صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

وسط توترات مع إريتريا... وتمسك أديس أبابا بالوصول لمنفذ بحري

رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
TT

صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)

صفقة تسليح متطورة حصلت عليها إثيوبيا من روسيا، وذلك في أعقاب وقوف منطقة القرن الأفريقي على حافة حرب وشيكة بين أديس أبابا وأسمرة، تصاعدت بشكل لافت منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عقب قطع العلاقات الدبلوماسية، بخلاف تمسك إثيوبي بالوصول لمنفذ بحري رغم رفض مصر وخلافات بينهما في ملف مياه النيل.

وجاء حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ليزيد التكهنات في ظل هذه التوترات؛ إذ قال نهاية أكتوبر الماضي عقب تسلّم الصفقة التي تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، إنها تعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي»، في مسار يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يغير حسابات القوة بالمنطقة، ويزيد من سباق التسليح، دون استبعاد الصدام.

و«سو-35 إس» مقاتلة فائقة المناورة من الجيل «4++»، وصُنعت باستخدام بعض تقنيات الجيل الخامس. وتصل سرعة الطائرة إلى 2500 كيلومتر في الساعة على ارتفاع يصل إلى 20 كيلومتراً، وهي قادرة على حمل 8 أطنان من صواريخ «جو-جو» و«جو-أرض» والقنابل الحرة والموجهة، بحسب معلومات حديثة نشرتها شبكة «روسيا اليوم» أخيراً.

إثيوبيا تسلّمت الدفعة الأولى

وفي 28 أكتوبر قال آبي أحمد خلال زيارة لموسكو لحضور قمة روسية-أفريقية إن بلاده تسلّمت الدفعة الأولى، المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، ومن المقرر أن تتسلم أربع بطاريات من منظومات الدفاع الجوي «إس-400»، وفق ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية» الرسمية وقتها.

وأشار إلى أن «تسريع تسليم هذه المعدات الحيوية، قبل الموعد المحدد، يمثل إنجازاً مهماً في تطوير منظومة الدفاع الإثيوبي»، مؤكداً أن «تنامي الجاهزية لدى القوات الدفاعية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على ردع أي عدوان محتمل».

تلك الرؤية ليست بعيدة عن الجيش ذاته؛ ففي أغسطس (آب) الماضي قال نائب قائد القوات الجوية الإثيوبية مسرت غيتاتشو، إن «تنامي القدرات العملياتية والدفاعية للقوات الجوية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على الردع، ويدفع الجهات التي قد تسعى إلى التحرك ضد المصالح الوطنية إلى إعادة النظر في خطواتها»، بحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، المختص في إدارة الأزمات والتفاوض اللواء أمين إسماعيل مجذوب، أن «الجيش الإثيوبي يشهد تحولاً استراتيجياً نوعياً في خطط التطوير العسكرية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا للحصول على منظومات تسليح متقدمة».

ويوضح أن «إتمام هذه الصفقات يمثل نقلة عسكرية كبرى تخل بالتوازن الاستراتيجي الذي استمر بالمنطقة في آخر عقدين من الزمن، مما ينذر بسباق تسليح بالمنطقة واضطرابات، فضلاً عن تداعياتها المتعلقة بملف سد النهضة، ومساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر ولو بالقوة»، وفق رأيه.

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال تسلّم طائرات مقاتلة (صفحته على «إكس»)

تعزيز القدرات العسكرية

كما يشير الخبير العسكري المصري العميد سمير راغب إلى أن «هذه الصفقة يراها نظام آبي أحمد تعزز من قدراته العسكرية في القرن الأفريقي، مقارنة بمن حوله من دول هي أقل قوة وعتاداً»، بخلاف أنه يسعى أيضاً إلى «ترسيخ وجوده داخل إثيوبيا أولاً، وكذلك أطماعه في إريتريا وليس في ميناء ومنفذ بحري».

ويسعى النظام في أديس أبابا أيضاً، بحسب راغب، إلى «تحديث قدراته العسكرية لدعم (قوات الدعم السريع) في السودان واستهداف البنية التحتية والمعسكرات هناك، مما يشكّل تهديداً غير مباشر لحدود مصر الجنوبية، دون صراع مباشر معها».

