قافلة مهجّرين كبيرة تعود إلى غوطة دمشق الشرقية

إصرار سوري على طي «صفحة التهجير» والرجوع إلى الديار رغم الدمار

حشد المستقبِلين يحيط بحافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)
حشد المستقبِلين يحيط بحافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)
TT

قافلة مهجّرين كبيرة تعود إلى غوطة دمشق الشرقية

حشد المستقبِلين يحيط بحافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)
حشد المستقبِلين يحيط بحافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)

عادت دفعة ضخمة من المهجَّرين ضمّت نحو 650 شخصاً إلى بلدتهم جسرين، في غوطة دمشق الشرقية، ضمن قافلةٍ أُطلق عليها «جسور العودة»، قادمين من مدينة عفرين بريف محافظة حلب، شمال سوريا، وذلك بعد تهجيرٍ قسري استمر أكثر من سبع سنوات فرَضه عليهم نظام بشار الأسد السابق.

ويعكس مشهد عودة القافلة، مساء الخميس، والتي تُعدّ الأولى من نوعها بهذا الحجم، إلى الغوطة الشرقية، بعد سقوط الأسد، إصرار المهجّرين على العودة إلى مدنهم ومنازلهم، وطي «صفحة التهجير»، رغم الدمار الذي لحق منازلهم والفقر الذي يعانونه.

وبعد عبور القافلة، التي تألفت من 5 حافلات نقل كبيرة أقلّت المهجّرين العائدين، وأكثر من 50 شاحنة كبيرة حملت أمتعتهم وأثاث منازلهم، جسر البلدة، تابعت طريقها إلى مدخلها، حيث كان بانتظار القادمين استقبال شعبي حاشد نظّمه أهالي البلدة وفريق «ملهم» التطوعي.

مستقبِلون أمام حافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)

ومع وصولها إلى قوس جسرين، عَلَت هتافات المشاركين في الاستقبال المرحِّبة بالعائدين، بينما كانت أفراد فرقة متخصصة بتنفيذ «العراضة الشامية» يرقصون وسط الحشد ويعزفون الموسيقى، ويرددون هتافات الترحيب ابتهاجاً بعودتهم، في وقتٍ كان البعض يوزّع قِطع الحلوى على القادمين والمشاركين في الاستقبال.

وبينما كان المشاركون يرفعون العَلَم الوطني الجديد، ويتقدمون إلى وسط البلدة وهم يرددون هتافات الترحيب، وآخرون يعبرون عن فرحة الانتصار وإسقاط نظام الأسد، كانت حافلات النقل تسير وراءهم، وسط انتشارٍ لعناصر قوى الأمن الداخلي على الطريق، ولُوحظ أن بعضهم وضعوا وروداً حمراء في فوّهات بنادقهم؛ تعبيراً عن الفرحة بعودة المهجّرين.

ومِن شدة الفرحة بالعودة لم ينتظر المهجّرون الوصول إلى وسط البلدة للنزول من الحافلات، وقام أغلبيتهم بذلك والحافلات لا تزال تسير على الطريق، لتطغى على المشهد صورةٌ إنسانية مؤثرة للغاية، إذ كان المشاركون بالاستقبال، وكذلك القادمون، يسارعون لعناق وتقبيل بعضهم البعض، وقد حدثت عمليات تدافع للوصول إلى بعضهم البعض مع انهمار دموع الفرح على وجوه كثيرين.

الورد الأحمر في فوهة بندقية رجل أمن خلال استقبال العائدين ببلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)

وأدى الانتشار الكبير للمشاركين والقادمين في الطريق إلى تعذر رؤية بعض المشاركين ذويهم وأقاربهم، ما دفع بعض المشاركين للسؤال عن ذويهم وأقاربهم القادمين، مع الاستمرار في البحث عنهم حتى رؤيتهم.

ولفت الانتباهَ أن أغلبية المهجّرين العائدين هم من النساء والأطفال، مع وجود أعداد قليلة من كبار السن والشباب.

الشاب ملهم فايز درويش، وهو من بين أفراد القافلة، وصف فرحته بالعودة، بعد تهجير في الشمال السوري استمر أكثر من 7 سنوات، بأنها «كبيرة جداً ولا توصَف». وقال، لـ«الشرق الأوسط»، وهو يحمل ابنه الصغير وزوجته إلى جانبه: «الحمد لله الذي أكرمنا بالعودة ونحن مرفوعو الرأس».

