ما ملامح الخطة المصرية لحوكمة قطاع غزة بعد وقف الحرب؟

عبد العاطي قال إن بلاده تدرب مئات الفلسطينيين لتولي مهام الأمن

فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسليمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسليمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ما ملامح الخطة المصرية لحوكمة قطاع غزة بعد وقف الحرب؟

فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسليمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون في شارع الرشيد غرب جباليا بعد تسليمهم مساعدات إنسانية شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

أكدت مصر أن لديها خطةً لـ«حوكمة» قطاع غزة بعد وقف الحرب الدائرة هناك منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأوضح خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «جزء من خطة إعادة الإعمار» التي اعتمدتها الدول العربية والإسلامية في وقت سابق، مشيرين إلى أنها تتضمن «رؤية واضحة لمستقبل القطاع، سواء على المستوى الأمني أو الإداري».

ولفت وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في تصريحات متلفزة، الأربعاء، على هامش مشاركته في مؤتمر «حل الدولتين»، الذي انعقد في نيويورك، إلى أن «مصر لديها خطة ومقترح شامل يحظى بدعم عربي ودولي بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة». وقال: «لدينا رؤية للترتيبات الأمنية وحوكمة قطاع غزة ومن سيدير القطاع في اليوم التالي».

وأضاف أن «مصر تدرب المئات من الفلسطينيين لتولي مهام الأمن في غزة»، لكن النقطة الأولى لتنفيذ الخطة المصرية تتطلب وقف إطلاق النار، وفق عبد العاطي الذي أكد أن «القاهرة تضغط بكل قوة لإنجاح مفاوضات وقف النار في غزة»، وتجري اتصالات يومية مع الوسطاء في أميركا وقطر بهذا الصدد.

كان عبد العاطي قد أشار في كلمته خلال مؤتمر «حل الدولتين» بنيويورك، الاثنين الماضي، إلى أن «مصر تواصل توفير برامج التدريب الأمني للقوات التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، بغرض تمكين هذه القوات من إنفاذ القانون في قطاع غزة والضفة الغربية، الأمر الذي من شأنه أن يُسهِم في تهيئة المناخ الملائم لإقامة الدولة الفلسطينية متصلة الأراضي».

وأكد في هذا السياق على «أهمية دعم قدرات السلطة الوطنية الفلسطينية لكي تتمكن من أداء دورها في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء تمهيداً لإطلاق مسار المفاوضات السياسية».

أستاذ العلوم السياسية بـ«جامعة القدس» السياسي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب أكد أن حديث وزير الخارجية المصرية عن «حوكمة» قطاع غزة بعد وقف الحرب «هو جزء من خطة إعادة الإعمار التي اعتمدتها القمة العربية الطارئة في مارس (آذار) الماضي»، مشيراً إلى أن «القاهرة عرضت رؤيتها لكيفية إدارة اليوم التالي بعد وقف الحرب». وأوضح الرقب أن رؤية مصر لحوكمة القطاع «تتضمن تشكيل لجنة إسناد مجتمعي تدير غزة، وتدريب جهاز أمني شرطي في القطاع، وألا تكون حركة (حماس) جزءاً من المشهد السياسي في المرحلة المقبلة»، لافتاً إلى أن «(حماس) تدرك أن وجودها في المرحلة المقبلة لم يعد مرحباً به في الواقع وعلى مستوى العالم». وقال إن المرحلة الانتقالية وفق الخطة المصرية «قد تتطلب نشر قوات دولية لحماية الأمن في القطاع لحين تدريب القوات الفلسطينية التي ستكون تحت ولاية السلطة، ويتبع ذلك إجراء انتخابات وصولاً إلى حل سياسي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة».

تصاعد الدخان في أعقاب غارة إسرائيلية على جباليا شمال قطاع غزة خلال وقت سابق (أ.ف.ب)

