الين يفقد هيبة التدخلات... والأسواق تختبر حدود قدرة طوكيو

المضاربون يتجاهلون التهديدات... وبنك اليابان عالق بين التضخم وضعف العملة

مشاة يمرون أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الين يفقد هيبة التدخلات... والأسواق تختبر حدود قدرة طوكيو

مشاة يمرون أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة يمرون أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

تقترب اليابان من واحدة من أكثر لحظات أسواق الصرف حساسية منذ عقود، بعدما عاد الين مجدداً إلى مشارف أضعف مستوياته منذ نحو أربعين عاماً، في إشارة متزايدة إلى أن التدخلات الحكومية والتحذيرات الرسمية لم تعد كافية لردع المضاربين أو تغيير الاتجاه الأساسي للعملة اليابانية. وخلال تعاملات الأسبوع الحالي هبط الين إلى 161.81 ين مقابل الدولار، مقترباً من مستوى 161.96 المسجل في عام 2024، والذي يمثل أضعف مستوى للعملة اليابانية منذ عام 1986. ويعني تجاوز هذا الحاجز دخول الين مرحلة جديدة من التراجع التاريخي، رغم إنفاق الحكومة عشرات المليارات من الدولارات للدفاع عنه خلال الأشهر الماضية. وكانت السلطات اليابانية قد تدخلت في سوق العملات خلال عطلات أواخر أبريل (نيسان) وأوائل مايو (أيار)، مستغلة ضعف السيولة في الأسواق، وضخت نحو 11.7 تريليون ين؛ أي ما يعادل أكثر من 72 مليار دولار، في واحدة من أكبر عمليات التدخل في تاريخ البلاد. ورغم أن تلك الخطوة نجحت مؤقتاً في دفع الين للارتفاع، فإن معظم المكاسب تبخرت لاحقاً، ليعود الدولار إلى الصعود مجدداً، وهو ما يعكس تحولاً مهماً في نظرة المستثمرين إلى قدرة الحكومة على الدفاع عن العملة. ففي السابق، كانت مجرد التحذيرات الصادرة عن وزارة المالية اليابانية كافية لإبطاء المضاربات، أو دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم ضد الين. أما اليوم، فيبدو أن الأسواق باتت تنظر إلى التدخلات على أنها إجراءات مؤقتة لا تعالج الأسباب الحقيقية وراء ضعف العملة.

حلقة مفرغة

ولهذا تواصل صناديق التحوط والمستثمرون الدوليون بناء مراكز ضخمة تراهن على مزيد من تراجع الين. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن صافي المراكز البيعية على العملة اليابانية بلغ أعلى مستوياته منذ يوليو (تموز) 2024، رغم تدخلات الحكومة وتوقعات رفع أسعار الفائدة مجدداً. ويعود السبب الرئيسي إلى أن الأسواق لا تنظر إلى الين من زاوية التدخلات، بل من زاوية الفجوة الكبيرة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة. فعلى الرغم من قيام بنك اليابان هذا الأسبوع برفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً، فإن العائدات اليابانية لا تزال أقل بكثير من نظيرتها الأميركية. وفي الوقت الذي يواصل فيه «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» تبني موقف متشدد تجاه التضخم، تتوقع الأسواق الآن رفعاً إضافياً للفائدة الأميركية قبل نهاية العام. وهذه الفجوة الواسعة في العائدات تجعل الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين، وتشجع ما يعرف بصفقات «الكاري تريد»؛ إذ يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة ويستثمرون في أصول ذات عوائد أعلى في الخارج، ما يخلق طلباً مستمراً على الدولار وضغوطاً متواصلة على العملة اليابانية. ويقول محللون إن هذه العوامل أقوى بكثير من أي تدخل حكومي منفرد. فحتى عندما تضخ طوكيو مليارات الدولارات في السوق، فإنها تواجه تياراً عالمياً من رؤوس الأموال يبحث عن العائد الأعلى خارج اليابان.