ويرى مراقبون أن «تلك الصفقة تعزز من تفوق إثيوبيا عسكرياً في منطقة القرن الأفريقي، على جيرانها المباشرين؛ الصومال وإريتريا وجيبوتي، من حيث القوة البشرية والعتاد الجوي والبري. غير أنها دولة حبيسة تفتقر إلى سلاح بحري عقب انفصال إريتريا عنها في عام 1993»، وسط مطالب إثيوبية متكررة منذ وصول آبي أحمد للسلطة عام 2018 بالوصول إلى منفذ بحري رغم رفض مصري-إريتري صريح ومتكرر.

وفي أحدث تصنيف لموقع «غلوبال فيربور» تأتي إثيوبيا في المرتبة 47 على مستوى العالم في القدرات العسكرية، مقابل المرتبة 119 لإريتريا، من أصل 145 دولة، وقد جمعتهما حرب طاحنة بين عامَي 1998 و2000. ومنذ مطلع أكتوبر اتهمت إثيوبيا جارتها إريتريا بدعم متمردين في شمال البلاد، لكن إريتريا نفت هذا الاتهام واعتبرته «إعلان حرب».

آبي أحمد في موسكو خلال تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)

سيناريوهات المستقبل

وعن سيناريوهات المستقبل القريب في القرن الأفريقي في ضوء هذا التسليح الإثيوبي الجديد، يضع مجذوب 3 سيناريوهات: «أولها سيناريو الردع عبر تأمين الحدود ومنشآتها الاستراتيجية كسد النهضة، وثانيها لجوء أديس أبابا لاستخدام ترسانتها الجديدة لخوض نزاعات بحرية أو عسكرية للسيطرة على منفذ بحري، وثالثها توازن القوى الإقليمي مع سعي دول المنطقة أيضاً لامتلاك تقنيات عسكرية ومقاتلات حديثة مضادة لتحقيق حالة من الردع المتبادل».

وحذر من إمكانية أن «تشهد منطقة القرن الأفريقي في المدى القريب موجات اضطراب واسعة واحتكاكات قد تفضي إلى حرب إقليمية، لا سيما بين إثيوبيا وإريتريا»، بخلاف حرب مياه على المدى البعيد حال «لم تلتزم إثيوبيا بالاتفاقات الملزمة مع مصر والسودان».

وبينما يحذر راغب من تداعيات طموحات أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر بالقوة عبر إريتريا أو إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، يؤكد أن «إيجاد منفذ بحري لإثيوبيا سيفسح المجال لوجود قوى دولية وإقليمية مثل إسرائيل وروسيا في البحر الأحمر، مما يهدد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي بمنطقة القرن الأفريقي».

كما يعتقد أن «الموقف الروسي في صفقات السلاح يرتكز على المنطق التجاري المباشر القائم على العرض والطلب، دون مراعاة لحسابات التوازنات السياسية مع الدول الشريكة كمصر».

ولذا يستبعد الخبير في شؤون العلاقات الدولية والروسية ديمتري بريجع، أن «تؤثر تلك الصفقة على علاقات روسيا ومصر»، في ضوء ما يراه «حرص القيادة الروسية على بناء شراكات متوازنة تحفظ مصالحها المعقدة والمتشابكة في المنطقة العربية وأفريقيا».

ويؤكد أن «التعاون العسكري بين موسكو وأديس أبابا يأتي ضمن مسار طبيعي في ضوء تحولات تشهدها المنطقة، ورغبة روسيا في دعم دورها الأفريقي وترسيخ موطئ قدم استراتيجي لها في القارة رغم التعقيدات الحالية».

ويعتقد بريجع أن «صفقة التسليح الروسي ليست لتغيير وإعادة تشكيل موازين القوى، لكن ضمن تفاهمات واتفاقيات في ظل تعزيز روسيا دورها مع منافسة قوية من الغرب، بخلاف اعتبار تلك الخطوة فرصة لاختبار كفاءة الأسلحة وتحسين أدائها الميداني».


