أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

اتفاق السيارات الهجينة يمهد لمفاوضات أوسع وسط مخاوف من الوظائف وتكاليف الطاقة

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل، الخميس، لبحث سبل الحد من تدفق الواردات الصينية، وسط مخاوف متزايدة بشأن إغلاق المصانع وفقدان الوظائف، بينما أكدت بكين أن الاتفاق الأخير بشأن تجارة السيارات الهجينة من شأنه حماية مصالح الشركات الصينية ومنع تصاعد الخلافات.

وتأتي القمة الأوروبية بعد أقل من أسبوع على توصل المفوضية الأوروبية والصين إلى تفاهم بشأن الحد من واردات السيارات الهجينة الصينية، في خطوة تعتبرها بروكسل بداية لمعالجة اختلالات تجارية أوسع تشمل قطاعات صناعية متعددة.

وقالت وزارة التجارة الصينية، الخميس، إن التوافق الذي جرى التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة السيارات الهجينة يساعد على حماية مصالح الشركات الصينية وتجنب التصعيد التجاري.

ويعكس الموقف الصيني رغبة بكين في الحفاظ على قنوات التفاوض مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه الضغوط داخل الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الصناعات المحلية.

وكان الطرفان قد توصلا الأسبوع الماضي إلى اتفاق قد يؤدي إلى خفض صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من النصف، بعد مشاورات مكثفة بشأن تنظيم تدفقات هذه المركبات إلى السوق الأوروبية.

وأكدت وزارة التجارة الصينية في وقت سابق أن الاتفاق يسمح باستمرار نمو الصادرات ضمن ترتيبات متفق عليها، ويضمن حصة تصديرية تتماشى مع الحصص الممنوحة لدول أخرى.

لكن الاتفاق، رغم أهميته، لا يعالج سوى جانب محدود من الخلاف التجاري المتصاعد بين الجانبين.

فقد بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين نحو 360 مليار يورو، أي ما يعادل 400.4 مليار دولار، خلال عام 2025، بينما تشير التوقعات إلى تجاوزه هذا المستوى في 2026.

ويمثل اتساع العجز أحد أبرز مصادر القلق لدى الحكومات الأوروبية، التي تواجه ضغوطاً من الشركات الصناعية والنقابات العمالية لاتخاذ إجراءات تحد من المنافسة الصينية المتزايدة.

وتتهم مجموعات صناعية أوروبية الواردات الصينية بالمساهمة في إغلاق مصانع وفقدان وظائف، خصوصاً في القطاعات التي تواجه منافسة سعرية شديدة.

وقال دبلوماسي أوروبي بارز إن الاختلالات التجارية لا تقتصر على قطاع واحد، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف شهرياً.

وتشمل القطاعات المثيرة للقلق الصناعات الكيميائية والصلب والآلات، إلى جانب السيارات، مما يعكس اتساع نطاق الخلاف من المنتجات الاستهلاكية إلى الصناعات الأساسية والاستراتيجية.

وتشير مسودة نتائج القمة إلى أن القادة الأوروبيين سيطالبون المفوضية بمواصلة الحوار مع بكين، مع الاستفادة الكاملة من أدوات الدفاع التجاري القائمة، وتطوير إجراءات إضافية لحماية السوق الأوروبية.

ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين المسار التفاوضي والقدرة على فرض قيود تجارية إذا لم تحقق المحادثات نتائج ملموسة.

وفي المقابل، ترفض الصين تصوير الفائض التجاري باعتباره دليلاً على ممارسات غير عادلة، وتعتبر أن تضخيم قضية الاختلالات الاقتصادية يوفر مبرراً لتبني سياسات حمائية والضغط على الشركات الصينية.

ومن المتوقع أن تحتل المقترحات الفرنسية الألمانية، التي صدرت الأسبوع الماضي، موقعاً بارزاً في المناقشات الأوروبية.

ودعت باريس وبرلين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الواردات الصينية في قطاعي المواد الكيميائية والبولي إيثيلين تيريفثالات، المعروف اختصاراً باسم «بي إي تي»، وهو البلاستيك المستخدم على نطاق واسع في صناعة العبوات والتغليف.

كما طالبت الدولتان بتطوير آليات تسمح للاتحاد الأوروبي بالرد سريعاً على الدول التي تتخذ إجراءات تضر بمصالحه التجارية.

