طه عبد الرحمن: سوأة العالم الكبرى هي الشهوة وسفك الدم

انتقد الحضارة الغربية الغارقة في الاستهلاك

طه عبد الرحمن
طه عبد الرحمن
TT

طه عبد الرحمن: سوأة العالم الكبرى هي الشهوة وسفك الدم

طه عبد الرحمن
طه عبد الرحمن

يعتبر الفيلسوف طه عبد الرحمن، أن الحضارة الغربية بمنظومتها الحداثية، مريضة بشكل جد مستفحل، بداء قديم أصاب البشرية منذ بداياتها الأولى، هو حب التملك. كما يرى أن شفاء الإنسانية من هذا الداء، لن يتأتي إلا بطلب الألبسة التي تواري سوأة هذا التملك المتجذر في الإنسان، والتعاطي، للأسباب، التي يسميها طه عبد الرحمن، بالائتمانية الكفيلة بإخراجه من هذا الداء.
يحصر طه عبد الرحمن حب التملك في شيئين هما: اتباع الشهوة وسفك الدم، وهما يشكلان سوأة العالم الكبرى. وتفشي حب التملك هذا، كان نتاجًا لنزع لباس النور ولباس الجسم. فماذا يقصد طه عبد الرحمن بذلك؟
ينطلق طه عبد الرحمن، كعادته، من المرجعية القرآنية لبناء نظريته. فمنها يستمد عدته ومرتكزاته، ومنها يستقي مفاهيمه التي يفجر منها دلالات جديدة مسعفة للتفسير، أو لحل معضلات معينة. لهذا نجده وهو يعالج مشكلة التملك الإنساني الذي يراه سببًا أساسيًا في سوأة العالم، يبدأ من قصتين أصليتين، هما «قصة آدم وحواء»، و«قصة ابني آدم قابيل وهابيل»، وهما القصتان المتعارف عليهما عالميًا. فهو يعوّل عليهما في فهم مأساة الإنسان وضياعه، وكذلك من أجل استيعاب مروقه وشروده. بل إن هاتين القصتين، ستسعفان فيلسوفنا في الإقرار بأن قدر البشرية أن لا تتفق وأن لا تتحد.
إن آدم قد تورط في اشتهاء ما نهي عنه، وأكل من الشجرة. فكان بفعلته هذه، قد نزع عنه لباسه الأول. أما قايبل، ابن دم، فقد سفك دم أخيه الشقيق هابيل، ما أدى إلى نزع اللباس الثاني. على أساس أن اللباس الأول هو لباس النور، أما اللباس الثاني، فهو لباس الجسم. فـ«اتباع الشهوة» و«سفك الدم»، جعلا وحدة البشرية من المحال لأنهما نزعا عن الإنسان أغطيته الحمائية والوقائية.
إن هذين الفعلين الأصليين، اللذين افتتحت بهما البشرية مسيرتها، يتكرران على الدوام في تاريخ البشرية، ولو بتفاوت من حيث الحدة والمدة. فهما عملان ملازمان للإنسان في كل أطواره، ويشكلان قدر البشرية الذي لا يدفع، على الرغم من محاولات الرسل المبعوثة، إعادة لباسها المكشوف إلى الإنسانية، دون جدوى، لأن الإنسان كان دائم الإصرار على التمادي في كشف اللباس، عوضا عن ستر نفسه، يعاند في عدم الإنصات للنداء الروحي الداعي إلى تذكيره بالنواهي الأولى للبشرية، التي عليها قوام الأخلاق القويمة الموارية لسوأته.
يذكرنا طه عبد الرحمن، بأن التاريخ قد علمنا أن هناك تلازمًا بين اتباع الشهوات وسفك الدم، والعكس صحيح، إذ لا زمن كان خلا من ذلك، منبهًا إلى أن الشهوة كانت هي السبب في إزالة ألبسة الإنسان المعنوية، ليصبح عاريا وعالمه مظلما. أما سفك الدماء فقد زج بالإنسان إلى غياهب الظلم. وهنا يدعونا طه عبد الرحمن للتأمل في مسألة الظلام والظلم، الناجمين عن الشهوة وسفك الدم، في كونهما يعودان إلى جذر واحد هو حب التملك.
حب التملك: الشهوة وسفك الدم
تجعل الشهوة الشخص في اهتياج لا يخمد. ولا يهدأ له بال حتى ينال ما يشتهي. ونيله ذلك، يعني مباشرة، امتلاكه إياه، وحينما يقضي وطره منه، سيجره ذلك إلى طلب ملكية جديدة، أي شهوة جديدة أخرى، أي باختصار، سيدخل الإنسان في استهلاك دائم، وهو ما جعل طه عبد الرحمن، يؤكد على أن الملكية والاستهلاك وجهان لعملة واحدة.
