«السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

«إف تي آي كونسلتنج» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» يمكن أن تكون سيادية رغم اعتمادها على تقنيات أجنبية

السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
TT

«السيادة الرقمية» تحت الاختبار... كيف تحافظ دول الخليج على السيطرة واستمرارية الخدمات عند الاضطرابات؟

السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)
السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد توطين البيانات بل تتطلب سيطرة فعلية على الوصول والتشغيل والتدقيق ونقل الأنظمة واستعادتها (أدوبي)

مع توسع دول الخليج في بناء مراكز البيانات ومصانع الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال لا يتعلق بحجم القدرة الحوسبية فقط، بل بمن يملك السيطرة عليها إذا تعطّلت سلسلة التوريد أو تغيرت شروط المورد أو انقطعت مسارات الاتصال. ويضع خافيير ألفاريز، مدير تنفيذي ورئيس قسم التكنولوجيا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا «إف تي آي كونسلتنج»، القدرة على الاحتفاظ بـ«حرية التصرف» في قلب مفهوم السيادة الرقمية، لافتاً إلى أن الاستقلال لا يعني بالضرورة التخلص من كل مورد خارجي، بل القدرة على مواصلة التشغيل واتخاذ القرار عند حدوث اضطراب.

ويفرّق ألفاريز، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، بين مفهومَي السيادة والمرونة اللذَيْن يرتبطان عادة في النقاش حول البنية التحتية الرقمية. فالسيادة تتعلق بمن يملك سلطة الوصول والإدارة والتدقيق والعزل، في حين ترتبط المرونة بقدرة الخدمة على الاستمرار عند انقطاع كابل أو وقوع هجوم سيبراني أو تعطل الطاقة أو أحد الموردين أو حتى فقدان موقع كامل. ويؤكد ألفاريز أن وجود أحدهما لا يضمن الآخر.

خافيير ألفاريز، مدير تنفيذي ورئيس قسم التكنولوجيا في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

توطين البيانات ليس مرادفاً للسيادة

وجود الخوادم ومراكز الحوسبة داخل الحدود الوطنية يمثّل جزءاً من الصورة، لكنه لا يحسم مسألة السيادة. ويوضح ألفاريز أن إقامة البيانات تحدد مكان وجودها مادياً، لكنها لا تحدد بالضرورة من يستطيع الوصول إليها أو إدارتها أو تعطيل الخدمة المرتبطة بها.

وقد يكون الخادم موجوداً في الرياض أو في مدينة أخرى، فيما تظل إدارته مرتبطة عن بُعد بمزود أجنبي أو خاضعة لولاية قضائية خارجية، كما قد يعتمد تشغيله على تراخيص احتكارية تجعل الانتقال إلى منصة أخرى معقداً.

ويشير ألفاريز إلى أنه ينبغي النظر إلى موقع البيانات، والولاية القضائية للمزود، ومن يملك حق الوصول التقني، ومدى قدرة المؤسسة على الاستمرار أو الخروج من علاقة الاعتماد على المزود. ويضيف أن السيادة الفعلية تتطلّب أيضاً احتفاظ العميل بمفاتيح التشفير، وتقييد صلاحيات المسؤولين الخارجيين، ورؤية أوضح لسلسلة التوريد، وإمكانية نقل أحمال العمل، ووجود كفاءات تشغيلية محلية. ويصرح بأن التوطين «يتحول إلى سيادة فقط عندما يستطيع العميل التشغيل والتدقيق والتبديل والاستعادة بصورة مستقلة».

عندما يتحول التوطين إلى نقطة ضعف

يمكن لقواعد التوطين الصارمة، إذا صُمّمت من دون تنويع حقيقي، أن تستبدل تركيز المخاطر داخل الدولة نفسها بالاعتماد الخارجي. فقد تبدو عدة مراكز بيانات مستقلة على الورق، في حين تعتمد جميعها على المنطقة الحضرية ذاتها، أو محطة كهرباء واحدة، أو مسار ألياف ضوئية مشترك، أو منصة تحكم سحابية واحدة، أو حتى فريق هندسي واحد. ويلفت ألفاريز إلى أن التنظيم يجب ألا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت المنشأة داخل الحدود، بل أن يختبر الفصل الجغرافي ومصادر الطاقة ومسارات الاتصال والموردين والفرق التشغيلية.

ويستشهد بكابل «Saudi Vision Cable» الذي يمتلك أربع نقاط إنزال على البحر الأحمر في جدة وينبع وضباء وحقل، باعتباره نموذجاً لقيمة توزيع نقاط الوصول بدلاً من الاعتماد على بوابة واحدة. ويصف الهدف المطلوب بأنه «تنوع سيادي»، بحيث تبقى أحمال العمل الحيوية تحت السيطرة الوطنية، لكنها موزعة على مواقع ومسارات مستقلة فعلياً.