ومن المنتظر بدء تحقيق أوروبي بشأن واردات مادة «بي إي تي» قريباً، في خطوة قد تمهد لاتخاذ تدابير دفاعية إضافية.

وتكتسب المبادرة الفرنسية الألمانية أهمية خاصة لأنها تعكس تحولاً في موقف برلين، التي كانت قبل عامين من أبرز المعارضين لفرض رسوم أوروبية لمكافحة الدعم على السيارات الكهربائية الصينية.

ويشير تغير الموقف الألماني إلى تنامي القلق بشأن قدرة الصناعات الأوروبية على مواجهة المنافسة الخارجية، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف بعض القطاعات الصناعية.

وبالنسبة إلى الشركات الصينية، فإن توسيع نطاق الإجراءات الأوروبية قد يفرض تحديات إضافية على خطط التصدير، ويدفع بعضها إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير والاستثمار والتوسع داخل الأسواق الأوروبية.

أما الشركات الأوروبية، فقد تستفيد بعض قطاعاتها من إجراءات الحماية التجارية، لكن فرض قيود واسعة قد يرفع تكاليف المدخلات الصناعية ويؤثر في سلاسل التوريد.

ولا تنفصل هذه المخاوف عن أزمة أسعار الطاقة التي تشكل محوراً رئيسياً آخر في القمة الأوروبية.

فقد وضعت عدة دول أعضاء ارتفاع تكاليف الطاقة على جدول الأعمال، بينما تصف مسودة نتائج القمة القضية بأنها ذات «أهمية حاسمة» للقدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي.

وتواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والصلب، ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، ما يزيد صعوبة منافسة المنتجين في الأسواق التي تتمتع بتكاليف طاقة أقل.

وتشير المسودة إلى مقترحات سبق أن قدمتها المفوضية الأوروبية، من بينها تأجيل تطبيق قواعد انبعاثات الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام.

كما يُتوقع أن يطلب القادة من المفوضية تقديم إجراءات إضافية قصيرة الأجل للتخفيف من أعباء الطاقة على الشركات والمستهلكين.

ومن الناحية الاقتصادية، يمثل الجمع بين معالجة المنافسة الصينية وخفض تكاليف الطاقة تحدياً رئيسياً للاتحاد الأوروبي، إذ لا تكفي الإجراءات التجارية وحدها لتعزيز القدرة التنافسية إذا استمرت تكاليف الإنتاج عند مستويات مرتفعة.

وفي ملف آخر، يناقش القادة الموازنة الأوروبية للفترة من 2028 إلى 2034، وسط خلافات واسعة بشأن حجم الإنفاق وأولوياته وتوزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.

وتتطلب الموافقة على الموازنة إجماع الدول السبع والعشرين، ما يجعل المفاوضات معقدة بين الدول المساهمة الصافية في التمويل والدول المستفيدة من البرامج الأوروبية.

ومن المتوقع عقد قمة استثنائية في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) لمحاولة تضييق الخلافات والتوصل إلى اتفاق.

وتكتسب الموازنة الجديدة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تمويل برامج التنافسية الصناعية والتحول في الطاقة والدفاع والبنية التحتية، إلى جانب الالتزامات الأوروبية تجاه أوكرانيا.

ومن المقرر أن يناقش القادة، الجمعة، التحديات التي تواجه أوكرانيا، بحضور الرئيس فولوديمير زيلينسكي، مع التركيز على احتياجات كييف التمويلية لعام 2027.

وتشير مسودة النتائج أيضاً إلى اعتزام القادة التعبير عن أسفهم لقرار الولايات المتحدة رفع العقوبات مؤقتاً عن الديزل الروسي.

وفي المحصلة، تكشف القمة الأوروبية عن تداخل التحديات التجارية والمالية والطاقة في وقت تسعى فيه بروكسل إلى حماية قاعدتها الصناعية وتعزيز قدرتها على المنافسة.

وبينما يوفر اتفاق السيارات الهجينة مع الصين فرصة لاحتواء بعض التوترات، فإن اتساع العجز التجاري واستمرار الخلافات بشأن الصناعات الكيميائية والصلب والآلات يشيران إلى أن المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيداً.

وسيكون الاجتماع الأوروبي الصيني المقرر في مارس (آذار) محطة مهمة لتقييم قدرة الطرفين على تحقيق تقدم يتجاوز قطاع السيارات، والوصول إلى ترتيبات تحد من التصعيد وتحافظ على استقرار العلاقات الاقتصادية بين اثنين من أكبر الأسواق العالمية.


