سيناء.. الحرب الخفية

نشاط إيراني.. وقلق مصري وبرود أميركي

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
TT

سيناء.. الحرب الخفية

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).

يجلس الجندي محمود على نصف برميل مقلوب وفارغ. حرارة الشمس تصب لهيبها على رأسه. سيكون عليه، بعد أن ينتهي من تنظيف سلاحه الكلاشنيكوف وحشوه بالرصاص، ارتداء قناع القماش الأسود لكي يغطي وجهه. يتحول الحر والعرق تحت القناع إلى عذاب. مع ذلك عليه أن يكون متيقظًا. لا أحد يعرف من أين يمكن أن يبدأ الهجوم على الكمين. في الجوار توجد صفوف من أكياس الرمال المرصوصة فوق بعضها. ومظلة من الكتّان تحتها بقايا طعام وزجاجات مياه ضربتها الشمس بسخونتها.
من هنا يمكن أن ترى الأفق الشاسع لصحراء شبه جزيرة سيناء التي يحارب فيها الجيش المصري جماعات من المتطرفين منذ أكثر من ثلاثة أعوام، دون أن يكون هناك وقت محدد للإعلان عن انتهاء العمليات. أخيرًا وصلت لأيدي المتطرفين أسلحة تبدو إيرانية الصنع. فتّاكة، ولديها قدرة على القنص من مسافة 1500 متر.
فيما عدا مساعدات من بعض دول عربية صديقة، يقع عبء الحرب على الإرهاب في سيناء على عاتق المصريين وحدهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة. يظهر أن هناك تراجعا في اهتمام الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في مد يد العون للقاهرة، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد. هذا رغم أن باراك بارفي، الباحث في «مؤسسة أميركا الجديدة» الأميركية، يقول لـ«الشرق الأوسط» من واشنطن، إن الولايات المتحدة قد تقدم للمصريين «معلومات استخباراتية»، إلا أنه يضيف أن الرئيس باراك أوباما «ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء وهو يقترب من نهاية ولايته».
يوجد مركز لقوات حفظ السلام الدولية في سيناء. هي هنا، في المنطقة «ج» المنزوعة السلاح، منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. لكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب. فقد اضطر الجيش المصري للدخول بآلياته الثقيلة إلى قطاع «ج» بعد أن امتلأ القطاع بإرهابيين محليين وأجانب منذ ثورات الربيع العربي. الشيء الوحيد الباقي على حاله في سيناء حالة الفقر، أُضيف إليها ارتباك وخوف من الأيام المقبلة.
جوانب الشارع التجاري أصبحت مغطاة بالتراب. هنا منطقة غرناطة التي كانت يومًا تعجّ بالمتسوقين من زوار مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء. كانت يفد إليها مصريون وعرب وأجانب للسياحة. تحولت اليوم لمنطقة خطرة وملتهبة. يوجد في منطقة غرناطة استراحة الرئاسة، ومنها يمكن العبور إلى رفح، آخر نقطة على حدود سيناء مع قطاع غزة. الشارع مغلق من الجانب الآخر بأكوام التراب وكتل الخرسانة. وبعد هذه الحواجز يقع مبنى المحافظة والكتيبة 101 التي تعرضت لهجوم دام بمفخخات المتطرفين قبل أشهر.
في شارع البحر. بالتحديد في منطقة الخلفاء الراشدين وسط العريش، سقط أيضًا العديد من القتلى من الجنود النظاميين ومن المواطنين العاديين. ويقول تاجر أقمشة، يدعى جمال، إنه سدّ نوافذ دكانه بالإسمنت حتى يتقي الرصاص الطائش أثناء المطاردات التي تقع بين حين وآخر بين السلطات والمتشددين. وفعل ذلك أيضًا في بيته الذي يقع في الجوار؛ غطّى شرفته المطلة على الشارع بستارة من الخرسانة المسلحة.
تراجعت حركة البيع والشراء ليس للأسباب الأمنية فقط، ولكن تروس الاقتصاد في شبه جزيرة سيناء أصبحت أبطأ من أي وقت مضى، بما في ذلك أثناء حقبة احتلالها من إسرائيل عام 1967. ويقول جار التاجر جمال، حين زاره بصحبة زوجته وأطفاله الخمسة بينهم طفلة اسمها صفاء، إنه لم يعد قادرًا على الوصول إلى مزرعته في جنوب المدينة بسبب «عدم الأمان.. من الممكن أن أفقد حياتي برصاصة». ثم لف ذراعه حول كتفي ابنته التي تدرس في الصف الخامس الابتدائي. يفكر في ترك هذه الساحة والانتقال للعيش في بلد آخر، لكنه لا يملك مدخرات. ثم ابتسم ساخرًا: «لا أستطيع أن أنقل مزرعتي معي».
قضبان حديدية تغلق ميناء العريش البحري. تعول السلطات على هذا الميناء في عملية التنمية والاستثمار بعد أن تنتهي من الحرب على الإرهاب. في السابق كان متنفسًا تجاريًا مهمًا للمدينة. وفي الجانب الآخر تقف سيارات الأجرة السيناوية المشهورة بنقل الركاب بين القاهرة والعريش، لتدلل على ما أصاب المحافظة من ركود وفقدان للصلة مع باقي محافظات الجمهورية. وهناك.. حيث الساحة المعروفة بـ«محطة القطار القديم»، يعبر المارة في توجس. تشهد مناطق عدة في شمال شرقي سيناء عمليات قنص وتفجير كل أسبوع تقريبًا. وفي شارع البحر، كما يقول جمال وجاره وهم جلوس في غرفة الضيافة.
