كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة التي مُني بها في الجولة الأولى من التصويت. بهذه النتيجة المفاجئة، أصبح السياسي اليساري المخضرم البرازيلي الأول الذي يتولى الرئاسة أربع مرات، على غرار ما فعل فرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة قبل قرار حصر الولايات الرئاسية باثنتين. لكن لعل الأهم بين هذه العبر، أن صناديق الاقتراع كانت قادرة على إلحاق الهزيمة بالمنصّات الرقمية والشركات التكنولوجية العملاقة، وأن الموجة «الترمبية» التي دفعت بسبعة من القادة اليمينيين المتطرفين إلى الرئاسة في دول أميركا اللاتينية ليست قدراً محتوماً. ولا شك في أن آخر فصل من مسلسل هذه الانتخابات، الذي انتهى بهروب المرشح الخاسر مع عائلته إلى الولايات المتحدة حيث يحل الآن في كنف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يضفي مزيداً من التشويق والترقب على هذا الصراع بين اليمين واليسار، ليس في المنطقة فحسب... بل على امتداد العالم.
لو عدنا إلى زعماء الدول الذين تعاقبوا على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، فلن نجد بينهم مَن له سيرة سياسية وشخصية وملحمية تعادل تلك التي يحملها على كتفيه لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا»، هذا الكهل الذي يرفض أن يشيخ، والذي ترك المدرسة الثانوية في صباه الأول ليعمل في مصنع للصلب كي يساعد والدته في تربية الأسرة. ثم أصبح ناشطاً نقابياً وسياسياً تربّع على رئاسة البرازيل ثلاث مرات، وعاد اليوم، بعدما تجاوز سن الثمانين من العمر، ليفوز بولاية رابعة ويقف سداً منيعاً بوجه الإعصار اليميني المتطرف الذي يهبّ على عموم كيانات أميركا اللاتينية.
خطاب «لولا» في الأمم المتحدة
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استحضر «لولا» العناوين السياسية الكبرى مثل النظام الدولي المتعدّد الأطراف «المحاصر»، والتهديدات المحيطة بالنظام الديمقراطي، وسيادة الدول التي تهددها شريعة الغاب، والقانون الدولي الذي يكاد يكون حبراً على ورق.
لكن في المهرجانات الشعبية التي كان يتكلّم خلالها «لولا» إلى أنصاره على امتداد الحملة الانتخابية، وجدناه يميل دائماً للكلام عن شؤونه الخاصة، وبالتحديد عن والدته السيدة ليندو، الشخصية المحورية في حياته.
كذلك عندما وقف أمام مؤيديه في الملعب الرياضي، حيث كان يخطب في العمال ضد النظام الديكتاتوري الذي زجّه في السجن عدة مرات، قال مشيراً إلى أمه: «دونيا ليندو، الأميّة، تجرّأت على هجرة زوجها الذي كان يعنّفها، وربّت أولادها الثمانية في كوخ حقير، وحوّلت لولينيا الصغير إلى هذا الشيء الجميل الذي يقف أمامكم».
وحقاً، خلال الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين صدمة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والجولة الثانية، أظهر «لولا» قدرة استثنائية على المقاومة والمثابرة. وكتب فصلاً بطولياً آخر في سيرته الذاتية عندما استطاع أن يعكس النتيجة لصالحه، ويقف من على أكبر منبر ديمقراطي في أميركا اللاتينية، متحدياً بنجاح التمدّد اليميني المتطرّف الثريّ الذي ترعاه وتغذيه الولايات المتحدة.
من جهة ثانية، لا شك أن منافسه في هذه الانتخابات لم يكن من «العيار السياسي الثقيل»، وكان يجرّ وراءه إرثاً ثقيلاً من الفضائح المالية والملاحقات القضائية المفتوحة.
