يتواصل بـ«مدرسة بن يوسف»، بمراكش، معرض صور فوتوغرافية لعدد من المدارس العتيقة الشهيرة بالمغرب، كـ«مدرسة بن يوسف» بمراكش و«المدرسة البوعنانية» بفاس.
وبقدر ما تبين هذه الصور التي أخذت ما بين عامي 1915 و1920 الحالة التي كانت عليها هذه البنايات، قبل أن يتم تصنيفها تراثاً وطنياً أو إنسانياً، فإنها تبرز أهمية هذا التراث المادي، والأهمية التي احتلها في ماضي البلد، قبل أن تتحول في حاضره إلى عنوان لغنى وتميز حضاريين.
وتمثل هذه الصور، التي أخذت، بالأبيض والأسود، من طرف مصورين فرنسيين، بينهم شارل تيراس وكومبيي ماكون وفوغل وروني، وثائق مهمة تعطي صورة عن حالة هذه المدارس لحظة تصويرها، ووظائفها، ونمط الحياة داخلها، ومن كان يسكنها، كما تنقل بشكل ضمني لزوار المعرض الحاليين صورة عن مآلها ووظائفها الراهنة وعمليات تأهيلها المتتالية.
ويوفر تنظيم معرض «مدارس المغرب العتيقة»، بفضاء «مدرسة بن يوسف»، لزوار هذه التحفة المراكشية الشهيرة، متعة مضاعفة: زيارة المدرسة، والتعرف على ما تؤرخ به هذه الصور لمدارس تاريخية من عدد من مدن المغرب، خصوصاً فاس ومكناس ومراكش.
وقبل أن يضع زائر «مدرسة بن يوسف» أول خطوة داخل هذه المدرسة المتفردة، بجمالها وقيمتها المادية، تقدم له كتابة منقوشة على القنطرة الخشبية التي تعلو المدخل الرئيسي معلومات تاريخية مهمة عن المدرسة، وعن مؤسسها، يقرأ فيها: «أقامني للعلوم والصلاة أمير المؤمنين وسبط خاتم الرسل أسمى الخلائق عبد الله، فادع له يا داخلي ببلوغ منتهى الأمل».
وتشير هذه الكتابة المنقوشة للوظائف التي أحدثت لأجلها «مدرسة بن يوسف»، وهي تلقين العلوم للطلبة، وإقامة الصلوات بها، لتوفرها على قاعة للصلاة، كما تشير لمؤسسها عبد الله الغالب (1557 - 1574)، ولقبه السلطاني (أمير المؤمنين)، وهو لقب مركب له دلالة سياسية ودينية.
وكانت «مدرسة بن يوسف»، على امتداد أربعة قرون، معقلاً للعلماء، ومقصدا، للطلبة المتعطشين للعلم والمعرفة في مختلف العلوم، خصوصاً منها الدينية والفقهية. ولم تكن الدروس تلقى بها، ولكن داخل مسجد بن يوسف المجاور، حيث كانت عبارة عن «حي جامعي» يعيش فيه الطالب، ويراجع دروسه، فيما كانت تستعمل قاعة الصلاة لأداء الواجب الديني.
ويقدم المعرض المدارس العتيقة باعتبارها معاهد تعليمية أسست لأهداف خيرية وإحسانية، في الوقت نفسه، حيث كانت موجهة لإيواء الطلبة القادمين إلى المدينة لطلب العلم، فكانت توفر لهم الأكل والمشرب والمأوى. وتقدم عمارة «مدرسة بن يوسف»، مثلاً، صورة عن طبيعة الضيافة التي كانت مقترحة على الطلبة، حيث نكون مع غرف على شكل حجرات ضيقة، يأتيها الضوء من نافذة صغيرة بحجم الكف أربع مرات. أما الأثاث، فمتواضع يشمل حصيراً للنوم والجلوس، وغطاء، وخواناً صغيراً، مع بعض الأوراق ومحبرة وقلم للكتابة.
وتذهب بعض الكتابات التاريخية إلى أن أقدم المدارس العتيقة قد تم تشييدها خلال القرن الثاني عشر للميلاد، خلال حكم أسرة الموحدين (1121 - 1269م)، مع إشارتها إلى أن تشييد جل المدارس العتيقة في المغرب قد تم خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر، على عهد سلاطين أسرة بني مرين، التي مكنت المغرب الكبير من استقرار نسبي وازدهار كبير.