يقول صاحب البيت في أسى: «كان آخر انفجار الأسبوع الماضي.. شعرت بأن الأرض اهتزت. واشتعلت النيران. كان هناك قتلى لا أعرف عددهم.. ثلاثة أو أربعة». يؤدي شارع البحر الذي أصبح شبه مهجور إلى مدينتي الشيخ زويد ورفح. يقول مسؤول محلي إن السلطات تدرس تركيب كاميرات مراقبة فيه منذ أشهر، لكن لم يتم حسم الأمر حتى الآن. ويسود اعتقاد بين أهل العريش أنه يوجد تنافس بين بعض المتنفذين من أجل الحصول على صفقة الكاميرات، لكن هذه الصفقة لم تتم حتى اليوم. وتعتمد مراقبة الشارع على الطرق البدائية.
أما الضباط الأجانب الكبار الذين كانوا يأتون من دول غربية كل عدة أشهر، لزيارة قوات حفظ السلام على الحدود، ولمساعدة السلطات المحلية في بسط الأمن هنا، فقد اختفوا تقريبًا منذ ثورة 2011. تتكون قوات حفظ السلام من مئات الجنود، نصفهم تقريبًا أميركيون. تناول أوباما قضية «داعش» في العراق وسوريا وليبيا، بيد أنه نادرًا ما يشير إلى سيناء. يقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق للقوات المسلحة المصرية: «لا نريد من أوباما شيئًا. نحن كفيلون بأعدائنا».
إلا أنه توجد مخاوف من أن تطول مدة الحرب في سيناء. لا يبدو أنها بتلك السهولة التي يتخيلها البعض. تفاصيل صغيرة على الأرض لا تتعلق بالإرهاب فقط، بل بالتربح، وهي مخيفة أيضًا. ولد الجندي محمود في بلدة تقع بالقرب من مدينة الزقازيق داخل الدلتا التي تراها على الخريطة ملونة بلون الزراعات الأخضر. حصل على شهادة إنهاء الدراسة الثانوية، لكنه لم يكمل تعليمه الجامعي بسبب العوز. يعمل والده مزارعًا بالأجر، ويجني في اليوم الواحد من خمسين إلى مائة جنيه، أو ما يساوي في المتوسط نحو سبعة دولارات. مبلغ يكفي بالكاد لسد احتياجات أسرته المكونة من سبعة أفراد، خصوصًا بعد الارتفاع الكبير في أسعار السلع جراء نقص العملات الأجنبية.
يقول محمود الذي يتذكر أجواء الحقل، وهو يلقّم الطلقات في خزنة سلاحه في هذه الصحراء: «الحمد لله. أبي ما زال قادرًا على العمل حتى أنهي خدمتي العسكرية.. ساعدت والدي، إلى أن جاء أمر التجنيد الإجباري. الآن أنا هنا، للدفاع عن سيناء». وقُتل اثنان من زملاء محمود أثناء ما يسمونه «طلعة». قُتِلا لأنهما كانا في السيارة الأمامية، أما هو فكان في السيارة الثانية.
كانت «الطلعة» تتكون من ثلاث سيارات، تحركت بعد معلومات عن اقتراب مجموعة مسلحة تضم خمسة يُشتبه في أنهم من المتطرفين. عبرت إلى الطريق الدائري جنوب العريش. كانت السيارة التي يستقلها محمود مزودة بجهاز حديث له هوائي طويل، يهتز مع حركة السيارة فوق طريق تملأه الحفر.. جهاز له القدرة على التشويش على اتصالات الهواتف الجوالة. هذا يعني أن «المتطرفين» إذا ما كانوا قد زرعوا قنبلة على جانب الطريق، فإنهم لن يتمكنوا من تفجيرها عن بعد بواسطة الهاتف الجوال، كما اعتادوا في الشهور الماضية. لكن، للأسف، التفجير وقع. طارت دعامات الصفيح والحديد التي كانت مثبتة على جوانب السيارة لحمايتها. طارت معها أشلاء الجثث. جنديان وضابط. يقول محمود: «حين تفحصنا الكيفية التي تم بها تفجير القنبلة عن بعد اكتشفنا أن المتطرفين استبدلوا بعملية ربط القنبلة بالهاتف الجوال، طريقة أخرى بدائية، وهي ربط القنبلة بسلك طويل.. سلك يمتد لنحو ثلاثمائة متر، وينتهي في حفرة كان يختبئ فيها أحد المتطرفين، وحين مرت (الطلعة) بمكان القنبلة المزروعة على جانب الطريق، فَجّرها، وركب دراجته النارية واختفى في السراب».
على الجانب الآخر، يستلهم متطرفو سيناء، الذين أعلنوا الولاء لتنظيم داعش، الطريقة التي يعمل بها تجار مخدرات ومهربون ممن ينشطون عادة في المناطق الحدودية. من هذه الطرق «مراقبة من يراقبك» و«بيع معلومات زائفة لمن يجمع عنك المعلومات». مصر دولة مركزية. نادرًا ما تجد مسؤولاً رسميًا لديه القدرة على التعامل مع سكان المناطق الحدودية ومشكلاتهم. تبذل الأجهزة المعنية جهودًا جبارة لفك طلاسم التركيبة القبلية وامتداداتها إلى داخل الحدود الأخرى، وما يمكن أن تجده من سلبيات ومن إيجابيات في هذا العالم المثير للشكوك لبعض المسؤولين القابعين في المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة.
