لا ثبات في العلم.. وقوته تكمن في تكذيبه

نظرية التطور هي ابنة القرن التاسع عشر المسكون بالبحث عن جذور الأشياء

تشارلز داروين
تشارلز داروين
TT

لا ثبات في العلم.. وقوته تكمن في تكذيبه

تشارلز داروين
تشارلز داروين

يستحضر المرء بمجرد سماعه نظرية التطور، تشارلز داروين (1809 - 1809) مباشرة، ويعتقد أن الفكرة فكرته وحده، وأنه هو من اكتشفها كإشراقة خاطفة أو كحدس شبيه بوحي من السماء. غير أن عالم الأفكار لا يتحرك بهذه الطريقة. بل يسير وفق سياقات تحدد لهؤلاء «العباقرة» ما سيفكرون فيه، وما سيطرحونه من إشكالات. بل تحدد لهم حتى سقف الأجوبة المحتملة، أو بتعبير أكثر دقة، نستخدم مفهوم توماس كون «الباراديم»، الذي يعني به الإطار، أو النموذج الذهني الموجه للرؤية في حقبة زمنية معينة، فهو من له الكلمة الفصل، إذ يتجاوز هذا «الباراديم» الأفراد، ليصبحوا مجرد خدام له.
ولفهم الأمر أكثر، لنعش التجربة الذهنية الآتية: تصور معي، أن تشارلز داروين بلحمه ودمه، وبشفرته الوراثية نفسها، قد ولد قبل القرن التاسع عشر، ولنقل الخامس عشر مثلاً. فهل كان سيفكر في نظرية التطور؟ الجواب طبعًا لا، بل هو مستحيل. إذ إن لكل فكرة تاريخًا وزمنًا ومستقرًا محددًا. بل لنفترض أيضًا، أن داروين المفترض، الذي يعيش في القرن الخامس عشر للميلاد، منح ذكاء عاليًا، بحيث استطاع أن يحدس فكرة التطور، فلن تكون فكرته بغد مشرق، ولن يعبأ بها أحد، وسترمى جانبًا في الهامش إلى حين.
إن الأفكار تحتاج لكي تعيش، إلى السياق الذي يتقبلها ويسمح لها بالظهور. فالعبرة ليست بالجزء بل بالكل. فكم من الأفكار سبقت زمانها وأجهضت مباشرة، ليست لأنها خاطئة، بل لأن الإطار النظري لا يسمح لها بالبروز، وهذا ما يشهد عليه التاريخ. ففكرة دوران الأرض مثلاً، قد قال بها الفيثاغورثيون اليونانيون. وقال بها أيضًا، أرسطرخس، وحتى العالم المسلم البيروني، تحدث عن إمكانية القول بالدوران. لكن كلامهم لم يكن له معنى أو يجد قبولاً، لأن الإطار النظري الأرسطي/ البطلمي (نسبة إلى عالم الفلك بطليموس الذي هيمن على القرون القديمة فلكيًا)، والقائل بثبات الأرض، كان مهيمنًا وطاردًا لكل ما يشوش عليه تماسكه. فالقول بدوران الأرض آنذاك، هو قول نشاز وغير متحمل، وسوف تنتظر هذه الفكرة، مجيء القرن السادس عشر مع كوبيرنيكوس، لتظهر من جديد، لأن شروطًا نظرية قد نضجت.. وعلى غرار ذلك، نتحدث عن الجاذبية مع نيوتن، فهل كان ظهورها قبل القرن السابع عشر ممكنًا؟ الإجابة: قطعًا لا.
إن أي فكرة، تحتاج إلى إطارها النظري الذي ستسبح فيه بأمان. وهو من يقدم لها جواز المرور للقبول والظهور، بل الذيوع.
في مقالنا هذا، سنتوقف عند نظرية التطور كمثال، ونسأل عن الإطار الذي سمح بظهورها في القرن التاسع عشر بالضبط؟