أيضاً ليس سراً أن نسبة عالية من التأييد الذي قاد المتحدي اليميني فلافيو بولسونارو إلى الفوز في الجولة الأولى مردّها إلى النقمة الشعبية المتزايدة على حزب العمال، الذي شكّل خمس حكومات في السنوات العشرين المنصرمة، ظهرت في معظمها سلسلة طويلة من فضائح الفساد المالي والاقتصادي طالت مقربين من «لولا».
لكن هذا لا يلغي أن «لولا» أبدى قدرة استثنائية على مواجهة الانتكاسات والصعاب، بدءاً من إدخاله السجن وتبرئته بعد سنوات، إلى وفاة زوجته، والهزائم الانتخابية الثلاث التي سبقت وصوله إلى السدة الرئاسية مطلع هذا القرن، فضلاً عن تعافيه من مرض السرطان، ثم هزيمته في الجولة الأولى من الانتخابات الأخيرة بفارق لا بأس به عن منافسه.

انتصار «لولا» يشكّل انتكاسة قاسية للرئيس الأميركي ترمب خاصة
عشية الانتخابات النصفية التي يخوضها وشعبيته في أدنى مستوياتها
احتفاء اليسار... وتقبّل اليمين
اليسار الأميركي اللاتيني الذي كان يتهيّب فوز بولسونارو ويخشاه، سارع إلى الاحتفاء بالنصر التاريخي الذي حققه «لولا»... بل أطلق عليه لقب «بيليه التقدميين» تيمناً بنجم كرة القدم الأسطوري «الجوهرة السوداء». والرئيسة المكسيكية كلاوديا شاينباوم، بدورها، تنفّست الصعداء لهذا الفوز الذي ترى فيه دعماً لها في المواجهة السياسية والدبلوماسية مع «جارتها» الولايات المتحدة، كذلك سارع رؤساء يساريون سابقون لتهنئته، على رأسهم الأرجنتينية كريستينا كيرشنير والكولومبي غوستافو بترو والتشيلي غابريل بوريتش.
في المقابل، دفع الثقل الاقتصادي الوازن للبرازيل «اضطراراً» العديد من القادة اليمينيين في أميركا اللاتينية، أيضاً، إلى تهنئة «لولا» بفوزه. ذلك أن اثنين منهم هما رئيس بوليفيا رودريغو باز ورئيس الباراغواي سانتياغو بنيا، سبقا القيادات اليسارية في التهنئة.
ومن جهته، لم ينتظر الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاتس - وهو يميني متطرف - خطاب «لولا» الأول بعد النصر لتهنئته. وقال إنه اتصل بالرئيس المنتخب ودعاه إلى مواصلة العمل معاً «لتسريع وتيرة الاندماج الاقتصادي والتصدي للجريمة المنظمة عبر الوطنية». وأيضاً، رئيسة البيرو المنتخبة حديثاً كيكو فوجيموري، التي تنتمي هي الأخرى إلى المعسكر اليميني الأكثر تطرّفاً، انضمت سريعاً إلى جوقة المهنئين الذين كانوا لأيام خلت ينتظرون بفارغ الصبر سقوط الرئيس البرازيلي اليساري المخضرم.
بل، حتى الرئيس الكولومبي الجديد آبيلاردو دي لا إسبريلا، المعروف باصطفافه المطلق إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تجاهل تصريحات الأخير التي ادعى فيها وجود «تلاعب» بنتائج انتخابات البرازيل، وقال إنه تكلم هاتفياً مع بولسونارو، لكنه يقف مع الرئيس المنتخب ويعرب له عن تقديره.