«إف تي آي دلتا»: تركيز مراكز البيانات ومسارات الاتصال داخل منطقة واحدة قد يخلق نقطة فشل مشتركة رغم بقاء البنية التحتية داخل الحدود الوطنية (أدوبي)

حساسية البيانات

لا يعني تعزيز السيادة أن تبقى كل نسخة من كل معلومة داخل موقع واحد. ويقترح ألفاريز أن تعتمد دول مجلس التعاون نموذجاً متعدد المستويات عند تحديد كيفية تكرار البيانات وأحمال العمل خلال الأزمات.

فالأنظمة الدفاعية والمصنفة قد تتطلّب تشغيلاً محلياً معزولاً واحتفاظاً وطنياً حصرياً بمفاتيح التشفير، فيما يمكن للخدمات الحكومية والبيانات المنظمة أن تبقى تحت السيطرة المحلية مع وجود نسخ احتياطية مشفرة أو بيئات جاهزة للعمل في دولة خليجية معتمدة. أما البيانات الأقل حساسية فيمكن توزيعها عبر بنية متعددة المناطق.

ويشير إلى نموذج «ممرات الذكاء الاصطناعي الموثوقة» الذي يربط بيئة وطنية سيادية بقدرات خارجية معتمدة، مع الحفاظ على السيطرة على مفاتيح التشفير ومسارات الاتصال والمراقبة والحقوق القانونية وإجراءات الاستعادة. والهدف، وفق ألفاريز، هو أن تستطيع الحكومة تشغيل موقع بديل في أثناء الأزمة من دون الاضطرار إلى إعادة التفاوض على القواعد والسعة والترتيبات الأمنية بعد بدء تعطل الأنظمة.

سيادة «غير مطلقة»

مع استثمارات الخليج المتسارعة في مصانع الذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة عالية الأداء، يبرز سؤال حول مدى إمكانية وصف هذه المنشآت بأنها سيادية إذا كانت تعتمد على معالجات وذاكرة وبرمجيات ومكونات من موردين أجانب.

ويرى ألفاريز أن السيادة هنا يمكن أن تكون «جزئية ومهندسة» بدلاً من أن تكون مطلقة. ويشير إلى أن أياً من دول الخليج لا يستطيع اليوم توطين جميع حلقات سلسلة التكنولوجيا، من تقنيات التصنيع المتقدم للشرائح إلى الذاكرة عالية النطاق والمسرعات وكامل منظومة البرمجيات السحابية.

ويطرح تساؤلاً أكثر عملية: هل تستطيع جهة خارجية الوصول إلى حمل العمل أو تعطيله أو فرض شروط عليه من جانب واحد؟ فإذا كانت الإجابة مرتبطة بضوابط محلية قوية، مثل الاحتفاظ بمفاتيح التشفير والفصل الإداري والسعة المحجوزة والضمانات الخاصة بالبرمجيات وقطع الغيار والفرق المحلية وحقوق التدقيق ومسارات الانتقال؛ فيمكن تحقيق درجة أعلى من الاستقلال. ويقول: «مبنى مليء بوحدات معالجة الرسوميات يمثل قدرة حوسبية، لكنه يصبح بنية سيادية عندما تُدار تبعياته بصورة مقصودة».

خبراء: يمكن بناء مصانع ذكاء اصطناعي ذات سيادة جزئية رغم اعتمادها على تقنيات أجنبية إذا ظلت مفاتيح التحكم والعمليات والقدرة على الانتقال تحت السيطرة المحلية (أدوبي)

اتصال احتياطي

يستطيع الاتصال الفضائي الحفاظ على جزء مهم من الخدمات عند تعطل الألياف أو شبكات الهاتف المحمول، خصوصاً في رسائل الطوارئ ومراكز القيادة ومواقع الطاقة النائية والعمليات البحرية.

كما تزيد خدمات الاتصال المباشر بالأجهزة من القيمة العملية لهذا الخيار، لأنها تقلل الحاجة إلى أجهزة طرفية متخصصة. لكنها لا توفر بديلاً كاملاً لشبكة أرضية كثيفة.

فالسعة الفضائية مشتركة بين مناطق واسعة، والاستقبال داخل المباني محدود، كما أن المحطات والبوابات لا تزال تعتمد على الكهرباء، ويمكن أن يظهر ازدحام شديد خلال الأزمات واسعة النطاق.

ولهذا يركز ألفاريز على حجز سعات فضائية مسبقاً، وتحديد أولوية حركة البيانات الحيوية، وترتيب الطيف والتجوال قبل الأزمة، واختبار الانتقال إلى المسارات البديلة دورياً. ويصف الهدف بأنه تحقيق «تدهور تدريجي» للخدمة بدلاً من الانقطاع الكامل، بحيث تستمر اتصالات الطوارئ والقيادة الحكومية والمعاملات المالية الأساسية حتى إذا تراجع أداء الإنترنت الاستهلاكي.

الحوسبة الطرفية

يساعد توزيع الحوسبة على مواقع طرفية في إبقاء الموانئ والمستشفيات والمصانع وأنظمة السلامة العامة قيد التشغيل عند فقد الاتصال بالمركز الرئيسي، كما يقلل تأثير تعطل منصة سحابية واحدة. لكنه يضيف في المقابل مزيداً من المواقع المادية وإصدارات البرمجيات ونقاط الصيانة والحسابات التي يمكن إساءة استخدامها.