مقالات ذات صلة

روسيا تعلن إصابة «شركة صناعية» قرب موسكو... وكييف تفيد بضرب مصفاة كبرى

أوروبا اندلاع حريق في مصفاة نفط بمدينة كستوفو في مقاطعة نيجني نوفغورود بروسيا (وسائل اعلام محلية) p-circle

روسيا تعلن إصابة «شركة صناعية» قرب موسكو... وكييف تفيد بضرب مصفاة كبرى

أعلنت السلطات الروسية، الأحد، إصابة «شركة صناعية» في هجوم ليلي بالمسيّرات شرق موسكو، بعدما أكدت أوكرانيا ضرب مصفاة نفطية كبرى.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

السفارة الأميركية تحذر السلطات الروسية من «تهديد» بهجوم في موسكو

قالت السفارة الأميركية في موسكو، السبت، إنها أبلغت روسيا باحتمال التخطيط لهجوم في العاصمة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أن شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون إثر إصابة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً بمنطقة ‌كليموفو ‌السكنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

تحليل إخباري ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

فيتو روسي يسقط مشروع قرار أميركياً لتعديل مهام «المينورسو»، والمغرب يعلن انتهاء البعثة الأممية، ويطالب بسحب ملف الصحراء نهائياً من مجلس الأمن.

كوثر وكيل (لندن)
العالم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يصل للمشاركة في لقاء وزراء خارجية دول مجموعة العشرين في أتلانتا (أ.ف.ب)

لافروف أجرى محادثات «مُرضية» مع روبيو

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الجمعة، إنه أجرى محادثات «مرضية» مع نظيره الأميركي ماركو روبيو على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)

لماذا فجر سؤال مذيع مصري للرئيس الروسي كل هذا الجدل؟

الإعلامي المصري نشأت الديهي يتوسط صورة تذكارية على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو (صفحة برنامج «بالورقة والقلم» على فيسبوك)
الإعلامي المصري نشأت الديهي يتوسط صورة تذكارية على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو (صفحة برنامج «بالورقة والقلم» على فيسبوك)
TT

لماذا فجر سؤال مذيع مصري للرئيس الروسي كل هذا الجدل؟

الإعلامي المصري نشأت الديهي يتوسط صورة تذكارية على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو (صفحة برنامج «بالورقة والقلم» على فيسبوك)
الإعلامي المصري نشأت الديهي يتوسط صورة تذكارية على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو (صفحة برنامج «بالورقة والقلم» على فيسبوك)

فجّر سؤال وجّهه الإعلامي المصري نشأت الديهي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر صحافي في موسكو الخميس الماضي، جدلاً واسعاً وموجة من الانتقادات لا تزال مستمرة حتى اليوم. وجاء ذلك بعدما عرّب الديهي اسم القناة الفضائية التي يمثلها خلال المؤتمر، قائلاً «القناة العاشرة»، بدلاً من «Ten».

وكان الديهي ضمن الوفد الإعلامي المرافق للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، للمشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، التي عُقدت يومي 28 و29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتُعرف القناة الفضائية المصرية باسم «TeN»، وهو اختصار لعبارة «Tahrir Entertainment Network»، وفقاً لرئيس مجلس إدارة القناة السابق والسياسي المصري عماد جاد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن الديهي وقع في عدة أخطاء، سواء في اسم القناة أو في الطريقة التي استهل بها سؤاله، والتي تضمنت «مدحاً غير معتاد» في مثل هذه المؤتمرات الدولية. وأضاف أن خطأه في اسم القناة كان كبيراً، خصوصاً أنه رئيسها الحالي.

وتلقف متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ترجمة الاسم إلى «العاشرة»، وشنوا موجة من الهجوم على الديهي، منتقدين عدم إدراكه أن أسماء القنوات لا تُعرّب، بل تُنطق كما هي، وأن اسم القناة التي يعمل فيها اختصار لاسم شبكة إعلامية، على غرار أسماء قنوات وشبكات أخرى، ولا يشير إلى الرقم 10 باللغة الإنجليزية.