بالتالي، وحده الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، بين غلاة قادة اليمين، امتنع حتى الآن عن تهنئة «لولا»، علماً بأنه من المستبعد أن يفعل ذلك بعدما كان قال في الأيام السابقة: «أرجو ألا تكون الحيلة الأخيرة في حملة لولا القذرة هي سرقة الانتخابات». وهذا، فضلاً عن تصريحات سابقة له وصف فيها «لولا» بأنه «يساري لص» و«قمامة اشتراكية»، ما حدا بالبرازيل إلى سحب سفيرها من الأرجنتين واتخاذها قرار تجميد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
اليسار اللاتيني في مواجهة شركات التكنولوجيا العملاقة
الجميع يدرك أن فوز «لولا» بولايته الرئاسية الرابعة، بعد الدعم المتكرّر الذي أعلنه دونالد ترمب لمنافسه فلافيو بولسونارو، ودخول المنصات الرقمية الكبرى والشركات التكنولوجية العملاقة على خط عرقلة حملة لولا الانتخابية، جاء بمثابة المنشّط للمعسكر اليساري الأميركي اللاتيني، بعدما مُني هذا المعسكر بهزائم متتالية في الانتخابات السبع التي أجريت خلال العامين المنصرمين. وهو، بلا أدنى شك، انتكاسة قاسية للرئيس الأميركي، وبخاصة، عشية الانتخابات النصفية التي يخوضها وشعبيته في أدنى مستوياتها.
والحقيقة أن الرئيس ترمب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، وضع بين الأهداف الرئيسة لسياسته في أميركا اللاتينية، إيصال حلفائه إلى الحكم، وجعل من البرازيل هدفه الأكبر من خلال دعمه المتواصل والمكشوف لعائلة بولسونارو. وبالتوازي، جاء هذا الفوز المهم للرئيس اليساري البرازيلي ليصيب أيضاً ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، الذي جعل المواجهة ضد الحكومات اليسارية في المنطقة بنداً أساسياً في أجندته السياسية وطموحاته الرئاسية.
مع هذا، فإن المعسكر اليساري في البرازيل يدرك جيداً أن هذا الانتصار ليس سوى بداية لمرحلة عسيرة محفوفة بالمخاطر والتحديات الجسام. فهو يعرف، مثلاً، أن نصف البرازيليين تقريباً يحملون حقداً دفيناً على «لولا» وحاشيته، وأن سنوات هذه الولاية الرابعة قد لا تعدو كونها تأجيلاً لانهيار معلن في ظروف داخلية ودولية بالغة التعقيد. أيضاً يعرف «لولا»، وقد دخل العقد التاسع من عمره، أنه لن يكون قادراً وحده على وقف الزحف الفاشي و«الإيفانجيلي» الذي ينخر المؤسسات البرازيلية منذ سنوات.
بالتالي، فإن هذا الفوز الاستثنائي الذي كان بمثابة «ريمونتادا» غير مسبوقة في تاريخ البرازيل السياسي - منذ اعتماد الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية - ليس سوى نصر محدد في ظروف دولية معاكسة. والتحدي الأكبر الماثل أمام «لولا» على مغارب مسيرته السياسية هو تحويل هذه الطاقة الشعبية، التي أعاد اكتشافها، إلى قوة قادرة مواصلة التعبئة في المرحلة المقبلة.
صدمة قوية في أسواق المال البرازيلية
على صعيد متصل، عندما صدرت النتائج النهائية التي أكدت فوز «لولا» في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لم تقتصر المفاجأة فحسب على الأوساط السياسية التي كانت تتوقع فوز منافسه فلافيو بولسونارو، الذي كان تقدم عليه بفارق أربع نقاط في الجولة الأولى، بل وجدت سوق المال نفسها أمام «سيناريو» كانت قد استبعدته كلياً من حساباتها، وسجلت انهياراً تاريخياً بلغ 15 في المائة عند افتتاح نشاطها صباح الاثنين. وهذه نسبة لم تتجاوزها السوق البرازيلية إلا في عام 1998 عندما بلغت نسبة الانهيار 15.83 في المائة بعد قرار روسيا تعليق سداد جزء من ديونها.