قرن التاريخ والبحث عن الجذور

يعد القرن التاسع عشر قرن البحث عن تكوين الأشياء لا خلقها. إنه قرن التاريخ بامتياز. فهاجس أن لكل شيء جذورًا، وأن لا شيء ثابت، ولا شيء يبقى كما كان، كان الكلمة العامة للعصر. إنها بمثابة الإطار الذهني الموجه للرؤية. فالجبل مثلاً في علم الجيولوجيا، قد تشكل عبر التاريخ، والوديان تبدأ نشيطة قوية فتهرم مع الزمن، وتكثر التواءاتها. بل نجد أن اليابسة لم تكن متصدعة ومفرقة كما نشهدها اليوم، بل كانت كتلة واحدة متراصة. وهذا ما حاول العالم ألفريد فاغنر (1880 - 1930)، إثباته، بنظريته المشهورة «زحزحة القارات». وأكثر من ذلك، فالمرض النفسي له جذور في الطفولة. فالإنسان عندما يكبر، يكون صدى لرواسب طفولته. وهو ما راج مع المحلل النفسي سيغموند فرويد (1859 - 1939)، ناهيك بأن القرن التاسع عشر، قد أفرز لنا توجهات فلسفية كبرى، كالهيغيلية، والماركسية، وكانت كلها مرهونة، كما هو معلوم، بالهواجس التاريخية، زيادة على تنامي الفلسفة الوضعية، التي ترى أن الفكر البشري مر بمراحل تدل على الارتقاء والنمو والتبدل من حال إلى حال. وما آخر هذه المراحل، كما زعم أوغست كونت (1798 - 1857)، إلا المرحلة العلمية. هذه الأجواء، هي التي حكمت تشارلز داروين، وشكلت له الأفق الذهني الذي سيوجهه، وبقوة. لكن هذه المرة، نحو الكائنات الحية، ليؤكد أنها هي أيضًا لم تكن كما هي. بل تعرّضت بدورها، إلى تحولات عبر التاريخ، مقترحًا نظرية في ذلك، سميت نظرية التطور أو التحول البيولوجي. وهي النظرية التي أسالت المداد، وكانت محطة نقاش محتدم، منذ صدور كتاب «أصل الأنواع» سنة 1859 حتى الآن، نظرًا لما تخلقه من توترات تمس قيمة الإنسان في الكون. لأن داروين يقر بأنه ما دام أن الإنسان ينتمي إلى الطبيعة، فهو لا محالة، قد تعرض لتغير عبر مساره الطويل، مثله في ذلك مثل كل الكائنات الأخرى. فأصله يتقاطع ويمت بصلة لمملكة الحيوان، وهذا ما يربك صورة الإنسان عن نفسه، إلى درجة أن سماها فرويد، بالصفعة التي تذكر الإنسان بأصوله الحيوانية، وتبرز له أنه، في نهاية المطاف، مجرد مصارع من أجل البقاء. وما العقل عنده سوى سلاح كالناب والمخلب.. فما هي ملامح نظرية التطور؟

سفينة المسح الجغرافي «بيغل»

يقول داروين: «في أحد الأيام، عندما كنت أنزع لحاء شجرة قديمًا، رأيت زوجًا نادرًا من الخنافس، وأمسكت بواحد منهما في كل يد. عندئذ رأيت (جعلاً) ثالثًا من نوع جديد لا أحتمل أن أفقده، فما كان مني إلا أن وضعت (الجعل) الذي كان في يدي اليمنى في فمي».
قدمت كلام داروين لأظهر عشقه، بل هوسه بتجميع الحشرات، والعمل على تصنيفها، والمقارنة بينها. وهذا كله قبل قيامه بتلك الرحلة المشهورة إلى أميركا الجنوبية، التي ستقلب كيان فكره رأسًا على عقب، وستعطيه الفرصة لإعلان نظرية التطور.
كان داروين في بداية العقد الثالث من عمره، حين قررت البحرية الملكية البريطانية إرسال سفينة «بيغل»، لغرض مسح وتخطيط ساحل أميركا الجنوبية، ووضع خريطة له. وقد عرض عليه أن يرافق هذه الرحلة بوظيفة «رجل طبيعة» من دون أجر. وفي الحقيقة، يعود الفضل في هذه الدعوة، إلى أحد أصدقائه، وهو أستاذ لعلم النبات في جامعة كمبردج، على الرغم من أن داروين نفسه، لم يكن مولعًا بالنبات، بل بجمع الخنافس كما قلنا.
أبحرت السفينة سنة 1831 لمدة 5 سنوات. وعاد داروين ليس داروينًا، إذ اقتنع بأن الأنواع حينما تعزل في جهة، فإنها تختلف في الصفات والميزات عن التي تعزل في جهات أخرى، وأن هذه الأنواع قابلة للتغير. وكاد ألا يكتب عن نظريته التطورية، لولا أنه سمع بخبر أن هناك من ينافسه في الأطروحة، وهو الرجل المغمور والمنسي في التاريخ، المسمى ألفرد رسل والاس، الذي توصل إلى النتائج نفسها، مما أثار داروين، فسارع إلى إصدار كتابه «أصل الأنواع» فكتبت النظرية باسمه وضاع اسم والاس، وهو ما يُظهر ظلم التاريخ أحيانًا. فما بعض الحجج وبعض الاعتراضات على نظرية داروين؟

