العشائر الأردنية رداً على «داعش»: لن نقف مكتوفي الأيدي

{داعشي} ظهر في الشريط التحريضي («الشرق الأوسط»)
{داعشي} ظهر في الشريط التحريضي («الشرق الأوسط»)
TT

العشائر الأردنية رداً على «داعش»: لن نقف مكتوفي الأيدي

{داعشي} ظهر في الشريط التحريضي («الشرق الأوسط»)
{داعشي} ظهر في الشريط التحريضي («الشرق الأوسط»)

ردت عشائر أردنية على ظهور أقارب لهم في شريط الفيديو الذي بثه تنظيم داعش الإرهابي مؤخرا، بأن الأمر لا يخيفهم، وأن تهديد الأردن عادة قديمة للتنظيم. وأصدرت معظم القبائل بيانات رافضة للتهديدات، مؤكدة عزمها على التضحية من أجل استقرار الوطن. وحذر تجمع أبناء عشائر الدعجة، وسط البلاد، الجمعة، في بيانه من المساس بأمن الأردن واستقراره، قائلين إنها «خطوط حمراء يمنع تجاوزها من أي كان، ونفديها بالمهج والأرواح، فقد كنا ولا زلنا وسنبقى المدافعين الأقوياء عن ذلك». وأضاف البيان أن: «أبناء عشائر الدعجة لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه تلك الدعوات المشبوهة والمضللة والحاقدين والمتربصين بأمن البلد واستقراره».
بدورها، أصدرت عشائر بني عباد بيانا قالت فيه إن: «العبابيد يردون على عصابة (داعش)، سنبقى كما كنا على يمين قيادتنا، لمن أراد بأردننا خيرا حماة راحمين، وعلى من أراد به شرا قساة ضاربين».
وتباينت آراء مراقبين للحركات الإسلامية المتطرفة، حول الفيديو الذي نشره تنظيم داعش الإرهابي، وما يحمله من رسالة تهديد واضحة ومباشرة للأردن بـ«تنفيذ عمليات إرهابية على الساحة الأردنية».
ففي حين رأى البعض أن الفيديو جاء ردا على تنفيذ الأردن أحكام إعدام بحق عدد من الإرهابيين، رأى آخرون أن الفيديو محاولة بائسة من التنظيم «لتسويق نفسه في الشارع الأردني».
في هذا الصدد، رأى المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة حسن أبو هنية، أن «هناك تصاعدا في خطاب (داعش) تجاه الأردن، وسبق للتنظيم أن أصدر فيديوهات عدة يهدد فيها المملكة، وربما يكون هذا الشريط الأكثر عنفا في رسالته؛ كونه صدر عن مؤسسة إعلامية رسمية تابعة للتنظيم، كما أن هذا الفيديو كان مخصصا للأردن ولم يرد فيه أي بلد آخر». وأضاف أبو هنية: «هذا أول شريط مخصص بالكامل للأردن، وهو يتضمن رسائل أكثر وضوحا؛ فالفيديوهات السابقة التي كانت تصدر عن (داعش) تتضمن محاولة استعطاف الحاضنة الشعبية، ومحاولة لتبرير أفعالهم الإجرامية، بينما الآن أصبح يوجه تهديدا واضحا وليس مبطنا كالسابق».
وقال: «ظهرت في الشريط رسالة تتجاوز الخطاب اللفظي إلى ممارسة أعمال قتل مباشر لأشخاص ادعى التنظيم أنهم عملاء للأردن وتدربوا فيه، من الجنسية السورية، حيث تم قتلهم بطريقة قطع الرأس». وبحسب أبو هنية، فإن هذا الفيديو جاء «ردا منهم على اشتراك الأردن في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، مرجحا أيضا أن يكون «ردا على تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من حملة الفكر التكفيري (منفذو عملية إربد، ومكتب مخابرات البقعة، وقاتل ناهض حتر، ومعمر الجغبير، وأحمد الجاعورة)».
أما وزير الإعلام الأردني السابق سميح المعايطة، فاعتبر الشريط «رداً على تنفيذ الحكومة الأردنية عددا من الإعدامات قبل نحو شهر بحق أعضاء تابعين لـ(داعش) وتنظيمات إرهابية».
وحول سبب تركيز «داعش» على الأردن رغم وجود دول أخرى أشد ملاحقة للتنظيم، قال المعايطة إن «الأردن يتعامل بجدية مع الإرهاب ولا يرفع محاربة الإرهاب شعارا فقط، كما أنه جزء فاعل من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم».