وفي موازاة ذلك، تراجع سعر العملة البرازيلية (الريال) بنسبة 8 في المائة أمام الدولار الأميركي، بينما كانت أسعار الفوائد المطبّقة على الديون البرازيلية ترتفع تحت ضغط المستثمرين الساعين لمزيد من المردودية لمواجهة المخاطر. وحقاً، كان التقدم الواضح الذي أحرزه بولسونارو في الجولة الأولى قد عزّز توقعات المستثمرين بالاتجاه نحو سياسة اقتصادية أكثر مواءمة لأسواق المال التي سجّلت في أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات ارتفاعاً بنسبة قاربت 8 في المائة.
من ثم، يعتبر محللون اقتصاديون أن فوز لولا بولاية رابعة سيرفع منسوب التقلّبات في الأمد القصير، بانتظار اتضاح الخطوط الرئيسة للسياسة المالية التي ستنهجها الحكومة الجديدة التي لن تتولى مهامها قبل مطالع العام المقبل.
أيضاً، من المنتظر، بعد استيعاب تداعيات الصدمة، أن يتجه اهتمام السوق المالية إلى التركيز على مسائل ثلاث أساسية:
- موقف المعارضة بعد هروب فلافيو بولسونارو ولجوئه إلى الولايات المتحدة.
- قدرة الرئيس «الجديد - القديم» على تشكيل غالبية تدعمه في الكونغرس الذي تسيطر على أطيافه قوى الوسط واليمين المتطرف.
- السياسة المالية التي ستتبعها الحكومة الجديدة.
المرجح أن الاختبار الأول سيرتبط بهوية الفريق الاقتصادي الذي سيختاره «لولا»، وإلى أي مدى سيكون الرئيس الجديد مستعداً للجمع بين الوفاء بالوعود الاجتماعية التي أطلقها في حملته الانتخابية، والاستراتيجية التي سيعتمدها لضبط الدَّين العام الذي بلغ مستويات قياسية.
أوساط المستثمرين تدرك جيداً الصعوبات التي ستواجه «لولا» بسبب سيطرة الأحزاب اليمينية المعارضة على غالبية المقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب. ولقد بدأت منذ الآن تطالب ليس فقط بأسماء تكون موضع ثقتها لأعضاء فريقه الاقتصادي، بل أيضاً بحزمة من التدابير الكفيلة بتوليد فائض يكفي لتحقيق الاستقرار في مستوى الدَّين العام وتحول دون ارتفاعه. وترى هذه الأوساط أنه لا بد من أن تواكب هذه التدابير إجراءات تضبط الإنفاق العام، إلى جانب ضمانات حول استقلالية المصرف المركزي.
في معظم التصريحات التي أدلى بها «لولا»، خلال سيل المهرجانات التي شارك فيها طيلة الحملة الانتخابية التي سبقت الجولة الثانية، كان يكرّر حرصه على خفض الدَّين العام الذي بلغ 80 في المائة من إجمالي الناتج القومي، ولكن «بوتيرة معقولة»، وشريطة ألا تأتي «الإصلاحات» على حساب الأسر متدنية الدخل.
وثمة مَن يعتقد، اليوم، أن الرئيس المنتخب إنما كان يهدف من وراء تلك التصريحات إلى طمأنة الشرائح الفقيرة والمتدنية الدخل من مواطنيه الذين يشكّلون قاعدته الشعبية الأساسية، والذين كان يجهد لاستقطابهم وتعبئتهم في الجولة الثانية. أيضاً، يجمع المحللون الاقتصاديون في تحذيراتهم على أن نسبة الدَّين العام المرتفعة والعجز المتنامي في ميزان المدفوعات، لا يتركان سوى هامش ضيّق جداً للمناورة أمام «لولا» للوفاء بوعوده الانتخابية، فضلاً عن أنه سيواجه غالبية معارضة في مجلسي الشيوخ والنواب.
ولكن في المقابل، تذكر الأوساط المالية والاقتصادية القريبة من «لولا»، أن البرازيل قوة عظمى في الزراعة والطاقة. وهي من أكبر الدول المصدرة للصويا واللحوم والبن والسكر والقطن.