وشرح درويش صعوبة المعاناة التي عاشها وهو مهجّر، ومرارة النزوح، قائلاً: «تنقّلنا في عدد كبير من البيوت والخيام (بسبب القصف الذي كان ينفّذه نظام الأسد)، وقد أكرمنا الله هناك بأشخاص طيبين».

حشد المستقبِلين يحيط بحافلة تُقل عائدين في بلدة جسرين بغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)

درويش وعائلته سيقيمون حالياً في منزل جده بجسرين، ريثما يتمكن من تأمين تكلفة ترميم منزله الذي طاله دمار وتخريب وجرى «تعفيشه». وقال: «لا أملك تكلفة إصلاح المنزل، لكن كما أكرمنا الله بالنصر والعودة، سيكرمنا بتأمين تكاليف الترميم».

وفي تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، ذكرت عدة مصادر محلية في جسرين أن أغلبية العائلات العائدة؛ منازلُها إما مدمَّرة أو تحتاج إلى ترميم، وتعاني سوء الأحوال المادية.

وقال أحد المصادر: «أغلبيتهم فقراء، لذلك تكفّل فريق (ملهم) التطوعي بأجور نقلهم، وسيقيم بعضهم عند أقاربهم، وآخرون في شقق على العظم (غير مكسية) في منطقة المشروع بالبلدة».

وتضاربت الأنباء حول العدد الدقيق للمهجّرين العائدين ضمن هذه الدفعة، فبينما ذكر رئيس مجلس بلدة جسرين، أنس درويش، لـ«الشرق الأوسط»، أن القافلة أقلّت 132 عائلة تضم نحو 650 شخصاً، أوضح مدير مكتب فريق «ملهم» التطوعي بدمشق، أحمد أبو شعر، في وقت لاحق، أن عدد العائلات بلغ 104، مشيراً إلى أن فريقه «تكفَّل بأجور النقل، وهي إهداء منه إلى أهالي البلدة». وشدد على أن «هذا واجب علينا تجاههم، وما قدّمناه بسيط جداً، بعد أن عاشوا معاناة كبيرة، خلال سنوات تهجيرهم».

وبعد أن أبدى أبو شعر سروره برؤية البلادة محرَّرة على أيدي فصائل الثورة وبدماء الشهداء، وعودة المهجّرين إلى مُدنهم وقراهم «معزّزين مكرّمين منصورين»، أوضح أن عودة هذه القافلة تأتي في إطار «طيّ صفحة التهجير» الذي تعرّض له كثيرون من الشعب السوري.

ووفق مصادر محلية، فإن نظام الأسد هجَّر، في عام 2018، نحو 460 عائلة من جسرين، عاد منها بعد إسقاطه، في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، ما يقارب 200 عائلة.

ولفتت المصادر إلى أن كثيراً من العائلات المهجّرة المقتدرة تعود إلى البلدة بشكل إفرادي، في حين جرى، قبل عودة هذه القافلة، «إعادة قافلة ضمّت 40 عائلة على نفقة أهل الخير».

يُذكر أن مدن وبلدات غوطة دمشق الشرقية القريبة الملاصقة للعاصمة السورية، كانت من أوائل المدن والبلدات التي انضمّت إلى الحراك السلمي ضد نظام الأسد، في مارس (آذار) 2011، وتشكلت فيها كثير من فصائل المعارضة المسلَّحة؛ أبرزها «جيش الإسلام»، و«هيئة تحرير الشام»، وذلك بعد عسكرة الأسد للحراك وتحويله إلى حرب طاحنة استمرت نحو 14 عاماً.

وقد خرجت أغلبية مدن وبلدات الغوطة الشرقية عن سيطرة نظام الأسد، في السنة الثانية للثورة، وفرض عليها جيش النظام وحلفاؤه حصاراً خانقاً، تَرافق مع شنّهم عليها هجمات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، بما فيها السلاح الكيميائي وقتل الآلاف من أبنائها، إلى أن سيطروا عليها في أبريل (نيسان) عام 2018، وهجَّروا أعداداً كبيرة من سكانها.