تنعكس الطبيعة الجغرافية لكل منطقة حدودية على التركيبة الاجتماعية. في سيناء يعيش أكثر من 8 في المائة من السكان على الشريط الساحلي الممتد على البحر المتوسط. وفي الضفة الجنوبية، يبدو الأمر مختلفًا.. بعض المزارع التي يعتمد عليها السكان، ثم صحراء وأودية صخرية مثل وادي العريش، إضافة إلى جبال وعرة يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ثمانمائة متر، مثل جبل المغارة، وجبل الحلال الذي دارت فيه معارك طاحنة مع المتطرفين لعدة أشهر. يبدو اليوم أن التكتيكات تغيرت مع طول فترة الحرب.
يقول أحد الضباط ممن يشرفون على إدارة الحرب جنوب مدينتي العريش والشيخ زويد، إن المتطرفين يتخلَّون عن فكرة التجمع في أماكن يمكن قصفها بالطيران أو إبادتها بالكامل بالصواريخ والمدفعية. اختاروا بدلاً من ذلك الاتجاه شمالاً، والاختباء وسط تجمعات قبلية وعائلية يعاني أبناؤها من البطالة والتهميش. وحيث توجد الأموال الوفيرة التي تصل لهؤلاء المتطرفين من الخارج، فإن باقي المهمة يصبح سهلاً، بما في ذلك شراء الولاءات وبث معلومات مغلوطة عن التحركات، وكذا الحصول على كمية جديدة من الأسلحة الحديثة، كان آخرها نوعًا يُصنع في إيران.
كيف وصلت مواسير بنادق القنص الطويلة إلى هنا؟ لقد أقر تنظيم داعش في سيناء بوجود مثل هذه الأسلحة في آخر شريط فيديو بثه على الإنترنت، قبل أسبوع، ويحمل عنوان «لهيب الصحراء». هذا نوع أسلحة معروف باسم «إيه إم 50 سيياد»، ومخصص للقتل عن بعد، وتدمير المعدات على مسافة 1500 متر. يقول خبير عسكري مصري في الأسلحة، إن الطراز الإيراني المشار إليه، ظهر على نطاق واسع بين يدي مقاتلي الحشد الشعبي (موالون لإيران) في العراق، وظهر أيضًا لدى الحوثيين الممولين من طهران.
يشير إلى أن النسخة الأصلية لهذا السلاح الذي يبلغ وزنه نحو 12 كيلوغرامًا، ظهرت لأول مرة في النمسا قبل سنوات، وقام الإيرانيون بتقليدها بعد ذلك في مصانع الجيش، ونشرها في صفوف القوات المسلحة الإيرانية، خصوصًا البرية، إضافة إلى ميليشيات الحرس الثوري، وأنتجوا منها أكثر من طراز.. العادي، والمزود بمنظار مقرب، وأيضًا نوعًا مزودًا بجهاز للرؤية الليلية. يبلغ طوله مترًا ونصف المتر. وعيار طلقته 12.7 ملليمتر. تقع مصر، التي يبلغ إجمالي مساحتها نحو مليون كيلومتر مربع، بين ثلاث مناطق تبدو متوترة وتعاني من مشكلات. ليبيا من الغرب، والسودان من الجنوب، ثم غزة وإسرائيل من الشمال الشرقي. باقي الحدود هي البحر الأحمر والبحر المتوسط. يجيب العميد عادل العمدة، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر، بشأن وصول سلاح إيراني لمتطرفي سيناء، قائلا إنه، بكل بساطة «سلاح وجد طريقه إلى ليبيا، من خلال جماعات متطرفة في السودان، ومن ليبيا يتم تهريبه إلى سيناء، سواء عن طريق البر أو عن طريق السواحل. هذه هي السلسلة».
أحد المسؤولين المحليين في جنوب البلاد يقول بشأن ما كان يُشاع عن خط سير للسلاح، من مهربين في منطقة بور سودان على البحر الأحمر، إلى سيناء وغزة، عبر دروب الجبال الوعرة، إن هذا الخط كان يستخدمه مهربو المخدرات، ثم حاول مهربو الأسلحة والهجرة غير الشرعية، استغلاله، لكن دولاً معنية في المنطقة، خصوصًا مصر وإسرائيل، وضعته تحت المراقبة.. «حدث هذا قبل 2011، لكن بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت الثورة في مصر وليبيا، وجد المهربون طريقًا آخر لنقل السلاح إلى سيناء عن طريق الدخول إلى الأراضي الليبية، ومن ثم التسلل بها إلى مصر». العميد العمدة يوضح قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «نعم.. السلاح لا يأتي من بور سودان إلى سيناء كما كان يعتقد، ولكنه يأتي من ناحية الغرب، بعد نقله من سواحل السودان إلى ليبيا. هناك إرهابيون في السودان وليبيا يتعاونون في هذا المجال».
تزخر سيناء بمختلف أنواع الأسلحة مع متشددين محللين وأجانب. مدافع من عيار 14.5 ملليمتر، وعيار 23 ملليمترًا.. هناك صواريخ «غراد» وقذائف «آر بي جي» التي جرى نهبها من مخازن القذافي، بالإضافة إلى حقائب ناسفة كان قد دخل منها إلى ليبيا نحو 7 آلاف حقيبة بداية من عام 2012 استخدمها إرهابيو ليبيا لتفخيخ سيارات ضباط الجيش وجنوده خلال سنوات ما بعد القذافي. وأخيرًا سلاح «إيه إم 50 سيياد».