مقالات ذات صلة

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

شمال افريقيا مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

دعا «اتحاد الشغل» لمظاهرات مكثفة بعد غد السبت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني الخدمات العامة، وللمطالبة بالحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)

صندوق النقد يدعو الصين إلى تحفيز مالي أكبر

دعا صندوق النقد الدولي الصين لتوسيع إجراءات التحفيز المالي بصورة ملموسة، محذراً من أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه خطر الانزلاق إلى الانكماش السعري

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

تزداد مؤشرات احتمال استمرار بنك اليابان بتشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، بعدما حذرت عضو مجلس إدارته جونكو كويدا من المبالغة في الحذر بشأن رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء الشهر الماضي مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نيويورك (أ.ف.ب)

اليابان تستثمر 21 مليار دولار في صناعة الرقائق الأميركية

تعتزم اليابان استثمار ما يصل إلى 21 مليار دولار لإنشاء مصنعين لأشباه الموصلات في ولاية نيويورك الأميركية، ضمن شراكة مع الحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - نيويورك)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ ب أ)

«نيكي» يخسر 4.9 % وسط مخاوف الذكاء الاصطناعي والفائدة الأميركية

شهدت الأسواق المالية اليابانية اضطرابات حادة، الخميس، مع هبوط مؤشر «نيكي» بنحو 5 % تحت وطأة موجة بيع واسعة في أسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.


الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
TT

الهند تتجاوز اليابان في 2027 وسط تباطؤ النمو الآسيوي

عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)
عامل يسير في موقع بناء مركز بيانات تابع لشركة «أمازون» بالهند (رويترز)

من المتوقع أن تتجاوز الهند اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد بالعالم في 2027، مع بلوغ ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي 4.52 تريليون دولار، في تحول يعكس تفاوت مسارات النمو بين أكبر اقتصادات آسيا، وسط ضغوط كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات المالية العالمية، ومخاطر تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التوقعات في وقت رجّح صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ إلى 4.4 في المائة في 2027، مقارنة بـ4.8 في المائة بالعام الحالي و5 في المائة خلال 2025، رغم رفع تقديراته للعامين الحالي والمقبل مقارنة بتوقعاته الصادرة في أبريل (نيسان).

وفق توقعات الصندوق، ستتراجع اليابان إلى المرتبة السادسة عالمياً في 2027، خلف الهند والمملكة المتحدة، بعدما تحتفظ بالمركز الرابع خلال العام الحالي. وتستفيد الهند من زخم نمو قوي، إذ رفع الصندوق توقعاته لنمو اقتصادها في 2026 إلى 7 في المائة، بينما يُتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.7 في المائة، تحت ضغط ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم والتحديات الديمغرافية.

وقال مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في الصندوق، كريشنا سرينيفاسان، إن الهند دخلت صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من موقع قوي، بفضل متانة أساسياتها الاقتصادية والانضباط المالي ووفرة الاحتياطيات، ما ساعدها على التعامل مع تداعيات الصدمة.

في المقابل، تواجه اليابان ضغوطاً كثيرة من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الواردات، في ظل تراجع الين الذي سجل أدنى مستوياته أمام الدولار خلال 40 عاماً في الصيف، إلى جانب شيخوخة السكان التي تثقل النشاط الاقتصادي. كما أسهم استمرار ارتفاع أسعار المستهلكين منذ ربيع 2022 في زيادة الضغوط التضخمية، ودفع بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود.

مخاطر الطاقة والذكاء الاصطناعي

وعلى مستوى المنطقة، أشار الصندوق إلى أن توقعات النمو لا تزال محاطة بمخاطر تميل إلى الجانب السلبي، في مقدمتها احتمال إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط، بما قد يبقي أسعار السلع الأولية مرتفعة، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وفي المقابل، أسهمت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم اقتصادات آسيوية متقدمة، إذ يُتوقع أن يرتفع نموها إلى 3.2 في المائة في 2026، مقابل 2.5 في المائة في العام الماضي. لكن الصندوق حذّر من أن أي تصحيح في طفرة الاستثمار في هذه التقنيات قد يضغط على النمو العالمي، مع تعرض آسيا لمخاطر أكبر نتيجة انكشافها على سلاسل إنتاج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتظهر التوقعات تفاوتاً إضافياً بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة في المنطقة؛ إذ يُرجح أن يتباطأ نمو الاقتصادات الآسيوية الناشئة إلى 5.1 في المائة في 2026، من 5.6 في المائة في 2025، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة.

