تراجع آمال الأمازيغ والطوارق والتبو في دولة ما بعد القذافي

شاركت القبائل الليبية غير العربية في انتفاضة 2011 لكنها انسحبت من المسرح السياسي لأسباب مختلفة

متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
TT

تراجع آمال الأمازيغ والطوارق والتبو في دولة ما بعد القذافي

متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد

رفرفَ علمُ الأمازيغ الليبيين، بألوانِه الأربعة، فوق مبانٍ على شاطئ طرابلس، لأول مرة.
امتلأت قيادات سياسية ليبية، ذات أصول غير عربية، بآمال عريضة، وهي تبحث عن مكان لها في نظام الدولة الوليد، بعد عقود من المعاناة مع نظام معمر القذافي. ورغم مضي قرابة السنة على حكم رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، فإن الأقليات الليبية تتعرض اليوم لإحباط آخر. ويقول قادة من الأمازيغ لـ«الشرق الأوسط» إنهم قاطعوا كل الهياكل التشريعية، البرلمان، والهيئة التي تقوم بإعداد الدستور، ما يعني أنهم لا وجود لهم فعليا في دولة ما بعد القذافي.
وأدت استقالة نائب السراج، موسى الكوني، القيادي في قبيلة الطوارق، قبل أسبوعين، إلى عودة قضية الأقليات على مسرح الجدل السياسي؛ فقد شاركت القبائل الليبية غير العربية في الانتفاضة التي أطاحت بحكم القذافي في 2011، لكن الحُلم ببناء دولة تعترف بـ«المكونات الثقافية» للأمازيغ والطوارق والتبو، تراجع مرتين إلى حد كبير؛ المرة الأولى حين دخلت البلاد في فوضى بداية من عام 2012، والمرة الثانية، تجري وقائعها في هذه الأيام؛ حيث يعاني مجلس السراج الرئاسي من عراقيل جمَّة.
يقول القيادي في قبيلة التبو، عيسى عبد المجيد، النائب السابق لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، إن «البعض (في ليبيا) يُصرُّ على تهميشنا... التبو شاركوا في الثورة، واليوم يشاركون في الحرب على الإرهاب، ولهم حقوق».
ولا يقتصر صراع الأقليات في ليبيا على داخل البلاد فقط، لكنه يمتد إلى خارجها أيضا في بعض الأحيان؛ مثلا، هناك موقف من الجامعة العربية نفسها. وينظر عبد المجيد، مثل فتحي بن خليفة، الرئيس السابق للكونغرس الأمازيغي، بعين الريبة، إلى قول أحد مسؤولي الجامعة إن ليبيا لا يوجد فيها أقليات، كما زاد الطين بِلّة قيام سياسي ليبي كبير، من قبيلة عربية، بعقد لقاء مع قبائل ليبية في القاهرة قبل أيام، لم يكن التبو من بينهم.
بيد أنَّ إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية في البرلمان الليبي، يقلل، في رَده على أسئلة «الشرق الأوسط»، من الزخم المطروح حول القضية، ويشير إلى أن القبائل غير العربية «لا تشكل في مجموعها إقليما بكامله في ليبيا».
وفي حين ينظر البعض بتشكك للممارسات السياسية للأغلبية الليبية ذات الأصول العربية، تبدو مسارات الخلاف موجودة أيضا بين الأمازيغ والطوارق والتبو، أنفسهم، ما يلقي بمزيد من الظلال على خفايا صراع الأقليات في هذا البلد النفطي، شاسع المساحة وقليل السكان. ويقدر عدد الأمازيغ بنحو 165 ألف نسمة، وتقول تقديرات أخرى إن نسبتهم تبلغ نحو عشرة في المائة من بين ستة ملايين ليبي.
ويتركز وجود معظم الأمازيغ في مدن الجبل غرب طرابلس، وغالبية الطوارق في جنوب غربي البلاد، بينما ينتشر التبو بين الجنوب والشرق والشمال، ويبالغُ كلُّ طرفٍ في عدد أبناء قبيلته كعادة معظم القبائل الليبية الأخرى. وتقع معارك طاحنة بين الطوارق والتبو كل حين وآخر، وبخاصة في البلدات الجنوبية التي تعد تخومها معبرًا للمهرِّبين والمهاجرين غير الشرعيين، إضافة إلى نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود من دول الجوار. ويتهمُ عربٌ من سكان طرابلس أجنحة أمازيغية بزحف شبه «ممنهج» تجاه العاصمة.
