وزير الداخلية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: قطعنا شوطاً كبيراً بمكافحة المخدرات

السلطة السياسية قدمت الدعم الكامل للأجهزة الأمنية

وزير الداخلية اللبنانية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الداخلية اللبنانية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الداخلية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: قطعنا شوطاً كبيراً بمكافحة المخدرات

وزير الداخلية اللبنانية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الداخلية اللبنانية أحمد الحجار (الوكالة الوطنية للإعلام)

يجزم وزير الداخلية والبلديات في الحكومة اللبنانية، أحمد الحجار، بأن لبنان قطع شوطاً كبيراً في تنفيذ قرار القضاء على تجارة المخدرات وتصنيعها، ويشير في مقابلة من «الشرق الأوسط» إلى أن السلطة السياسية تتعامل مع الموضوع بجدية كبيرة، وقدمت الدعم الكامل للأجهزة الأمنية «التي تقوم بعمل ممتاز»، لجهة مراقبة وإحباط أي محاولة تهريب إلى لبنان أو منه إلى دول الخليج العربي، «مما يساهم بحماية المجتمع، ويعطي مصداقية أكبر للبنان الذي يشهد كل جدية بمعالجة هذا الموضوع».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير الداخلية أحمد الحجار (الرئاسة اللبنانية)

وللوزير الحجار تجربة في تفكيك شبكات المخدرات منذ سنوات، حين كان ضابطاً في الشرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي. فشبكات المخدرات لها تاريخ في لبنان، وفي مرحلة الوجود السوري في لبنان كانت هناك شبكات من التهريب لها امتدادات خارج البلاد. ويقول الحجار: «بعد انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، كان لافتاً جداً أن يتضمن خطاب القسم موضوع مكافحة المخدرات، كما تم تضمين هذا التعهد في البيان الوزاري».

ويضيف: «بعد أن توليت حقيبة الداخلية في الحكومة، أدرجت مكافحة المخدرات باعتبارها واحدة من الأولويات الاستراتيجيات لوزارة الداخلية، وباتت ضمن خطة الأولويات الـ10 في الوزارة»، شارحاً: «منذ بداية تسلم الوزارة، كنت أتابع الملف مع المعنيين في قوى الأمن الداخلي، ومن خلال مجلس الأمن المركزي الذي يرأسه وزير الداخلية ويضم مختلف الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش اللبناني الذي يتبع لوزارة الدفاع».

آليات عسكرية تحمل مضبوطات من المخدرات في بعلبك شرق لبنان (أرشيفية - قيادة الجيش)

ويشير الحجار إلى أنه «منذ أول الاجتماعات، أبلغت المعنيين بأن مكافحة المخدرات هي أولوية وطنية، وبالفعل كل جهاز انطلق، والجيش اللبناني بذل جهوداً جبارة، وتم تفكيك معامل كبتاغون ونفذت مداهمات في أماكن حساسة، وكان آخرها في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين الذي بقي لسنوات طويلة بعيداً عن التدخل المباشر للدولة اللبنانية»، فضلاً عن مداهمات الشمال وبعلبك والجرود واليمونة (شرق لبنان) وغيرها... كذلك قامت قوى الأمن بعمليات، علماً بأنها تتضمن مكتب مكافحة المخدرات المركزي، الذي يقوم بتحليل المعلومات والتعمق بالتحقيقات ويرسم خريطة لعمليات التهريب والتصنيع وغيرها، حسبما يقول وزير الداخلية.

مضبوطات ضخمة

كان لافتاً في الآونة الأخيرة، كميات المضبوطات الضخمة التي توقفها السلطات اللبنانية من المخدرات. ويقول وزير الداخلية: «عند تغيير النظام السوري، بات هناك من الجانب السوري عمليات مكافحة للمخدرات، وخاصة الكبتاغون الذي كان جزء كبير من معامله على الحدود من الناحية السورية». ويضيف: «الضباط والخبراء من المعنيين يعتقدون، وأنا أميل إلى رأيهم، أنه قد يكون هناك جزء من المخزون لا يزال موجوداً، ويحاول هؤلاء تصريفه، لكن جدية الدولة والغطاء السياسي الكامل من رئيس الجمهورية وكل أركان الحكومة، وأنا أتابع بصفتي وزير الداخلية كل تفاصيله، فضلاً عن رفع الغطاء السياسي؛ أعطى الأجهزة الأمنية دفعاً كبيراً، وأعطاها أيضاً الزخم للعمل بفاعلية أكبر، مما أظهر النتائج على الأرض».

تنسيق مع الأمن السعودي

ويؤكد الوزير الحجار أن لبنان قطع شوطاً كبيراً في مكافحة المخدرات. ويوضح: «في المضبوطات الأخيرة، نزلتُ إلى مكتب مكافحة المخدرات ووجهت رسالة دعم له، ولقوى الأمن وكل الأجهزة الأمنية... حين نزلت لمواكبة العملية، كانت هناك معلومات وردت من المديرية العامة لمكافحة المخدرات في المملكة العربية السعودية إلى لبنان، عن وجود مواد من الكوكايين في مرفأ طرابلس. تدخّل مكتب مكافحة المخدرات بطريقة سريعة وحاسمة، ما أدى إلى ضبط 125 كيلوغراماً من الكوكايين، وهو الرقم الأضخم الذي ضبط في لبنان دفعة واحدة منذ سنوات طويلة، علماً بأن هذا النوع كان من النوع المركز الذي يمكن أن يتضاعف أكثر فأكثر إثر عمليات تصنيع له... وكان ذلك نتيجة تعاون مثمر مع الأجهزة السعودية».