وعن مصلحة إيران في تغذية بؤرة التوتر في سيناء، يوضح مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا: «لكي نجيب عن هذا السؤال لا بد من أن نعود مرة أخرى لنقول: من هي إيران؟ نحن نسميها هنا الدجاجة التي تبيض ذهبًا للولايات المتحدة الأميركية. بمعني أنها تقوم بكل ما من شأنه أن يجعل المنطقة العربية دائما تعاني من الصراعات المتأججة». معروف أن العلاقات الرسمية مقطوعة بين مصر وإيران منذ عام 1979، بسبب خلافات تتعلق بالتوجهات الإقليمية بالمنطقة. يبدو من طريقة حديث العميد العمدة أن هذه الخلافات ما زالت متجذرة. يقول إن إيران (التي وصفت إسقاط مبارك بأنه ثورة إسلامية) غير مرتاحة، كما يظهر في الفترة الأخيرة، للتطورات الحالية في القاهرة.. «هي ترى أن مصر تحاول النهوض، وتقوم بإنجازات ومشروعات كبرى، وتبذل مساعي جادة لبسط الاستقرار والأمن واستئصال الإرهابيين، وتمكنت من استعادة مواقعها على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذا يحدث بعد السنة التي تولى فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي السلطة ومحاولته فتح أبواب القاهرة للحرس الثوري الإيراني، واستقباله للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد».
وينفي مصدر مسؤول في بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» علمه بموضوع دخول أسلحة إيرانية الصنع إلى سيناء، دون مزيد من تفاصيل.
وأيا ما كان الأمر، فإن الإرهاب في سيناء موجود منذ حقبة مبارك. جرى تنفيذ عمليات انتحارية في منتجعات سياحية ومواقع حكومية في 2005 و2006 لكن الأمر كان تحت السيطرة حتى 2011. بعدها زاد نشاط المتطرفين بشكل واضح واشتعل أكثر عقب الثورة التي قام بها المصريون ضد نظام حكم «الإخوان» في 2013. هذه الثورة أغضبت عدة أطراف دولية، على رأسها إدارة أوباما. كان يسود اعتقاد بأن مواقف دول كبرى مما جرى في القاهرة يمكن أن تجهض نظام الحكم الجديد، إلا أن دولاً عربية بذلت جهودًا دبلوماسية ومادية لمساعدة الشعب المصري على حماية خياراته الجديدة.
تمكّنت مصر خلال عامين من حكم السيسي من العودة سريعًا رغم استمرار المشكلات الاقتصادية والأمنية. فقد شغلت أخيرًا عضوية مجلس الأمن، واستضافت العديد من المؤتمرات الإقليمية، وتسعى مع السعودية لتحقيق تعاون عربي وإسلامي وتشكيل قوة معتبرة في مواجهة الإرهاب. يقول العمدة: «لهذا تعمل إيران على تصدير السلاح للإرهابيين في سيناء والمنطقة العربية».
المساحة الجغرافية التي ينشط فيها المتطرفون في سيناء، محدودة للغاية، مقارنة بمساحة مصر أو حتى مساحة سيناء نفسها البالغة 61 ألف كيلومتر مربع، وفقا لما قاله لـ«الشرق الأوسط» اللواء سالم. يضيف أن منطقة نشاط الإرهابيين لا تزيد عن 1 على 61 من مساحة شبه جزيرة سيناء. تضم شبه الجزيرة محافظتي شمال سيناء وجنوب سيناء.. وهذه الأخيرة تقع فيها منتجعات سياحية أصبحت مهجورة، مثل قطاع السياحة عموما، الذي فقد مليارات الدولارات، بسبب قضية الإرهاب.
بعد جهود مضنية من السلطات وفقدان أرواح مئات الجنود، لم يعد لدى متطرفي سيناء ذلك الانتشار والتمركز، وفي المقابل زاد الزخم لدى المسؤولين عن خطط التنمية هنا. يصور اللواء سالم بؤرة التوتر في سيناء كالتالي: «لو عندي عمارة فيها 61 شقة، منها 60 شقة هادئة، وواحدة لا، إذن فهذه ليست قضية. أريد أن أقول إن عمليات التعمير في سيناء تعمل في كل مكان فيها، بما في ذلك المنطقة التي يوجد فيها الإرهابيون».
رغم ذلك فإن البعض يرى أن الأخبار التي تظهر بين يوم وآخر عن سقوط قتلى من قوات الجيش والشرطة ومن رجال القضاء ومن شيوخ القبائل وغيرهم، ما زالت تتسبب في تعطيل التنمية في سيناء وضرب سمعة البلاد في السياحة والاستثمار. ما زالت الآثار الكارثية على المنتجعات السياحية مستمرة منذ إعلان «داعش سيناء» عن مسؤوليته عن تفجير طائرة السياح الروس فوق سيناء، أثناء عودتها من منتجع شرم الشيخ إلى روسيا العام الماضي.