ومِن بين المظاهر التي لفتت الأنظار قيام قيادي سياسي أمازيغي في طرابلس بجلب عناصر أمازيغية مسلحة للعاصمة من مسقط رأسه في بلدة زُوَّارة، وحين سُئِل عن ذلك من جانب أمراء ميليشيات منافسة، قال إنها ليست ذات طابع عرقي، ولكنها لحماية عائلته في المدينة التي تعاني من الفوضى، زاعمًا تلقيه تهديدات من موالين للمجلس الرئاسي. ويوجد في معظم مدن الأمازيغ ميليشيات أيضا تُعرف باسم «سرايا الثوار» مثل غالبية المدن الليبية الأخرى.
وفيما بعد عثرت السلطات على منشورات مطبوعة في مطبعة أمازيغية تسمى «زهر الزيتون»، كانت تُوزَّع في ضواحي «غوط الشعال» و«قرقارش» بالعاصمة تحت عنوان «صرخة ليبية»، وتدعو إلى «النضال من أجل استرداد وإقرار الحق الأمازيغي»، لكن في إطار «الدولة الليبية»، قائلة في صوت وُصِف بالمعتدل إن «أمازيغ ليبيا، ليبيون، وبوصلتهم يجب أن تكون ليبية، وضِمن الهوية الليبية وفي حدود الوطن ومع إخوتهم وشركائهم في الوطن».
وفي هذه الأثناء كان الكوني، بصفته نائبا للسراج في المجلس الرئاسي، يعاني من ضغوط من قبيلته، الطوارق، وتحديدا من مدن غدامس، وسبها، وأوباري، من أجل الإسراع في تقديم الخدمات والأمن للمناطق التي تعاني من تهميش الدولة لها منذ سنين طويلة. كان الكوني من رجال نظام القذافي، وأصبح من رجال السراج، لكن الأمور أخذت تنفلت أكثر من أي وقت مضى، والفقر والاقتتال القبلي يعصف بالمناطق الجنوبية، دون وجود سُلطة مركزية قوية.
يقول الدكتور سعد سلامة، الأستاذ في جامعة الزيتونة في ترهونة، ورئيس مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية، لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام لا يفضِّل الليبيون، من غير العرب، لقب «(أقليات)». وفي 2011 أُطلق عليهم اسم «المكونات الثقافية»، ويضيف أنه لا توجد أي إحصاءات مبنيّة على أُسس عرقية في ليبيا، وأن لدى هذه «المكونات الثقافية»، في الوقت الحالي، تيارا سياسيا معتدلا، وتيارا شبه متطرف في مطالبه، وتيارا عروبيا، لكن يغلب على من يقود هذه «المكونات الثقافية» أصحاب المطالب الحادة. و«حاليا توجد مشكلات حتى في داخل هذا المكونات نفسها».
عقب سقوط نظام القذافي، حاول مئات النشطاء الأمازيغ والطوارق والتبو، المشاركة في بناء دولة تأخذ في الاعتبار حقوق الأقليات. ورفرف علم الأمازيغ إلى جوار علم الدولة الجديد، في العاصمة، أثناء احتفالات النصر مع نهاية 2011، وشغل الكوني، في تلك السنة، عضوية المجلس الانتقالي الذي تولى زمام الانتفاضة على القذافي. كما عاد عبد المجيد، الذي كان يتزعم «حركة تحرير التبو»، المعارضة، لبدء عهد مختلف. وتولى الأمازيغي نوري أبو سهمين، رئاسة المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق)، لكن طموحات كثير من القيادات السياسية غير العربية، تعثرت بحلول عام 2014؛ بسبب اندلاع الحروب بين ميليشيات متناحرة، جهوية ومذهبية، وبخاصة في مدن، طرابلس وبنغازي وسبها.
ويقول مصدرٌ قريبٌ من المجلس الرئاسي، إن الحوار الذي رعته الأمم المتحدة بين أطراف ليبية في بلدة الصخيرات المغربية، ونتجَ عنه «المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني»، تعاملَ معه كثيرٌ من قيادات قبائل غير عربية، باعتباره بارقة أمل لطرح حقوق الأقليات على الطاولة، ومنها الاعتراف، في دستور البلاد، بالعلم الأمازيغي وباللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.
ويضيف المصدر: «في مطلع العام الماضي، وأثناء الإعداد في تونس لدخول مجلس السراج إلى العاصمة، قدَّم بعض كبار الساسة الأمازيغ بوادر حسن نية؛ فقد أبلغوا السراج أنَّهم لن يقفوا مع المعارضين لدخوله طرابلس، وأنه إذا لم يستطع العمل من العاصمة، فيمكن لهُ أن يباشر مهام إدارة الدولة، مؤقتا، من مدن ذات أغلبية أمازيغية، مثل غدامس أو زوَّارة».
