تصاعد «حديث الحرب» بين مصر وإسرائيل على خلفية أزمة «تهجير الفلسطينيين»

مصر أكدت أنها "لن تكون أبداً شريكاً في تصفية القضية الفلسطينية" (تصوير عبد الفتاح فرج)
مصر أكدت أنها "لن تكون أبداً شريكاً في تصفية القضية الفلسطينية" (تصوير عبد الفتاح فرج)
TT

تصاعد «حديث الحرب» بين مصر وإسرائيل على خلفية أزمة «تهجير الفلسطينيين»

مصر أكدت أنها "لن تكون أبداً شريكاً في تصفية القضية الفلسطينية" (تصوير عبد الفتاح فرج)
مصر أكدت أنها "لن تكون أبداً شريكاً في تصفية القضية الفلسطينية" (تصوير عبد الفتاح فرج)

تصاعد «حديث الحرب» بين مصر وإسرائيل، على خلفية أزمة «تهجير الفلسطينيين» من قطاع غزة، في ظل «توتر غير مسبوق» للعلاقات بين البلدين، لا يرقى، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى حد التصعيد العسكري، لا سيما مع «حرص البلدين على السلام، وإن أظهرت التصريحات الإعلامية غير ذلك».

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً في حدة «التوتر» بين مصر وإسرائيل، عكسته تصريحات إعلامية من الجانبين، وانتقل إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي لتتصدر هاشتاغات، مثل: «#الجيش_المصري_قادر_وجاهز»، و«#عاش_الجيش_المصري_عاش»، مدفوعةً بدعوات إعلامية؛ حيث طالب الإعلامي المصري، أحمد موسى، رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بنشر هاشتاغ الجيش المصري حتى «يزلزل منصة (إكس)».

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة من بيان للمتحدث العسكري المصري عن تفقّد رئيس أركان حرب القوات المسلحة للمنظومة التعليمية في المعاهد العسكرية، ظهر في خلفيتها لوحة كُتِب عليها «المبادئ العامة للعمليات الهجومية الإسرائيلية».

وقال المدوِّن المصري، لؤي الخطيب، عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «هذه الصورة تقول إن الضباط يتعلمون كيف يتعاملون مع العدو الإسرائيلي عسكرياً، وهو شيء يستعد له الجيش طوال الوقت، لكنه زاد أخيراً، نتيجةَ وصول التوتر لمستويات غير مسبوقة».

في المقابل، نشرت وسائل إعلام عبرية تحذيرات من «تعزيز مصر لوجودها العسكري في سيناء». وقال الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي، أرييل كاهانا، لصحيفة «يسرائيل هيوم» إن «مصر تنتهك اتفاق السلام، بزيادة الحشود العسكرية في سيناء». بينما نشر موقع «JDN» الإسرائيلي تقريراً تضمن تساؤلات بشأن «مدى استعداد إسرائيل لمواجهة عملية عسكرية مصرية».

هذا الحديث المتواتر عن الحرب جاء مدفوعاً بسجال سياسي بين مصر وإسرائيل، على خلفية أزمة «التهجير»، تصاعد أخيراً عقب تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، قال فيها: «هناك خطط مختلفة لكيفية إعادة إعمار غزة، لكن نصف السكان يريدون الخروج. هذا ليس طرداً جماعياً، وأستطيع أن أفتح لهم معبر رفح، لكن سيتم إغلاقه فوراً من مصر».

وعقب حديثه، قال رئيس «هيئة الاستعلامات» الرسمية بمصر، ضياء رشوان، في مقابلة متلفزة، إن نتنياهو يريد فتح معبر رفح من أجل «المنافي للفلسطينيين والشتات مرة أخرى».

كما أعربت مصر، في بيان لوزارة الخارجية، الجمعة، عن «بالغ استهجانها» للتصريحات، مؤكدة أنها «لن تكون أبداً شريكاً في هذا الظلم، من خلال تصفية القضية الفلسطينية، أو أن تصبح بوابة التهجير، وأن هذا الأمر يظل خطاً أحمر غير قابل للتغيير».

