القضاء اللبناني يكشف تفاصيل محاولتَي تهريب كوكايين وكبتاغون

إحالة المتهمين على محكمة الجنايات بعد أشهر من إحباط العمليتين بالتنسيق مع السعودية

أكياس تحتوي حبوب كبتاغون معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)
أكياس تحتوي حبوب كبتاغون معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)
TT

القضاء اللبناني يكشف تفاصيل محاولتَي تهريب كوكايين وكبتاغون

أكياس تحتوي حبوب كبتاغون معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)
أكياس تحتوي حبوب كبتاغون معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)

فكك قراران قضائيان أصدرهما قاضي التحقيق الأول في شمال لبنان، ناجي الدحداح، لغز عمليتين كبيرتين لمحاولة تهريب المخدرات من مرفأ طرابلس في شمال لبنان إلى مرفأ جدّة بالمملكة العربية السعودية، وكشف أهمية التنسيق الأمني السعودي - اللبناني الذي أسفر عن توقيف شبكتين خطيرتين لتهريب المخدّرات، وأحال المتورطين فيهما على المحاكمة أمام محكمة الجنايات، طالباً لهم عقوبات تصل إلى السجن 15 عاماً مع الأشغال الشاقة.

5 لبنانيين وسوري

فبعد شهرين من إحباط العملية التي كانت قد أعلنت عنها السلطات اللبنانية، ادّعت النيابة العامة الاستئنافية في الشمال على 5 لبنانيين وسوري واحد، أسندت إليهم جرائم «تأليف جمعية من الأشرار امتهنت الاتجار بالمخدّرات، لا سيما حبوب الكبتاغون، بقصد تهريبها إلى السعودية للاتجار بها وتعكير صلات لبنان بالمملكة».

وأفاد القرار القضائي بأن الكمية «ضبطت في بلدة بخعون (الضنيّة - شمال لبنان) في 6 سبتمبر (أيلول) الماضي، وهي عبارة عن 1405 كيلوغرامات من حبوب الكبتاغون، بناءً على تنسيق بين الأجهزة الأمنية في المملكة العربية السعودية ومكتب مكافحة المخدرات المركزي، بعد أن كانت الجهات المختصة في المملكة ضبطت بوقتٍ سابق 4 حاويات بداخلها 1111 كيلوغراماً من الكبتاغون؛ أي ما يعادل 6 ملايين و875 ألف حبة، في ميناء جدّة آتية من مرفأ طرابلس في شمال لبنان».

بناء على هذه المعطيات، استُدعي صاحب المؤسسة التجارية التي جرى التصدير باسمها، ولم يقتصر التحقيق على الكمية المضبوطة في بخعون، بل توسّع ليشمل الشحنة التي وصلت إلى السعودية في وقت سابق، فتبيّن أنها أُرسلت بحراً من مرفأ طرابلس إلى دولة الكويت، قبل أن تصل لاحقاً إلى أراضي المملكة.

ووفق ما ورد في القرار القضائي، فقد تمكّن عناصر «مكتب مكافحة المخدرات المركزي»، بالتنسيق مع «فرع المعلومات»، من معرفة هوية صاحب الشحنة وتحديد مكان وجوده في طرابلس ومن ثمّ توقيفه، واعترف بتنفيذه عملية تهريب حبوب الكبتاغون إلى دولة الكويت ضمن الحاويات الأربع ومنها إلى السعودية. وأعطى معلومات مفصلة عن كيفية توضيب حبوب الكبتاغون داخل غالونات دهانات في مستودع عائد لأحد شركائه، فحُدّد موقع المستودع بدقّة، ودُوهِم من قبل العناصر الأمنية، وأوقف صاحب المستودع الذي عثر بداخله أيضاً على 80 كيساً كبيراً تحتوي حبوب كبتاغون.

كما عثر على كمية كبيرة من غالونات الدهانات، عددها 489، مطابقة لتلك التي ضُبطت في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ماكينتي تفريغ هواء وميزانين. وقدّرت الزنة الإجمالية لحبوب الكبتاغون المضبوطة داخل المستودع بـ1405 كيلوغرامات.

وكُشفت هوية أصحاب البضاعة، وأجرى القاضي الدحداح تحقيقاته في القضية، وخلص إلى اتهام كلّ من المدعَى عليهم: أحمد. ص، وباسم. ش، ومازن. ج، وحسن. ج، وأحمد. ج، وسمير. خ، بجناية الاتجار بالمخدرات وتهريبها، وأحالهم إلى محكمة الجنايات في الشمال لمحاكمتهم.