إن الشهوة بما هي امتلاك واستهلاك، تحدث -بحسب طه عبد الرحمن- نقطة سوداء في القلب، تنزع عنه لباسه ليستبدل بظلمة تكون على قدر الاستهلاك. أما سفك الدم، فهو أيضا، لا يخرج عن التملك، لأنه باختصار، سعي لإتلاف الأجسام بإزهاق أرواحها، ولن يتحقق إتلاف الجسم إلا بوجود القدرة على قهره وغصبه، والهيمنة عليه بالقوة. وهذا ما هو إلا تسلط وتغلب وامتلاك. فحين يقتل الإنسان أخاه الإنسان، يكون قد نزع منه ملكية جسمه. لهذا اشتد التحريم وبقوة حول القتل، وجرى اعتبار قتل فرد واحد كقتل الجميع، لأن الأمر يتسبب في ظلم كبير، ولا ينزع عن القاتل لباسه وحده، بل ينزعه عن البشرية بأكملها.
يريد طه عبد الرحمن، أن يظهر لنا من خلال ما سبق، أن حب الشهوات من حب التملك، والوغل في الدماء من حب التسلط، وحب التسلط من حب التملك، والفساد الذي يسري في العالم، هو نتيجة هذا الحب الدفين في النفس الإنسانية. فالتملك هو سبب الويلات الطارئة في العالم منذ البداية، فبه تنزع الألبسة الساترة للظلمات والمظالم معا. فهو من دفع آدم إلى الأكل من الشجرة المحظورة، متوهما أنه سوف يدرك ملكًا لا يبلى وحياة لا تفنى. وهو السبب الذي جعل قابيل يتجرأ على قتل هابيل متوهمًا أنه سيحظى بالمتاع لوحده دون مزاحمة.
يهدف طه عبد الرحمن من وراء تشخيصه للداء الإنساني المتمثل في حب التملك، إلى نقد الحضارة الغربية المنغمسة في الاستهلاك بشكل جنوني، والذي انتشر كالعدوى ليصيب بقية العالم. وقد بدا أثرها على كل فرد بعينه، برضاه أو رغما عنه. فإذا كان التملك قضية قديمة ملازمة للبشرية، فهو قد استفحل ووصل مداه الأقصى في زماننا، إلى درجة التكشف السافر للإنسانية، وبطريقة منظمة ومعقلنة إعلاميا وسياسيا واقتصاديا وقانونيا وأمنيا وعلميا ومعاملة وسيرة. وإذا تمكن الإنسان من معرفة أسباب معضلته، فهذا سبيل نحو تحرره. فالداء لا يعالج إلا بعد إيجاد علله الصانعة له. ومادام أن الداء الكبير للبشرية، الذي يكشف سوأة العالم الكبرى، هو التملك، الذي يظهر بوجهين، هما اتباع الشهوة وسفك الدم، فإن العلاج سيكون برد الأغطية إلى مكانها، وعدم المساس بها أو انتهاكها. ويتم ذلك، كما يقول طه عبد الرحمن، من طريق التعاطي للأسباب الائتمانية التي تخلصنا من معضلتنا القديمة.
إن الفلسفة الائتمانية، التي يقترحها علينا طه عبد الرحمن، الداعية إلى تجديد العهد مع الشاهد أي الله، والمطالبة بعدم ترك الإنسان يشرع ويحكم بمفرده، إلى درجة الغرق بالبشرية إلى ما لا يحمد عقباه، هو المشروع الذي يناضل من أجل إبرازه، وهو الآن قيد الإنجاز. فطه عبد الرحمن، يعدنا في خاتمة كتابه «شرود ما بعد الدهرانية»، بإصدار قريب سيكون جوابا على سؤال يقول عنه إنه أرقه طوال حياته، وكان أكبر همه وهو: كيف نواري سوأة العالم الكبرى؟
على الرغم من المجهود الهائل الذي يبذله المفكر طه عبد الرحمن، لجعل التفكير الإسلامي متميزًا ومتفردًا، وبه عناصر إجابة لمعضلات زماننا، وعلى الرغم من مغامرته الكبرى، التي تحسب له، في خوض نقاش محتدم وقوي مع رموز كبرى من التفكير الغربي، فإنني ألاحظ عنده دائمًا تغييبًا للسياق الذي أنجب لنا الحضارة الغربية، إذ تبدو للقارئ وكأنها اختيار، ونحن نعلم جيدًا أن في الفكر يغيب الاختيار، فهناك سياقات هي التي تفرض أنماط نماذج التفكير.
تبقى قيمة طه عبد الرحمن الكبرى، في أنه يحاول أن يقدم نظرية تحل مآزق، ولا يهم أن تكون صوابًا أو خطأ، فالمهم أن تحرك التفكير الإسلامي وتجعله يستيقظ بعد طول سبات. فوجود نظرية ولو خاطئة، خير من غيابها.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».