طهران تخترق الحدود السورية ـ العراقية تحت أنظار واشنطن

من خلال عملية التفافية على القواعد العسكرية للتحالف في منطقة التنف

سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
TT

طهران تخترق الحدود السورية ـ العراقية تحت أنظار واشنطن

سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)
سوريون فارون من جحيم الحرب في الرقة باتجاه المنطقة بين اعزاز وعفرين التي تسيطر عليها القوات الكردية (أ ف ب)

نجحت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية بالوصول يوم أمس إلى الحدود مع العراق، محققة بذلك هدف طهران الاستراتيجي بربط الحدود السورية بالإيرانية عبر العراق وتأمين خط التقاء لقوات الحشد الشعبي بالمجموعات التابعة لها المقاتلة في الداخل السوري.
وأعلنت وسائل إعلام تابعة للنظام وحزب الله مساء يوم أمس «وصول أولى وحدات الجيش السوري والحلفاء إلى الحدود السورية العراقية في شمال شرقي التنف»، مما أثار استغراباً كبيراً في صفوف الخبراء وفصائل المعارضة العاملة في البادية السورية. ورجّح مصدر معارض مطلع أن تكون طهران أقامت «خط اختراق يصل جنوب شرقي تدمر بالحدود العراقية بعدما حشدت في اليومين الماضيين قوات ضخمة وانتزعت عدداً كبيراً من القرى من تنظيم داعش». وشدد المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنّه سيكون من الصعب على القوات التي وصلت إلى الحدود تثبيت مواقعها إلا إذا جرى الدفع بأعداد كبيرة إضافية إلى المنطقة، واعتبر المصدر أن «ما حصل تتحمل مسؤوليته واشنطن إلى حد بعيد، إما من حيث التقصير أو بعدم رغبتها بالتصعيد، لكن إعلان الإدارة الأميركية صراحة بأن هدفها الرئيسي وقف التمدد والنفوذ الإيراني لا يتحقق بهذه الطريقة».
في هذه الأثناء أفاد «المرصد السوري للحقوق الإنسان» بأن «المسلحين الموالين للنظام من جنسيات غير سوريا وقوات النظام تمكنوا من الوصول إلى الحدود العراقية مع بادية تدمر الشرقية». وأشار إلى أن عملية التقدم تمت عبر الالتفاف على معسكر يتبع للفصائل المدعمة من قبل التحالف الدولي، في محور يبعد نحو 20 كلم عن المعسكر الواقع على بعد نحو 50 كلم إلى الشرق من معبر التنف الحدودي الذي تسيطر عليه هذه الفصائل.
ومن جهة ثانية قال مصدر في «أسود الشرقية» لـ«الشرق الأوسط» إن «القوات التي وصلت إلى الحدود مع العراق التفت من خلف قاعدة الزكف التي أنشأها التحالف قبل 10 أيام تقريباً، والتي تبعد عن شمال شرق التنف نحو 70 كلم متر وتبعد عن البوكمال 130 كيلومتراً، أي أن المنطقة التي تم اختراقها تقع ما بين مناطق (داعش) والجيش الحر».
هذا، ويأتي إعلان النظام وصوله إلى الحدود مع العراق وسط توتر واستنفار يسودان منطقة التنف الواقعة على طريق دمشق - بغداد، على الحدود مع العراق، وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود الأردنية، بعيد إسقاط التحالف الدولي الخميس طائرة «درون» من دون طيار تابعة لقوات موالية للنظام السوري، بعدما أطلقت النار على قوات للتحالف في المنطقة المذكورة. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها احتكاك من هذا النوع بين الطرفين، بينما يحذر خبراء من إمكانية تطوره لحد انفجار الصراع الأميركي - الإيراني في سوريا من بوابة التنف.
اللافت أن موسكو دخلت هي أيضاً على خط الصراع في المنطقة هناك وللمرة الأولى، وفق قائد «جيش مغاوير الثورة» العقيد مهند الطلاع، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن طائرة من دون طيار إيرانية الصنع أطلقت الخميس صاروخين على قاعدة الزكف، وهي قاعدة مشتركة بين «جيش مغاوير الثورة» وقوات التحالف، فانفجر واحد من الصاروخين قبل أن تقوم طائرات التحالف بإسقاط هذه الطائرة. وأضاف: «بعدها مباشرة قامت طائرة حربية روسية بإلقاء قنابل في المنطقة، إلا أن طائرات التحالف اعترضتها لكنّها لاذت بالهرب».
وتحدث الطلاع عن «حالة تأهب استنفار كامل في المنطقة بمحاولة لإبعاد الميليشيات الإيرانية عن قواعدنا وأماكن وجودنا»، مشيراً إلى أن «هذه الميليشيات موجودة حالياً على بُعد 30 كلم عن قاعدة الزكف التي تبعد بدورها 64 كلم عن قاعدة التنف». وأضاف: «ليس هدفنا حالياً الدخول بمواجهة مع الإيرانيين أو الروس. هدفنا التوجه شرقا باتجاه وادي الفرات لكن هذه الميليشيات تصر على التصدي لتقدمنا».