وحين ركب السراج البحر في طريقه إلى «قاعدة بوستة» في طرابلس بنهاية مارس (آذار) الماضي، ظهر متطوعون أمازيغ قرب القاعدة، وهم يشاركون في تنظيف الشوارع وغرس الورود، لاستقبال أعضاء المجلس الرئاسي، ومن بين هؤلاء الأعضاء موسى الكوني، بينما كان العلم الأمازيغي يرفرف مع العلم الليبي أيضا أعلى الأسوار.
وبمرور الوقت بدأت شكوك قادة من الأمازيغ والطوارق والتبو تتزايد بشأن قدرة السراج على الإمساك بزمامِ الأمور. وأخذتْ الأوضاع تتجه إلى الانفلات، وأدَّى الاحتراب بين الميليشيات، التي يتكون معظمها من مقاتلين عرب، إلى تبدد طموحات «المكونات الثقافية»، مرة أخرى، وأمام هذا الانسداد تفجرت حروب صغيرة بين الطوارق والتبو في الجنوب، ومناوشات بين أمازيغ وعرب حول طرابلس شمالا، ودخلت أطراف إقليمية ودولية على الخط لاستغلال الوضع، وتحقيق مكاسب خاصة في المنطقتين الغربية والجنوبية، وهي غنية بالنفط والغاز والذهب واليورانيوم. كما ازدادت الأوضاع تعقيدا في مدنٍ مطلة على البحر، مع احتدام الصراع بين كتلتين كبيرتين... الأولى: القوات المدججة بالأسلحة الثقيلة في طرابلس وما حولها، حيث يغلب عليها الطابع الديني المتشدد. والثانية: «الجيش الوطني» الذي يقوده المشير خليفة حفتر في بنغازي وما حولها، وهي كتلة ذات طابع علماني، خصوصا حين أخذ كل طرف من هذين الطرفين يغري أبناء الأقليات العرقية بالانضمام له في القتال، على وعدٍ ببحث مطالبه الخاصة باللغة والعَلَم، وغيرها، مستقبلا. وأظهر غالبية التبو تمسُّكا بالعمل تحت قيادة المشير حفتر. وخاض قادة عسكريون من التبو معارك ملحمية ضد تواجد الميليشيات المتطرفة في الجنوب وفي بعض مدن الشمال، مثل بنغازي، من بينهم العميد عيسى آبه.
ولم يكن عبد المجيد راضيا عما يجري؛ من ناحية، استمر على موقفه في معارضة مجلس السراج، حيث وصفه بأنه «مجلس وُلد ميتا»، منذ البداية، ومن ناحية أخرى، استمرَّ في موقعه نائبا لرئيس البرلمان للشؤون الأفريقية، وهو يشعر بوطأة الضغوط من قبيلته التي تحارب مع حفتر دون أي ضمانات بشأن المستقبل. وكان من بين الخلافات إصرار حفتر والبرلمان، على تسمية الجيش «القوات المسلحة العربية الليبية»، وليس «القوات المسلحة الليبية».
وبشكل عام لم تظهر أي مشاركة يُعتد بها من جانب ممثلي الأقليات خلال حوار الصخيرات، بغض النظر عن اختيار الكوني نائبا للسراج، لكن مما لا شك فيه أنَّ المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، كان حريصًا على الاستماع إلى ممثلين قبليين لهذه الأقليات، حتى لو كان ذلك قد حدث بعد توقيع الاتفاق، وهو أمرٌ قامَ به السراج أيضا مع بعض ممثلي التبو، إلا أنَّ محاولات كهذه يبدو أنها جاءت متأخرة، حيث ظهر أن هناك جِراحًا كان ينبغي مداواتها مبكرًا.
وبينما كانت الجامعة العربية تسعى للدخول لحلحلة الملف الليبي، وتعيين مبعوث خاص لهذا الغرض، هو السفير التونسي صلاح الدين الجمالي، نقلت وسائل إعلام عن السفير الجزائري الذي يشغل موقع نائب الأمين العام للجامعة، أحمد بن حلي، قوله في تصريحات صحافية إن ليبيا «لا يوجد فيها أقليات أو عرقيات». ولم يتسن التواصل مع بن حلي لتوضيح المقصود بهذه النقطة التي أدت لردود فعل غاضبة من جانب قادة من التبو والأمازيغ والطوارق. يقول عبد المجيد: «هذا موقف غريب... هذا فيه تجاهل للواقع الليبي».