شبكة كوكايين

وفي قضيّة أخرى وأكبر أهميّة أيضاً، أسدل القاضي الدحداح الستار على محاولة تهريب شحنة من مادة الكوكايين المخدرة من مرفأ طرابلس إلى ميناء جدّة. وأفاد بأنه في 6 أغسطس (آب) 2025، ورد إلى «مكتب مكافحة المخدرات المركزي» كتاب معلومات من ضابط الارتباط السعودي عبر سفارة المملكة العربية السعودية في بيروت، يفيد بوجود إحدى الحاويات في مرفأ طرابلس تحتوي كمية من المخدرات، ولدى مداهمة الحاوية تبيّن أن فيها 480 غالوناً من الدهون النباتية، وقد ضبطت 10 منها كانت تحتوي على 126 كيلوغراماً من مادة الكوكايين المخدرة معدّة للتصدير إلى المملكة العربية السعودية.

البرازيل والصين

على أثر ورود هذه المعلومات، داهم مكتب مكافحة المخدرات تلك الحاويات، وتبين أن البيان الجمركي العائد لها يفيد بأن شحنة الدهون النباتية مصدرها الصين، لكن من خلال التدقيق في البيان الجمركي اتضح أن مصدر هذه البضاعة البرازيل وليس الصين؛ مما يشير إلى اعتماد الشبكة على التمويه وإخفاء بلد المنشأ لمنع إثارة الشبهات.

وبناء على التحقيقات الأولية ثم الاستنطاقية التي استغرقت وقتاً طويلاً، أصدر القاضي الدحداح قراره الظني، واتهم كلاً من المدعَى عليهم: محمد. ر، ومادلين. ز، وأحمد. ك، وآخرين، بجناية الاتجار بالمخدرات وترويجها، وتأليف عصابة تنشط في تهريب المخدرات إلى لبنان والمحيط واستيرادها وتصديرها، وأحالهم إلى محكمة الجنايات للمحاكمة، بالاستناد إلى مواد في قانون المخدرات تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة 15 عاماً.


مقالات ذات صلة

«الاتحاد الأوروبي»: 722 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا... وسنواصل دعم لبنان

المشرق العربي كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

«الاتحاد الأوروبي»: 722 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا... وسنواصل دعم لبنان

أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطوات جديدة لتعزيز استقراره في المنطقة، من خلال دعم إعادة الإعمار في سوريا، مع التأكيد على استمرار دعمه للبنان.

«الشرق الأوسط» (دمشق) «الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين (غيتي)

خاص شمس الدين: لا يجوز أن يوجد مشروع خاص للشيعة داخل أوطانهم

«الشرق الأوسط» تنشر وثيقة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

أمين عام «حزب الله»: سنتعاون مع الدولة ‏والجيش لطرد إسرائيل وإعادة ‏الإعمار

قال الأمين العام لجماعة «حزب الله» اللبنانية نعيم قاسم إن الجماعة ستتعاون مع الدولة والجيش لطرد إسرائيل وإعادة ‏الإعمار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

فضل شاكر وأحمد الأسير يخضعان لمحاكمة علنية بمحاولة قتل

خضع الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير لمحاكمة علنية أمام محكمة الجنايات في بيروت، في دعوى محاولة قتل مسؤول «سرايا المقاومة» في مدينة صيدا (جنوب لبنان).

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» عند الحدود الجنوبية اللبنانية التي تتعرض في الأيام الأخيرة لتصعيد عسكري إسرائيلي (أ.ف.ب)

اختبار إسرائيلي ميداني لمرحلة ما بعد حصر السلاح جنوب الليطاني

صعَّدت إسرائيل، الجمعة، وتيرة عملياتها الجوية على لبنان عبر سلسلة غارات عنيفة ومتزامنة طالت مناطق متفرقة من الجنوب والبقاع.

«الشرق الأوسط»

«الاتحاد الأوروبي»: 722 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا... وسنواصل دعم لبنان

كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
TT

«الاتحاد الأوروبي»: 722 مليون دولار لإعادة إعمار سوريا... وسنواصل دعم لبنان

كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
كوستا وفون دير لاين في أثناء حديثها في مؤتمر صحافي عقب اجتماعها مع الرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطوات جديدة لتعزيز استقراره في المنطقة، من خلال دعم إعادة الإعمار في سوريا، مع التأكيد على استمرار دعمه للبنان.