وعلى الجانب الروسي، قال الفريق أول سيرغي سوروفيكين، قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا، إن «الإنذارات التي يوجهها الأميركيون إلى الجيش السوري الذي يحرز تقدماً في جنوب البلاد، تأتي بتبريرات سخيفة تماماً»، وأوضح أن «القوات الحكومية السورية والقوات الرديفة استعادت السيطرة على مقطع من الحدود السورية الأردنية طوله 105 كيلومترات، وأقامت 9 معابر حدودية».
جدير بالذكر أن النظام السوري والمجموعات الموالية له يخوضون 3 معارك أساسية في منطقة البادية؛ الأولى باتجاه معبر التنف حيث تنتشر قوات خاصة أميركية وبريطانية منذ عدة أشهر لتدريب قوات سوريا محلية بهدف محاربة تنظيم داعش. ولقد أقام التحالف الدولي منطقة أمنية تمتد 55 كلم من حول التنف، يعتبر أي توغل فيها بمثابة تهديد.
وهو قام فعلياً بالتصدي 3 مرات لمجموعات موالية للنظام حاولت التقدم إليها. وفي هذا السياق، صرح الناطق باسم التحالف الكولونيل ريان ديلون الخميس بأن قوات التحالف أطلقت النار على آليتين لقوات النظام اعتبرت أنهما «تشكلان تهديدا» لقوات التحالف المنتشرة في التنف. وأكد الناطق أن «التحالف لا يسعى إلى محاربة النظام السوري أو روسيا أو القوات الموالية لهما، لكننا نبقى مستعدين للدفاع عن أنفسنا في مواجهة أي تهديد». وأضاف ديلون أنه «ما دامت تلك القوات تتجه نحو التحالف وشركائه فسيكون هناك خطر متصاعد بحصول تصعيد». وللعلم، تعتبر طهران الوصول إلى التنف هدفاً استراتيجياً لها لضمان إعادة فتح طريق بغداد - دمشق البرية ومن خلفها طريق بيروت - طهران.
في هذه الأثناء، أوضح رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن النظام السوري والمجموعات الموالية له يخوضون معركتين أخريين في البادية، إحداهما بوجه «أسود الشرقية» و«قوات أحمد العبدو» في ريف محافظة السويداء الشرقي بجنوب شرقي دمشق والأخرى جنوب شرقي تدمر بوجه «داعش».
ويعتبر عبد الرحمن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هدف النظام وحلفائه من هذه المعارك الـ3 تعزيز مناطق سيطرته، وتأمين حماية دمشق، والوصول إلى دير الزور وإعادة فتح طريق بغداد - دمشق.
ويوم أمس، أفاد «المرصد» بـ«استمرار الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى، في محور العباسة والسكرية وسط تقدم للنظام في عدة نقاط بالعباسة في ريف محافظة حمص الشرقي»، مقابل تراجعه في جبهات القلمون الشرقي، نتيجة استهداف «قوات أحمد العبدو» و«جيش أسود الشرقية» بالصواريخ والمدفعية الثقيلة مواقعه في محور تل دكوة وتل الدخان. وأوضح «المرصد» أن الفصائل المعارضة تمكنت من تحقيق تقدم والسيطرة على تلة قرب منطقة بير القصب القريبة من تل دكوة، فيما لا تزال مستمرة في هجومها المعاكس في محاولة لاستعادة السيطرة على مواقع خسرتها الخميس لصالح قوات النظام.
وفي سياق العمليات الميدانية، وان كانت المعارك على محوري شرق تدمر والقلمون الشرقي لا تتخذ بُعدا دوليا، فان تلك الحاصلة على التنف تهدد وفق خبراء بانفجار الصراع الأميركي - الإيراني في سوريا. وفيما رجّح الخبير العسكري الأردني اللواء الطيار المتقاعد مأمون أبو نوّار استمرار المناوشات والاشتباكات المحدودة في منطقة التنف بين الميليشيات الإيرانية وقوات التحالف من دون أن تتطور إلى مواجهة كبيرة إيرانية - أميركية، شدد رياض قهوجي، رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري - أنيغما» على أن هناك موقفا أميركيا حازما بوجه إيران لجهة أن كل منطقة الحدود العراقية - السورية ستكون منطقة نفوذ أميركي ممنوع دخولها. ووصف قهوجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الحركة التي قامت بها الميليشيات الإيرانية بإرسال طائرة من دون طيار لتطلق عدداً من القنابل بـ«السخيفة»، معتبراً أن «ذلك لا يرقى إلى مستوى الرد على الغارات التي تشنها طائرات التحالف وتستهدف آليات وعناصر للنظام وحلفائه».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.