أهداف متعارضة

وقال كريس سكيلونا، رئيس الأبحاث الاقتصادية في «دايوا كابيتال ماركتس»، لـ«رويترز» إن الين يبقى عرضة لمزيد من الضعف في ظل تشدد السياسة النقدية الأميركية، متوقعاً أن تضطر السلطات اليابانية إلى التدخل مرة أخرى إذا استمرت الضغوط الحالية. لكن المعضلة لا تقتصر على وزارة المالية، بل تمتد إلى بنك اليابان نفسه، الذي يجد نفسه عالقاً بين هدفين متعارضين؛ فمن جهة، يسعى البنك إلى مكافحة التضخم المتزايد الذي تغذيه أسعار الطاقة المرتفعة وضعف الين. ومن جهة أخرى، يخشى أن يؤدي رفع الفائدة بسرعة إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد، أو التسبب في اضطرابات داخل سوق السندات اليابانية المثقلة بالديون. وأكد نائب محافظ بنك اليابان ريوزو هيمينو أن السياسة النقدية لا تستهدف سعر الصرف بشكل مباشر، لكنه أقر بأن تقلبات العملة باتت تؤثر على الاقتصاد والتضخم أكثر مما كانت عليه في السابق. وأوضح أن البنك يراقب عن كثب تأثير تحركات الين على توقعات التضخم والأسعار الأساسية، في اعتراف ضمني بأن ضعف العملة أصبح جزءاً أساسياً من معادلة السياسة النقدية. وتزداد الضغوط على البنك المركزي مع استمرار الحرب في إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة عالمياً. وبالنسبة لليابان، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن ضعف الين يعني ارتفاعاً مضاعفاً في تكلفة الواردات، ما يغذي التضخم ويضغط على الأسر والشركات. ورغم أن الأسواق تتوقع رفعاً جديداً للفائدة قبل نهاية العام، فإن كثيراً من المستثمرين لا يرون أن ذلك سيكون كافياً لتغيير اتجاه الين.

غياب الانسجام؟

ويذهب بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن المشكلة لم تعد نقدية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالسياسة المالية للحكومة اليابانية. فوفقاً لماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان، فإن ضعف الين يعكس جزئياً مخاوف الأسواق من التوسع المالي الذي تتبناه حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي. فالحكومة أقرت بالفعل موازنة إضافية بقيمة 3 تريليونات ين لتمويل دعم الطاقة وتخفيف أعباء المعيشة، مع تمويل جزء منها عبر إصدار ديون جديدة. ويحذر ساكوراي من أن استمرار هذا النهج قد يزيد المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة اليابانية، وربما يؤدي مستقبلاً إلى ضغوط على التصنيف الائتماني للبلاد. ويرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الانسجام بين سياسة بنك اليابان الرامية إلى احتواء التضخم والسياسة المالية التوسعية التي تضخ مزيداً من الإنفاق في الاقتصاد. ويقول إن رفع الفائدة أو التدخل في سوق العملات لن يكون كافياً إذا استمرت الأسواق في الاعتقاد بأن السياسات الحكومية تدفع نحو مزيد من التضخم والعجز المالي. وهكذا تجد اليابان نفسها أمام معضلة متزايدة التعقيد. فالتدخلات الحكومية أصبحت أقل تأثيراً، والمضاربون أكثر جرأة، والفجوة مع العائدات الأميركية لا تزال واسعة، في حين يواجه بنك اليابان ضغوطاً متزايدة لرفع الفائدة دون التسبب في صدمة اقتصادية أو مالية. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن معركة الدفاع عن الين لم تعد مجرد اختبار لقوة الاحتياطات اليابانية أو قدرة الحكومة على التدخل، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة طوكيو على استعادة ثقة الأسواق في مجمل سياساتها الاقتصادية والنقدية. فحتى الآن، تشير تحركات السوق إلى أن المضاربين ما زالوا يملكون اليد العليا.