وفسّر جاد الانتقادات بوجود معارضين لخط الديهي الإعلامي، وجدوا في هذا الخطأ «فرصة لانتقاده». وأضاف: «الديهي زاد الأمر سوءاً بتعليقه على المنتقدين».

وتناول الديهي، في أول ظهور إعلامي له عقب عودته من موسكو، مساء السبت، ما حدث في الكرملين وسؤاله الذي أثار موجة من الجدل ضده، عادّاً أن ما جرى يأتي في إطار «محاولات للنيل منه». وتطرق الإعلامي الموالي للحكومة المصرية إلى تعليقات كل من علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، ورجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، واصفاً الأول بأنه «لا يجد عملاً ينشغل به فيخوض معارك سوشيالية»، والثاني بأنه «لم يقدم شيئاً للدولة المصرية»، على حد وصفه.

السيسي وبوتين خلال القمة الروسية الأفريقية الثالثة (الرئاسة المصرية)

وكان علاء مبارك قد علّق قائلاً إنه «لا توجد قناة تسمى العاشرة المصرية، ولا يوجد تردد لها عبر القمر الصناعي»، فيما قال ساويرس إن «الناس ستسعد إذا اختفى الديهي عن المشهد الإعلامي».

من جهته، يعزو أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق موجة الجدل الواسعة التي أثارها سؤال الديهي إلى كونه أحد وجوه «الإعلام الرئيسي» حالياً. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الوفد الإعلامي المشارك في جولة مهمة مثل هذه «يجب ألا يرتكب مثل هذا الخطأ في تعريب اسم القناة التي يعمل فيها».

وينفي الديهي ارتكاب أي خطأ، مستعرضاً ما قال إنه إعجاب واستحسان حظي بهما سؤاله، سواء من الرئيس الروسي أو من زملائه الصحافيين والإعلاميين المشاركين في المؤتمر من دول مختلفة. وقال: «كان الكثيرون يأتون لالتقاط الصور معي بسبب هذا السؤال».

وأضاف أن قوله «القناة العاشرة» كان مقصوداً وليس خطأ، مشيراً إلى أنه تقدم بطلب لتغيير اسم القناة إلى «العاشرة». وأيّد هذا الطرح الإعلامي أحمد موسى، الذي دخل على خط المواجهة دعماً لزميله، قائلاً إن الديهي أخبره قبل شهرين برغبته في تغيير اسم القناة إلى «العاشرة»، تقديراً واعتزازاً باللغة العربية.

لكن جاد استبعد ذلك، قائلاً إن «تغيير اسم القناة أمر ليس سهلاً، ولا بد أن يمر بالعديد من الخطوات، وأن يتم بالتنسيق مع المعلنين في القناة أو إبلاغهم». وأضاف أن خطوات مماثلة اتُّخذت سابقاً عندما تغير اسم القناة من «التحرير» إلى «تن»، بناءً على توصية من المعلنين.


مطالبات مصرية بتحجيم أعداد دارسي الطب مع تكرار أزمة رسوبهم

لجنة التعليم في مجلس النواب المصري تبحث قواعد قبول طلاب الطب في الجامعات الخاصة (وزارة الصحة المصرية)
لجنة التعليم في مجلس النواب المصري تبحث قواعد قبول طلاب الطب في الجامعات الخاصة (وزارة الصحة المصرية)
TT

مطالبات مصرية بتحجيم أعداد دارسي الطب مع تكرار أزمة رسوبهم

لجنة التعليم في مجلس النواب المصري تبحث قواعد قبول طلاب الطب في الجامعات الخاصة (وزارة الصحة المصرية)
لجنة التعليم في مجلس النواب المصري تبحث قواعد قبول طلاب الطب في الجامعات الخاصة (وزارة الصحة المصرية)

تصاعدت في مصر مطالبات بتحجيم أعداد دارسي الطب، في ظل توسع إنشاء كليات طب بالجامعات الأهلية والخاصة وقبولها الطلاب بتنسيق منخفض، مع تكرار أزمة رسوبهم خلال السنة الأولى من دراستهم الجامعية.