ولم ينتهِ السجال؛ حيث قال نتنياهو، في بيان صادر عن مكتبه، مساء الجمعة، إن «وزارة الخارجية المصرية تفضل سَجن سكان غزة الذين يريدون مغادرة منطقة الحرب ضد إرادتهم».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

بدوره، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، إن وصف تهجير الفلسطينيين بالطوعي «هراء». وأضاف، خلال مؤتمر صحافي مع المفوض العام لوكالة «الأونروا»، فيليب لازاريني، أن «مسألة التهجير خط أحمر للأردن ومصر والدول العربية، ولن يتم السماح به تحت أي ظرف من الظروف... إذا كانت هناك مجاعة مِن صنع البشر، فهذا لدفع السكان للخروج من أرضهم. هذا هراء؛ أن نقول إن هناك تهجيراً طوعياً».

وتداولت وسائل إعلام محلية وعربية السجال الدائر، وعدَّ الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامج «الحكاية»، على فضائية «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، ما يحدث «ذروة التوتر في العلاقات بين مصر وإسرائيل... لم يرَ مثله بينهما منذ فترة طويلة».

ووصف الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، ما يحدث بأنه «حرب كلامية نفسية للضغط على مصر وحركة (حماس)، ودفعهم للقبول بتنازلات في مفاوضات وقف إطلاق النار وملف التهجير»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الحرب الكلامية لن تصل إلى حد المواجهة العسكرية».

وقال إن «إسرائيل تعرف حجم وقوة الجيش المصري، والتدريب العسكري الأخير بين مصر والولايات المتحدة أرسل رسالة واضحة بشأن مدى قوة واستعداد الجيش المصري لأي مواجهة».

وانطلقت، نهاية أغسطس (آب) الماضي، فعاليات التدريب المصري - الأميركي المشترك، «النجم الساطع (2025)»، الذي تستضيفه مصر بمشاركة 43 دولة.

وبينما أكد عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان)، الدكتور عبد المنعم سعيد، وجود «توتر» في العلاقات بين مصر وإسرائيل، قال إنه «لا يرقى للقول إن البلدين على شفا حرب». وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث هو مواجهة سياسية - دبلوماسية، في ظل محاولات نتنياهو الدفع نحو تنفيذ مخطط التهجير الذي رفضته القاهرة مراراً».

وأشار إلى أن «الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يدفعان نحو الحرب، في مباراة إعلامية دبلوماسية لم تتحول إلى مواجهة حقيقية».

فلسطينيون يحملون جثث أطفالٍ مُكفنين قُتلوا في غارات إسرائيلية على مدينة غزة (أ ف ب)

واتفق معه مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، مشيراً إلى أن «التصعيد الإعلامي والسياسي بين مصر وإسرائيل حدث من قبل، وكان أشد في حوادث سابقة، مثل انتفاضة عام 2000». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بالمقارنة بالأوضاع في آخر عشر سنوات، ما يحدث الآن هو أقسى تصعيد بين البلدين، لكنه لا يزال في طور التصعيد الإعلامي والسياسي، في ظل تمسك البلدين بمعاهدة السلام».

وهو ما أكده خبير الشؤون الإسرائيلية، الدكتور سعيد عكاشة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التلاسن بين مصر وإسرائيل لا يعكس الموقف الرسمي للبلدين الحريص على السلام»، مشيراً إلى أن «مصر تتعامل مع استفزازات إسرائيل بعقلانية، ولا تسير وراء تصعيد منصات التواصل».

وعزا مساعد وزير الخارجية الأسبق، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، «التوتر الحالي»، إلى «استفزازات إسرائيل التي لا تتفق مع السلام»، لكنه أكد لـ«الشرق الأوسط» أن التصعيد بين البلدين «يظل في إطار القوى الناعمة والدبلوماسية. وقد يتطور لمناحٍ اقتصادية».

والأسبوع الماضي، تصاعد السجال بين مصر وإسرائيل، على خلفية تسريبات تحدثت عن اعتزام نتنياهو «عدم تمديد اتفاق الغاز مع مصر»، وهو ما دفع رئيس «هيئة الاستعلامات» في مصر إلى الرد، محذراً من «عواقب إلغاء الاتفاق». ووصف ضياء رشوان، في لقاء تلفزيوني، حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل بأنها كانت «نزهة». وقال: «الآن الأسلحة تطوّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة؛ إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 356 كيلومتراً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة؟!».