مقالات ذات صلة

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

أوروبا متظاهرون يسيرون في باريس ضمن يوم تحرك وطني يجمع الإضرابات النقابية والاحتجاجات الطلابية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا للمشاركة في مظاهرات وتحركات احتجاجية تنظمها الهيئات النقابية تحت شعار «طفح الكيل» للمطالبة بزيادة الأجور والحد من الغلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )
الاقتصاد شخص يحمل لافتة خلال احتجاج ضد حكومة باراغواي واستيلائها على بنك «أوينو» في أسونسيون (إ.ب.أ)

سقوط «أوينو» يهز باراغواي... الودائع مجمّدة والرئيس تحت ضغط العزل

لم يكن استيقاظ ملايين الباراغوايانيين على تعذر الوصول لحساباتهم المصرفية مجرد عطل تقني، بل كان بداية انكشاف أزمة مالية داخل أحد أكبر المصارف بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (أسونسيون)
عالم الاعمال تؤكد «ستراتيجي&» أن هذه التقديرات تأتي فيما تتجه المملكة إلى استضافة سلسلة من الأحداث الرياضية الكبرى (الشرق الأوسط)

دراسة: رفع الإنفاق الرياضي قد يُضيف 7.4 مليار دولار سنوياً للاقتصاد السعودي

قد يُسهم رفع الإنفاق الحكومي السنوي على الرياضة في السعودية من 1.5 مليار إلى 2.5 مليار دولار في توليد ناتج اقتصادي إضافي يُقدّر بنحو 7.4 مليار دولار سنوياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد أحياء العاصمة الرياض (واس)

خاص عقود الـ50 عاماً تفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات العقارية في السعودية

في خطوة جديدة من نوعها، تفتح نماذج الاستثمار العقاري طويلة الأجل آفاقاً أمام القطاع الخاص في السعودية، لتطوير الأصول البلدية وتحويلها لمشاريع متعددة الاستخدام.

بندر مسلم (الرياض)

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

قال جون وليامز رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) في نيويورك، الجمعة، إن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ظل يتسم بالمتانة بشكل ملحوظ رغم الصدمات المتتالية، لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم، ومن الضروري إعادته إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.

وأضاف وليامز خلال مؤتمر للبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت: «معدل التضخم أعلى بالقطع من اللازم. هو مرتفع للغاية منذ فترة طويلة جداً».

وتابع قائلاً: «من الضروري للغاية أن نعيد التضخم إلى هدفنا البالغ اثنين في المائة في الوقت المناسب وعلى أسس مستدامة».


«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
TT

«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)

تراجعت أسعار الغذاء العالمية بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع مساهمة ضعف الطلب على الواردات في انخفاض الأسعار الشهرية للحبوب ومنتجات الألبان واللحوم، لكنها ظلت أعلى بنحو 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لما أعلنته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، الجمعة.

وبلغ متوسط مؤشر «الفاو» لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية، 133.9 نقطة في أكتوبر، مقارنة مع 135.6 نقطة بعد المراجعة في سبتمبر (أيلول).

وسجل المؤشر ارتفاعاً بنسبة 5.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكنه ظل أقل بنسبة 16.4 في المائة من ذروته المسجلة في مارس (آذار) 2022.

وانخفض مؤشر «الفاو» لأسعار الحبوب بنسبة 4.5 في المائة مقارنة بسبتمبر، وبنسبة 12.6 في المائة على أساس سنوي، مع تراجع أسعار القمح والذرة.

وتراجعت أسعار القمح بفعل ضعف الطلب على الواردات وتحسن آفاق الإنتاج، ولا سيما في الأرجنتين.

وقالت «الفاو» في بيان: «أسهمت التوقعات بتخفيف القيود المفروضة على تدفقات الصادرات عبر البحر الأسود في زيادة الضغوط النزولية على الأسعار، رغم أن استمرار الاضطرابات اللوجستية في المنطقة حدّ من هذا التراجع».

كما انخفضت أسعار الذرة بعد بلوغها أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات خلال سبتمبر، متأثرة بموسم الحصاد في الولايات المتحدة، والتوقعات بوفرة الإمدادات في أميركا الجنوبية، وتجدد الآمال بتخفيف التوترات في منطقة البحر الأسود.

وفي المقابل، ارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 0.3 في المائة؛ إذ عوّض ارتفاع أسعار زيتَي الصويا ودوّار الشمس تراجع أسعار زيت بذور اللفت.