عنصر في مكتب مكافحة المخدرات في لبنان يعرض مخدرات مخبأة في «غالون» حيث أحبط تهريبها الشهر الماضي (إ.ب.أ)

العملية الثانية حصلت بالتنسيق مع الأجهزة السعودية أيضاً، حيث «تم ضبط كمية من الكبتاغون كانت معدة للتهريب إلى جدة في المملكة، ثم تتجه إلى الكويت. وردت معلومات من الأجهزة في السعودية إلى مكتب مكافحة المخدرات وتم استثمارها بالسرعة القصوى، وفي الليلة نفسها عبر مرفأ طرابلس توصلت أجهزتنا إلى تحديد شخص معين قاد المكتب إلى مستودع في بلدة بخعون في شمال لبنان، حيث تم توقيف شخص آخر على علاقة، وضبطت 8 ملايين حبة كبتاغون كانت مجهزة لإرسالها إلى المملكة وأسواق الخليج»، حسبما يقول الوزير، مؤكداً أن «هذا التعاون المثمر والجدية بالتحقيقات، أديا إلى قطع هذه الشبكات».

ويشير إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون «تحدث معي بعد إحباط هذه العملية، لأصطحب معي قائد الشرطة القضائية ورئيس مكتب مكافحة المخدرات لتقديم التهنئة لهم على تلك الإنجازات التي تأتي ضمن حملة مستمرة منذ أشهر»، مؤكداً أنه «لا غطاء فوق رأس أحد، وعملية مكافحة المخدرات هي أولوية في الدولة اللبنانية».

عملية استباقية

ويشير إلى عملية ثالثة أعلن عنها، حين زار شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ويقول: «قامت شعبة المعلومات بعمل جبار أيضاً، علماً بأنها تقوم بإنجازات في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ولها أدوار وإنجازات كبرى». ويضيف: «قامت شعبة المعلومات مؤخراً بعملية معقدة لإحباط عملية تهريب المخدرات، حيث كان هناك رأس إحدى الشبكات التي تمتلك امتدادات دولية، وكانت تعمل على تهريب الكبتاغون باتجاه أسواق الخليج، والحشيشة باتجاه أسواق أخرى بينها مصر، حيث نفذ هؤلاء المهربون عمليات سابقة باتجاه أستراليا وتركيا، وعندهم امتدادات وأشخاص في تركيا والأردن. تم توقيف رأس الشبكة وأشخاص آخرين، وتم ضبط نحو 6.5 مليون حبة كبتاغون و720 كيلوغراماً من الحشيش، تم توضيبها وتحضيرها لإرسالها إلى مرفأ بيروت، لكن شعبة المعلومات ضبطت هؤلاء المهربون قبل وصولهم إلى المرفأ، وأوقفت المتورطين في عملية متزامنة بعدة أمكنة، وكانت وجهة الكبتاغون إلى المملكة العربية السعودية. وتم إعلام الأجهزة في المملكة»، مؤكداً أن ما جرى هو عملية استباقية مهمة جداً.

ويشير الحجار إلى أن «كل ما ذكرته، يؤكد الجدية والدعم من السلطة السياسية للأجهزة التي تقوم بعمل ممتاز، وهناك عمليات مراقبة ورصد دائمة وعمليات قيد المتابعة لمنع أي نوع من عمليات التهريب إلى لبنان ودول الخليج العربي، مما يساهم بحماية المجتمع ويعطي مصداقية أكبر للبنان الذي يشهد كل جدية بمعالجة هذا الموضوع».

الإنماء باعتباره بديلاً اقتصادياً

وبموازاة مكافحة المخدرات وتفكيك الشبكات، يشير الحجار إلى أن الدولة تعمل على إنماء المناطق البعيدة التي يتحرك فيها تجار المخدرات، لافتاً إلى إقرار الحكومة الهيئة الناظمة لزراعة القنب الهندي (الحشيشة) ضمن أصول ومعايير ومواصفات معينة، موضحاً أن التوجه هو «للذهاب إلى إنماء المناطق التي كانت تُزرع فيها الحشيشة الممنوعة، والآن سيزرع فيها (القنب الهندي) المعد للاستخدامات الطبية تحت إشراف الهيئة الناظمة، وهو ما سيكون له دور إنمائي».

ويشير إلى زراعات غذائية ستكون في عكار (شمال البلاد)، قائلاً إن «الدولة اللبنانية تنظر بعين الإنماء لكل المناطق وخصوصاً البقاع وعكار»، مؤكداً أن «الإنماء هو ضمن أولويات الحكومة».


مقالات ذات صلة

البحرين تطيح بـ3 أشخاص شكّلوا خلية إرهابية تنتمي لـ«حزب الله»

الخليج عناصر الخلية الإرهابية المقبوض عليهم (بنا)

البحرين تطيح بـ3 أشخاص شكّلوا خلية إرهابية تنتمي لـ«حزب الله»

ألقت البحرين القبض على 3 أشخاص إثر قيامهم بتشكيل خلية تنتمي لـ«حزب الله» اللبناني الإرهابي، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وإحالتهم للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

أعلن الجيش الإسرائيلي قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مركبة تابعة لقوات «يونيفيل» تمر بجانب جندي لبناني... جنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)

مقتل عنصرَيْن من «يونيفيل» بانفجار «مجهول المصدر» في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، الاثنين، مقتل اثنين من عناصرها بانفجار «مجهول المصدر» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

أزمة السفير الإيراني تتفاقم: بيروت تتمسّك بالقرار وطهران تتحدى

تشهد العلاقات اللبنانية الإيرانية توتراً دبلوماسياً متصاعداً على خلفية قرار بيروت سحب اعتماد السفير الإيراني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.


فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.