ويرى ألفاريز أن الحل يكمن في إدارة المواقع الطرفية بوصفها أسطولاً موحداً، باستخدام أجهزة معيارية، وجذور ثقة مادية، وهوية مبنية على «الثقة الصفرية»، والتحقق عن بعد، والإعدادات غير القابلة للتغيير، والتحديثات الآلية، مع القدرة على عزل أي عقدة من دون تعطيل بقية الخدمة. كما ينبغي أن تبقى أحمال العمل قابلة للنقل بين الحافة والسحابة الوطنية والقدرات الخارجية المعتمدة.

السيادة والمهارات المحلية

يفيد ألفاريز بأن الاعتماد التقني لا يقتصر على الأجهزة أو البرمجيات، بل يمتد إلى الأشخاص القادرين على تشغيل الأنظمة واستعادتها وقت الأزمة. ويدعو المؤسسات إلى التوقف عن التعامل مع نقل المعرفة بوصفها ملحقاً تدريبياً لعقود المشتريات، وأن تتضمن مشروعات السحابة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والشبكات أدواراً محلية محددة، وفرق تشغيل موازية، ووصولاً إلى الوثائق الفنية وإجراءات التشغيل، ومراحل للحصول على الشهادات، إلى جانب خفض تدريجي في نسبة الاعتماد على المتعاقدين. كما يقترح ربط جزء من مدفوعات المورد بقدرة الفرق المحلية على تشغيل الخدمة وتشخيص الأعطال واستعادتها من دون تدخل خارجي. ويشير إلى إمكانية بناء قدرات مشتركة خليجياً عبر ميادين سيبرانية إقليمية وفرق استجابة مشتركة ومراكز متخصصة في هندسة الكابلات البحرية وبنية الذكاء الاصطناعي وأمن السحابة.

تعتمد المرونة الرقمية على تطوير مهارات وفرق تشغيل محلية قادرة على إدارة الأنظمة واستعادتها خلال الأزمات دون الاعتماد الخارج (أدوبي)

الأمن السيبراني والمادي في غرفة واحدة

تحتاج حماية البنية التحتية الحرجة أيضاً إلى دمج الأحداث السيبرانية والمادية ضمن صورة تشغيلية موحدة. ويشرح ألفاريز أن سجلات الأنظمة وكاميرات المراقبة والتحكم بالدخول وأنظمة المباني وحساسات البيئة وجودة الطاقة وأحداث الشبكة يجب أن تصب في هيكل قيادة مشترك. وبذلك لا تتم معالجة بطاقة دخول مسروقة، أو خزانة مفتوحة، أو ارتفاع في حرارة التبريد، أو تسجيل دخول بصلاحيات مرتفعة كأربع حوادث منفصلة. ويشمل النموذج كذلك تقسيم شبكات تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية وشبكات العملاء، وإدارة وصول الموردين والصيانة عن بُعد، والحفاظ على وسائل اتصال خارج المسار الرئيسي وطرق تشغيل يدوية عند الحاجة.

البحر الأحمر و«هرمز» يكشفان عن مخاطر التركّز

يضع ألفاريز الكابلات البحرية في مقدمة المخاطر التشغيلية المباشرة على المنطقة. فقد أدى تضرر عدة كابلات في البحر الأحمر في أوائل 2024 إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر أنظمة بديلة، مما رفع زمن الاستجابة وخفض السعة المتاحة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وفي الوقت نفسه، أظهرت التوترات المتكررة حول مضيق هرمز حجم التركّز الجغرافي في المنطقة، حيث تتقاطع بنية رقمية وطاقة ولوجستيات دولية ضمن نطاق جغرافي محدود. ويرى ألفاريز أن المشكلة الأكبر لا تتمثل في تقنية واحدة، بل في اجتماع عدة تبعيات حيوية داخل نقاط اختناق محدودة، في حين تمثل أشباه الموصلات المتقدمة والمنصات السحابية والبرمجيات مخاطر استراتيجية أطول أجلاً.

ثلاث أولويات للسنوات الخمس المقبلة

يحدد ألفاريز ثلاث مساحات استثمار رئيسية لدول الخليج خلال السنوات الخمس المقبلة. الأولى هي بناء عدة ممرات اتصال تجمع الكابلات البحرية والمسارات الأرضية والأقمار الاصطناعية، بحيث لا تستطيع نقطة اختناق واحدة عزل المنطقة. والثانية توزيع بنية الذكاء الاصطناعي والسحابة جغرافياً وربطها عبر «ممرات ذكاء اصطناعي موثوقة» تسمح بنقل أحمال العمل بين البيئات السيادية وقدرات الحوسبة الخارجية المعتمدة. أما الثالثة فتتعلق بالجاهزية التشغيلية، من مراكز قيادة تجمع الأمن السيبراني والمادي، إلى السعات الاحتياطية الاستراتيجية، وتمارين التعافي الإقليمية، والفرق الهندسية المتخصصة.