ومن جانبه، هاجمَ فتحي بن خليفة، الجامعة العربية، ووصفها بأنها «منظمة إقصائية». ويضيف: «لا أعتقد أن هناك عاقلا موضوعيا يمكن له أن يتعامل مع الجامعة العربية أو يتناول معها أي أمور بشكل ديمقراطي وليبرالي حقيقي... من اسمها هي عبارة عن شيء فئوي نخبوي عرقي عربي».
وعما إذا كان الأمازيغ ما زالوا يقاطعون لجنة صياغة الدستور، أجاب قائلا: «بالطبع... نحن نقاطع كل الهياكل التشريعية... قاطعنا البرلمان ولم نترشح، ولم نخض جولة الانتخابات، ونقاطع الهيئة الدستورية من منطلق أننا نتحدث من مفهوم الدولة بمعناها الشامل بوصفها مظلة مدنية تحمي المواطنين بمساواة وبعدل... نحن لا نتكلم عن مفهوم الحكم بل عن الدولة».
وتابع موضحا: «الجميع، بمن فيهم المجتمع الدولي، يتدخل في الشأن الليبي ويخوض في الشأن الليبي من منطلق مَنْ يحكم. نحن لا نفكر بهذه الطريقة». ويقول إن الأمازيغ يراهنون على الدولة، و«الدولة قوامها الدستور، وبالتالي لا تهاون ولا استخفاف ولا تنازل في الاستحقاقات التشريعية، وعلى رأسها الاستحقاق الدستوري... هذه المعطيات وهذه الأفكار بعيدة كل البعد عن رؤى الآخرين». ولا يتفق بن خليفة مع الطرح الوارد من الشرق الليبي، لأن من يتبنونه هم - كما يقول - «بقايا الفكر القومجي»، و«الوحدة العربية».
ولا يتفق كذلك مع المشروع الذي تتبناه ميليشيات في الغرب الليبي، لأنه مشروع يتحدث عن «خلافة موهومة، وعن أمة دينية، والعودة إلى الوراء برؤية المستقبل... هذا شيء ينافي العقل والمنطق».
ويعد الأمازيغ في ليبيا «مكونًا ثقافيًا» أكثر التفافا حول هويته الخاصة، مقارنة بالطوارق والتبو، وهذا أمر كان يقلق القذافي. وينتشر الأمازيغ في عدة بلدان في شمال أفريقيا، منها الجزائر والمغرب وتشاد ومالي وبوركينا فاسو. ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة ألوان أفقية؛ أزرق، وأخضر، وأصفر. ويتوسطه حرف «الزاي» باللغة الأمازيغية باللون الأحمر. وتأسس الكونغرس الأمازيغي، الذي كان يرأسه الليبي، بن خليفة، بوصفه منظمة غير حكومية، قبل نحو عشرين عاما، وترأسه، منذ عام 2015 الجزائرية كاميرا نايت سيد.
وقبل عدة أيام احتفل السكان الأمازيغ في شمال أفريقيا برأس السنة الأمازيغية 2967، بما فيها ليبيا، التي حرص فيها نشطاء أمازيغ في ملابس ملونة على التذكير بحقوقهم، ودعوة الليبيين للتصالح حفاظا على الوحدة الوطنية؛ يقرعون الطبول ويعزفون موسيقاهم الخاصة، وهذا مكسب في حد ذاته مقارنة بالماضي. فقد كان القذافي يقف ضد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، خشية تسببها في التفريق بين الليبيين، كما لم يكن متحمسا لتسجيل الأسماء غير العربية وغير الإسلامية لمواليد الأمازيغ، في سجلات الدولة.
في الوقت الراهن عادتْ مشاعر الإحباط للأمازيغ وأقرانهم من الطوارق والتبو، لأن المطالب الكبيرة لم يتحقق منها أي شيء يذكر. لم تعد غالبية القيادات الأمازيغية تعوِّل على حكومة السراج الضعيفة، وربما كان هذا أحد أسباب «الانقلاب» على المجلس الرئاسي من جانب حكومة خليفة الغويل، المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام الذي يرأسه نوري أبو سهمين، وهو من أصول أمازيغية، وما زال أبو سهمين متمسكا بـ«المؤتمر» بوصفه جسما تشريعيا، رغم انتهاء دوره باتفاق الصخيرات، وإحلال جسم استشاري بدلا منه اسمه «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة القيادي المصراتي، عبد الرحمن السويحلي.
كما أن استقالة الكوني - وفقا لمصدر من زعماء الطوارق - كانت لها أسباب، من بينها أنَّ الرجل لم يكن يكتفي بالتعامل في المجلس الرئاسي بصفته قائدا «قبليا طارقيا» فقط، ولكنه كان يعتبر نفسه ممثلا لجميع قبائل إقليم فزان (جنوب ليبيا) في مجلس السراج.