المستندات الداعمة لـ«الداروينية»

1- تتابع أنواع الحفريات: اللافقاريات، والأسماك، والزواحف والطيور، والثدييات، والإنسان.
2- وجود بعض الأعضاء بلا وظائف: كالزائدة الدودية، وبعض الزوائد لدى الحيوانات، كالندوب في الثعابين التي تدل على أطراف قد اندثرت. وهو ما تفسره «الداروينية»، بكون أن هذه الحيوانات قد انحدرت من أسلاف كانت مجهزة بأعضاء كاملة، لكنها فقدتها بالتدريج، جراء التكيف مع طرق الحياة الجديدة.
3- في القرن التاسع عشر، قام علماء التشريح المقارن، بالإعلان عن أن الكائنات الحية، لها بنية أساسية ضمنية متطابقة. وهو ما يفسر حسب «الداروينية»، كون السلف مشتركًا، وأن النموذج البدائي قد تعرض لتحولات.
4- تشابه الأجنة عند الكائنات الحية.
5- وقائع تهجين الحيوان والنبات: إذ يمكن أن نحصل على سلالات معينة لحيوانات جرى تدجينها. فبمجرد رسوخ هذه الصفات الجديدة، فإنها تظل باقية، إلى حد ما، في السلالات التالية. هذه التحولات سينظر لها داروين على أنها نموذج تجريبي لما يحدث في الطبيعة طوال الوقت. فالحيوانات ليست ثابتة بل تتغير.

اعتراضات جادة أقلقت داروين

1- إذا قبلنا بالانتخاب الطبيعي، فالعين تزداد حدة مثلاً، لكن كيف ظهرت أول عين؟ وإذا ما كانت وظيفة الريش البدائي لدى الطائر، كونه عازلاً للحرارة، وتطورت لاحقًا فقط، لكي تكون ميزة تُسهّل عملية الطيران، فمن العبث الملغز، افتراض أن الريش قد ظهر لكي يحقق احتمالات خفية للطيران. هذه أمور أزعجت فكرة الانتخاب الطبيعي طوال حياة داروين.
2- عدم وجود حفريات تثبت الأنواع الوسيطة بين الأنواع. وهذا أمر مقلق حتى بالنسبة للإنسان. فليس هناك أثر للوسيط بينه وبين مملكة الحيوان.
نخلص إلى أن النظرية الداروينية، هي بنت زمانها، أي القرن التاسع عشر، وبنت لحظة حمى البحث عن جذور وتاريخ وتكوين الأشياء. كما تبين لنا أن التطور افتراض له مؤيدات ومكذبات. والمهم هو أنها نظرية مغامرة أدت إلى البحث، ويكفي أنها جرّت العلماء وفي جميع أنحاء العالم، إلى القيام بحفريات، سعيًا وراء إيجاد ﺫلك الرابط بين الإنسان الحالي والإنسان القديم. وسواء وجدوه أو لا، فالأساس يكمن في كون الافتراض الدارويني، لعب دور المحرك لعجلة التنقيب. فقد كان بمثابة مهماز للبحث. فإذا ما نسفت الداروينية جدلاً وبحجج دامغة، فالربح حاصل على الدوام، لأنك حينما تكذب نظرية معينة، فأنت تكون مطالبًا بتعويضها بواحدة أقوى منها، بكلمة واحدة نقول: لا ثبات في العلم، فالعلم قوته في تكذيبه.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.