مقالات ذات صلة

القوات الإسرائيلية تمنع وصول الطلاب إلى مدارسهم في جنوب سوريا

المشرق العربي مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة (أرشيفية - أ.ب)

القوات الإسرائيلية تمنع وصول الطلاب إلى مدارسهم في جنوب سوريا

أقامت القوات الإسرائيلية حاجزاً مؤقتاً في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي، وذلك ضمن سلسلة عمليات تنفذها في مناطق الجنوب السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق )
خاص حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

خاص الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

أقارب الأمير حسن قالوا إنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها». وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمّن وصوله إلى دمشق

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي سكان من ديريك قرب الحدود السورية التركية بعد منخفض جوي ويبدو نهر دجلة (رويترز)

مظلوم عبدي: ملف الدمج بين الحكومة السورية و«قسد» قد يستغرق بعض الوقت

قال قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «أن ملف الدمج قد يستغرق بعض الوقت»، وذلك رغم إعرابه عن الثقة «بنجاح تنفيذ الاتفاقية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي لقطة عامة لمخيم «الهول» في محافظة الحسكة السورية (رويترز) p-circle

السلطات السورية تبدأ إجلاء سكان مخيم «الهول» إلى آخر في حلب

بدأت السلطات السورية، الثلاثاء، نقل من تبقوا من قاطني مخيم «الهول»، الذي يؤوي عائلات عناصر في تنظيم «داعش»، إلى مخيّم آخر في حلب شمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد شاب وفتاة يقفان في طابور طويل لأنابيب الغاز للتزود بالوقود في سوريا (إكس)

سوريا تعلن تجاوز النقص المؤقت في الغاز

أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، تجاوز النقص المؤقت في مادة الغاز، مشيراً إلى أن حركة التوزيع ستعود إلى وضعها الطبيعي خلال الساعات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

وثيقة تكشف: الاتحاد الأوروبي يدرس دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة

مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
TT

وثيقة تكشف: الاتحاد الأوروبي يدرس دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة

مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)
مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)

أظهرت وثيقة ​لجهاز العمل الخارجي الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يدرس إمكانية تقديم ‌الدعم للجنة ‌الوطنية ​لإدارة ‌غزة، وفق «رويترز».

وذكر ⁠الجهاز، ​في الوثيقة ⁠التي وُزعت على الدول الأعضاء، أمس الثلاثاء، أن «الاتحاد الأوروبي يتواصل ⁠مع هياكل ‌الحكم ‌الانتقالي التي تأسست ​حديثاً ‌لغزة».

وقالت الوثيقة: «‌يدرس الاتحاد الأوروبي أيضاً إمكانية تقديم الدعم للجنة الوطنية ‌لإدارة غزة».

وسيناقش وزراء خارجية الدول ⁠الأوروبية ⁠الوضع في غزة، خلال اجتماع في بروكسل يوم 23 فبراير (شباط) الحالي.


عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

TT

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)
لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».

رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:

نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟

- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.

وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.

إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟

- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.

إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.

هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.

طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.

وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.

إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟

- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.

فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.

كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.

الملك حسين يتفحص دبابة إسرائيلية خلفتها قوات الاحتلال خلال معركة الكرامة (غيتي)

ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟

- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.

وماذا عن تدخل العراقيين؟

- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.

أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.

ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.

وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».

هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟

- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.

لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.

جندي إسرائيلي يفخخ موقعاً فلسطينياً في الأردن خلال معركة الكرامة في 21 مارس 1968 (غيتي)

كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.

من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟

- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.

لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.

من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.

هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟

- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.

لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.

هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟

- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟

وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.

هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟

- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.

لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب)

هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟

- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.

وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع استخدام أجهزة للتشويش على أي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.

هل عرف القذافي بأنكم كشفتم محاولة اغتيال الملك الحسين؟

- في تلك الأيام كان مضر بدران - رحمه الله - رئيساً للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه. وغادر إلى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، أنكر القذافي علمه بالأمر. وقال: أنا ما معي خبر.

جماعة وديع حداد يحركها القذافي؟

- ساعدهم في هذا الموضوع؛ لأنه من المهم عند القذافي وجود أشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.

هل كنتم كمخابرات تخترقون جماعة وديع حداد؟

- عندما نكون مسيطرين على مثل هذه العملية من الألف إلى الياء ماذا يمكن أن تقول!