ويختصر ألفاريز المفهوم بالقول إن السيادة لا تعتمد على إزالة كل علاقة اعتماد خارجي، بل على الحفاظ على «حرية التصرف» عند وقوع الاضطراب، بحيث تبقى الدولة أو المؤسسة قادرة على تشغيل الخدمة ونقلها واستعادتها واتخاذ قراراتها الأساسية من دون فقدان السيطرة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي والصيني في آخر محطات زيارة الدولة في مدخل الأرشيف الوطني يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

ترمب وشي يمددان الهدنة ويؤجّلان الخلاف

غاب رجال الأعمال الصينيون بشكل لافت عن زيارة الرئيس شي جينبينغ إلى واشنطن، في تباين صارخ مع الحضور الكثيف لعمالقة قطاع الأعمال الأميركي.

هبة القدسي (واشنطن)
خاص تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)

خاص كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تدفع «كوالكوم» نحو حوسبة وكيلية تنسق بين التطبيقات والخدمات لتنفيذ المهام عبر الهواتف والحواسيب والأجهزة القابلة للارتداء.

نسيم رمضان (هاواي- الولايات المتحدة)
تكنولوجيا شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)

«غوغل» ستطلق قمراً اصطناعياً لتقييم أداء رقائق الذكاء الاصطناعي في الفضاء

أعلنت شركة «غوغل»، اليوم (الخميس)، أنها ستطلق قمراً اصطناعياً تجريبياً لتقييم كيفية أداء رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في الفضاء.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
تكنولوجيا يوسع «يوتيوب» استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (الشركة)

«يوتيوب» يوسع حضوره على التلفزيون ويضيف أدوات ذكاء اصطناعي لصناع المحتوى

يوسع «يوتيوب» أدوات الذكاء الاصطناعي للمونتاج والحماية وإدارة القنوات، مع تطوير البث والشراكات التجارية وتعزيز حضوره في المنطقة.

نسيم رمضان (هاواي)
يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
TT

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)

طوّر باحثون في معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي بالولايات المتحدة عدسة لاصقة ذكية وناعمة قابلة لإعادة الاستخدام، يمكنها قياس مستويات السيروتونين مباشرة من الدموع.

وأوضح الباحثون أن هذه الخطوة قد تمهد لتطوير وسائل غير جراحية لمتابعة بعض التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر مع مرور الوقت، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية (Science Translational Medicine).

ويُعد التوتر استجابة طبيعية للضغوط والمواقف الصعبة، إذ يطلق سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تساعد الجسم على التعامل معها. لكن استمرار التوتر أو تكراره لفترات طويلة قد يرتبط بتغيرات في النوم والمزاج وصحة القلب والمناعة والتمثيل الغذائي. وتحتاج متابعة المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر عادةً إلى عينات أو فحوص مخبرية، ما يدفع الباحثين إلى تطوير وسائل أسهل وأقل تدخلاً.

ويؤدي جزيء السيروتونين أدواراً متعددة في الجسم، من بينها المشاركة في تنظيم المزاج وبعض العمليات المرتبطة بالاستجابة للتوتر، كما يوجد في الدموع؛ لذلك بحث الفريق إمكانية قياس تغير مستوياته باستخدام جهاز يُرتدى على سطح العين، ضمن مشروع أوسع لدراسة الدموع كمصدر للمعلومات الكيميائية الحيوية عن الجسم.

ودمج الباحثون مستشعراً رقيقاً ومرناً داخل عدسة لاصقة ناعمة تقليدية. ويعتمد المستشعر على مركب «الفيروسين» (Ferrocene)، الذي يتفاعل كيميائياً مع السيروتونين، مولداً إشارة كهربائية صغيرة يمكن قياسها وتحويلها إلى قراءة لتركيزه.

وأظهرت الاختبارات قدرة المستشعر على اكتشاف السيروتونين بتركيزات منخفضة للغاية، بما يكفي لرصد تغيرات صغيرة في مستوياته.

واختبر الفريق العدسة أولاً على فئران تجارب تعرضت لتوتر مزمن، فلاحظ انخفاض مستويات السيروتونين في الدموع، بالتزامن مع ارتفاع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط باستجابة الجسم للتوتر، في الدم والدموع.

وفي تجربة بشرية أولية شملت 10 متطوعين، جُمعت عينات من الدموع خلال اختبار موحد لإحداث حالة من التوتر. وأظهرت النتائج نمطاً مشابهاً؛ إذ انخفضت مستويات السيروتونين في أثناء المهمة، قبل أن تبدأ في العودة نحو مستويات خط الأساس بعد انتهائها.

ومن أبرز نتائج الدراسة أن العدسة حافظت على دقة القياسات خلال ما يصل إلى 400 استخدام على مدى عدة أيام، ما يشير إلى إمكانية تصميمها للاستخدام المتكرر.

لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تعني أن العدسة أصبحت أداة لتشخيص التوتر أو الاضطرابات النفسية، إذ كانت التجربة البشرية صغيرة ومحدودة، ولا يزال من الضروري إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد العلاقة بين السيروتونين في الدموع والتوتر والصحة النفسية، كما أن النظام الحالي لا يمثل جهازاً طبياً مستقلاً؛ فهو يعتمد على مكونات خارجية لجمع القياسات وتحليلها. ويعمل الفريق على تطوير نسخة أكثر تكاملاً مزودة بمكونات لاسلكية تتيح جمع البيانات ونقلها في الوقت الفعلي في أثناء ارتداء العدسة.


كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)
تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)
TT

كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)
تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)

تتجه شركة «كوالكوم» إلى إعادة تعريف العلاقة بين المستخدم والتطبيقات، مع توسُّع ما تسميه بالحوسبة الوكيلية، بحيث لا يعود المستخدم مضطراً إلى التنقل بين خدمات متعددة لإنجاز مهمة واحدة، بل يحدد النتيجة المطلوبة ويتولى وكيل الذكاء الاصطناعي تنفيذ الخطوات عبر التطبيقات والأدوات المختلفة.

وبرز هذا التوجه خلال مؤتمر «Snapdragon Summit 2026» في جزيرة ماوي بولاية هاواي الأميركية، الذي حضرته «الشرق الأوسط»، عبر مجموعة من العروض والمنصات التي جمعت بين الهواتف والحواسيب والنظارات والسماعات، في محاولة لنقل الذكاء الاصطناعي من دور المساعد الذي يجيب عن الأسئلة إلى نظام قادر على إتمام المهام من بدايتها إلى نهايتها.

وفي أحد الأمثلة التي عُرضت خلال القمة، تحولت مهمة تنظيم عشاء مع صديق من سلسلة تتطلب البحث عن مطعم وقراءة التقييمات والتحقُّق من الطقس وإجراء الحجز وإرسال الدعوة وتحديد موعد المغادرة، إلى طلب واحد يتولى الوكيل تحويله إلى سير عمل متكامل، عبر عدة خدمات.

تتحول التطبيقات تدريجياً من واجهات يتنقل بينها المستخدم إلى خدمات تعمل في الخلفية ويستدعيها الوكيل عند الحاجة (الشركة)

مستقبل التطبيقات

هذا التحوُّل لا يعني أن التطبيقات ستختفي تقنياً، بل إن موقعها في تجربة الاستخدام قد يتغير. فبدلاً من أن تكون هي نقطة البداية، يمكن أن تتحول إلى خدمات يستدعيها الوكيل في الخلفية بحسب الحاجة، فيما يتعامل المستخدم مع هدف أو طلب واحد.

وفي العرض الخاص بمنصة «Snapdragon Start»، قالت «كوالكوم» إن وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجزئوا المهمة إلى عناصر أصغر، ثم يستخدموا عدة تطبيقات لإكمالها، وهو نموذج يختلف عن المساعدات التقليدية التي تكتفي عادة بتقديم إجابة أو اقتراح.

وتكمن أهمية هذا الانتقال في أن الذكاء الاصطناعي لا يصبح مجرد طبقة إضافية فوق التطبيقات، بل طبقة تنسيق بينها. وفي هذا النموذج، قد لا يحتاج المستخدم إلى معرفة أي خدمة نفذت كل خطوة، ما دامت المهمة تحققت بالطريقة التي طلبها. لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما ينتقل الوكيل من الاقتراح إلى التنفيذ.

من التوصية إلى إتمام المعاملة

قدمت «كوالكوم» و«ماستركارد» خلال القمة عرضاً حاول نقل هذه الفكرة إلى سيناريو تجاري متكامل. ففي التجربة، يرتدي المستخدم نظارات واقع ممتد متصلة بهاتف ذكي، وتوفر النظارة واجهة لرؤية البيئة المحيطة، فيما يدعم الهاتف الوكيل الشخصي وسير العمل الأوسع. وعندما يبدي المستخدم اهتماماً بفرصة أو تجربة تجارية، يجمع الوكيل بين السياق المتاح وتفضيلاته، قبل أن يعرض خياراً مناسباً ويطلب موافقته.

وبعد تحديد النية والحصول على الموافقة، يتولى الوكيل تنسيق بقية الخطوات، فيما توفر «ماستركارد» خدمات التجارة والدفع اللازمة لاستكمال المعاملة، لتعود النتيجة في النهاية إلى النظارة أو الهاتف. وتصف «كوالكوم» التجربة بأنها انتقال من مجرد اكتشاف الخيارات والتوصية بها إلى تنفيذ إجراء محدد نيابة عن المستخدم، ضمن حدود يوافق عليها مسبقاً.

وتضيف هذه التجربة بعداً عملياً إلى سؤال مستقبل التطبيقات. فالخدمات لم تختف؛ ما زالت هناك جهات توفر التجارة والدفع والمعلومات وغيرها، لكن المستخدم لم يعد مضطراً إلى الانتقال يدوياً بينها لإكمال العملية. وتقول «كوالكوم» إن أحد الاختلافات الرئيسية في هذا النموذج أن المستخدم لا يحتاج إلى إعادة ذكر تفضيلاته أو التنقل بين التطبيقات أو تنفيذ كل خطوة بنفسه، لأن الوكيل يحمل السياق معه وينفذ إجراءات محددة بعد الحصول على الإذن المطلوب.