وجاء هذا الإعلان خلال زيارة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى كل من دمشق وبيروت، حيث التقى المسؤولان كبار المسؤولين السوريين، وناقشا آفاق التعاون المستقبلي.

ودعا كوستا، في منشور عبر منصة «إكس» بعد لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، سوريا للمضي قدماً في تعزيز علاقاتها مع كل جيرانها في المنطقة.

وحث رئيس المجلس الأوروبي سوريا أيضاً على المضي قدماً بوتيرة سريعة في إعادة بناء البلاد، وضمان القيام بعملية انتقالية سلمية وشاملة.

وأفادت الرئاسة السورية اليوم بأن الرئيس الشرع ناقش مع كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وسبل تطوير علاقات التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي، لا سيما في مجالات إعادة الإعمار، وترسيخ الاستقرار في البلاد والمنطقة.

وذكر بيان للرئاسة السورية أن الجانبين بحثا أيضاً ملفات الشراكات الاقتصادية والتنمية المستدامة، والملفات الإنسانية وقضايا اللجوء في أوروبا.

وأكد الجانبان أيضاً على ضرورة توسيع آفاق الحوار السياسي بما يخدم مصالح الشعب السوري، ويدعم بناء شراكة متوازنة وبناءة مع الاتحاد الأوروبي.

الرئيس السوري أحمد الشرع (يمين) مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (يسار) في دمشق (إ.ب.أ)

من جانبها، قالت فون دير لاين ‌خلال ⁠زيارة ​إلى دمشق اليوم، إن الاتحاد الأوروبي سيمنح سوريا نحو 620 مليون يورو (722 مليون دولار) في هذا العام والعام المقبل من أجل التعافي بعد الحرب وذلك في إطار الدعم الثنائي ‌والمساعدات الإنسانية. وأضافت ‌فون دير لاين: «بعد دمار استمر سنوات في ظل نظام (الرئيس السابق بشار) الأسد، فإن احتياجات سوريا للتعافي وإعادة الإعمار هائلة، وقد رأيت ذلك بنفسي». وذكرت أن ⁠الاتحاد الأوروبي يريد بدء محادثات بشأن ‌إحياء اتفاق تعاون مع ‍سوريا، وأنه ‍سيطلق شراكة سياسية جديدة مع ‍البلاد، بما في ذلك إجراء محادثات رفيعة المستوى في النصف الأول من العام الحالي. ورفع الاتحاد الأوروبي ​العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا العام الماضي بعد أن أطاحت ⁠المعارضة بالأسد الذي حكم البلاد مدة طويلة بعد حرب أهلية دامت أكثر من عقد.

وقالت فون دير لاين إن العنف المتصاعد في مدينة حلب بشمال سوريا بين القوات الحكومية ومقاتلين أكراد هذا الأسبوع «مثير للقلق»، وشددت على ضرورة استمرار الحوار ‌بين جميع الأطراف.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (في الوسط) مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (على اليسار) ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (على اليمين) خلال اجتماعهم في القصر الرئاسي بعبدا (أ.ف.ب)

وبعد انتهاء الزيارة السورية، توجه كوستا وفون دير لاين إلى لبنان، حيث شدد كوستا على استمرار دعم المجلس الأوروبي لاستقرار الدولة اللبنانية ورخائها، وأكد أن الطريق أمام سوريا لا يزال طويلاً، لكن التعاون الأوروبي يمثل خطوة أساسية نحو دعم إعادة البناء، وتحقيق الاستقرار في المنطقة.


جرعة دعم فرنسية للبنان... ودعوته لمواصلة عملية «حصر السلاح»

صورة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي تظهر قوة من «اليونيفيل» بلبنان تقف مع جنود لبنانيين بجوار مبانٍ وسيارات دمَّرتها إسرائيل في قرية الضهيرة جنوب لبنان... 8 يناير (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي تظهر قوة من «اليونيفيل» بلبنان تقف مع جنود لبنانيين بجوار مبانٍ وسيارات دمَّرتها إسرائيل في قرية الضهيرة جنوب لبنان... 8 يناير (أ.ف.ب)
TT

جرعة دعم فرنسية للبنان... ودعوته لمواصلة عملية «حصر السلاح»