عوائد السندات تضغط على المالية العامة

وحذّر الصندوق من أن استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية أو حدوث اضطرابات في أسواق الدين لدى الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو واليابان، قد ينتقل إلى الأسواق الآسيوية، رافعاً تكاليف الاقتراض ومفاقماً الضغوط على المالية العامة.

وتزيد مستويات الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة في أجزاء من المنطقة من مخاطر تشديد الأوضاع المالية، بما قد يرفع أعباء خدمة الدين ويحد من قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق لمواجهة الصدمات.

وفي هذا السياق، دعا سرينيفاسان البنوك المركزية إلى مواصلة إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، والتواصل بوضوح بشأن توجهات السياسة النقدية، والاستعداد لتشديدها عندما تكون توقعات التضخم أقل رسوخاً أو الضغوط التضخمية أكثر استمراراً، مع الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية.

كما شدد على محدودية الحيز المالي في ظل بقاء الدين العام أعلى من مستويات ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، داعياً إلى اعتماد تدابير دعم مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من الدعم الشامل لأسعار الوقود أو فرض قيود على الأسعار، لما قد يترتب على هذه الإجراءات من تكاليف مالية مرتفعة.


ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية، في أحدث مؤشر على تنامي الضغوط الائتمانية المرتبطة بما يُعرف بـ«استثمارات الذكاء الاصطناعي»، ولا سيما مراكز البيانات التي تعتمد على إيرادات مستقبلية.

ورغم أن أسهم الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال من بين أكبر الرابحين في أسواق الأسهم العالمية هذا العام، فإن كثيراً منها شهد تراجعاً حاداً خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع إعادة المستثمرين تقييم تكلفة رأس المال في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، وفق «رويترز».

كما تساور بعض المستثمرين والمحللين الشكوك بشأن توقيت تحقيق عوائد على الاستثمارات التي تُضخ بمليارات الدولارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وغيرها من البنى التحتية، بل حتى بشأن احتمالات تحقيق هذه العوائد من الأساس.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان، وهي أدوات توفر حماية من مخاطر التعثر المالي واكتسبت أهمية كبيرة خلال الأزمة المالية في عام 2008، حتى بالنسبة إلى شركات كبرى مثل «أبل» و«أمازون» و«مايكروسوفت».

أما الشركات المنافسة لهذه المؤسسات أو مورّدوها أو عملاؤها، ممن يتحملون أعباء ديون أكبر، فقد ارتفعت تكلفة هذه العقود لديهم بوتيرة أسرع.

ما عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

هي أدوات مالية مشتقة توفر حماية من مخاطر عجز الجهة المُصدرة للسندات، سواء كانت شركة أو حكومة، عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

ويتوقع مستثمرو السندات الحصول على مدفوعات الفائدة واسترداد أصل المبلغ عند الاستحقاق، لكنهم يواجهون احتمال عدم سداد هذه المستحقات.

ويساعد شراء عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المستثمرين على التحوط من هذه المخاطر؛ إذ تعمل فعلياً كنوع من التأمين ضد التخلف عن السداد أو وقوع أحداث ائتمانية أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا انخفضت قيمة سند ما لأي سبب، فقد يلجأ المستثمر إلى زيادة حيازته من هذه العقود لتعويض جزء من الخسائر.

وتجدر الإشارة إلى أن أياً من الشركات التي ارتفعت تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بها مؤخراً لم تتخلف عن سداد التزاماتها، ولم تشر إلى احتمال حدوث ذلك.

هل هذه سوق ضخمة؟

وفقاً للجمعية الدولية للمقايضات والمشتقات (ISDA)، يبلغ حجم سوق عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المرتبطة بجهة واحدة (Single-name CDS)، التي تغطي سندات مُصدر واحد، نحو 9 تريليونات دولار. وتشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن هذا الحجم يمثل جزءاً صغيراً من أسواق السندات العالمية، التي تتجاوز قيمة أوراقها المالية القائمة 150 تريليون دولار.

وتُعد العقود المرتبطة بالديون الحكومية الأكبر ضمن سوق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان.