وصعدت أسعار السكر بنسبة 6.6 في المائة، مسجلة الزيادة الشهرية الرابعة على التوالي، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما أدت الأمطار إلى تعطيل عمليات الحصاد في البرازيل. وبذلك أصبحت الأسعار أعلى بنسبة 28.8 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وانخفض مؤشر أسعار منتجات الألبان بنسبة 1.1 في المائة، مع تجاوز أثر تراجع أسعار الزبدة والأجبان، نتيجة وفرة المعروض وضعف الطلب، مكاسب أسعار مسحوق الحليب.

كما تراجع مؤشر أسعار اللحوم بنسبة 1.2 في المائة، رغم بقائه أعلى قليلاً من مستواه قبل عام، مع انخفاض أسعار لحوم الخنازير والأغنام والأبقار.


مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية، رغم الآمال بأن يؤدي احتمال خفض التصعيد في الحرب الإيرانية إلى تراجع أسعار النفط.

وارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل حاد هذا العام، في حين سجل مؤشر «ناسداك»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، الخميس، أكبر انخفاض يومي له منذ موجة البيع التي أعقبت إعلان «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) 2025. كما أظهرت البيانات الاقتصادية الأوروبية مزيداً من الضعف، وفق «رويترز».

ويعزز تضافر هذه العوامل المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي. في المقابل، أثار فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية آمالاً بإمكانية التوصل في نهاية المطاف إلى إنهاء الحرب الإيرانية.

النفط لا يزال مرتفعاً

تراجعت أسعار النفط بنحو 15 في المائة خلال الأسبوع الحالي، لتستقر دون مستوى 100 دولار للبرميل بقليل. لكن محللين يحذرون من أن التوصل إلى تسوية للحرب الإيرانية لا يزال غير مؤكد؛ ما يبقي المجال مفتوحاً أمام عودة الأسعار إلى الارتفاع.

ورغم التراجع الأخير، لا تزال أسعار النفط أعلى بنسبة 64 في المائة منذ بداية العام، في حين تستقر أسعار الغاز الطبيعي عند نحو ثلاثة أمثال مستوياتها المسجلة مطلع عام 2026.

وتُبقي هذه الظروف توقعات التضخم على المدى القريب مرتفعة، وتعزز المخاوف من استمرار الضغوط السعرية بالتزامن مع تباطؤ النمو؛ الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة.

وارتفع مؤشر جامعة ميشيغان لقياس توقعات التضخم في الولايات المتحدة خلال عام واحد بشكل طفيف إلى 4.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة مع 4.6 في المائة في سبتمبر (أيلول)، و3.4 في المائة في فبراير (شباط).

ولا تزال المؤشرات السوقية لتوقعات التضخم على المدى الطويل أعلى من 2 في المائة في كل من منطقة اليورو والولايات المتحدة، وتتجاوز 3 في المائة في بريطانيا.

وتؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى تفاقم التضخم، في الوقت الذي تضغط فيه على النمو الاقتصادي من خلال رفع نفقات النقل والتصنيع والإنفاق الأسري.

وقال إينيغو فريزر جينكينز، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «أليانس برنشتاين»، إن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات التي تغذي الضغوط التضخمية ستستمر حتى بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وأضاف: «اليوم يتعلق الأمر بالنفط، لكن في المرة المقبلة قد يكون الكوبالت أو الليثيوم أو شيئاً آخر، وعلينا أن نعتاد على ذلك»، مشيراً إلى أن هذه التطورات ستنعكس في صورة تضخم أعلى وتقلبات أكبر.

متسوقون بأحد المتاجر الكبرى في هونغ كونغ (رويترز)

أسعار الغذاء تزيد الضغوط

لا تزال أسعار الغذاء، التي ارتفعت بفعل الظروف المناخية القاسية واضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف الطاقة، أحد أبرز مصادر القلق بشأن التضخم.

وسجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لأسعار الغذاء أعلى مستوى له منذ نحو أربع سنوات.

وقد ترتفع التكاليف أكثر، في ظل تحذيرات أطلقتها شركات كبرى للسلع الاستهلاكية والأغذية من زيادات سعرية لتعويض ارتفاع النفقات، في حين أبدت الهيئة التجارية الرئيسية لقطاع التجزئة في بريطانيا مخاوف مماثلة.

