طهران تخترق الحدود السورية ـ العراقية تحت أنظار واشنطن

من خلال عملية التفافية على القواعد العسكرية للتحالف في منطقة التنف

سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
TT

طهران تخترق الحدود السورية ـ العراقية تحت أنظار واشنطن

سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)

نجحت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية بالوصول يوم أمس إلى الحدود مع العراق، محققة بذلك هدف طهران الاستراتيجي بربط الحدود السورية بالإيرانية عبر العراق وتأمين خط التقاء لقوات الحشد الشعبي بالمجموعات التابعة لها المقاتلة في الداخل السوري.
وأعلنت وسائل إعلام تابعة للنظام وحزب الله مساء يوم أمس «وصول أولى وحدات الجيش السوري والحلفاء إلى الحدود السورية العراقية في شمال شرقي التنف»، مما أثار استغراباً كبيراً في صفوف الخبراء وفصائل المعارضة العاملة في البادية السورية. ورجّح مصدر معارض مطلع أن تكون طهران أقامت «خط اختراق يصل جنوب شرقي تدمر بالحدود العراقية بعدما حشدت في اليومين الماضيين قوات ضخمة وانتزعت عدداً كبيراً من القرى من تنظيم داعش». وشدد المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنّه سيكون من الصعب على القوات التي وصلت إلى الحدود تثبيت مواقعها إلا إذا جرى الدفع بأعداد كبيرة إضافية إلى المنطقة، واعتبر المصدر أن «ما حصل تتحمل مسؤوليته واشنطن إلى حد بعيد، إما من حيث التقصير أو بعدم رغبتها بالتصعيد، لكن إعلان الإدارة الأميركية صراحة بأن هدفها الرئيسي وقف التمدد والنفوذ الإيراني لا يتحقق بهذه الطريقة».
في هذه الأثناء أفاد «المرصد السوري للحقوق الإنسان» بأن «المسلحين الموالين للنظام من جنسيات غير سوريا وقوات النظام تمكنوا من الوصول إلى الحدود العراقية مع بادية تدمر الشرقية». وأشار إلى أن عملية التقدم تمت عبر الالتفاف على معسكر يتبع للفصائل المدعمة من قبل التحالف الدولي، في محور يبعد نحو 20 كلم عن المعسكر الواقع على بعد نحو 50 كلم إلى الشرق من معبر التنف الحدودي الذي تسيطر عليه هذه الفصائل.
ومن جهة ثانية قال مصدر في «أسود الشرقية» لـ«الشرق الأوسط» إن «القوات التي وصلت إلى الحدود مع العراق التفت من خلف قاعدة الزكف التي أنشأها التحالف قبل 10 أيام تقريباً، والتي تبعد عن شمال شرق التنف نحو 70 كلم متر وتبعد عن البوكمال 130 كيلومتراً، أي أن المنطقة التي تم اختراقها تقع ما بين مناطق (داعش) والجيش الحر».
هذا، ويأتي إعلان النظام وصوله إلى الحدود مع العراق وسط توتر واستنفار يسودان منطقة التنف الواقعة على طريق دمشق - بغداد، على الحدود مع العراق، وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود الأردنية، بعيد إسقاط التحالف الدولي الخميس طائرة «درون» من دون طيار تابعة لقوات موالية للنظام السوري، بعدما أطلقت النار على قوات للتحالف في المنطقة المذكورة. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها احتكاك من هذا النوع بين الطرفين، بينما يحذر خبراء من إمكانية تطوره لحد انفجار الصراع الأميركي - الإيراني في سوريا من بوابة التنف.
اللافت أن موسكو دخلت هي أيضاً على خط الصراع في المنطقة هناك وللمرة الأولى، وفق قائد «جيش مغاوير الثورة» العقيد مهند الطلاع، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن طائرة من دون طيار إيرانية الصنع أطلقت الخميس صاروخين على قاعدة الزكف، وهي قاعدة مشتركة بين «جيش مغاوير الثورة» وقوات التحالف، فانفجر واحد من الصاروخين قبل أن تقوم طائرات التحالف بإسقاط هذه الطائرة. وأضاف: «بعدها مباشرة قامت طائرة حربية روسية بإلقاء قنابل في المنطقة، إلا أن طائرات التحالف اعترضتها لكنّها لاذت بالهرب».
وتحدث الطلاع عن «حالة تأهب استنفار كامل في المنطقة بمحاولة لإبعاد الميليشيات الإيرانية عن قواعدنا وأماكن وجودنا»، مشيراً إلى أن «هذه الميليشيات موجودة حالياً على بُعد 30 كلم عن قاعدة الزكف التي تبعد بدورها 64 كلم عن قاعدة التنف». وأضاف: «ليس هدفنا حالياً الدخول بمواجهة مع الإيرانيين أو الروس. هدفنا التوجه شرقا باتجاه وادي الفرات لكن هذه الميليشيات تصر على التصدي لتقدمنا».