التطبيقات تنتقل إلى الخلفية

هذا لا يعني أن الوكيل يستطيع العمل بمفرده. فحتى أكثر الوكلاء تطوراً يحتاجون إلى منظومة من الخدمات المتخصصة كي ينجزوا مهاماً في العالم الحقيقي. وتشير «كوالكوم» إلى أن جهة واحدة لا تحتاج إلى امتلاك كامل المنظومة؛ فالجهاز يمكن أن يوفر الذكاء المحلي والأمان والسياق الشخصي، بينما يقدم الشركاء خدمات متخصصة، مثل التجارة والدفع أو المحتوى أو الحجز. وبذلك يصبح دور الوكيل أقرب إلى طبقة تنسيق تربط بين نية المستخدم وهذه الخدمات، بدلاً من أن يحل محلها. ويقدم ذلك تفسيراً أكثر دقة لما قد يحدث للتطبيقات في عصر الوكلاء. فهي لا تختفي، بل قد تنتقل تدريجياً من كونها واجهة يقصدها المستخدم إلى بنية تعمل في الخلفية وتُستدعى عند الحاجة.

تسمح منصة «Snapdragon Sound Elite Gen 2» بتشغيل خدمات ووكلاء ذكاء اصطناعي مباشرة على السماعات (الشركة)

السماعة تدخل عالم التطبيقات

يمتد هذا التوجُّه إلى السماعات التي تحاول «كوالكوم» تحويلها من مجرد ملحق للهاتف إلى جهاز قادر على تشغيل خدمات ووكلاء ذكاء اصطناعي مباشرة؛ فمع منصة «Snapdragon Sound Elite Gen 2»، يمكن تشغيل تطبيقات وخدمات للترجمة والمساعدة والوكلاء على الجهاز الصوتي نفسه، مع إمكان الاتصال مباشرة بالخدمات السحابية عبر «واي فاي»، من دون أن يكون الهاتف وسيطاً دائماً. وتقول الشركة إن المنصة توفر دعماً لمنظومة «Snapdragon Sound Apps & Agents»، إلى جانب قدرات للذكاء الاصطناعي المحلي والاتصال المباشر بالسحابة.

وخلال جلسة مع الصحافيين، أوضح مدير المنتجات أن أحد العروض استخدم تطبيقاً يعتمد على خدمات «ChatGPT»، فيما قدم عرض آخر الترجمة الحية، إلى جانب تجربة تعتمد على أكثر من وكيل. وأضاف أن التطبيقات تستطيع الاتصال بالسحابة مباشرة أو استخدام الهاتف بحسب طبيعة المهمة.

وفي أحد العروض، لم يكن الهاتف مطلوباً أثناء التشغيل، إذ كان التطبيق موجوداً على السماعة ويتصل بالخادم مباشرة عبر «واي فاي» ورابط آمن، ما يوسع مفهوم التطبيق من واجهة تُفتح على الشاشة إلى خدمة يمكن أن تعمل في الخلفية على جهاز لا يملك شاشة أصلاً.

أكثر من وكيل

لكن «كوالكوم» لا تقدم وكيل الذكاء الاصطناعي باعتباره بالضرورة كياناً واحداً يعرف كل شيء عن المستخدم. وظهر في أحد العروض وكيل مخصص للعمل وآخر للحياة الشخصية، ولا يستطيع أحدهما الاطلاع على بيانات الآخر أو تفسيرها. وشرح مسؤول في الشركة خلال جلسة العرض أن المستخدم يحتاج إلى التعامل مع الوكيل المناسب، لأن لكل واحد منهما نطاقاً منفصلاً من المعلومات والصلاحيات.

هذا النموذج يعكس توجهاً نحو التخصص حيث قد يعمل عدة وكلاء بالتوازي وفق المهمة أو السياق. فقد يتولى وكيل البريد والتقويم والمهام المهنية، فيما يعمل آخر مع الخدمات الشخصية. وفي الوقت نفسه، تحتاج هذه الوكلاء إلى قدر كافٍ من السياق كي تستمر المهمة عبر عدة خطوات من دون إجبار المستخدم على إعادة شرح هدفه عند كل انتقال. وهنا يظهر تحدٍّ أساسي يتعلق بتحقيق الاستمرارية من دون توسيع الصلاحيات أكثر مما يحتاج إليه كل وكيل.