لا يفرق العميد العمدة بين نشاط الإرهاب في سيناء ونشاط المتمردين في اليمن أو دول مثل العراق وسوريا. قد يقول قائل إن طهران تدعم الحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق ونظام بشار الأسد في سوريا و«حزب الله» اللبناني، انطلاقًا من مزاعمها عن الوقوف وراء الشيعة في كل مكان في العالم.. فما علاقتها بالجماعات السنية المتشددة، مثل تلك الموجودة في سيناء، وعلى رأسها تنظيم داعش الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة؟!
يجيب العمدة مذكِّرا بالعلاقات القوية بين نظام طهران والجماعات السنية المتطرفة، ليس هذه الأيام فقط، ولكن منذ قيام المتشددين المصريين بقتل الرئيس الأسبق أنور السادات. يقول: «إيران لها علاقات قديمة مع المتطرفين. استضافت زعماء تنظيم القاعدة الذين فروا من أفغانستان أثناء الحرب في 2001. كما أنها، قبل ذلك، استقبلت قتلة السادات عام 1981، وأشهرهم خالد الإسلامبولي.. وسمت شارعًا في طهران باسمه». اليوم عادت الأسئلة مجددًا عن الدور الإيراني، بعد إعلان «داعش سيناء» عن أسلحته من طراز «إيه إم 50 سيياد».
يقول اللواء سالم مستجمعًا سنوات خبرته في عمله رئيسًا لجهاز الاستطلاع بالجيش: «الحرب على الإرهاب في سيناء مختلفة. كثير من المتطرفين بدأوا يجنحون للاختباء وسط بيوت الناس، والجيش يعمل بحرفية لتجنب الخسائر في صفوف الأبرياء. ما نقوم به يشبه إخراج الشعرة من العجين، وهذا يتطلب وقتًا»، مشيرًا إلى أنه حتى لو وصل سلاح «إيه إم 50 سيياد» إلى سيناء فهو لا يزيد عن قطع محدودة. ثم إن الأمر برمته ربما لا يزيد عن صور ظهرت في الفيديو كدعاية من الإرهابيين لأنفسهم، ليس أكثر».
وعن تقييمه للحرب في سيناء، يقول إن الوضع اختلف عما كان عليه من قبل.. ويوضح: «بتضادها تتمايز الأشياء.. انظر كيف كان الوضع منذ سنة أو سنتين، وكيف كانت قدرات التنظيم. كان يهاجم بمقاتلين معهم أسلحة، أما اليوم فأقصى حلمه أن يقوم بعملية تفجير أو قنص عن بُعد.. ليس لديه العدد الذي كان من قبل، وفي المقابل ضربات السلطات ضدهم مستمرة، ولا تتوقف، وبالتالي فإن التنظيم تعرض لخسائر كبيرة.. ومن كان يفكر في الانضمام إليه، بدأ في الهروب منه». بغض النظر عن التشديد الأمني فإن الانتماء للدولة المصرية وإبداء الوطنية قضية أساسية لدى أهل سيناء. لا يحمل الدكتور حسام رفاعي، نائب سيناء في البرلمان المصري، توجهًا سياسيًا محددًا، مثل غالبية القيادات الشعبية هنا. يكتفي أحدهم بالقول إن «اتجاهي السياسي هو مصر». يبدو رفاعي من خلال نشاطه البرلماني، ومن حديثه لـ«الشرق الأوسط» أيضًا، مائلاً إلى «الاتجاه الليبرالي نوعًا ما.. ومع ذلك أنا مصري، قبل أي اتجاه سياسي». وعلى كل حال تبدو الحياة الحزبية المصرية بعد تجربة حكم «الإخوان»، والثورة عليه، أضعف من أي وقت مضى. وهذا أثر بطريقة أو بأخرى على الوضع في سيناء.
بعد سقوط مبارك ظهرت عشرات الأحزاب، فوق الأحزاب التقليدية، من اليسار ومن اليمين وما بينهما، إضافة إلى أحزاب ذات توجه ديني مثل حزب جماعة الإخوان الذي يتهمه خصومه بأنه كان السبب في عودة مئات المتطرفين من الخارج، والإفراج عن عشرات المتشددين من المحكوم عليهم في السجون من عهد مبارك، بينهم زعماء خطرون لجماعات إرهابية في سيناء.
حين ضاق المصريون بحكم مرسي المنتمي لـ«الإخوان»، دخلت الأحزاب التي تعارضه، وتمثل غالبية الأحزاب المدنية، تحت مظلة جبهة عرفت باسم «جبهة الإنقاذ» بقيادة الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن حركة الجبهة كانت أبطأ من حركة الشارع، كما أنها لم تكن تدعو لإسقاط مرسي، على عكس رغبة ملايين المصريين ممن لم يجدوا ملجأ لهم، وهم يتظاهرون في الشوارع والميادين، إلا في الجيش متمثلاً في وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، حيث جرى تفويضه بعد ذلك لاتخاذ ما يراه في سبيل محاربة الإرهاب في سيناء وفي عموم البلاد.
في خضم ثورة 2013، والعامين التاليين لها، كان الجميع، من القواعد الشعبية حتى الحكومة، يضعون قضيتي «الأمن» و«الاقتصاد» على رأس الأوليات. بعد كل هذا الوقت يبدو أن تحقيق التقدم في أي ملف يحتاج إلى استشارة الآخرين فيما ينبغي عمله. يوجد برلمان، لكن، كما يقول الدكتور رفاعي، لم يستجب لأي طلب من الطلبات التي تقدم بها لحل المشكلة في سيناء، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا. كما أن عدم إجراء انتخابات للمجالس المحلية جعل الإدارة المحلية تعمل بنصف عين، في ظروف صعبة.
