاك، يظل الوعي بالفروق بينهما خطوة أساسية نحو طلب المساعدة المناسبة، وتحقيق توازن نفسي أفضل.


مقالات ذات صلة

معظم حالات الإساءة الجسدية للأطفال تقع داخل الأسرة

صحتك معظم حالات الإساءة الجسدية للأطفال تقع داخل الأسرة

معظم حالات الإساءة الجسدية للأطفال تقع داخل الأسرة

مخاطر على صحتهم لحدوثها في مرحلة التكوين النفسي لهم

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك الإرهاق الذهني يؤثر سلباً في حالتك المزاجية فتجد نفسك أكثر عرضة للغضب والانزعاج (بيكسلز)

عقلك يطلب الراحة... 9 علامات تكشف إصابتك بالإرهاق الذهني

قد تشعر أحياناً بأنك عاجز عن التركيز، أو سريع الانفعال، أو غير قادر على إنجاز أبسط المهام، رغم أنك لم تبذل مجهوداً بدنياً كبيراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ساعتك البيولوجية تعمل بكفاءة أكبر عندما تلتزم بجدول نوم منتظم (بيكسلز)

هل أنت من محبي الصباح أم السهر؟... السرّ في ساعتك البيولوجية

رغم أنك لا تستطيع سماع دقاتها، فإن جسمك يمتلك ساعة داخلية خاصة به، تنظم العديد من وظائفه على مدار اليوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الانشغال المستمر بمتابعة تنبيهات الأخبار ورسائل البريد الإلكتروني قد يؤدي إلى تشتيت انتباهك عن مهامك اليومية (بيكسلز)

هل تسيطر التكنولوجيا على يومك؟ 6 طرق لاستعادة التوازن

أصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزَّأ من حياتنا اليومية، من الساعات الذكية والهواتف المحمولة إلى الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أفراد القوات البريطانية طُلب منهم استبدال الرسائل المطوّلة بتحديثات موجزة تتضمن رموزاً تعبيرية (رويترز)

توجيهات جديدة للجنود البريطانيين: استراحات من الشاشات واستخدام «الإيموجي» لتخفيف التوتر

أفاد تقرير بأن وزارة الدفاع البريطانية أصدرت توجيهات بشأن الصحة والسلامة، تحث الجنود على الابتعاد عن الشاشات لمدة 10 دقائق كل ساعة، واستخدام «الإيموجي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركات الأدوية تتجه إلى الفضاء بحثاً عن أدوية جديدة للسرطان

صورة نشرتها شركة «فاردا سبيس إندستريز» لإحدى الكبسولات التي أرسلتها للفضاء
صورة نشرتها شركة «فاردا سبيس إندستريز» لإحدى الكبسولات التي أرسلتها للفضاء
TT

شركات الأدوية تتجه إلى الفضاء بحثاً عن أدوية جديدة للسرطان

صورة نشرتها شركة «فاردا سبيس إندستريز» لإحدى الكبسولات التي أرسلتها للفضاء
صورة نشرتها شركة «فاردا سبيس إندستريز» لإحدى الكبسولات التي أرسلتها للفضاء

في سباق علمي يتجاوز حدود الأرض، تتجه شركات متخصصة في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا إلى الفضاء بحثاً عن طرق جديدة لتطوير الأدوية وعلاج السرطان، مستفيدة من ظروف انعدام الجاذبية التي قد تتيح إنتاج بلورات دوائية أكثر انتظاماً وجودة، بما يفتح الباب أمام تطوير علاجات يسهل إعطاؤها للمرضى بدلاً من بعض طرق الحقن الوريدي المعقدة.

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فعلى ارتفاع نحو 480 كيلومتراً فوق سطح الأرض، تدور حالياً 3 كبسولات بحجم غسالات الملابس، تحمل تجارب علمية تتعلق بإنتاج بلورات صغيرة لمادة دوائية محتملة لعلاج السرطان، إلى جانب اختبار مواد مقاومة للحرارة وأنظمة الملاحة اللازمة لعودة المركبات إلى الأرض بسرعات فائقة.

وتعود هذه المركبات إلى شركة «فاردا سبيس إندستريز» الأميركية، التي تسعى إلى إنشاء أسطول من المصانع الدوائية المدارية.

وتتمثل إحدى أهم مزايا التصنيع في الفضاء في غياب تأثير الجاذبية، إذ تؤدي الجاذبية على الأرض إلى ترسب الجزيئات العالقة في السوائل، ما يؤثر في نمو البلورات وانتظامها.

وقالت الدكتورة ميغان كريستيان، المسؤولة عن إدارة مهام التصنيع في الفضاء لدى «مركز تطبيقات الأقمار الاصطناعية» البريطاني، إن التخلص من هذه التأثيرات يسمح بنمو البلورات بطريقة أكثر انتظاماً.

وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة في الصناعات الدوائية، لأن حجم البلورات وشكلها وترتيبها يؤثر في سرعة ذوبان الدواء واستقراره وطريقة إعطائه للمريض، وقد تتيح هذه التقنية إعادة تطوير بعض الأدوية التي تحتاج حالياً إلى التسريب الوريدي، لتصبح في صورة حقن أكثر سهولة وملاءمة للاستخدام.

وفي السياق نفسه، تعمل شركة «بايو أوربت» البريطانية على تطوير مختبرات فضائية متخصصة، وأرسلت مؤخراً مختبراً بحجم فرن الميكروويف إلى محطة الفضاء الدولية، باعتباره خطوة نحو إنتاج أدوية لعلاج السرطان يمكن للمرضى حقنها بأنفسهم.

وتعتمد شركة «فاردا» على مركبات ذاتية التشغيل تحمل مختبرات صغيرة إلى المدار؛ حيث تُجرى عمليات معالجة المواد وإنتاج البلورات دون الحاجة إلى وجود رواد فضاء. وبعد انتهاء التجارب، تنفصل الكبسولة عن المركبة، وتعود عبر الغلاف الجوي للأرض قبل أن تهبط باستخدام مظلة في منطقة غير مأهولة.

وتُعد الشركة من أبرز الجهات التي قطعت شوطاً في اختبار هذا النموذج، بعدما نجحت بالفعل في إعادة عدد من الكبسولات من المدار إلى الأرض، وتخطط لتنفيذ 7 بعثات إضافية خلال عام 2027، و10 بعثات أخرى في عام 2028.


دراسة: أدوية «جي إل بي-1» قد تتفوق على العلاجات التقليدية في الوقاية من السكري

يُعرف السكري بأنه من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً (رويترز)
يُعرف السكري بأنه من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً (رويترز)
TT

دراسة: أدوية «جي إل بي-1» قد تتفوق على العلاجات التقليدية في الوقاية من السكري

يُعرف السكري بأنه من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً (رويترز)
يُعرف السكري بأنه من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً (رويترز)

كشفت بيانات ستُعرض في اجتماع «جمعية القلب الأميركية» أن الأدوية التي تحاكي عمل هرمون «جي إل بي-1» قد تساعد على الوقاية من الإصابة بداء السكري من النوع الثاني وتقليل خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية لدى مَن هم في مرحلة ما قبل السكري بشكل أكثر فاعلية من العلاج الحالي المعتاد.

وراجع الباحثون السجلات الطبية لأكثر من 256 ألف بالغ في مرحلة ما قبل السكري ويعانون من السمنة، وكان نحو نصفهم يتناولون أدوية «جي إل بي-1»، مثل «سيماغلوتيد» أو «تيرزيباتيد» أو «ليراغلوتيد» أو «دولاغلوتيد».

وتبيع شركة «نوفو نورديسك» عقارَي «سيماغلوتيد» و«ليراغلوتيد» لعلاج السكري تحت اسمي «أوزيمبيك» و«فيكتوزا». أما شركة «إيلاي ليلي» فتبيع «التيرزيباتيد» و«الدولاغلوتيد» لمرضى داء السكري تحت اسمَي «مونجارو» و«تروليسيتي».

اختبار نسبة السكر في الدم لمريض بالسكري (رويترز)

أما النصف الآخر، فكان يتناول دواء «ميتفورمين»، وهو علاج يوصف عادة لمَن هم في مرحلة ما قبل السكري.

وخلال فترة الدراسة، التي استمرَّت 3 سنوات، كانت فرصة إعادة مستويات السكر المرتفعة في الدم إلى طبيعتها أعلى بنسبة 50 في المائة، ومخاطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني أقل بنسبة 31 في المائة.

ومخاطر الوفاة لأي سبب أقل بنسبة 41 في المائة، لدى المرضى الذين يتناولون أدوية «جي إل بي-1» مقارنة بالذين يتناولون «ميتفورمين».

وجاء في ملخص للدراسة أن أدوية «جي إل بي-1» ارتبطت أيضاً بانخفاض الإصابة بالأزمات القلبية بنسبة 15 في المائة، وبالسكتات الدماغية بنسبة 20 في المائة، وبقصور القلب بنسبة 25 في المائة، وبعدم انتظام ضربات القلب المعروف باسم الرجفان الأذيني بنسبة 8 في المائة.

وقال الدكتور فينيسيوس دو سوزا بارزون سيرا القائم على إعداد الدراسة، وهو من عيادة مايو في سكوتسديل بولاية أريزونا، في بيان: «قد تخلق هذه الدراسة سبباً آخر للنظر في وصف أدوية (جي إل بي-1) في مرحلة مبكرة لبعض المرضى بدلاً من الانتظار حتى يصابوا بالسكري من النوع الثاني».

وقال الدكتور روبرت إيكل الرئيس السابق لجمعية القلب، وهو لم يشارك في الدراسة، في بيان إن الفوائد مرتبطة على الأرجح بفقدان الوزن المعروف بأنه يساعد على الوقاية من داء السكري من النوع الثاني.