ألم يكن كارلوس تحت متابعتكم؟

- طبعاً؛ لأن كارلوس كان يبحث عن أذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفرداً.

كانت المخابرات الأردنية تتابع كارلوس حتى بالسودان؟

- طبعاً، هناك تحديث للمعلومات أولاً بأول.

ماذا عن وديع حداد وخطف الطائرات؟

- تلك الحادثة كانت بمثابة «القشة التي قسمت ظهر البعير». ولا شك بأن تلك الحادثة كانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. ولك أن تتخيل أي حال وصلنا إليه، فبعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمراً صحافياً في فندق الأردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمّان ليعلن عن العملية.

ألم يكن لدى دائرة المخابرات أي معلومات عن خطة خطف الطائرات؟

- لا. ثم أمام كل تلك الفوضى في تلك الأيام ماذا ستقول عن حالة أشبه بالفلتان الأمني.

كانت هناك مجموعة يابانية ومجموعة ألمانية. هل كان هناك تنسيق مع المخابرات الألمانية وتبادل معلومات حول تلك المجموعات؟

- أي معلومات متوفرة لدينا كانت متاحة للقنوات مع كل الأجهزة التي نتبادل معها المعلومات.

ما هي قصة أبو داود وتخطيطه لخطف وزراء رهائن في الأردن؟

- في تلك الفترة شهدت الحركات الإرهابية ازدهاراً في العالم، وأذكر جيداً بأني زرت روما تمهيداً لزيارة الراحل الملك الحسين للفاتيكان. غادرت وكنت وقتها نائباً لمدير المخابرات، ومعي فتحي أبو طالب، وكان وقتها نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية ولاحقاً تسلم رئاسة هيئة الأركان وحمل رتبة مشير - رحمه الله. طبعاً زيارتنا هي زيارة أمنية وكانت في عام 1973؛ تمهيداً لزيارة الملك الحسين. وبعد وصولنا زرنا في روما شخصاً يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال.

وعندما دخلنا عليه وكأننا قادمون لقبض روحه، كان متشائماً جداً عند دخولنا، فطلب لنا قهوة وكان متوتراً للغاية، فسألناه عن تقديره للموقف الأمني خلال فترة زيارة الراحل الحسين ونصيحته؛ لأن الوضع الأمني صعب والحركات الإرهابية كانت في عنفوانها.

فكان جواب الرجل مختصراً ومفيداً. وقال أرغب في إجابتكم من الآخر. أنتم متخصصون وتعلمون بمواضيع الأمن، خصوصاً لكبار الضيوف من كبار الشخصيات. وزاد بقوله: أنا أجلس في هذه العمارة بالطابق الخامس، ولا أدري بأي لحظة ستنفجر بي، فلا أملك أي ضمانة حيال ما طلبتم مني. فلا سيطرة لنا على الأمن بأي صورة من الصور.

طبعاً شكرناه وغادرنا وبعثنا ببرقية مشفرة للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ننصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.

هل اخترقتم مجموعة وديع حداد، وهل استطعتم اختراق منظمة «أيلول الأسود»؟

- نعم، بالتأكيد.

من كان زعيم «أيلول الأسود»؟

- أبو إياد كان مسؤول «أيلول الأسود» ومعه أبو يوسف النجار.

لا أتذكر الآن، لكن هذه خلية أُنشئت لغرض محدد، وهو اغتيال وصفي التل، وتنفيذ عمليات أخرى. لكنهم بالأردن لم ينفذوا أي شيء؛ لأنهم لم يقدروا.

هل تعتقد أن أبو إياد كان مسؤولاً عن اغتيال وصفي التل؟

- لا أدري، لكنه هو مسؤول «أيلول الأسود»، وهذه المسؤولية مسؤولية قيادة «فتح».

هل قابلت أبو داود؟

- بالمناسبة، أبو داود من الذين عملوا نقداً ذاتياً لحركة «فتح» هو ومجموعة معه. وكان موضوعياً إلى حد كبير جداً في عملية النقد الذاتي.

إذن، دعنا نتذكر قصة أبو داود بقليل من التفاصيل؟ فمتى عرفتم بأن أبو داود يخطط لعملية بالأردن؟

- قد يكون ذلك في منتصف عام 1972. فقد توفرت معلومات أن أبو داود ومعه مجموعة تريد دخول الأردن من بغداد.