وقال هانك كالينتي، استراتيجي الأسواق العالمية لدى بنك «إس إم بي سي»، إن تضخم أسعار الغذاء قد يؤدي أيضاً إلى اتساع الضغوط الاقتصادية.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الغذاء يدفع المستهلكين إلى الاعتقاد بأن التضخم أصبح واقعاً مستمراً؛ ما قد يجعلهم يطالبون بوظائف أفضل أو بأجور أعلى، مضيفاً أن ذلك يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ«آثار الجولة الثانية» للتضخم، عندما تنتقل الزيادات السعرية إلى الأجور وتكاليف الإنتاج.

تشديد الأوضاع التمويلية

يرى محللون أن تشديد الأوضاع المالية يمثل سبباً إضافياً للحذر بشأن آفاق النمو الاقتصادي.

فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي في الولايات المتحدة بمقدار 85 نقطة أساس خلال الربع الثالث، في حين زادت بأكثر من 100 نقطة أساس في كل من فرنسا وإيطاليا. ورغم تراجع عوائد السندات منذ ذلك الحين، فإنها لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه في بداية العام.

ومن شأن الطلب على السندات الألمانية، التي تُعدّ ملاذاً آمناً، أن يساعد في احتواء تكاليف الاقتراض في أنحاء منطقة اليورو. لكن اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع التمويلية، حتى من دون أي تغيير في سياسة البنك المركزي الأوروبي.

وأظهرت تقديرات للبنك المركزي الأوروبي، جرى تداولها قبل اجتماعه الأخير للسياسة النقدية الخميس الماضي، أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات سيؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي التراكمي بمقدار 100 نقطة أساس خلال عامي 2027 و2028، مقارنة بتوقعات سبتمبر (أيلول).

تداعيات موجة بيع التكنولوجيا

يشكل تراجع الأصول عالية المخاطر، ولا سيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤشراً آخر على تشديد الأوضاع المالية.

ولا تزال المؤشرات الرئيسية للأسهم قريبة من مستوياتها القياسية، لكن المستثمرين بدأوا يشككون في قوة طفرة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعدما عزز فوز الديمقراطيين التوقعات بفرض رقابة أكثر صرامة على هذا القطاع.

وقد أدت موجة البيع، الخميس، إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية لمؤشر «ناسداك».

ومن شأن استمرار التراجعات أن يقلص ثروات الأسر، ويرفع تكاليف التمويل أمام الشركات، ويحدّ من استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر، بما قد ينعكس سلباً على الاستثمارات المستقبلية.

وقالت مجموعة «سيتي» في مذكرة إن الأوضاع المالية شهدت تشديداً خلال الأسبوع الماضي، مع اتساع فروق العوائد في أسواق الائتمان وتراجع أسعار الأسهم، لكنها أشارت إلى أن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد لا يكونون مستعدين بعد للاستنتاج بأن الأوضاع أصبحت مقيدة بالقدر الكافي.

أفق مدينة نيويورك ومبنى «إمباير ستيت» في مدينة ويهاوكن بولاية نيوجيرسي (رويترز)

مؤشرات اقتصادية أكثر ضعفاً

تباطأ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل حاد خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع اقتراب الطلب من حالة الركود، في حين ضغط ارتفاع التكاليف على الشركات وتراجعت الثقة إلى أدنى مستوياتها في خمسة أشهر، وفقاً لبيانات صدرت الأربعاء.

كما يشير مؤشر «سيتي» للمفاجآت الاقتصادية في أوروبا، الذي يقيس مدى تجاوز البيانات للتوقعات أو تخلفها عنها، إلى مسار تنازلي.

في المقابل، لا يزال النمو الاقتصادي الأميركي متماسكاً، مدعوماً جزئياً بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وحذَّر آر جيه غالو، كبير مسؤولي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت العالمية لدى «فيديريتد هيرميس»، من الإفراط في استخدام مصطلح «الركود التضخمي»، الذي يصف اجتماع التضخم المرتفع وضعف النمو وزيادة البطالة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الأميركي يواصل النمو بوتيرة قوية، وأن معدل البطالة البالغ 4.2 في المائة لا يزال منخفضاً وفق المعايير التاريخية، مضيفاً أن «التضخم لا يزال مصدر القلق الرئيسي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي».