«موت صغير»... خيارات السرد

اختيار علوان لسيرة صوفي شهير يضع ثيمة الحب في منظور مختلف

محمد حسن علوان
محمد حسن علوان
TT

«موت صغير»... خيارات السرد

محمد حسن علوان
محمد حسن علوان

في لقاء تلفزيوني أجري معه بعد فوز روايته «موت صغير» بالبوكر لعام 2017، أشار محمد حسن علوان إلى أن عنوان الرواية هو وصف محيي الدين بن عربي للحب: «الحب موت صغير». وأكد الكاتب أن تلك العبارة/ العنوان ستؤوّل تأويلات كثيرة، وهذا متوقع بطبيعة الحال، لا سيما أنها تتصل بثيمة الحب التي شغلت علوان في روايات سابقة، والتي تلعب دون شك دوراً حتمياً في تقريب كثير من القراء. غير أن اختيار الكاتب لسيرة صوفي شهير، شخصية حقيقية وثقيلة الوزن ومثيرة للجدل مثل ابن عربي، ستضع ثيمة الحب في منظور مختلف، بقدر ما يثير اختيار العنوان أسئلة حول عملية السرد نفسها، وما تنطوي عليه من خيارات لا بد منها.
نحن أمام رواية هامة دون شك، عمل يشعرك بجدية الكتابة الروائية التي يستسهلها البعض، فيدخل في إسهال كتابي بتنا نراه حولنا، تتحول فيه الروايات إلى نصوص لا رابط لها سوى استدرار انتباه القارئ بموضوعات أو أحداث تدغدغ الحواس، أو تثير الجدل على نحو سطحي. وإذا كان هناك من اتهم علوان في بعض أعماله السابقة بالاقتراب من ذلك المزلق الكتابي، فإن تهمة كتلك أبعد ما تكون عن عمل كالذي أمامنا. ثمة جهد بحثي، وخلفية معرفية مميزة غذت العمل، إلى جانب المهارة القصصية العالية التي تجعل الستمائة صفحة متعة قرائية مثرية ومدهشة في آن. تذكرت بعض روايات التركية إليف شفق، سواء في استحضارها لتاريخ التصوف، عبر شمس التبريزي وجلال الدين الرومي، في «قواعد الحب الأربعون»، أو في إعادتها بناء تاريخ إسطنبول في «المتمهن»، وما تنضح به روايات كتلك من جهد بحثي، نجد ما يشبهه لدى روائيين آخرين، يقف التركي الآخر باموق بين أبرزهم. ثمة جدية في الكتابة هنا، كما هناك تتجاوز بالقراءة متعة الحكاية إلى ثراء المعرفة، من خلال الأفكار والرؤى، واستحضار التاريخ، ورسم الأماكن والشخصيات.
ما استرعى انتباهي بشكل خاص - وما استرعى انتباهي كثير في عمل كبير كهذا - وأود التوقف عنده في حيز «صغير» كالمتاح لي هنا، هو ما سميته «خيارات السرد»، ذلك الملمح الذي يستهويني قارئاً تشغل مخيلته أحياناً عملية النسج الروائي التي بطبيعتها تشغل الكاتب قبل القارئ، ليقف أمام مسارات كثيرة، وأبواب مختلفة، عليه أن يختار منها، وأن يحسن الاختيار. التأمل في تلك الخيارات يتيح لنا أن نتخيل ماذا كان يمكن أن تكون عليه الرواية لو أنها سارت في هذا الاتجاه دون ذاك، لنكتشف من ثم، أو نقارب على الأقل، طبيعة التأليف السردي. نسأل لماذا اختار الكاتب هذه الشخصية دون تلك، أو لم يطور هذه القضية بدلاً من قضايا أخرى، أو لم يواصل السير في هذا الدرب من الحكاية واختار التوقف؟ سنتذكر أن الكتابة رحلة كما هي القراءة. وفي رواية تتمحور حول الرحلة، يكون التأمل في أسئلة كتلك محورياً، فيما يبدو لي. لقد ذكر علوان في أحد اللقاءات التي أشرت إليها أنه اكتشف حين بحث في حياة ابن عربي ضآلة المتوفر من المعلومات حوله، وأن ذلك كان منطلقه للكتابة الروائية، فهو مسار للقص اقترحه ضعف المسار التاريخي، أي أن اختيار ابن عربي انبنى على كثرة الفراغات حوله، مما يمنح النص الروائي فضاء أوسع للتحرك، على عكس الشخصيات المثقلة بالمعلومات حولها، التي ستقلل - كما يفترض - من فرص المخيلة في اختلاق الحكايات.
كان ذلك هو الخيار الأول والرئيس بطبيعة الحال: ابن عربي وليس ابن رشد مثلاً، أو ابن عربي وليس الحلاج، وهكذا. لكن الرواية تزخر بخيارات أخرى، ومن تلك حضور ابن رشد على هامش الرواية، من حيث هو فيلسوف عاصر ابن عربي، وإن كان أكبر منه سناً. وقد اختار علوان أن يصف لقاءً لهما في قرطبة أعجب فيه الفيلسوف الشهير بالصوفي الشاب القادم مع والده. لكن ما استرعى انتباهي هو أن الفصل (19)، الذي سجل التعارف ثم الحوار بين اثنين من أهم العقول التي أنجبتها الحضارة العربية الإسلامية في المغرب والأندلس، تضمن اختياراً آخر، هو ألا تتوغل الرواية في الجوانب الفكرية بعد أن أومأت إليها. هنا يظهر الفرق بين عقلانية ابن رشد وعرفانية ابن عربي؛ ابن رشد الذي يؤمن بقوانين العقل، وأن العالم مجبول على الانتظام وفقها، وابن عربي الذي لا يؤمن بتلك القوانين، ويرى أن الخالق يقرر ما سيحدث دون قوانين. لكن اللافت هو بتر الحوار عند اشتداده، كأنما بدا لعلوان أن الاستمرار سيخرج الرواية عن مسارها القصصي الممتع إلى جدل فكري ليس هذا مكانه.
الخيار الثاني الذي يبدو لي أكثر إثارة من سابقه هو المتعلق بالموت الصغير، بالعشق الذي يغرق فيه ابن عربي في مكة وقد أصبح صوفياً كبيراً يبحث عن وتده الثالث من أربعة أوتاد، وهم باختصار الأشخاص ذوو الصفات الروحانية الذين يحتاج الصوفي الشهير إلى لقائهم لكي يصل إلى أعلى مراتب التصوف، وهي أن يكون قطباً. يلتقي ابن عربي بالفتاة الباهرة الجمال نظام، فيجد الصوفي في نفسه جانباً إنسانياً بعيداً عن مواجده وزهده بالدنيا، ويجد علوان أمامه مادة ثرية للون من الكتابة يجيده، ويعلم أن قراء كثيرين سيستمتعون به. يلتقي ابن عربي الفتاة عند عمة لها، اسمها فخر النساء؛ امرأة مسنة عالمة يتلقى منها الكثير، ومن ابنة أخيها أكثر. ويدخل الصوفي في علاقة ماكرة مع الفتاة تتجلى في هذه الفقرة:
«وانشغلت بي العجوز المسكينة، فأصبحت أقرأ عليها كتباً قد قرأتها من قبل، فلا تدري لأنها نسيت. وأغمز لنظام وتغمزني، فنبدأ كتاباً جديداً نعلم أنه سيستغرقنا أسبوعاً من الزمان، أسبوعاً من التحليق في جبين نظام الوضاء مثل طائر ضائع، أسبوعاً من التأمل في حسنها الأصفهاني الأصيل مثل شاعر مبتدئ، أسبوعاً من القبلات التي تتهادى في الفضاء حتى تحط على فمها مثل ورقة خريف متعبة» (الفصل 50).
القصائد التي كتبها ابن عربي في نظام تتحول إلى الديوان الشهير «ترجمان الأشواق»، الذي يلاحقه عند رحيله عن مكة، ونزوله الأول في دمشق. ويرى الكثيرون، ومنهم بعض أتباعه، أن فيه مجوناً لا يليق بصوفي مثله، فيهاجمونه، ويسعى هو إلى إعادة كتابة الديوان بشروح توضح أنه ذو رمزية دينية، لكنها محاولة إن أقنعت قراءه آنذاك، فلن تقنع بعض قرائه الآن، ضمن النص الروائي على الأقل. لكن الأهم من ذلك هو أن الرواية في تصورها التخيلي لابن عربي ترسم جانباً إنسانياً من شخصيته كان يمكن لعلوان التوغل فيها، لكنه مرة أخرى آثر أن يحتفظ بالتوازن في رسم شخصية الصوفي الشهير، فيكشف لنا أن نظام هي وتد ابن عربي الثالث، بدلاً من أن تكون معبراً إلى المزيد من التوتر الناشئ في شخصيته عن صراع الرغبات المكبوتة داخله. يؤثر الكاتب أن يعود بنا إلى حياة ابن عربي الفكرية والروحية، وإلى حياته الأسرية ومرافقيه وعلاقاته بالحكام ومناظراته للفقهاء، وبالطبع رحيله الذي لا يكاد يتوقف.
يتبقى أن أشير إلى خيار سردي بارز في الرواية، هو الرحلة التي تسير فيها مخطوطة لابن عربي في موازاة رحلته الفعلية، لتشكل عملاً سردياً ثانوياً يؤطر العملية السردية الرئيسة. وتتكرر الإشارة إلى تلك المخطوطة في فصول مستقلة، ابتداءً من القرن الثالث عشر الميلادي في الأندلس حتى عام 2012 في بيروت، حيث يجري تداولها، ولنتذكر باستمرار أننا أمام عمل روائي متخيل، فتتجاور الحكاية مع ما وراء الحكاية (الميتافكشن). هذا مع أنني لم أجد إقحام المخطوطة مقنعاً تماماً، فعلاقتها بالسرد الرئيس ضعيفة، وإضافتها محدودة (على نقيض ما نجد في «قواعد الحب الأربعون» مثلاً، حيث تتوازى حكاية حب معاصرة مع حكاية الحب الصوفية القديمة). ومع ذلك، فإن المحصلة النهائية للرحلتين متعة أخرى سترحل مع القارئ حين يغلق صفحات هذا العمل المميز.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.