فلسطينيون يتفقدون أضرار غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ ف ب)

والشهر الماضي، حذرت مصر من الاقتراب من حدودها. وقال محافظ شمال سيناء، اللواء خالد مجاور، في تصريحات متلفزة، إن أي محاولة للاقتراب من الحدود ستواجَه بـ«رد مفاجئ».

وفي رأي الشوبكي، فإن «التصعيد الحقيقي سيحدث إذا ما أقدم نتنياهو على دفع الفلسطينيين إلى الحدود نحو سيناء»، لكنه أشار إلى أن «إسرائيل تبحث عن بدائل كثيرة، وتتحرك بالمغريات المالية والهجرة الطوعية لتلافي هذا السيناريو».

ودعا مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إلى «استغلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للضغط على إسرائيل من أجل إيقاف الحرب».

بينما عوّل عضو مجلس الشيوخ المصري على «تضافر جهود الدول التي لديها علاقات سياسية أو تجارية مع إسرائيل، واستغلال هذه الورقة في الضغط على نتنياهو لوقف الحرب»، فيما وصفه بـ«تكتل دول السلام من أجل إقامة السلام».

وتشهد العلاقات بين مصر وإسرائيل «توتراً»، منذ بدء الحرب في غزة، بدأت ملامحه في البداية باتهامات متبادلة بالمسؤولية عن إغلاق معبر رفح، وتصاعد تباعاً، لا سيما مع حديث عن انتهاك إسرائيل لمعاهدة السلام بالوجود في «محور فيلادلفيا»، واتهامات إسرائيلية للقاهرة بخرق المعاهدة عبر «تحديث البنية العسكرية في سيناء». لكنه «توتر» لم يؤثر حتى الآن على معاهدة السلام بين البلدين، ولم يمنع استمرار التواصل عبر لجان أمنية من الجانبين، إضافة إلى جهود وساطة مستمرة من جانب القاهرة بالتعاون مع قطر والولايات المتحدة لوقف الحرب في غزة.


مقالات ذات صلة

رمضان يحل على غزة وسط أنقاض المساجد المدمرة

المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تعيش قرب مسجد دُمر خلال القصف الإسرائيلي على مدينة غزة (رويترز)

رمضان يحل على غزة وسط أنقاض المساجد المدمرة

مع حلول شهر رمضان على قطاع غزة، الأربعاء، توجه فلسطينيون إلى أنقاض المساجد المدمرة، بينما يتملكهم الأسى على من فقدوا وعلى المساجد والجوامع التي دُمرت.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (رويترز)

تقرير: رئيس وزراء باكستان يسعى لتوضيح حول دور قوة استقرار غزة

أفادت 3 مصادر لـ«رويترز» بأن باكستان تريد ضمانات من واشنطن بأن قواتها التي يحتمل ​أن ترسلها إلى غزة في إطار قوة الاستقرار الدولية ستكون ضمن مهمة لحفظ السلام.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي مسجدٌ دُمّر خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين مُحاط بخيام لإيواء الفلسطينيين النازحين بمدينة غزة (رويترز)

وثيقة تكشف: الاتحاد الأوروبي يدرس دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة

أظهرت وثيقة ​لجهاز العمل الخارجي الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي يدرس إمكانية تقديم ‌الدعم للجنة ‌الوطنية ​لإدارة ‌غزة، وفق «رويترز».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة يناير 2024 (رويترز)

مقتل جندي إسرائيلي بـ«نيران صديقة» جنوب قطاع غزة

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مقتل جندي، ليلة أمس، بنيران صديقة، جنوب قطاع غزة، بعد أن جرى التعرف عليه خطأً كتهديد، خلال عمليات قرب خان يونس.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية آليات ثقيلة تهدم مبنى فلسطينياً قرب الخليل في الضفة الغربية (رويترز) p-circle

تصعيد إسرائيلي جديد... سموتريتش يتعهد بـ«تشجيع هجرة» الفلسطينيين

أعلن وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش أنه يعتزم «تشجيع هجرة» الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.