الحاسوب منصةً للمهام الأطول

يتجلى التحول بصورة أوضح على الحواسيب؛ حيث تتوفر ذاكرة وقدرة حوسبية ومساحة حرارية أكبر تسمح بتشغيل نماذج ووكلاء لفترات أطول. وفي الخطاب الرئيسي للقمة، وصفت «كوالكوم» الكومبيوتر بأنه مرشح ليكون «عقدة ارتكاز» ضمن بنية ذكاء موزعة، لأنه يستطيع تشغيل نماذج أكبر محلياً وتنفيذ مهام مستمرة من دون الحاجة إلى العودة إلى السحابة مع كل خطوة. وعرضت الشركة أمثلة لشركاء يستخدمون حواسيب «سنابدراغون» في تنفيذ مهام متعددة المراحل، من بينها «AnythingLLM»، إلى جانب شركات تبني أدوات توجه المهام بين نماذج مختلفة بحسب تعقيدها، أو تستخدم الذكاء الاصطناعي في النسخ والمراقبة والتحليل المستمر. والقاسم المشترك بين هذه التطبيقات هو أن الهدف لم يعد مجرد إنشاء نافذة دردشة إضافية، بل منح النظام القدرة على إدارة مهمة تستمر بمرور الوقت وتستعين بأكثر من نموذج أو أداة.

يقدم «Googlebook» نموذجاً لدمج الذكاء الاصطناعي داخل سير العمل مستفيداً من البريد والتقويم ومحتوى الشاشة وتكامل الهاتف (الشركة)

حاسوب «Googlebook»

يأخذ هذا الاتجاه شكلاً آخر مع «Googlebook» وهو الفئة الجديدة من الحواسيب المحمولة التي تعمل بمنصة «Snapdragon X Elite» ومصممة حول «Gemini Intelligence».

وتشمل الوظائف المعلنة أدوات مثل «Magic Pointer» و«Rambler» و«Cast my Apps»، التي تستفيد من البريد والتقويم والمحتوى الظاهر على الشاشة وتكامل الهاتف، بهدف إظهار المعلومات أو تنفيذ الخطوات من داخل سياق العمل نفسه. وتقدم «غوغل» و«كوالكوم» هذه التجربة باعتبارها نموذجاً لذكاء أكثر استباقية، لا يحتاج فيه المستخدم دائماً إلى فتح مساعد منفصل ثم نقل النتيجة يدوياً إلى التطبيق الذي يعمل عليه. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أقل وضوحاً كبرنامج منفصل، لكنه أكثر حضوراً داخل سير العمل نفسه.

من الشاشة إلى الصوت

تدفع الأجهزة القابلة للارتداء الفكرة خطوة أبعد لأنها تقلل الحاجة إلى الشاشة من الأساس. ففي العرض الخاص بمنصة «Snapdragon Start»، لخّص أحد مسؤولي «كوالكوم» التجربة بأنها لا تحتاج إلى شاشة لفتحها أو تطبيق أو قوائم للتنقل بينها، بل إلى محادثة طبيعية مع المساعد.

وتسمح هذه الواجهة الصوتية بتنفيذ مهام في مواقف يكون فيها استخدام الشاشة أقل ملاءمة، مثل المشي أو العمل باليدين أو بعض سيناريوهات التنقل. لكن مسؤولي الشركة أشاروا أيضاً إلى أن الهاتف سيظل الواجهة الأنسب في بعض الحالات، وأن اختيار الوسيلة يختلف بحسب نوع المهمة والجهاز. وهذا يتوافق مع الرؤية الأوسع التي عرضتها «كوالكوم» للذكاء الشخصي؛ حيث لا يفترض أن جهازاً واحداً سيحل محل بقية الأجهزة، بل إن المهام تتحرك بينها وفق قدرات كل منها.

البنية التقنية تتغير مع الوكلاء

مع ازدياد طول المهام واعتماد الوكلاء على سياق مستمر وتشغيل عدة عمليات في الوقت نفسه، تتغير أيضاً متطلبات المعالج والذاكرة. وتفيد «كوالكوم» بأن منصتي «Snapdragon 8 Elite Gen 6» و«Snapdragon 8 Elite Extreme Gen 6» صُممتا لدعم أحمال الذكاء الاصطناعي الوكيلي، مع قدرات على فهم السياق عبر الأجهزة والتعلم والتكيف بمرور الوقت. وتدعم الفئة الأعلى، وفق الشركة، نماذج «Mixture of Experts» بأكثر من 30 مليار معْلَمة، إلى جانب ذاكرة مشتركة أكبر بنسبة 50 في المائة. وتعكس هذه التغييرات محاولة لجعل المعالج قادراً على التعامل مع وكيل يعمل في الخلفية ويحمل سياقاً مستمراً ويستدعي أكثر من أداة، بدلاً من الاقتصار على تشغيل نموذج عند طرح سؤال منفرد.

يثير انتشار الوكلاء عبر الأجهزة والخدمات أسئلة جديدة حول حدود التفويض واختيار الخدمات ومقدار السيطرة التي يحتفظ بها المستخدم (الشركة)

التنفيذ لا يعني الاستقلال الكامل

لكن كلما ازدادت قدرة الوكيل على التنفيذ، ازدادت أهمية الحدود المفروضة عليه. وفي تجربة «كوالكوم» و«ماستركارد»، لم يكن الوكيل مستقلاً بصورة مطلقة. فالمستخدم هو من يشير إلى اهتمامه، ويراجع الخيار المقترح، ويقدم الموافقة والقيود اللازمة قبل أن ينتقل النظام إلى إكمال المعاملة.