كانت القاهرة استضافت قمةً عربيةً طارئةً في الرابع من مارس (آذار) الماضي، اعتمدت خطة عربية جامعة لإعادة إعمار قطاع غزة حظيت بعد ذلك بدعم الدول الإسلامية، وأيد «إعلان نيويورك»، الصادر في ختام المؤتمر الدولي الرفيع الذي استضافته الأمم المتحدة حول «التسوية السلمية لمسألة فلسطين وتنفيذ حل الدولتين»، الثلاثاء، «التنفيذ العاجل للخطة العربية ‑ الإسلامية لإعادة الإعمار لتمكين التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة، مع ضمان بقاء الفلسطينيين في أرضهم».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير محمد حجازي، قال إن «مصر تتعامل مع المشهد الراهن في قطاع غزة عبر ثلاثة محاور رئيسية»، موضحاً أن المحور الأول «يتضمن انخراطاً فاعلاً مع الوسطاء من أجل وقف الحرب»، ليبدأ بعد ذلك تنفيذ المرحلة الثانية، وهي «خطة التعافي المبكر والإغاثة العاجلة لسكان القطاع في الستة أشهر الأولى التالية لوقف الحرب، قبل البدء بتنفيذ خطة إعادة الإعمار بالتعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة، التي تستمر من 3 إلى 5 سنوات»، وصولاً إلى تنفيذ «حل الدولتين» في المحور الثالث.

وأشار إلى أنه في إطار هذه الخطة تأتي «رؤية مصر لحوكمة قطاع غزة، التي تتضمن إنشاء لجنة للإسناد المجتمعي تتبع السلطة الفلسطينية، لحين تمكينها من حكم القطاع كجزء من دولة فلسطينية واحدة وسلاح واحد»، مشيراً إلى أن «الخطة أيضاً تتضمن تدريب عناصر الشرطة الوطنية الفلسطينية، ولحين إتمام ذلك ستتولى قوات عربية دولية مسؤولية حفظ الأمن في القطاع».

واتفق معه مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي في أن خطة حوكمة القطاع هي جزء من خطة إعمار غزة التي تبنتها القمة العربية والإسلامية، مشيراً إلى أنها تتضمن إلى جانب ما سبق تشكيل حكومة تكنوقراط تكون مسؤولة عن إدارة قطاع غزة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ووفق خطة إعمار غزة التي طرحتها مصر في «قمة فلسطين» الطارئة، فإنه «سيتم تشكيل لجنة إدارة غزة لتتولى إدارة شؤون القطاع في مرحلة انتقالية لمدة 6 أشهر، على أن تكون اللجنة مستقلة ومكونة من شخصيات غير فصائلية (تكنوقراط) تعمل تحت مظلة الحكومة الفلسطينية».

ودعت الخطة أيضاً إلى «إصدار قرار بنشر قوات حماية حفظ سلام دولية بالأراضي الفلسطينية في سياق متكامل لإقامة الدولة الفلسطينية»، وأشارت إلى أنه «يمكن التعامل مع معضلة تعدد الجهات الفلسطينية الحاملة للسلاح إذا أزيلت أسبابها من خلال عملية سياسية ذات مصداقية».

وتبلغ التكلفة التقديرية لإعمار القطاع، وفق الخطة، نحو 53 مليار دولار، مقسمة على مرحلتين؛ الأولى 6 أشهر للتعافي المبكر يتم خلالها إزالة 50 مليون طن من الركام وتركيب مساكن مؤقتة، وترميم 60 ألف وحدة سكنية مدمرة جزئياً، أما الثانية فتصل مدتها إلى خمس سنوات، ويتم فيها بناء وحدات سكنية وإنشاء مطار وميناء تجاري ومناطق لوجستية.

لكن هريدي نبه إلى أنه «برغم تأييد دول عدة للخطة المصرية فإن هناك عقبةً رئيسيةً تكمن في أن إسرائيل والولايات المتحدة لديهما خطة مختلفة لمستقبل غزة تتضمن وضع نحو 40 في المائة من القطاع تحت سيطرة إسرائيل، ويبدو أنهما تعملان على تنفيذها بالفعل».


مقالات ذات صلة

لماذا عادت إسرائيل لإبراز خطة «التهجير» لأهل غزة؟

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون يملأون عبوات بالماء في مخيم للنازحين في دير البلح بقطاع غزة (أ.ب) p-circle

لماذا عادت إسرائيل لإبراز خطة «التهجير» لأهل غزة؟

أثار رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجديد، الاستغراب بعدما دعا إلى اجتماع «طارئ» للبحث في خطة ما سمّاه «تشجيع الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

اتهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، وعدَّت أن ذلك أصبح عاملاً رئيسياً في «الإبادة» المستمرة بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جثمان الطفلة جولي البلاوي ذات الـ8 أعوام بمستشفى الناصر في خان يونس بعد مقتلها جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (إ.ب.أ)

لجنة أممية: إسرائيل تستهدف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

اتهم محققون تابعون للأمم المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، معتبرين أن ذلك أصبح يشكل عاملاً رئيسياً في «الإبادة» في غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون سيارة استهدفتها طائرات إسرائيلية مسيّرة في حي الرمال في غزة (د.ب.أ)