وتناقش لجنة التعليم في «مجلس النواب»، الاثنين، طلبات إحاطة بشأن تدني درجات القبول بالجامعات الخاصة والدولية، ما أثار جدلاً مجتمعياً واسعاً، خاصة بعدما حذّرت نقابة الأطباء من مخاطر قبول طلاب «ضعيفي المستوى».

وتبحث اللجنة التفاوت في مجموع قبول الطلاب بين الجامعات الحكومية والخاصة، خاصة كليات الطب. وبحسب تقارير صحافية محلية، تناقش اللجنة ضوابط قبول الطلاب المصريين والوافدين. وأعلنت عضو مجلس النواب الدكتورة إيرين سعيد، أنه تم إدراج طلب الإحاطة الذي تقدمت به ضمن مناقشات اللجنة، وكتبت عبر صفحتها على «فيسبوك»، أن المناقشات ستتناول «آليات التنسيق في الجامعات الحكومية والخاصة، ونسب الطلاب الوافدين مقارنة بحقوق الطلاب المصريين، إلى جانب غياب حد أدنى موحد للقبول بين الكليات الحكومية والخاصة».

الجامعات الخاصة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجتمع مع رئيس الحكومة ووزيري التعليم والتعليم العالي (الرئاسة المصرية)

ويثير قبول طالب بمجموع صغير بكليات الطب في الجامعات الخاصة انتقادات واسعة، وتحذيرات من مخاطر وجود خريجين غير مؤهلين على القطاع الصحي، ما دفع الجمعية العمومية للنقابة العامة لأطباء مصر، التي عقدت الأسبوع الماضي إلى اتخاذ قرارات بوضع شروط جديدة لقيد الخريجين.

وطالبت «نقابة الأطباء» بـ«تقليل أعداد الملتحقين بكليات الطب، وربط أي زيادة في أعداد المقبولين بزيادة أماكن التدريب والتعليم في أثناء التعليم وبعد التخرج»، وكذا «مخاطبة الحكومة بضرورة ألا تزيد نسبة الوافدين في كليات الطب الحكومية على 5 في المائة، والباقي يوجَّه إلى الجامعات الأهلية والخاصة».

وقالت، في بيان، يوم السبت، إن «أي زيادة في أعداد المقبولين يجب أن تكون مشروطة بدراسة علمية للاحتياجات الفعلية للمنظومة الصحية». وقررت النقابة مخاطبة رئيس الوزراء رسمياً لعرض رؤيتها.

والأحد، اجتمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وكل من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة، لـ«استعراض آليات التنسيق المؤسسي بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي»، بحسب المتحدث الرئاسي المصري.

وقال المتحدث إن السيسي وجّه بـ«التوسع في أعداد الأسرة بالمستشفيات الجامعية القائمة، وافتتاح مزيد منها بما يُسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتحسين مستوى الخدمات الصحية المُقدمة للمواطنين».

ويبلغ إجمالي عدد الأطباء في مصر نحو 230 ألف طبيب، بينهم نحو 100 ألف طبيب مهاجر و130 ألفاً يعملون داخل البلاد، وفق تصريحات تلفزيونية لنقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وفي رأي منسق «لجنة الحق في الصحة» (أهلية)، الدكتور محمد حسن خليل، فإن ضعف مستوى الطلاب الذين يلتحقون بكليات الطب في الجامعات الخاصة بمجموع 50 في المائة، يهدد منظومة الصحة بالبلاد.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تحقيق التوازن بين فكرة أن التعليم الخاص استثماري يهدف إلى الربح، وبين إعداد أطباء خريجين متميزين أمر صعب في الوقت الراهن، لأن الجامعات الخاصة ربحية، ويصعب إلزامها بنفس المعايير المطبقة بالجامعات الحكومية».

ويعتقد خليل، أن الحل العاجل يكمن في «إعداد تشريع صارم يحدد حداً أدنى لدرجات القبول بكليات الطب في الجامعات الخاصة، وإعطاء هذه الجامعات مهلة زمنية محددة لاستكمال مكوناتها الأكاديمية، ومنها إنشاء مستشفيات تعليمية»، ودراسة «توحيد نظام التعليم الطبي، لتكون المناهج والمعايير نفسها، سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة أو الأهلية».

ارتفاع نسبة الرسوب

نقابة الأطباء طالبت بتحجيم أعداد دارسي الطب مع تكرار أزمة رسوبهم (وزارة الصحة المصرية)

وشهدت السنوات الأخيرة ارتفاع نسبة الرسوب في بعض كليات الطب، أو نسب نجاح متدنية، ففي العام الدراسي الأخير، بلغت نسب نجاح طلاب الفرقة الأولى بكليات الطب في جامعتي سوهاج وأسيوط أقل من 40 في المائة، وأعلنت جامعة سوهاج في يوليو (حزيران) الماضي، أن نتائج الفرقة الأولى بكلية «طب وجراحة الفم والأسنان»، سجّلت «نسبة نجاح نحو 34.23 في المائة»، كما بلغت، بحسب تقارير صحافية، «نسب نجاح الفرقة الأولى في كلية (طب الأسنان) بجامعة أسيوط نحو 36 في المائة».

وهذه ليست المرة الأولى التي تأتي نتائج بعض طلاب كليات الطب بمصر في السنة الأولى من دراستهم الجامعية «متدنية»، حيث نجح 25 في المائة من طلاب الفرقة الأولى في «طب سوهاج» عام 2024، كما رسب نحو 229 طالباً، من أصل 671 طالباً بالفرقة الأولى في عام 2023.

وترى الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة سعيد، أن المعايير المنظمة لقبول الطلاب بكليات الطب في الوقت الراهن «تهدد المنظومة الصحية بأكملها»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «أهم جانب في المشكلة هو الكليات الخاصة التي تقبل طلاب طب بمجموع 50 في المائة، لأنها مشروعات استثمارية وليست أكاديميات تعليمية». وتوضح عبدالرؤوف، أن «أي تعليم يدخل فيه مبدأ الربحية يفسد»، لذلك «على الدولة أن تنتبه كي لا يتم تدمير التعليم الطبي، ويفقد الطبيب المصري سمعته العالمية التي نتباهى بها».

وتنفيذاً لقرارات الجمعية العمومية الأسبوع الماضي، تعكف نقابة الأطباء على «إعداد تعديل تشريعي لتقديمه إلى مجلس النواب والحكومة، لتحديد حدّ أدنى لدرجات قبول الطلاب بكليات الطب الخاصة».


السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

في خطوة تستهدف الانتقال من الحوار إلى التنفيذ، وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بوضع خطة زمنية محددة لتنفيذ مخرجات «منتدى مصر 2026»، مع تحديد مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وإتاحة متابعة النتائج للمواطنين. ويأتي التوجيه في وقت تزداد فيه الضغوط المعيشية والاقتصادية، وسط ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت نحو 56 جنيهاً.

وانعقد «منتدى مصر 2026» في العاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، خلال المدة من 19 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحت شعار «نظرة لليوم... رؤية للغد»، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي ومشاركة واسعة من ممثلي المؤسسات ومختلف التوجهات والخبراء.

وجاء المنتدى بعد نحو 3 سنوات من إطلاق «الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري في أبريل (نيسان) 2022، بوصفه أول حوار وطني من نوعه، قبل أن تنطلق جلساته في مايو (أيار) 2023.

وقال السيسي في بيان، الأحد، إنه «في إطار متابعتي لمخرجات منتدى 2026، فقد اعتمدت المخطط السنوي المقترح من مجلس الوزراء لمتابعة مختلف القطاعات والقضايا التي تشغل الرأي العام، وتمس حياة المواطنين، بما يضمن استمرار الحوار والتواصل البيني معهم».

وأضاف: «كما وجهت الحكومة بنشر التوجيهات الصادرة بشأن توصيات المنتدى على الموقع الإلكتروني الخاص به، مصحوبة بخطة زمنية محددة للتنفيذ ومؤشرات واضحة لقياس الأداء، حتى يمكن متابعة تنفيذها من المواطنين ومؤسسات الدولة على حد سواء».