وتستخدم «كوالكوم» مفهوم «الاستباقية المحدودة» لوصف هذا التوازن، أي أن يكون الوكيل قادراً على اكتشاف اللحظة المناسبة للمساعدة، لكن ضمن حدود يحددها المستخدم، مع بقائه طرفاً في القرارات التي تتطلب موافقة أو التزاماً مالياً. هذا يضيف بعداً مهماً إلى النقاش حول التطبيقات. فالتحول ليس فقط من تطبيق إلى وكيل، بل من سلسلة أوامر يدوية إلى تفويض مشروط: المستخدم لا ينفذ كل خطوة، لكنه لا يتخلى بالضرورة عن القرار النهائي.

هل تتراجع أهمية التطبيق؟

لا تشير العروض التي قدمتها «كوالكوم» إلى اختفاء التطبيقات، بل إلى تغير موقعها في تجربة الاستخدام. فالتطبيق قد يبقى موجوداً بخدماته وواجهاته البرمجية، لكن المستخدم لن يحتاج دائماً إلى فتحه أو التنقل داخله بنفسه، لأن الوكيل يستطيع استدعاءه ضمن سير عمل أوسع. ويظهر ذلك في النماذج التي عرضتها الشركة على النظارات والحواسيب والسماعات، وفي تجربة التجارة مع «ماستركارد»؛ حيث أصبحت خدمات متعددة جزءاً من مهمة واحدة تبدأ بطلب أو نية وتنتهي بنتيجة، فيما تجري خطوات عديدة في الخلفية.

بهذا المعنى، ينتقل التطبيق تدريجياً من كونه وجهة يقصدها المستخدم إلى مكوّن تستخدمه منظومة الذكاء الاصطناعي عند الحاجة.

وتصف «كوالكوم» هذا التحول في التجارة بأنه انتقال من تجربة تقودها عمليات البحث إلى تجربة تقودها النية ويتوسطها الوكيل، مع إمكانية أن تكون واجهة المستخدم هاتفاً أو نظارة أو حاسوباً أو سيارة، بينما تبقى المهمة الأساسية واحدة: فهم ما يريد المستخدم ثم تنفيذ العمل المطلوب بصورة آمنة.

وإذا توسع هذا النموذج، فلن يكون التحول الأكبر في اختفاء التطبيقات، بل في تراجع الحاجة إلى التعامل معها بصورة مباشرة. فالمستخدم يحدد النتيجة المطلوبة، فيما تتولى طبقة الوكلاء تنسيق التطبيقات والنماذج والخدمات التي تقود إليها. وعندها سينتقل السؤال من «أي تطبيق أفتح؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يقرر الوكيل أي خدمة يستخدم، وما الحدود التي يضعها المستخدم أمام ما يستطيع تنفيذه بالنيابة عنه؟


«غوغل» ستطلق قمراً اصطناعياً لتقييم أداء رقائق الذكاء الاصطناعي في الفضاء

شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)
شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)
TT

«غوغل» ستطلق قمراً اصطناعياً لتقييم أداء رقائق الذكاء الاصطناعي في الفضاء

شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)
شعار شركة «غوغل» المصمم خصّيصاً لافتتاح مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في برلين - ألمانيا 5 مارس 2026 (رويترز)

أعلنت شركة غوغل، الخميس، أنها ستطلق قمراً اصطناعياً تجريبياً لتقييم كيفية أداء رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في الفضاء، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت «غوغل» في منشور على مدوّنتها: «في المدار الأرضي المنخفض، يمكن للأقمار الاصطناعية الوصول إلى ضوء الشمس بشكل شبه مستمر، ما يولد طاقة شمسية تصل إلى ثمانية أضعاف ما يتم توليده على الأرض».

وأضافت: «في النهاية، قد يكون من الممكن الربط بين مجموعات متعددة من الأقمار الاصطناعية، ما يسمح لها بإدارة أحمال عمل أكبر للذكاء الاصطناعي أثناء وجودها في المدار».

وأشارت «غوغل» إلى أنه سيتم تحميل وحدات معالجة «تنسور» على صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس» الأسبوع المقبل لاختبار كيفية تعاملها مع «الإجهاد المادي المرتبط بالرحلات الفضائية، علاوة على الإشعاعات ودرجات الحرارة المتطرفة في الفضاء».

وأضافت الشركة: «بعض الأشياء لا يمكن اختبارها إلا في الفضاء... يهدف هذا الإطلاق الأول إلى معرفة ما ينجح، وتحديد نقاط الفشل، وتطبيق تلك النتائج على المهام المستقبلية».

وأوضحت الشركة أن تبريد مراكز البيانات المدارية وضمان قدرة الأقمار الاصطناعية على التواصل بنطاق تبادلي عال جداً عبر مسافات قصيرة للغاية يُعَدّان أيضاً من «العقبات الهندسية».

واختتمت: «إن استكشاف الفضاء كموقع قابل للتطوير للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي لن يحدث دفعة واحدة. فهو يتطلب نهجاً هندسياً، يبدأ بإثبات أن أجهزتنا قادرة على التعامل مع الحقائق المادية وغير المتوقعة للتشغيل في المدار».