مقتل 3 فلسطينيين وإصابة آخرين بقصف إسرائيلي وسط مدينة غزة

قتل ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون، اليوم الاثنين، بقصف من طائرات إسرائيلية استهدف وسط مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون الفلسطينية شهد عاشورالتي قتلتها غارة إسرائيلية يوم الاثنين في مدينة غزة (أ.ب)

خاص «حماس» تتجه لتعامل «إيجابي» مع تعديلات ملادينوف رغم الأصوات الرافضة

زادت التوقعات بلجوء حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية إلى «التعامل بإيجابية» مع تعديلات ممثل «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، رغم الأصوات الرافضة لها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

حقوقيون تونسيون يدينون سجن مدافعة عن حقوق المهاجرين

الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
TT

حقوقيون تونسيون يدينون سجن مدافعة عن حقوق المهاجرين

الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)
الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين سعدية مصباح (متداولة)

عدّ «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» تثبيت الحكم الصادر ضد الناشطة المدافعة عن حقوق المهاجرين والسود، سعدية مصباح، «ظلماً فادحاً» و«انحداراً خطيراً للعدالة» في تونس، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية».

وثبتت محكمة الاستئناف، الثلاثاء، الحكم الابتدائي بسجن سعدية مصباح، رئيسة جمعية «منامتي»، 8 سنوات مع غرامة مالية 100 ألف دينار تونسي (نحو 34 ألف دولار أميركي).

وأودعت الناشطة السجن منذ مايو (أيار) 2024 في أعقاب حملة للسلطات ضد الهجرة غير النظامية، ورداً على التدفقات الكبيرة للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء على البلاد.

وقال المنتدى إن الحكم يعد «عقوبة قاسية وظلماً فادحاً تعرضت له امرأة، كرست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن كرامة البشر ومقاومة العنصرية والتمييز».

وتابع المنتدى في بيان احتجاج له، مبرزاً أن «هذا الحكم الجائر، الصادر في ظل غياب أركان التهم وتجاهل ضمانات المحاكمة العادلة، يعكس الانحدار الخطير الذي بلغته أوضاع العدالة في تونس، ويؤكد تنامي نزعة تجريم العمل الإنساني والحقوقي، واستهداف المدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات».

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للتنديد بـ«التضييق على الحريات» (رويترز)

وتواجه سعدية مصباح اتهامات بتيسير استقرار المهاجرين غير النظاميين في تونس، وبارتكاب جرائم مالية وضريبية بشأن أنشطة جمعيتها، وهو ما تنفيه الناشطة.

وأضاف المنتدى في بيانه، موضحاً أن «النضال ضد العنصرية ليس جريمة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية ليس تهمة».

ويعد الحكم الصادر ضد سعدية الأحدث من بين سلسلة أحكام صدرت ضد سياسيين معارضين وصحافيين ونشطاء، بتهم في الغالب ترتبط بالتآمر على أمن الدولة، أو بنشر أخبار غير صحيحة أو بجرائم ضريبية.

وكانت محكمة تونسية قد أيدت الثلاثاء حكماً بالسجن 8 سنوات على الناشطة سعدية مصباح بتهم تبييض أموال وإثراء غير مشروع، وفق ما أفاد اثنان من محاميها.

وندّدت «منظمة العفو الدولية» في بيان، نشر قبل أسبوع، بـ«اتهامات جنائية مالية لا أساس لها، ونابعة من عملها في مجال حقوق الإنسان». حضر الجلسة ممثلون للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وألمانيا وفرنسا وبلجيكا.

وكانت الناشطة في طليعة المدافعين عن المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك عقب خطاب حاد ألقاه الرئيس التونسي قيس سعيّد في فبراير (شباط) 2023، حذّر فيه من تدفق «جحافل من المهاجرين»، متحدثًا عن مؤامرة تستهدف «تغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وقالت المحامية حياة الجزّار إن «سعدية مناضلة، وبفضلها تحصلنا على قانون يناهض العنصرية ونحن فخورون به»، عادة أن «خطاب الكراهية هو الذي تسبب في هذه القضية».

من جهته، قال بسام الطريفي، وهو محامٍ آخر من هيئة الدفاع، إن سعدية مصباح اتصلت به في مايو 2024، «وقالت إنها مستهدفة بحملة عنصرية على شبكات التواصل الاجتماعي»، مضيفاً أنها «عبّرت عن خوفها وشعورها بأن أمراً ما سيحدث»، مشيراً إلى أن ذلك كان قبيل فتح التحقيق وتوقيفها.