صورة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي تظهر قوة من «اليونيفيل» بلبنان تقف مع جنود لبنانيين بجوار مبانٍ وسيارات دمَّرتها إسرائيل في قرية الضهيرة جنوب لبنان... 8 يناير (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي تظهر قوة من «اليونيفيل» بلبنان تقف مع جنود لبنانيين بجوار مبانٍ وسيارات دمَّرتها إسرائيل في قرية الضهيرة جنوب لبنان... 8 يناير (أ.ف.ب)

في خطابه، الخميس، بمناسبة المؤتمر الـ30 لسفراء بلاده عبر العالم، ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان مرتين: الأولى، بإشارته إلى أن باريس تولي علاقاتها بدول حوض المتوسط أهميةً خاصةً، مشيراً بالنظر للروابط التاريخية التي نُسجت بين الطرفين منذ مئات السنين، وذاكراً منها لبنان مثالاً. وأكد ماكرون أن باريس تعمل من أجل عقد المؤتمر الخاص بدعم الجيش اللبناني، والمفترض أن يلتئم الشهر الحالي في باريس. والمرة الثانية جاء على ذكر لبنان في حديثه عن قوة «اليونيفيل» المنتشرة جنوبه، والتي تسهم فرنسا بها منذ أول مهمة عهدت إليها في عام 1978، أي منذ نحو نصف قرن. وبما أن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بخصوص لبنان حدَّد العام المقبل بدايةً لانسحاب «اليونيفيل»، فإن باريس تدرس منذ اليوم مع أطراف أوروبية وغير أوروبية الصيغ الممكنة من أجل تثبيت الحضور الدولي جنوب الليطاني؛ حمايةً للبنان من أي مغامرات إسرائيلية لاحقة.

وبالنظر لمتابعة ماكرون للأوضاع اللبنانية منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في عام 2017، ما كان له إلا أن يغتنم فرصة إعلان قائد الجيش اللبناني، الخميس، الانتهاء من المرحلة الأولى من حصر السلاح في جنوب الليطاني ليوجه رسالة رباعية الأبعاد للداخل اللبناني وخارجه على السواء. وعبَّر ماكرون في تغريدة له على منصة «إكس» عن ارتياحه لما سماه «الإعلان المُشجِّع» الصادر عن السلطات اللبنانية لاستعادة احتكار السلاح. ولأن السلطة التنفيذية، ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، تتعرَّض لهجمات متلاحقة من «حزب الله» في الداخل، ومن إيران في الخارج التي وصفها في خطابه أمام السفراء بأنها «قوة مزعزعة للاستقرار»، فإن ماكرون حرص على القول «إن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء يحظيان بدعمي الكامل» في حين لم يشر لا من بعيد أو من قريب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي، كما هو معلوم، يلعب دوراً مهماً في ملف حصر السلاح، ولأن «حزب الله» أوكله مهمة الحديث باسمه بوصفه «الأخ الأكبر» والطرف الثاني في الثنائية الشيعية.

تتناول الرسالة الفرنسية الثانية، في تغريدة ماكرون، فهم فرنسا مضمون القرار 1701، واتفاق وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل و«حزب الله»، وهو أن نزع السلاح ليس محصوراً بجنوب لبنان كما يراه «حزب الله»، بل يطال الأراضي اللبنانية كافة. وكتب ماكرون أنه «يجب مواصلة عملية نزع السلاح بحزم، وستُشكِّل المرحلة الثانية من الخطة (الموضوعة) محطةً حاسمةً... يجب أن تفضي إلى استعادة سيادة لبنان كاملة».

وبينما يشكو لبنان الرسمي، كذلك «حزب الله»، من أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق وقف الأعمال العدائية، وتواصل عملياتها العسكرية المتنقلة بين الجنوب وبيروت والبقاع، نبه ماكرون (الرسالة الثالثة) إلى أنه «يتعين الالتزام الصارم بتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية من قبل جميع الأطراف». بيد أن مشكلة فرنسا أنها لا تمتلك أي أوراق ضغط على الطرف الإسرائيلي رغم مشاركتها في آلية (ميكانيزم) وقف إطلاق النار من خلال ضابط رفيع المستوى، كما أنها شجَّعت لبنان على تعيين مدني (السفير السابق سيمون كرم) في الآلية المذكورة. وكان من المفترض أن يشارك مبعوث ماكرون إلى الملف اللبناني الوزير السابق جان إيف لو دريان في اجتماعها الأخير.