على هذا الواقع اتخذت السلطات التنفيذية قرارات يبدو أنها أصابت قطاعًا من السكان بأضرار. عمليات انتقام وانتقام مضاد. مزارعون وعمال فقدوا أعمالهم.. عائلات لا تستطيع تبادل الزيارات إلا بشق الأنفس. شبان ممن فقدوا بيوتهم أو سقط بعض أقاربهم ضحايا في الحرب على الإرهاب، أو تعرضوا للقمع بسبب انتماءاتهم القبلية والعشائرية العابرة للحدود، لجأوا إلى جماعات إرهابية، رغبة في الانتقام لذويهم.
كما تؤدي تصرفات فردية ممقوتة، مثل الابتزاز والعسف والتربح، يقوم بها ضباط صغار أو معاونوهم من المدنيين في سيناء، إلى انضمام بعض المضطهدين إلى جناح المتطرفين. بالنسبة لمن لديهم مقدرة مالية كبيرة فقد فضلوا الرحيل عن هنا والسكن في المدن الواقعة على قناة السويس أو في القاهرة نفسها.
يوضح الدكتور رفاعي قائلا إنه رغم الجهود التي تبذلها الدولة، هناك تجاوزات يقوم بها بعض المسؤولين الصغار، ومن الصعب أن تجد من يفهم طبيعة سكان الحدود الذين لديهم امتدادات عائلية وقبلية على الجانب الآخر من الحدود.
ويتابع: «هناك من يفهم الموضوع خطأ، معتقدين أن أبناء المناطق الحدودية لهم حاجة بعيدة عن مصر. نحن نقول لهم لا.. ولا تنس أن الناس في سيناء وقفوا مع مصر وقت الاحتلال الإسرائيلي».
المجلس المحلي لسيناء، وهو يشبه البرلمان المصغر الذي يراقب السلطة التنفيذية في المحافظة، كان يتكون، قبل انتهاء عمله بعد ثورة 2011، كما يقول الدكتور رفاعي، من 140 عضوًا. كان من بينهم سياسيون محترفون وشيوخ قبائل وشخصيات لديها رؤية مغايرة ولديها أساليب مختلفة لمعالجة الاحتقان وبؤر التوتر. يضيف: «بالتأكيد، كانوا يساعدون نائب البرلمان عن المحافظة، ويساعدون المحافظة في اتخاذ القرار المناسب».
أحمد الزملوط، رئيس مجلس أمناء مؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، يعد من شباب مدينة العريش ممن كانوا يطمحون في تحسين أحوال الناس من خلال العمل السياسي. هو قيادي في حزب التجمع ذي التوجهات الاشتراكية. لكن بعد الثورة ضد مبارك والثورة ضد مرسي، شاهد على الطبيعة تعقيدات الوضع في سيناء. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد مجلس محلي.. الحرب على الإرهاب عطلت العمل السياسي، لدينا أفكار، ونرى أن الحل في التنمية». يقف على هذه الأرضية، مع الزملوط، كثيرون من وجهاء المجتمع في سيناء. لديهم خطط للقضاء على التطرف. يقوم بعضهم بالطرق على أبوب المسؤولين من أجل تقديم المساعدة. لكن من النادر أن تكون هناك استجابة ذات معنى، إلا إذا جاءت التعليمات من القيادات العليا في القاهرة. في بعض الأحيان يجهرون بآرائهم علانية في شوارع سيناء، متحدين الإرهاب.
في خضم هذا الصراع، بدأ المتطرفون يستهدفون هذا النوع من الطبقة الاجتماعية التي يُفترض أن لها القدرة على القيادة. جرت أعمال تصفية رهيبة. على ذلك، كما يشير الزملوط، بدأت شخصيات كثيرة في الانتقال للسكن خارج سيناء، من بينهم رجال أعمال وسياسيون وشعراء ومثقفون. عدد منهم اشتروا عقارات في العاصمة، مما يعطي انطباعًا بأن الرحيل سيطول لسنوات.
ومع ذلك، كما يفيد مصدر أمني في العريش، يبدو أن الخطر ليس في التعاون مع «داعش» من جانب بعض العناصر اليائسة فقط، بل يوجد خطر يتلخص في بيع معلومات قاتلة لجأ إليها، على هامش الحرب المستعرة، عدد من صغار العاملين في الأمن في سيناء بغرض التربح وجني الأموال. يضيف: «حتى لو كان عدد المتورطين صغيرًا، فردًا أو فردين، فإن آثاره كارثية، ليس فيما يتعلق بالتسبب في سقوط ضحايا من الجيش والشرطة ورجال الدولة فحسب، ولكن في تخريب ثقة المواطن في عناصر السلطة التنفيذية».
من جانبه، يشير مسؤول أمني آخر في سيناء إلى أن السلطات ألقت القبض على خمسة من عناصر الأمن في العريش، بعد أن اشتبهت في قيامهم بالتعاون مع «داعش» في سيناء.. «كانت هذه العناصر قد جاءت إلى سيناء في مأموريات أمنية من محافظات مصرية في الدلتا.. اشتبهت السلطات في أنهم يقومون بإبلاغ خلايا داعشية بتحركات قوات الأمن بمقابل مادي يحصلون عليه منهم.. هذا تسبب في حالة من الارتباك لبعض الوقت في سيناء».