ومنذ تفرّد الرئيس سعيد بالسلطة في صيف 2021، تندّد منظمات غير حكومية محلية ودولية بانتظام بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
TT

«دبلوماسية المخابرات» تتقدم واجهة التفاهمات الإقليمية حول ليبيا

المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن بالعاصمة الليبية طرابلس أمس الثلاثاء (مكتب المنفي)

فرضت «دبلوماسية الاستخبارات» نفسها على المشهد الليبي خلال الأيام الأخيرة، مع انتقال المشاورات الإقليمية المرتبطة بمستقبل الأزمة من القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى رؤساء أجهزة الاستخبارات. وقد بدا ذلك واضحاً في تحركات استخباراتية مصرية وتركية وإيطالية متسارعة في كل من طرابلس وبنغازي، ترافقت مع تصاعد الحديث عن مبادرة أميركية لإنهاء الانقسام الليبي.

حراك استخباراتي

يرى خبراء أمنيون ودبلوماسيون أن تصدر الأجهزة الاستخباراتية للدول الثلاث لهذا الحراك، بدلاً من القنوات الدبلوماسية المعتادة، يعكس حساسية التفاهمات المطروحة مع الأفرقاء الليبيين، وحاجة الأطراف المعنية إلى تبادل رسائل وضمانات، يصعب تمريرها عبر المسارات العلنية.

صدام حفتر في لقاء مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن الاثنين (إعلام القيادة العامة)

وحتى مساء الثلاثاء، كانت طرابلس تشهد لقاءات مكثفة لرئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، الذي عقد لقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وذلك بعد يوم من لقائه بنائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر في بنغازي.

وبدا التحرك الدبلوماسي الاستخباراتي التركي المكثف من وجهة نظر المحلل السياسي التركي، جواد جوك، «انعكاساً لرغبة أنقرة في تثبيت حضورها داخل أي ترتيبات سياسية مقبلة، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على وجود مبادرة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الليبي، بما يحفظ مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف».

وأوضح جوك لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا، التي دعمت السلطات في غرب ليبيا لسنوات، وسّعت خلال الفترة الأخيرة قنوات التواصل مع الجيش الوطني في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، انطلاقاً من إدراكها بأن النقاشات الجارية تتعلق بإعادة صياغة التوازنات السياسية في البلاد، وأن أي تفاهمات مستقبلية ستتطلب حضور جميع الأطراف المؤثرة.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع تزايد الحديث عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، عبر إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، وقد قوبلت هذه المبادرة بترحيب من «الجيش الوطني» في بنغازي، بينما لم تصدر سلطات غرب ليبيا موقفاً معلناً منها حتى الآن.

ويرى مراقبون أن حساسية هذه الترتيبات وما تتطلبه من تفاهمات وضمانات متبادلة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية تفسر تصاعد دور ما يُعرف بـ«دبلوماسية الاستخبارات»، وهو نمط دبلوماسي عدَّه معهد «السياسة الاستراتيجية الأسترالي» أداة فعالة لدعم الدبلوماسية التقليدية، وفتح قنوات اتصال أكثر دقة في الأزمات المعقدة.

الدور الاستخباراتي في إدارة الملفات الخارجية

وفق هذا التقدير، كان لافتاً أيضاً الحضور المصري من خلال الزيارة غير المسبوقة لرئيس جهاز الاستخبارات العامة حسن رشاد إلى طرابلس ولقائه الدبيبة، من دون الكشف عن تفاصيل المباحثات، بالتزامن مع تداول صورة للقاء جمع رشاد وصدام حفتر ومسعد بولس في القاهرة.

وهنا يرى اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز الاستخبارات المصرية الأسبق، أن ليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، بالنظر إلى طول الحدود المشتركة بين البلدين واتساع الجغرافيا الليبية، ما يجعل أي تطورات سياسية أو أمنية داخلها موضع اهتمام مباشر من القاهرة، أخذاً في الاعتبار الدور الاستخباراتي في إدارة ملفات خارجية أخرى، مثل المفاوضات بشأن ترتيبات المستقبل في قطاع غزة.