ولم يفت الرئيس الفرنسي التشديد على تعلقه بلبنان ورغبته في مساعدته وفي دعم الجيش اللبناني الذي دعا قائده، الشهر الماضي، إلى زيارة باريس وكتب ما حرفيته: «بوسع الشعب اللبناني أن يعول علينا. ففرنسا ستبقى، إلى جانب شركائها، منخرطة بالكامل إلى جانب لبنان وقواته المسلحة. وسيُعقد قريباً في باريس مؤتمر دولي لتزويدها بالوسائل العملية اللازمة لضمان هذه السيادة». وبذلك يكون ماكرون قد وضع حداً للتساؤلات عن مكان انعقاد المؤتمر الذي تأرجح بين الرياض وباريس.

ما جاء في تغريدة ماكرون يتطابق مع البيان الذي صدر عن وزارة الخارجية الفرنسية، يوم الخميس، مع بعض التفاصيل الإضافية مثل اعتبار أن إنجاز المرحلة الأولى «يعكس التزام السلطات اللبنانية بالتعهدات التي قطعتها على نفسها» في إشارة إلى ما تعهَّد به قائد الجيش العماد رودولف هيكل إبان زيارته لفرنسا. كذلك شدَّد البيان المذكور على أهمية العمل الذي تقوم به «اليونيفيل»، إلى جانب الجيش اللبناني و«التي لا يزال وجودها وعملها ضروريَّين لاستقرار جنوب لبنان ولتنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701». كذلك فإن وزارة الخارجية كانت أكثر وضوحاً وتركيزاً من خلال «دعوة إسرائيل إلى ضبط النفس، والامتناع عن أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد التوترات».

ولاكتمال الصورة، يعكس بيان وزارة الخارجية الأولوية التي توليها فرنسا للجيش اللبناني، إذ إنها «تؤكّد مجدداً دعمها الثابت للقوات المسلحة اللبنانية، الركيزة الأساسية لسيادة لبنان واستقراره» كما أنها «تبقى منخرطةً بالكامل في التحضير للمؤتمر الدولي لدعمها»، وهي «ستواصل، إلى جانب شركائها، جهودها لمواكبة لبنان على طريق سلام دائم، مع الاحترام الكامل لسيادته ووحدة أراضيه».


العراق... سباق سياسي ضاغط لحسم رئاستي الجمهورية والوزراء

أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد 29 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد 29 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

العراق... سباق سياسي ضاغط لحسم رئاستي الجمهورية والوزراء

أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد 29 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد 29 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

فيما بدأ العد التنازلي للمدد الدستورية اللازمة لانتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين داخل البرلمان، واختيار رئيس الوزراء من قبل الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً، لا تزال الخلافات الشيعية - الشيعية والكردية - الكردية قائمة بين الأطراف الرئيسية في كلا المكونين. البرلمان العراقي، الذي حسم منصب رئاسته للعرب السنة بعد خلاف لم يدم طويلاً بين أبرز كتلتين سنيتين: «تقدّم» بزعامة رئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي، و«عزم» بزعامة مثنى السامرائي، بات جاهزاً لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو المنصب المخصص للمكون الكردي وفقاً لنظام المحاصصة المعمول به منذ 2003، إضافة إلى اختيار رئيس الوزراء الذي يُسند عرفاً للمكوّن الشيعي.

ومع أن الدستور العراقي حدد مهلاً واضحة لانتخاب الرئاسات الثلاث، فإن هذه المدد جرى تجاوزها مراراً في الدورات البرلمانية السابقة. غير أن التحذيرات التي صدرت هذه المرة عن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان جعلت الالتزام بالمواعيد الدستورية أمراً إلزامياً بالنسبة للقوى السياسية الرئيسية، خصوصاً الشيعية والسنية والكردية، تفادياً للوقوع في «الخرق الدستوري».

البرلمان العراقي تمكن خلال يومين من انتخاب رئيس ونائبين (أ.ف.ب)

وقال زيدان، في بيان سابق، إن «المدة الإجمالية اللازمة لولادة الحكومة الجديدة تمتد إلى نحو أربعة أشهر من تاريخ إعلان النتائج»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن المشرّع الدستوري «استخدم في جميع هذه المواد عبارة خلال، وهي عبارة تحدد الحد الأعلى للمدة الزمنية ولا تُلزم بالانتظار حتى نهايتها»، ما يمنح مرونة كبيرة لتقصيرها «متى ما توفرت الإرادة السياسية».