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة «ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كوربوريشن» بلغ متوسط التداول اليومي في سوق هذه العقود ككل 16 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بـ13 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

ومع ذلك، قد تظل أحجام التداول اليومية محدودة، حتى بالنسبة إلى عقود الشركات الكبرى، وقد تقتصر أحياناً على أرقام أحادية. وهذا يعني أن صفقات صغيرة نسبياً قد تؤثر في الأسعار بدرجة غير متناسبة مع حجمها.

من يشتري عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

عادةً ما يشتري مستثمرو السندات هذه العقود من خلال وسيط، غالباً ما يكون بنكاً استثمارياً، يتولى بدوره ترتيب الحماية مع مؤسسة مالية توفرها. وتُصنف هذه الصفقات ضمن المعاملات التي تتم خارج البورصة (over-the-counter)، أي أنها لا تمر عبر غرفة مقاصة مركزية.

وتشارك صناديق التحوط أيضاً في هذه السوق، إذ تبيع عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان إلى مستثمرين يسعون إلى التحوط من مخاطر محددة.

ويدفع المشتري رسوماً دورية تُعرف باسم «القسط» (premium) إلى البائع، الذي يتحمل في المقابل مخاطر وقوع حدث ائتماني، مثل التخلف عن السداد.

وتُسعّر هذه العقود بناءً على ما يُعرف بـ«الهامش الائتماني» (credit spread)، وهو عدد نقاط الأساس (basis points) التي يتقاضاها بائع العقد من المشتري مقابل توفير الحماية. وكلما ارتفعت المخاطر المتصورة لوقوع حدث ائتماني، اتسع الهامش.

فعلى سبيل المثال، إذا بلغ هامش عقد مقايضة التخلف عن سداد الائتمان 100 نقطة أساس، فهذا يعني أن تكلفة التأمين تبلغ دولاراً واحداً سنوياً لكل 100 دولار من الديون المشمولة بالحماية.

ما الذي يحدث في سوق هذه العقود لدى شركات التكنولوجيا؟

تُظهر بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» أن تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بشركة «كور ويف» وهي شركة لتشغيل مراكز البيانات مثقلة بالديون وتقع في قلب الاضطرابات الحالية، تجاوزت 1000 نقطة أساس.

وتشير هذه الأسعار إلى ارتفاع احتمال التعثر الضمني في السداد إلى نحو 63 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بنحو 30 في المائة قبل عام.

وتعكس تحركات أسعار هذه العقود في قطاع التكنولوجيا قلق المستثمرين بشأن سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح، ومدى قدرة الشركات المثقلة بالديون على تحقيق عوائد كافية بالسرعة المطلوبة لتغطية تكاليف الفوائد المتنامية.

كما جرى تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان الخاصة بشركة «أوراكل» عند نحو 300 نقطة أساس، وهو مستوى أعلى بكثير من مستويات العقود لدى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وارتفعت هذه العقود الخاصة بشركة «إنفيديا» بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى نحو 90 نقطة أساس، في حين بلغت نحو 104 نقاط أساس لدى شركة «ميتا».

وللمقارنة، يُتداول مؤشر عقود مقايضة مخاطر الائتمان للجهات المصنفة ضمن فئة الدرجة الاستثمارية عند نحو 60 نقطة أساس.

ما الذي يؤدي إلى صرف تعويضات عقود مقايضة مخاطر الائتمان؟

يُصرف التعويض بموجب هذه العقود عند وقوع حدث ائتماني محدد، قد يشمل الإفلاس أو عجز الجهة المُصدرة عن سداد مستحقات السندات.

وعندما تزداد المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية للجهة المُصدرة، يرتفع الطلب عادةً على الحماية، ما يؤدي إلى اتساع هوامش عقود مقايضة مخاطر الائتمان.

إذا كانت هذه العقود توفر التأمين فأين تكمن المشكلة؟

توفر عقود مقايضة مخاطر الائتمان وسيلة للتحوط أمام حاملي السندات. لكن ارتفاع المخاطر المتوقعة يزيد تكلفة الحماية، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع السندات، ويرفع تكاليف الاقتراض على الجهات المُصدرة.

وقد تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية، بما يخلق حلقة مفرغة تزداد فيها تكاليف الاقتراض مع ارتفاع المخاطر، الأمر الذي يزيد بدوره الضغوط المالية على الشركات.