الدبيبة ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد في لقاء بالعاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وأوضح المسؤول الاستخباراتي السابق لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة الأميركية المطروحة بشأن ليبيا تستحق الدراسة والاستكشاف، لكنه شدد على أن نجاح أي تسوية سياسية سيظل مرهوناً بمعالجة الملفين الأمني والعسكري، خصوصاً في ظل استمرار وجود التشكيلات المسلحة في غرب البلاد، إلى جانب ضرورة إشراك القبائل الليبية، باعتبارها أحد المكونات المؤثرة في المشهد الداخلي.

ويذهب الخبير الأمني المصري، اللواء خالد عكاشة، إلى الربط مباشرة بين هذا الحراك الاستخباراتي ومبادرة بولس، معتبراً أن المشاورات الجارية تستهدف إنهاء حالة الانسداد السياسي، والاستفادة من مخرجات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية.

وقال عكاشة لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة رشاد إلى طرابلس جاءت في إطار استطلاع مواقف القوى السياسية في غرب ليبيا، ومدى استعدادها للتفاعل مع ترتيبات سياسية جديدة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع بولس وصدام حفتر ومسؤولين إقليميين تعكس جدية المساعي، الرامية إلى بناء توافق سياسي يحظى بقبول الأطراف الرئيسية.

وعزا عكاشة غياب المواقف الرسمية المصرية المعلنة من المبادرة الأميركية إلى ما وصفه بـ«التحفظ الإعلامي المقصود»، في ظل رغبة الأطراف المعنية في اختبار فرص النجاح قبل الانتقال إلى بلورة رؤية متكاملة، والانتقال لمرحلة الإعلان السياسي.

في سياق ذلك، كان لافتاً دخول إيطاليا على خط الاتصالات عبر لقاء جمع رئيس جهاز الاستخبارات والأمن الخارجي الإيطالي، الجنرال جيوفاني كارافيلي، برئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، في مؤشر على اتساع دائرة اهتمام روما بالملف الليبي، وخصوصاً ما يرتبط بملف الهجرة غير النظامية في ظل أي تغييرات محتملة قد تلحق بالمشهد السياسي الليبي.

تساؤلات ليبية واسعة

داخل ليبيا، أثارت هذه «التحركات الدبلوماسية الاستخباراتية» تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية حول دلالاتها وانعكاساتها على السيادة الوطنية، وهو ما عبّر عنه عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، والكاتب الليبي المقرب من النظام السابق مصطفى الفيتوري، في ظل تصاعد دور الأجهزة الأمنية في إدارة الاتصالات المرتبطة بمستقبل الأزمة.

بدوره، يعزو الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، هذا المسار إلى طبيعة الانقسام الليبي نفسه، موضحاً أن وجود حكومتين ومؤسسات متوازية، بينها وزارتا خارجية وأجهزة تنفيذية متنافسة، جعل القنوات الاستخباراتية والأمنية أكثر قدرة على استكشاف المواقف، وتمرير الرسائل وتبادل الضمانات بين الأطراف المختلفة.

وتوقع أبو الرايقة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاورات الاستخباراتية في طرابلس وبنغازي لم تقتصر على ترتيبات السلطة، بل شملت أيضاً ملفات الحدود والأزمة السودانية والهجرة غير النظامية وأمن شرق المتوسط، بما يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الملف الليبي.

أما في تقدير الدبلوماسي الليبي، عادل عيسى، فإن تصاعد «دبلوماسية الاستخبارات» يؤكد أن ليبيا لا تزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تسعى القوى المنخرطة في الملف إلى حماية نفوذها، وضمان موقعها في أي ترتيبات سياسية جديدة قد تعيد رسم المشهد الداخلي.


ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: بنغازي لاحتواء «مخاطر الهجرة» بحظر دخول مواطني 4 دول أفريقية

جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة نظمها ليبيون مطلع الشهر الجاري رفضاً لما سموه «توطين» المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

أعادت السلطات في شرق ليبيا ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة الجدل مجدداً، بعد قرار يقضي بحظر دخول مواطني أربع دول أفريقية إلى البلاد عبر المنافذ البرية، والجوية، والبحرية، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، غير أن هذا القرار أثار تساؤلات حقوقية حول جدواه، وانعكاساته الإنسانية.

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

وفي بلد تتقاسم إدارته حكومتان في شرق البلاد وغربها، أصدر رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، أسامة حماد، قراراً بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا إلى الأراضي الليبية، لكنه استثنى الحاصلين على موافقات رسمية، أو عقود عمل سارية في قطاعي الصحة، والتعليم، إلى جانب العاملين في السفارات، والبعثات الدبلوماسية المعتمدة، وأفراد أسرهم.