وأن مجموعة من قيادة «فتح» خططت لهذه العملية، وتم اختيار أبو داود لقيادتها.

هل عرفتم أنه تم اختيار أبو داود لقيادتها؟

- نعم، من البداية.

أي أنكم اخترقتم «أيلول الأسود»؟

- نحن اخترقنا «فتح». فهذه العملية لا علاقة لها بـ«أيلول الأسود»، وهي عملية خاصة، فقد أُسنِدت إلى أحد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات وكان طارق علاء الدين - رحمه الله. وكان نذير رشيد - رحمه الله - مديراً للمخابرات، وكنت نائباً لمدير المخابرات.

وباختصار، تمت متابعة العملية قبل دخولها للأردن من بغداد، وقد دخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي. وكان مع أبو داود امرأة ادَّعى أنها زوجته وهي ليست زوجته.

وكانوا يخبئون أسلحة بالسيارات الثلاث، وقد أخفوا الأسلحة بطريقة فنية؛ لكي لا ينكشف الأمر، وقد خزَّنوا الأسلحة بمقاعد السيارات نفسها.

بطبيعة الحال، كانوا يحملون جوازات سفر مزورة. لكن مع ذلك تم ترتيب إلقاء القبض عليهم. وبحكم تفتيش المركبات من جهتنا الحدودية مع العراق، اشتُبه بهم، وبالتالي تم اقتيادهم للدائرة. وجرى تفتيش المركبات تفتيشاً دقيقاً وتفككت كل المركبات، وتم جمع الأسلحة كاملة، فسلم أبو داود بالأمر.

وبطبيعة الأمر، عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن إلقاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة «فتح» تعلم أن العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها. حاولت «فتح» عبر إذاعتها التمويه على مكان وجود أبو داود وزعموا بأن أبو داود بطل عمليات طبرية والقدس. وبعد أن انكشفت العملية أطلقوا على أبو داود لقب «نخلة عمّان». ثم بدأ التحقيق معه، وكان رجلاً واقعياً ولم نحتج إلى وقت طويل حتى قدّم اعترافاته. فعندما شعر بأن الأمور كانت مكشوفة لنا بالكامل كان الرجل واقعياً. فقال: «يا جماعة خلص. يعني الأمور واضحة».

أبو إياد يقول إن أبو داود تعرَّض لتعذيب؟

- لم يمس أحد شعرة منه. وهو رجل كان يفهم تماماً طبيعة الظروف بعد العثور على الأسلحة وجوازات السفر المزورة. لذلك؛ أدلى باعترافات كاملة، وأن العملية كانت تهدف إلى احتجاز مجلس الوزراء الأردني أثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من أجل التفاوض على إطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالأردن وهم من منظمة «فتح». وتم تدوين إفادته كاملة وانتهى الموضوع.

لم تنته الأمور عند ذلك. بل قيل عن لقاء جمع الملك الحسين بأبو داود في دائرة المخابرات العامة؟

- في تلك الأيام كان محمد رسول الكيلاني، وهو أول مدير لجهاز المخابرات عند تأسيسه، في زيارة للملك الحسين. وطلب منه إعادة فتح ملف التحقيق مع أبو داود؛ لأن لدى الرجل معلومات مهمة. الملك حسين لسبب أو لآخر اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد أن يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات. لم يعجب ذلك المرحوم رشيد؛ لأن الأمر فيه تقليل من شأن الضباط المحترفين الذين حققوا مع أبو داود.

في تلك الأثناء قام والد ووالدة أبو داود بزيارة لمنزل محمد رسول، طالبين منه أن يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلاً بعدها جاء الراحل الحسين وقابل أبو داود وسمع اعترافه.

أبو داود اعترف أمام الملك حسين؟

- الملك الحسين قرأ اعترافات أبو داود كاملة وبعدها قابله.

بماذا تحدثنا عن تفاصيل هذه اللحظات الإنسانية؟

- قابل الراحل الملك الحسين والد ووالدة أبو داود في دائرة المخابرات العامة، وقبلها كان الوالدان التقيا ولدهما الذي ظل سجيناً لفترة من الوقت. استجاب الراحل الحسين لاسترحام الأب والأم. وبعدها التقى أبو داود بمفرده.