وإذا كانت الضخامة من خصائص الفن الموحدي، فإن الفن المريني تميز بهيمنة الخفة والأناقة. وقد شيدت «مدرسة الصفارين» بفاس سنة 1271، تحت حكم السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق. وبعد ذلك بسنوات، وصل الفن المريني إلى أوجه في عهد السلطان أبي سعيد عثمان الذي تولى الحكم ما بين 1310 و1331، حيث شيد في مدينة فاس «مدرسة المخزن» و«مدرسة الصهريج» و«المدرسة المصباحية» و«مدرسة العطارين» التي توصف بـ«رائعة فاس». أما خلفه، أبو الحسن، فأقام رائعة أخرى، هي «مدرسة سلا»، وإليه يعود الفضل في بناء أول مدرسة مرينية بمراكش، التي اختفت حالياً. أما أبو عنان فارس، فقام بتشييد مدرستين، بكل من فاس ومكناس، حملتا اسمه، حيث ما زالت «المدرسة البوعنانية» منهما بفاس أثراً استثنائياً على جميع الأصعدة.
وسنعبر، بعد ذلك، فضاءً زمنياً يمتد على ما يزيد على القرنين، كي نعثر في تاريخ العمارة على بناء مدرسة جديدة، هي «مدرسة بن يوسف» بمراكش، التي شيدها السلطان السعدي مولاي عبد الله الغالب، عام 1565.
بالنسبة للتصميم العام لهذه المدارس، يبدو أن المدرسة كمأوى للطلبة قد استعارت من الدار، حسب ما جاء في وثائق المعرض، خصوصية المدخل الملتوي الذي يعزل الحياة النشيطة للدراسة عن جلبة الخارج.
فهناك ردهة طويلة تضيئها كوات محدثة في السقف، وتسمح هذه الردهة بالوصول إلى درج يوصل إلى الطابق الأول، كما يشكل، في منتهاه، دهليزاً يفضي إلى صحن المدرسة.
وهناك أيضاً ردهتان تنطلقان من دهليز المدخل، وتطوفان بالصحن، وتسمحان بالوصول إلى الميضأة، وإلى الأجزاء المخصوصة بإيواء الطلبة. وحول الصحن المركزي الكبير، أو الفناء المستطيل الشكل، جهزت الأقسام الرئيسية للبناية، حيث جانب الصحن الذي يشير إلى الجنوب الشرقي مخصص لقاعة الصلاة. وعلى طول الصحن، هيئت الأروقة المفصولة بحواجز خشبية متقنة الصنع، ويحمل هذا النوع من الصنعة المتقنة اسم المشربيات. وفي المدارس الكبرى، تستقر الغرف الصغيرة للطلبة فوق هذه الأروقة، كما هو الشأن في «مدرسة بن يوسف».
12:21 دقيقه
معرض بمراكش يؤرخ لوظائف «مدارس المغرب العتيقة»
https://aawsat.com/home/article/867756/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A8%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B4-%D9%8A%D8%A4%D8%B1%D8%AE-%D9%84%D9%88%D8%B8%D8%A7%D8%A6%D9%81-%C2%AB%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D9%8A%D9%82%D8%A9%C2%BB
معرض بمراكش يؤرخ لوظائف «مدارس المغرب العتيقة»
كانت مقصداً للمتعطشين للعلم والمعرفة في بداية القرن الماضي
المدارس القديمة بالمغرب كانت معاهد وتأسست لأهداف خيرية - مدرسة بن يوسف كانت معقلاً للعلماء على امتداد أربعة قرون - صور بالأبيض والأسود معلقة التقطت ما بين عامي 1915 و 1920
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
معرض بمراكش يؤرخ لوظائف «مدارس المغرب العتيقة»
المدارس القديمة بالمغرب كانت معاهد وتأسست لأهداف خيرية - مدرسة بن يوسف كانت معقلاً للعلماء على امتداد أربعة قرون - صور بالأبيض والأسود معلقة التقطت ما بين عامي 1915 و 1920
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