وأضاف زيدان أن «مدة الأشهر الأربعة يمكن اختزالها إلى أقل من ذلك بكثير إذا ما جرى استثمار اليوم الأول من كل مرحلة دستورية وعدم الانتظار إلى نهاية المدد القصوى»، موضحاً أن انعقاد البرلمان في يوم الدعوة الأول، ثم انتخاب رئيس المجلس ورئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء في الأيام الأولى، «كفيل بأن يجعل الحكومة الجديدة ترى النور في مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدلاً من مارس (آذار) من العام نفسه».

«الفضاء الوطني»

رغم كثافة اللقاءات والاجتماعات بين القيادات السياسية العليا في كل من المكون الشيعي والمكون الكردي، فإنها لم تُسفر حتى الآن عن اتفاق على اسم مُوحّد يتوافق عليه الكرد لمنصب رئيس الجمهورية، ولا على شخصية مُتفق عليها شيعياً لرئاسة الوزراء، في مؤشر واضح على حالة انسداد سياسي شبه كامل، وفي وقت لم يعد فيه عامل الزمن في صالح الطرفين. فالمشرع الدستوري استخدم كلمة «خلال» فيما يتعلق بمهل اختيار رئيسَي الجمهورية والوزراء؛ أي 30 يوماً لانتخاب رئيس الجمهورية بعد اختيار رئيس البرلمان، و15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وهي مهل قصوى وليست سقوفاً ينتظر بلوغ نهايتها، ما يجعل استمرار الخلافات بين الشيعة والكرد عائقاً حقيقياً قد يعرقل مسار تشكيل الحكومة ضمن توقيتاتها الدستورية.

وأعلن الحزبان الكرديان الرئيسيان في إقليم كردستان العراق: «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني»، مرشحيهما لمنصب رئيس الجمهورية، بغية ترك حسم الخيار للبرلمان أو ما بات يُعرف بـ«الفضاء الوطني».

ورشح الحزب «الديمقراطي الكردستاني» وزير الخارجية فؤاد حسين، ومحافظ أربيل السابق نوزاد هادي، لمنصب رئيس الجمهورية. في المقابل، رشح «الاتحاد الوطني الكردستاني» القيادي فيه نزار أمدي، وزير البيئة السابق، للمنصب نفسه.

غير أن الحزبين ما زالا يخوضان سلسلة اجتماعات متواصلة بحثاً عن مرشح توافقي من خارج الحزبين يطرح كخيار تسوية لإنهاء خلافهما حول هذا المنصب الذي يتمتع بصلاحيات محدودة، وفق النظام البرلماني العراقي.

«المرجعية»

شيعياً، لا يزال الخيار لرئاسة الوزراء يتراوح بين خيارين: الأول، محاولة بعض قوى «الإطار التنسيقي» رمي الكرة في ملعب المرجعية الدينية العليا في النجف لاختيار أحد المرشحين التسعة. والثاني، دعوة الفائزين الأعلى داخل الائتلاف الشيعي، محمد شياع السوداني (رئيس الوزراء الحالي) ونوري المالكي (رئيس الوزراء الأسبق)، للاحتكام إلى آليات داخلية للحسم.

وبحسب المعلومات الواردة من مدينة النجف، حيث مقر المرجعية العليا ممثلة بالمرجع الأعلى علي السيستاني، فإن المرجعية ووكلاءها لم يعلقوا على الرسائل التي بعثتها قوى «الإطار التنسيقي».

وبعد أن جددت مرجعية النجف إغلاق بابها أمام القوى السياسية، بمن فيها القوى المحسوبة عليها، رمى قادة «الإطار التنسيقي» الكرة هذه المرة في ملعب محمد شياع السوداني ونوري المالكي، داعين كليهما إمّا إلى أن يتنازل أحدهما للآخر وإما أن يتفقا على مرشح تسوية من بين الأسماء التسعة المتبقية بعد غربلة نحو 40 مرشحاً محتملاً للمنصب.

وبحسب مصدر داخل قوى «الإطار التنسيقي»، فإن المالكي والسوداني كثفا لقاءاتهما في الأيام الأخيرة، لكنها لم تفضِ حتى الآن إلى نتيجة نهائية، بسبب تمسك كل طرف بموقفه. وأشار المصدر إلى أن قادة الإطار لم يحددوا سقفاً زمنياً لحسم الخلاف بينهما، رغم أن المدد الدستورية لم تعد مفتوحة إلى أجل بعيد.