وبعدما أحيل نذير رشيد إلى التقاعد وأعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية حاول إعادة فتح التحقيق والتوسع، لكنه لم يجد ثغرة تسمح له بإعادة فتح الملف. لكن الملك الحسين كان قد وعد الأب والأم بالإفراج عن ابنهما. وبعد فترة قصيرة تم الإفراج عنه.

وبتقديري، وهذا ما لمسته، بأن أبو داود تأثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه. ولم يعد بأي تهديد للأردن أو القيام بأي عمل مستقبلي ضد الأردن.

أبو داود بين شرطيين فرنسيين بعد توقيفه لفترة قصيرة في مطار أورلي بباريس عام 1977 (أ.ف.ب)

بالنسبة لمحمد رسول لم يمكث طويلاً بفترته الثانية في إدارة الجهاز. فالمدة التي غاب فيها عن الدائرة شهدت الكثير من التطورات، وقد تقدمنا فنياً في العمل الاستخباري، كما أن التحديات اختلفت عما كان موجوداً في زمنه. كما زاد عدد الضباط زيادة ملحوظة وأصبح في الجهاز فرق وخبراء مختصون، أي أن المناخ اختلف وأصبح هناك احترافية في العمل.

نتيجة لذلك؛ حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها؛ لأن العقلية القديمة مع الحداثة التي حصلت في الجهاز تسبب بإرباكات كثيرة. وقد حصل جفاء بيننا كضباط وأفراد، ولم نعد مرتاحين في هذه الأجواء، ففكرت مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة. وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ. وكان مكتبي يقع مقابل مكتب محمد رسول، وكان مكتب طارق بعدي مباشرة. دخل الحسين لمكتب محمد رسول وكان معه الشريف زيد بن شاكر. بعد نحو نصف ساعة خرج الحسين وقد استقبلته أمام مكتبي، فسلم عليّ وعلى وطارق علاء الدين. وقف معنا وجاملنا بكلمات لطيفة وغادر.

بعد أسبوع صدرت الإرادة الملكية بإحالة محمد رسول الكيلاني - رحمه الله - على التقاعد، وتعيينه مستشاراً للأمن القومي في الديوان الملكي، كما صدرت الارادة الملكية بتعييني مديراً للمخابرات في الأول من سبتمبر 1974.

هل كان الملك الحسين حريصاً على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه؟

- كانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بنا باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتنا، بل لآرائنا الشخصية كذلك.

ثم بعد ذلك أصبحت علاقة الراحل مع الجهاز من خلال المدير، وهو الذي يرفع التقرير للملك مباشرة، كما يقدم التقرير الأمني لرئيس الوزراء بموجب أحكام القانون.

بالنسبة لي كنت أقدم تقارير لرئيس الحكومة وأقابل الملك أيضاً. لكن أمام الملك قد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين. وكنت أقابل الملك باستمرار.

عندما يُطلب مني تقديم عرض أمني أمام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي وقتها ولي عهده الأمير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والأمن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة. وطبعاً يكون العرض للتقرير الأمني فيه شرح للأوضاع الأمنية وأي تحديات خارجية أو داخلية.


القوات الإسرائيلية تمنع وصول الطلاب إلى مدارسهم في جنوب سوريا

مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة (أرشيفية - أ.ب)
مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة (أرشيفية - أ.ب)
TT

القوات الإسرائيلية تمنع وصول الطلاب إلى مدارسهم في جنوب سوريا

مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة (أرشيفية - أ.ب)
مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة (أرشيفية - أ.ب)

أقامت القوات الإسرائيلية حاجزاً مؤقتاً في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي، وذلك ضمن سلسلة عمليات تنفذها في مناطق الجنوب السوري.

وأفادت قناة «الإخبارية» السورية اليوم (الأربعاء) بأن «قوة من الاحتلال فتشت منازل المدنيين ومنعت وصول الطلاب إلى مدارسهم في المنطقة»، لافتة إلى أن «قوات الاحتــــلال الإسرائيلي تقتحم منزلاً في القنيطرة وتعتقل شاباً بعد ترهيب أسرته والاعتداء عليهم». وأشارت إلى أن «ذلك يأتي ضمن سلسلة الانتهاكات المتكررة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في مناطق الجنوب، حيث تستمر قوات الاحتلال باعتداءاتها وخرقها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من خلال عمليات التوغل والدهم والاعتقالات وتجريف الأراضي».