من جانبه، يرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية والمتطرفة محمد أبو رمان، أن هذا الشريط يشير بشكل مهم إلى أن المعركة باتت مفتوحة بين الأردن وتنظيم داعش خاصة، وأن الفيديو تناول باهتمام «عملية الكرك» الأخيرة أواخر العام الماضي، وأدت إلى مقتل سبعة رجال أمن أردنيين، ومدنيين اثنين، إضافة إلى سائحة كندية، وتبناها التنظيم آنذاك». وقال أبو رمان إن الشريط مرتبط بالتسخين للمرحلة المقبلة بعد أحداث الكرك التي كانت نقطة تحول في العلاقة بين الأردن وتنظيم داعش». ويقدر أبو رمان عدد المقاتلين الأردنيين في سوريا والعراق بأكثر من ألفي مقاتل، إضافة إلى مئات المعتقلين بتهمة الالتحاق بتنظيمات جهادية هناك. وتزامن صدور الفيديو التهديدي لـ«داعش» مع إعلان الأردن إحالة 9 متهمين على خلفية أحداث الكرك إلى محكمة أمن الدولة. ويقدر أبو رمان أن «الأردن اعتقل ما يقارب من 700 شخص مشتبه بأنهم ينتمون إلى التنظيم بعد أحداث الكرك، والمئات ممن تم تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة بتهم الترويج لـ(داعش)». وأضاف أبو رمان «إن الأردن يقوم بمحاولة تنظيف الساحة الداخلية من أنصار تنظيم الدولة، لأن هناك شعوراً بأن المرحلة المقبلة ستكون أكثر مواجهة بين الأردن والتنظيم على الصعيدين المحلي والإقليمي».
وبث تنظيم داعش الإرهابي مقطعا مرئيا جديدا مدته 20 دقيقة يتوعد به المملكة الأردنية، داعيا أنصاره إلى تنفيذ عمليات في المملكة شبيهة بهجوم الكرك الذي وقع العام الماضي. وتم بث الإصدار المرئي الأربعاء الماضي، عبر ما يسمى «ولاية الفرات» تحت عنوان «فأبشروا بما يسوؤكم»، وهو يحتوي على مشاهد قاسية لعمليات إعدام وحشية لـ5 أشخاص، قال «داعش» إنهم «من القوات السورية التي تلقت تدريبا عسكريا في الأردن»، مطلقين عليهم «عملاء الصليبيين». وهدد «داعش» بمحاصرة مقرات الشرطة والجيش والمخابرات الواقعة على الحدود الأردنية، واستهداف قوات الأمن عبر عناصره ممن أطلق عليهم «جند الخلافة»، على غرار عملية مدينة «الكرك». وتضمن المقطع المرئي نعي التنظيم لعمر مهدي زيدان، أبرز الأردنيين لديه، بعد تواتر أنباء عن مقتله في الأسابيع الماضية. وهاجم التنظيم عشائر الأردن، المتهمين بالتخلي عن أبنائهم الذين التحقوا بـ«داعش»، وقاتلوا معه في سوريا، موثقا إصداره بصور لأخبار نشرت عن إعلان بعض العشائر براءتها من أبنائها.
وطالب التنظيم عناصره في الأردن باتباع نفس طريق أبو مصعب الزرقاوي، وأبو أنس الشامي، أحد أبرز قادته الأردنيين، وتجنب الاستماع إلى المنظرين المواليين للقوى الأجنبية، وعلى رأسهم أبو محمد المقدسي.
وتحدث خلال المقطع 4 من أعضاء التنظيم الأردنيين، هم: عايد زايد الدعجة، وقتيبة عبد المجيد المجالي، وفواز محمد بن علي، ومأمون أحمد العطيات، محرضين على مزيد من العنف: «يا أسود التوحيد في الأردن تأسوأ بإخوانكم في الكرك، لقد رأيتم ماذا حدث لها في بضع ساعات، عليكم بتجمعات الشرطة والأمن والمخابرات، والصليبيين، اقتلوهم حيث ثقفتموهم»، متوعدين جنود الجيش والشرطة في المملكة الأردنية: «يا أيها الشرط والجند كنا حذرناكم من قبل، وسيكون حالكم الذبح عما قريب، وما سعيتم بحملات الإعدام والقبض على جنودنا في إربد فلن يوقفنا، ولن تنفعكم فإنا ماضون».
كما كشف التنظيم الإرهابي عن هوية الإرهابيين الأربعة منفذي عملية الكرك، التي وقعت في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بمدينة الكرك الأردنية جنوب العاصمة عمان، حيث أطلق ملثمون النيران على مقرات للشرطة والمخابرات العامة قتلوا فيها 7 ضباط ومواطنين، وسائحة كندية. ويأتي ذلك المقطع رد فعل على جهود الأردن في مكافحة الإرهاب، حيث أعلن الأردن في مارس (آذار) الماضي، إعدام 5 إرهابيين تابعين لـ«داعش» في «خلية إربد» بعدما صادقت محكمة التمييز على قرار محكمة أمن الدولة القاضي بالإعدام شنقا لهم لثبوت إدانتهم بارتكاب عمليات إرهابية، وقتل الرائد راشد الزيود، وقيامهم بتصنيع مواد مفرقعة وحيازتها للقيام بأعمال إرهابية ضد الأمن والممتلكات العامة، وتجنيد أشخاص للالتحاق بالتنظيم الإرهابي.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.