ومع ذلك قال سيرا: «إن (ميتفورمين) لا يزال هو خيار العلاج الأول لأنه آمن وغير مكلف، وله سجل حافل بالاستخدام».


60 غراماً من الفول السوداني يومياً... ماذا تفعل بالدماغ؟

الفول السوداني يغازل الذاكرة (بكسلز)
الفول السوداني يغازل الذاكرة (بكسلز)
TT

60 غراماً من الفول السوداني يومياً... ماذا تفعل بالدماغ؟

الفول السوداني يغازل الذاكرة (بكسلز)
الفول السوداني يغازل الذاكرة (بكسلز)

أظهرت دراسة جديدة وصغيرة أنّ تناول الفول السوداني بانتظام يمكن أن يُغيّر طريقة استجابة منطقة الدماغ المعنية بتكوين الذاكرة للإنسولين، وقد تقود هذه الدراسة إلى إرشادات غذائية جديدة للمعرّضين لخطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

والإنسولين، المعروف أساساً بدوره في تنظيم سكر الدم، يؤدّي كذلك دوراً أساسياً في الدماغ، إذ يساعد الخلايا العصبية على النمو والبقاء والتواصل فيما بينها.

ومن المعروف أنّ هذه العملية الدماغية تشكّل ركيزة أساسية لدعم تكوين الذاكرة وغيرها من القدرات الإدراكية.

كما أظهرت بحوث سابقة أن سلامة إشارات الإنسولين في الدماغ قد توفر الحماية ضد العمليات ذات الصلة بمرض ألزهايمر.

وقال بيتر جوريس، أحد مؤلّفي الدراسة الجديدة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «الغذاء والوظائف»: «يؤدّي هرمون الإنسولين دوراً مهماً في الدماغ، فيدعم الذاكرة وغيرها من العمليات الإدراكية. ومع التقدُّم في العمر، قد تقل استجابة الدماغ للإنسولين، وهو ما ارتبط بتراجع القدرات الإدراكية المرتبط بالتقدُّم في السنّ».

وقد توصل العلماء الآن إلى أنّ تناول الفول السوداني غير المملَّح والمحمّص بقشرته يومياً أثّر تأثيراً إيجابياً في استجابة الإنسولين في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة لدى كبار السنّ.

وفي هذه الدراسة، تناول 31 بالغاً سليماً تتراوح أعمارهم بين 60 و75 عاماً 60 غراماً من الفول السوداني (ما يعادل حصتين تقريباً) يومياً على مدى 16 أسبوعاً.

وقد قُدّم الفول السوداني في عبوات محددة الوزن مسبقاً، محمّصاً بقشرته، طوال مدة الدراسة.

وكان بإمكان المشاركين تناول الفول السوداني في الصباح أو بعد الظهر، واختيار طريقة إدراجه في روتينهم اليومي، إما بتناول الحصة كاملة دفعة واحدة، أو بتقسيمها إلى كميات أصغر على مدار اليوم.

ثم امتنع المشاركون تماماً عن تناول الفول السوداني خلال مرحلة ضابطة.

وقد أجرى الباحثون قياسات لصحة الدماغ لدى المشاركين باستخدام الفحوص بالرنين المغناطيسي، وقارنوها في ظلّ النهجين الغذائيين كليهما.

ووجدوا أنّ تناول الفول السوداني على مدى 16 أسبوعاً رفع تدفّق الدم الكلّي في الدماغ بنحو 4 في المائة، كما عزَّز استجابة الإنسولين في مناطق معنية بالذاكرة، مثل منطقة «الحُصين».

وقال الدكتور جوريس: «تشير هذه النتائج إلى أن تحسن استجابة الإنسولين في مناطق معيّنة من الدماغ قد يسهم في الفوائد الإدراكية الناجمة عن تناول الفول السوداني المحمص بقشره وغير المملَّح».

ويقول العلماء إنّ مكوّنات في الفول السوداني قد تكون وراء التأثيرات الملحوظة، لا عنصر غذائي واحد بعينه.

وأضاف الدكتور جوريس: «قد تسهم عناصر غذائية متعدّدة موجودة في الفول السوداني، ومنها الدهون غير المشبَّعة، والألياف الغذائية، والفيتامينات، والمعادن، والمركبات النباتية الفعالة حيوياً، في الفوائد الملحوظة للدماغ».

ثم استطرد: «والفول السوداني مصدر جيد للبروتين النباتي، وهو غني بصورة خاصة بالأرجينين. والأرجينين مادة أولية رئيسية لإنتاج أكسيد النيتريك، الذي أفادت تقارير بأنه يسهّل التعلم ويعزّز أداء الذاكرة».

وبصفة عامة، يشير البحث، وفق العلماء، إلى أنّ تناول نحو 60 غراماً يومياً من الفول السوداني المحمص بقشره وغير المملَّح على مدى 16 أسبوعاً قد يكون مفيداً لاستجابة الدماغ للإنسولين لدى كبار السنّ.