يوضح قيادي محلي كان عضوًا في حزب مبارك، إن واقعة بيع المعلومات للمتطرفين خلّفت تأثيرًا سلبيًا.. «مثلاً الأجهزة الأمنية المختصة لم تعد تستجيب للاستغاثات التي ترد عبر الهاتف وتتعلق بنزاعات بين السكان أو غيرها من الجرائم العادية، خوفًا من أن يكون وراءها كمين لاستدراج الشرطة. الأمر أصبح يحتاج منهم لمزيد من التحريات قبل التحرك هنا وهناك، لكن المردود سيئ بطبيعة الحال». المشكلة اليوم (كما يقول الرئيس السابق لجهاز استطلاع الجيش المصري) تكمن في لجوء متطرفين في سيناء للاختباء في بيت من البيوت، أو وسط الناس، ولا أحد يستطيع أن يبلغ السلطات عنه، وإلا قاموا بتصفيته. هذا يعطيهم بعض الاستمرارية، ويؤجل مسألة أن نقوم بالقضاء عليهم مرة واحدة.. «لأنني لو ضغطت أكثر من ذلك، فيمكن أن يكون هناك تأثير على المدنيين الذين لا ذنب لهم. لا يمكن، لكي تضرب الإرهابي، أن تضرب البيت كله الذي يختبئ فيه وسط الأبرياء. أنا أنتظر إلى أن أخرجه من هذا الوسط، مثل الشعرة من العجين».
قامت السلطات بإخلاء مئات المنازل على الشريط الحدودي الملاصق لغزة، وهدم معظم الأنفاق التي كانت تربط سيناء بالقطاع، وهي أنفاق كان يتسلل منها المتطرفون والأسلحة والسلع المهربة. كانت تمثل تجارة بملايين الدولارات. يبدو أن توجس الناس يتزايد رغم الانتصارات على المتطرفين، التي أعلنت عنها السلطات في بيانات رسمية عديدة.
مع ذلك، يقول أحد رجال الأعمال في العريش، ممن يستعد للاستقرار في القاهرة، إن حالة الحرب خلقت طبقة مستفيدة من بين منخرطين بطريقة ما في العمل على مكافحة الإرهاب. بعضهم يتربح.. حتى من بين «البدو المقنعين»، حيث أساءت بعض تصرفاتهم إلى عمل القوات النظامية، مثل احتجاز أبناء عائلات ثرية دون جريرة وطلب أموال من ذويهم، تتراوح بين ألفي دولار وخمسة آلاف دولار، بحجة التوسط لإطلاق سراحهم، ويجري ذلك دون علم السلطات.
يعتقد أحد كبار شيوخ قبائل سيناء أن كل شيء تحت السيطرة الأمنية لكن «لا يوجد حسم.. يبدو أنه لا توجد رغبة في الحسم». وعن تفسيره، يقول إن هناك العديد من الأسباب، منها ما يتعلق بأطماع بعض الأفراد، خصوصًا من القيادات الوسطى ممن وجدوا في المحافظة ميراثًا يمكن الاستفادة منه في تحقيق ثروات مالية كبيرة في وقت قياسي. ويضيف أن البعض بدأ في استغلال الأنفاق مع غزة والتربح منها رغم التشديد الأمني. بذلت السلطات مجهودًا جبارًا لإغلاق نحو 95 في المائة من هذه الأنفاق، لكن هناك نحو 5 في المائة ما زالت تعمل، وهناك من يتربح منها، و«حتى الآن، يجري من خلالها تهريب دراجات نارية وسجائر وغيرها من السلع.. آخرها كمية كبيرة من طيور الزينة. نحو 270 طائرًا ملونًا كانت مطلوبة لأحد قيادات غزة. تم تجميع هذه الطيور في العريش بسعر الطائر الواحد 50 جنيها وبيعها لمندوب عبر النفق بسعر 300 جنيه للطائر الواحد بإجمالي 81 ألف جنيه (نحو 10 آلاف دولار)».
«كل مجتمع فيه الصالح والطالح.. هناك بعض رجال الأمن بالتأكيد شاركوا في مرحلة معينة واستفادوا». يقول الدكتور رفاعي، ويضيف: «يوجد السيئ في كل مجتمع، وهناك المستفيد من هذا الوضع.. هناك من يريد للوضع أن يستمر حتى تستمر الفائدة لهم. نحن لا ننكر أن هناك البعض من سيناء، وهناك البعض من رجال الأمن، وهناك بعض الفاسدين الآخرين الذين تربحوا، وأعتقد أنه من مصلحتهم عدم انتهاء كل هذه الأحداث، حتى لا تنتهي الفوائد التي يجنونها لأنفسهم».
وعقد الرئيس السيسي اجتماعات مع قيادات قبلية وبرلمانية من أبناء سيناء، لبحث واقع المحافظة واحتياجاتها، كما سبق للرئيس زيارة سيناء وأوفد عددًا من مستشاريه إليها، لكن الدكتور رفاعي، الذي قدم من خلال نيابته في البرلمان مقترحات لحلحلة الوضع في سيناء ولم تلقَ اهتمامًا يُذكر، يقول إن سبب مشكلة سيناء هم «الصغار لا الكبار».