كما نص القرار، الذي صدر في وقت متأخر أمس الثلاثاء، على تكليف وزارة الداخلية التابعة للحكومة باتخاذ إجراءات فورية لترحيل الموجودين من حملة هذه الجنسيات، الذين لا يحملون إقامات قانونية سارية.

ويأتي القرار بعد أسابيع من تصاعد احتجاجات ومواقف شعبية في مناطق متفرقة من شرق وغرب ليبيا ضد ما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، وهي القضية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، واستمرار الحرب في السودان المجاور.

وباتت ليبيا خلال السنوات الماضية إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا للمهاجرين الفارين من النزاعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، مستفيدين من حدود صحراوية شاسعة، وصعوبة ضبطها بشكل كامل، وهو الأمر الذي جعل ملف الهجرة محوراً دائماً في العلاقات بين ليبيا والدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا.

جثث مهاجرين سريين تم العثور عليها بأحد شواطئ شرق ليبيا (رويترز)

وفي جنوب ليبيا تتحدث السلطات المحلية بصورة متكررة عن ضغوط متزايدة على الخدمات الأساسية، نتيجة ارتفاع أعداد الوافدين. وقال عميد بلدية الكفرة، محمد بومريز، في تصريحات سابقة، إن تزايد أعداد اللاجئين السودانيين تسبب في أعباء إضافية على المرافق، والخدمات العامة في المدينة التي تعد إحدى أبرز نقاط استقبال الفارين من الحرب السودانية.

كما حذر عميد بلدية تازربو، حسين صالح، من «أزمة مركّبة» تواجهها البلدية، وذلك بسبب تكدس أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينهم نساء، وأطفال، مشيراً إلى محدودية الإمكانات المتاحة لتقديم المساعدات والخدمات لهم.

ورغم الترحيب بقرار حكومة حماد من جانب ما يعرف بـ«حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين»، الذي تصدر مشهد المظاهرات الأخيرة، لكن ناشطين وخبراء في ملف الهجرة شككوا في قدرة القرار على تحقيق أهدافه المعلنة.

وفي هذا السياق قال طارق لملوم، مدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة والنزوح، إن إغلاق المنافذ الرسمية أمام بعض الجنسيات «لن يغير بصورة جوهرية من واقع الهجرة غير النظامية في ليبيا».

وأوضح لملوم لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية المهاجرين القادمين من إريتريا وإثيوبيا والصومال يصلون إلى ليبيا عبر شبكات تهريب، ومسارات غير نظامية ممتدة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل تأثير إغلاق المنافذ الرسمية محدوداً، ما لم يترافق مع إجراءات أكثر شمولاً تستهدف شبكات الاتجار بالبشر، والجهات المستفيدة من نشاطها.

ورأى لملوم أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني، معتبراً أنه يوجه رسائل إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إيطاليا، والاتحاد الأوروبي، بشأن استعداد سلطات شرق ليبيا للتعاون في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، وتعزيز الرقابة على الحدود.

وحذر الناشط الحقوقي من أن التداعيات المحتملة للقرار قد تشمل تشديد الإجراءات الأمنية على البوابات الداخلية، والمنافذ الحدودية، خصوصاً في حق السودانيين الذين يشكلون النسبة الأكبر من الوافدين إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023.

وأضاف الناشط الحقوقي أن السلطات في شرق ليبيا كانت قد تبنت في مراحل سابقة خطاباً مرحباً بالفارين من النزاع السوداني، ما يجعل الحديث حالياً عن ترحيل من لا يحملون إقامات قانونية يثير تساؤلات حول كيفية الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات الأمنية.

في سياق متصل، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا، فجر الثلاثاء، عن ترحيل 41 مهاجراً من مدينة سرت، بينهم 29 من بنغلاديش، و12 من باكستان، بعد نقلهم إلى مركز إيواء بنغازي الكبرى لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر مطار بنينا الدولي.

مهاجرون غير نظاميين قبل ترحليهم من مدينة سرت الليبية الأربعاء (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وتقول السلطات إن هذه الخطوات تأتي ضمن خطة لتنظيم أوضاع الوافدين، ومكافحة الهجرة غير النظامية، بينما يرى مراقبون أن نجاح أي إجراءات جديدة سيظل مرتبطاً بقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الحدود الجنوبية الشاسعة، ومعالجة الأسباب التي تجعل ليبيا محطة رئيسة للمهاجرين، والنازحين القادمين من أفريقيا نحو الضفة الشمالية للمتوسط.