ويضيف المصدر أن مقترحات كثيرة تقدم بها الكوني للمجلس الرئاسي، تخص الجنوب، يبدو أنه جرى تجاهلها، ما دفعه في نهاية المطاف إلى تركِ منصبه؛ ومن بين هذه المقترحات، ضرورة تدخل المجلس بشكل جدي ومحايد لمنع تدفق السلاح لأطراف قَبَليِّة، ومنها كذلك مزاعم عن سحب أطراف في حكومة السراج لعقود شركات جنوبية ومنحها، في المقابل، لمحسوبين على رجال أعمال من المدن الليبية الشمالية.
ويشير المصدر نفسه إلى غضب الكوني أيضا من خلو قائمة تعيين سفراء ليبيين في الخارج من جميع الأسماء التي قدمها للمختصين بتسمية السفراء الجدد، وتابع قائلا إنَّ الكوني رَاهنَ، بعد كل هذه الإحباطات التي تسببت في إحراجه أمام أبناء الجنوب، على أنَّ المستقبل ليس مع المجلس الرئاسي، ولكن مع قبيلته؛ الطوارق، ومع غيرها من قبائل دعمت ترشحه لعضوية هذا المجلس، وبالتالي وجد في الاستقالة طوق نجاة من سفينة السراج.
خروج قيادات طارقية وتباوية، مثل الكوني في الغرب، وعبد المجيد في الشرق، من المشهد، إضافة لموقف القيادي الأمازيغي، أبو سهمين، يجعل المشكلة أكثر تعقيدا، وبخاصة أن الأمازيغ وبعضا من قيادات الطوارق والتبو كانوا قد قاطعوا، منذ البداية، الانتخابات البرلمانية ولجنة صياغة الدستور، احتجاجًا على تجاهل معاناتهم وعودتهم مرة أخرى إلى المربع الأول، ولم تأتِ وسائل الضغط هذه بالنتائج المرجوَّة في ظل مصاعب اقتصادية وانفلات أمني واضطراب سياسي بلا حُدود.
وعن موضوع اللغة والمطالب الخاصة بـ«المكونات الثقافية الليبية»، يقول عميش إن هذا الموضوع سوف يعتمد على ما ستطرحه الأغلبية خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن البلاد مُنقسمة، في الوقت الراهن، بين ثلاث حكومات. ويُوضح قائلا: «بعد أن تستقر الدولة سيجري بحث حق الأمازيغ في استعمال لغتهم، وسيحصلون على حقوقهم الطبيعية العادلة».
ويضيف رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية: «هم لا يشكلون في مجموعهم إقليمًا بكامله، حتى يَكُونُوا بشكل مُعيَّن، لكنهم أجزاء موزعة في عدة مدن». ويزيد عميش قائلا إن أغلب التبو والطوارق في صراعات مع بعضهما بعضا، في عدة مناطق، وفي الوقت نفسه يتعاملان مع الواقع الموجود الآن، ولا يطالبان بتضمين لغتهما الخاصة في الدستور، كما يفعل الأمازيغ. وينظر عميش إلى لهجة بعض المتشددين للقومية الأمازيغية في ليبيا، في هذا التوقيت، باعتبارها محاولة، من جانب أطراف دولية، لخلق مزيد من التعقيد في المنطقة العربية وإذكاء الصراعات فيها، قائلا إن «موضوع الأمازيغ في ليبيا لم يكن أبدا يمثل أي مشكلة».
ومن جانبه، يوضح الدكتور سلامة بشأن الكتلة العددية لـ«المكونات الثقافية الليبية» بقوله إنه لم يسبق إجراء إحصاء لهم... «لا تستطيع أن تقول كم عدد الأمازيغ، أو كم عدد التبو والطوارق... وليس لكل هؤلاء كتلة بشرية بارزة، حتى تجمعاتهم بصفتهم سكان مناطق، دائما السقف لا يتجاوز نحو 10 آلاف نسمة لكل منطقة... وفي الإجمالي لا توجد إحصاءات».
وعن الوضع الحالي في ظل تعدد الحكومات وحالة الاحتراب بين الخصوم، يقول سلامة إن «الانقسام السياسي في ليبيا أثَّرَ على التوجهات السياسية لهذه المكونات الثقافية... مثلا التبو أقرب إلى معسكر السيد حفتر، والطوارق محسوبون على فجر ليبيا في المنطقة الغربية، الأمازيع منقسمون؛ منهم من هو محسوب على فجر ليبيا وفيهم من يقف على الحياد».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.