وعلى الجانب الروسي، قال الفريق أول سيرغي سوروفيكين، قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا، إن «الإنذارات التي يوجهها الأميركيون إلى الجيش السوري الذي يحرز تقدماً في جنوب البلاد، تأتي بتبريرات سخيفة تماماً»، وأوضح أن «القوات الحكومية السورية والقوات الرديفة استعادت السيطرة على مقطع من الحدود السورية الأردنية طوله 105 كيلومترات، وأقامت 9 معابر حدودية».
جدير بالذكر أن النظام السوري والمجموعات الموالية له يخوضون 3 معارك أساسية في منطقة البادية؛ الأولى باتجاه معبر التنف حيث تنتشر قوات خاصة أميركية وبريطانية منذ عدة أشهر لتدريب قوات سوريا محلية بهدف محاربة تنظيم داعش. ولقد أقام التحالف الدولي منطقة أمنية تمتد 55 كلم من حول التنف، يعتبر أي توغل فيها بمثابة تهديد.
وهو قام فعلياً بالتصدي 3 مرات لمجموعات موالية للنظام حاولت التقدم إليها. وفي هذا السياق، صرح الناطق باسم التحالف الكولونيل ريان ديلون الخميس بأن قوات التحالف أطلقت النار على آليتين لقوات النظام اعتبرت أنهما «تشكلان تهديدا» لقوات التحالف المنتشرة في التنف. وأكد الناطق أن «التحالف لا يسعى إلى محاربة النظام السوري أو روسيا أو القوات الموالية لهما، لكننا نبقى مستعدين للدفاع عن أنفسنا في مواجهة أي تهديد». وأضاف ديلون أنه «ما دامت تلك القوات تتجه نحو التحالف وشركائه فسيكون هناك خطر متصاعد بحصول تصعيد». وللعلم، تعتبر طهران الوصول إلى التنف هدفاً استراتيجياً لها لضمان إعادة فتح طريق بغداد - دمشق البرية ومن خلفها طريق بيروت - طهران.
في هذه الأثناء، أوضح رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن النظام السوري والمجموعات الموالية له يخوضون معركتين أخريين في البادية، إحداهما بوجه «أسود الشرقية» و«قوات أحمد العبدو» في ريف محافظة السويداء الشرقي بجنوب شرقي دمشق والأخرى جنوب شرقي تدمر بوجه «داعش».
ويعتبر عبد الرحمن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هدف النظام وحلفائه من هذه المعارك الـ3 تعزيز مناطق سيطرته، وتأمين حماية دمشق، والوصول إلى دير الزور وإعادة فتح طريق بغداد - دمشق.
ويوم أمس، أفاد «المرصد» بـ«استمرار الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى، في محور العباسة والسكرية وسط تقدم للنظام في عدة نقاط بالعباسة في ريف محافظة حمص الشرقي»، مقابل تراجعه في جبهات القلمون الشرقي، نتيجة استهداف «قوات أحمد العبدو» و«جيش أسود الشرقية» بالصواريخ والمدفعية الثقيلة مواقعه في محور تل دكوة وتل الدخان. وأوضح «المرصد» أن الفصائل المعارضة تمكنت من تحقيق تقدم والسيطرة على تلة قرب منطقة بير القصب القريبة من تل دكوة، فيما لا تزال مستمرة في هجومها المعاكس في محاولة لاستعادة السيطرة على مواقع خسرتها الخميس لصالح قوات النظام.
وفي سياق العمليات الميدانية، وان كانت المعارك على محوري شرق تدمر والقلمون الشرقي لا تتخذ بُعدا دوليا، فان تلك الحاصلة على التنف تهدد وفق خبراء بانفجار الصراع الأميركي - الإيراني في سوريا. وفيما رجّح الخبير العسكري الأردني اللواء الطيار المتقاعد مأمون أبو نوّار استمرار المناوشات والاشتباكات المحدودة في منطقة التنف بين الميليشيات الإيرانية وقوات التحالف من دون أن تتطور إلى مواجهة كبيرة إيرانية - أميركية، شدد رياض قهوجي، رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري - أنيغما» على أن هناك موقفا أميركيا حازما بوجه إيران لجهة أن كل منطقة الحدود العراقية - السورية ستكون منطقة نفوذ أميركي ممنوع دخولها. ووصف قهوجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الحركة التي قامت بها الميليشيات الإيرانية بإرسال طائرة من دون طيار لتطلق عدداً من القنابل بـ«السخيفة»، معتبراً أن «ذلك لا يرقى إلى مستوى الرد على الغارات التي تشنها طائرات التحالف وتستهدف آليات وعناصر للنظام وحلفائه».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.