ويضيف: «نحن (القيادات الشعبية في سيناء) حين نجلس مع المسؤولين الكبار، يكون تفهمهم واضحًا للقضية وللمشكلات، لكن للأسف الشديد، الذي يتعامل مع الناس على الأرض، هم الصغار وليس الكبار. هذا من الأسباب الرئيسية في استمرار وضع سيناء على ما هو عليه».
ويقول أيضًا: «منذ دخولنا البرلمان قبل سنة، تقدمنا باقتراح لتشكيل لجنة نوعية لتنمية سيناء، لكن للأسف الشديد لم يؤخذ بهذا الاقتراح. وطالبت بتشكيل لجنة لزيارة شمال سيناء وطرح المشكلات الموجودة على الأرض للبحث والحل، وتم تأجيل الزيارة.. حددنا جلسة استماع برلمانية حول سيناء، لكن تم تأجيلها، وطالبت بتعديل بعض الإجراءات الأمنية المتخذة التي تضيق على حياة المواطنين». وبعد قليل من الصمت يقول ممنيًا النفس: «كانت هناك وعود. وإن شاء الله سيتم إصلاح هذه الأمور.. الموضوع الأمني هو المسيطر على الوضع».
وتوجهت «الشرق الأوسط» إلى اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي والتعبئة القومية في البرلمان المصري، الذي يؤكد في البداية على أن «سيناء نطاق أمن قومي لمصر. ونطاق تأمين مهم، وبالطبع هي جزء رئيسي من مهمة اللجنة». وتحدث عن الأعباء الكثيرة التي تقوم بها لجنته في خضم عمل البرلمان لسن التشريعات (وفقًا للدستور الجديد). ويقول ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت لجنته التي تعد الأهم في هذا المجال قد قامت بأي زيارة أو عقدت أي جلسة استماع عن الوضع في سيناء: «لا.. لم نقم بعد بزيارات أو شيء من هذا القبيل، حتى الآن». لكنه يضيف موضحًا: «خططنا بالفعل لكي نقوم بزيارات لسيناء»، وسيكون ذلك «في الوقت المناسب». ويملك اللواء عامر خبرة في مشكلات سكان المناطق الحدودية، حيث كان في السابق محافظًا لمحافظة مطروح المجاورة لليبيا.
مما لا شك فيه أن القيادات التي تدير الحرب على الإرهاب في سيناء تحاول جاهدة الانتهاء من العملية بأقل أضرار ممكنة، ودون انتظار لتحرك الحليف الأميركي أو غيره. هذه الحملة دخل بها الجيش المصري إلى المنقطة «ج»، وذلك لأول مرة منذ عام 1967. إلا أن أحد مسؤولي الحملة يشير إلى عراقيل تسبَّب فيها «أصدقاء دوليون»، أي الولايات المتحدة، وهي دول كانت مهتمة باستقرار الوضع الأمني في سيناء أثناء عهد مبارك، وأثناء الزخم الخاص بحل القضية الفلسطينية وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة ككل. لكن الوضع تغير الآن، مشيرًا إلى أن مسألة وصول سلاح إيراني لسيناء، يعني أن طهران دخلت على الخط لاستغلال الوضع، «لكن لا أعتقد أنه سيكون لهذا تأثير على سير المعارك وحسم الحرب.. ومع ذلك ما زالت التحقيقات جارية حول هذا النوع من السلاح ومصدره الحقيقي».

يعتقد كثير من العسكريين المصريين أن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة يزيد أطماع دول في الهيمنة على الإقليم مثل إيران. من جانبه، يقول اللواء سالم عن «برود البيت الأبيض الأميركي» تجاه الحرب المصرية ضد «داعش» في سيناء إن الرئيس أوباما لا يريد أن يقدم دعمًا ولا تعاونًا، ومع ذلك «نحن كفيلون إن شاء الله بأعدائنا. بالنسبة لنا الخطوط واضحة؛ مَن يمول الإرهاب.. ومن يشجعه.. والدور الأميركي ليس خافيًا علينا».
ومن واشنطن يقول الباحث الأميركي، بارفي: «أتصور أن الولايات المتحدة تقدم لمصر معلومات استخباراتية، مثل الصور، وربما بيانات الأقمار الصناعية التي تأتي من اعتراض وكالة الأمن القومي، مثل المكالمات الهاتفية والإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية، خصوصًا تكنولوجيا المعلومات التي يحصلون عليها عند العمل على تنظيم داعش في العراق وسوريا.. لكنني لست متأكدًا إذا كان لدينا طائرات دون طيار تعمل هناك (في سيناء)».
ويعرب عن اعتقاده بأن أوباما ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء، ولكنه مهتم بالانتهاء من فترة ولايته.. «إنه لم يُظهر قدرًا كبيرًا من الاهتمام.. لا يريد التورط في المنطقة، ولم يكن سعيدًا جدًا مع ما حدث في مصر في 2013. أوباما لا يحبذ عقد أي صفقات أسلحة مع المصريين حاليًا.. هو ليس رئيسًا مثل بيل كلينتون الذي كان يجتمع مع قادة الدول ويحاول مساعدتهم».
أثناء الخروج من مدينة العريش بدت الحركة أقل من السابق. سيارات الأجرة ما زالت تبحث عن مسافرين وتربض مكانها في الميدان المهجور في يأس. وفي كمين الأمن رفع الجندي محمود قناعه، ولوح بيديه مودعًا، ثم أشار بعلامة النصر، وعلى وجهه ابتسامة عريضة ظلت تبتعد وتبتعد تحت شمس الصيف.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.