وشدد الرئيس المصري على أن «المواطن سيظل محور اهتمامنا، والغاية الأساسية من إقامة هذا المنتدى بشكل دوري كل عام، وهدفنا تحويل مخرجات المنتدى إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، أن «توجيه الرئيس السيسي بوضع خطة زمنية محددة لتنفيذ مخرجات منتدى مصر 2026، وإعلان هذه الخطة ومؤشرات قياس الأداء على الموقع الإلكتروني للمنتدى، يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، ويعكس انتقالاً من مرحلة طرح الأفكار ومناقشة التحديات إلى مرحلة الالتزام المؤسسي بالتنفيذ والمساءلة المجتمعية».

ويؤكد حجازي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الأهمية الأساسية لهذا التوجيه تتمثل في أنه يضع الحكومة أمام مسؤولية واضحة، حتى لا يكون المنتدى مجرد مناسبة سنوية للحوار وتبادل الرؤى، وإنما منصة مستمرة لصناعة السياسات العامة، وربط الحوار المجتمعي بأولويات الدولة وخططها الاقتصادية والتنموية».

ويوضح أن «إتاحة متابعة التنفيذ للمواطنين ومؤسسات الدولة تعزز مبدأ الشفافية، وتفتح المجال أمام تقييم الأداء على أساس النتائج وليس النوايا أو الوعود».

السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

وفي هذا السياق، يحدد حجازي 3 رسائل سياسية للتوجيه الرئاسي؛ تتمثل الأولى في أن المواطن هو نقطة الانطلاق والغاية النهائية للسياسات العامة، والثانية في سعي الدولة إلى توسيع المشاركة المجتمعية، خصوصاً بين الشباب والأجيال الجديدة، أما الثالثة فتتمثل في أن الحوار لا تكتمل قيمته إلا بترجمته إلى قرارات وبرامج قابلة للتنفيذ، تتحدد لها المسؤوليات والمواعيد ومؤشرات الأداء.

توصيات في قطاعات متعددة

وتأتي توجيهات الرئيس المصري بعد نحو أسبوع من اختتام المنتدى وإعلان توصياته. وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن، في حينه، استهداف رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الرسمي من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029-2030، إلى جانب تحسين الأوضاع المالية للعاملين في قطاعات التعليم والصحة والتعليم العالي، والعمل على وصول الحد الأدنى لدخل المعلمين إلى 15 ألف جنيه.

وشملت التوصيات أيضاً إطلاق برنامج قومي لرفع كفاءة الطرق المحلية في المحافظات، بتكلفة تقديرية تصل إلى 42 مليار جنيه، إلى جانب التجريم الصريح للممارسات العشوائية وغير المقننة لقطع الأشجار.

كما تضمنت، وفق بيان حكومي صدر آنذاك، التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، للوصول بالقدرات المركبة إلى ما يقارب 30 غيغاواط بحلول نهاية عام 2028، وإطلاق البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للمدة من 2027 إلى 2030، الذي يستهدف البناء على ما تحقق من إصلاحات اقتصادية ومالية وهيكلية خلال السنوات الماضية.

وتُعد هذه التوصيات أبرز ما تضمنه المنتدى من نحو 66 توصية تغطي 22 قطاعاً، إلى جانب برنامج مقترح للتحول الاقتصادي خلال المدة 2027 - 2030، يتضمن 185 إجراءً، بحسب حجازي.

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الانتقال من مرحلة التوصيات إلى التنفيذ يتطلب العمل عبر مسارات عدة، في مقدمتها «تحويل كل توصية إلى برنامج تنفيذي محدد، بحيث تكون هناك جهة حكومية مسؤولة عن التنفيذ، وجدول زمني، ومخصصات مالية، ومؤشرات أداء، مع تحديد النتائج المتوقعة في نهاية كل مرحلة، وعدم الاكتفاء بإعلان أن التوصية قد تم تنفيذها إدارياً».

ويضيف أن ذلك يتطلب أيضاً تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب دعم اللامركزية، وتوسيع دور المحافظات في تنفيذ البرامج والمشروعات.