لم يكن الفرنسي كيليان مبابي، نجم ريال مدريد الإسباني، يتوقع أن تتحول خيبة أمله بخسارة الكرة الذهبية لعام 2026 إلى أزمة دولية تهدّد مصالحه التجارية وعلاقاته مع الشركات الصينية، بل تمتد تداعياتها إلى ناديه والدوري الإسباني والمنتخب الفرنسي، وذلك خلال أقل من 24 ساعة على انتهاء حفل توزيع الجوائز في العاصمة البريطانية لندن.
وحسب تقرير نشرته صحيفة «ليكيب» الفرنسية، أعده الصحافي داميان ديغور بمشاركة مراسلين في مدريد، فإن مبابي عاش ساعات عصيبة بدأت مساء يوم الاثنين عندما حلّ ثانياً خلف الإنجليزي هاري كين، مهاجم بايرن ميونيخ، في سباق الكرة الذهبية، قبل أن يجد نفسه صباح يوم الثلاثاء وسط جدل واسع في الصين، بسبب مقطع فيديو قديم وصف فيه الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ بأنه «ديكتاتور صيني».
وبعد نحو نصف ساعة من تسليم الجائزة إلى كين، كان مبابي يقف إلى جانب والده ويلفريد، مستنداً إلى جدار أحد ممرات مسرح لندن بالاديوم الذي احتضن الحفل. وبدا التأثر واضحاً على اللاعب الفرنسي، رغم محاولته إخفاء خيبة الأمل، حتى عندما احتضنه إيميليو بوتراغينيو، مدير العلاقات المؤسسية في ريال مدريد.
وبعد دقائق، شُوهد مبابي يضحك مع بعض الضيوف الذين اقتربوا لتحيته، في وقت كان فيه الإسباني لامين يامال غاضباً في أحد أركان المكان.
وكان مبابي قد وجد بعض العزاء في فوز ريال مدريد على برشلونة 2-1 في الكلاسيكو قبل الحفل بيوم واحد، بعدما سجل هدفَي فريقه، وهو ما خفّف نسبياً من مرارة خسارة الجائزة الفردية.
وعندما غادر لندن صباح الثلاثاء، حاول طمأنة المقربين منه، بعدما علم أن الفارق في نقاط التصويت بينه وبين كين كان ضئيلاً للغاية. وبدلاً من الاستسلام للإحباط، بدا أكثر إصراراً على الفوز بالكرة الذهبية مستقبلاً.
لكن الأزمة الجديدة لم تمنحه الوقت الكافي لتجاوز خيبة الأمل.
وتعود بداية القضية إلى مقابلة أجراها مبابي قبل سبعة أشهر مع منصة «ذا بريدج»، التابعة لزميله في ريال مدريد والمنتخب الفرنسي أوريلين تشواميني، وتحدّث خلالها عن الصور الساخرة التي يستخدمها أصدقاؤه على الإنترنت.
ولم يُنشر المقطع المثير للجدل إلا يوم حفل الكرة الذهبية، عندما سُئل مبابي عن أكثر الصور الساخرة التي تحمل وجهه وتثير ضحكه.
واختار اللاعب صورة مركبة يظهر فيها وجهه على جسد الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ، قائلاً بتردد: «أكثر صورة أضحكتني كانت عندما وضعوا وجهي على فيديو لرجل، أعتقد أنه ديكتاتور صيني. أستخدمها كثيراً مع أصدقائي على الإنترنت وفي أثناء ألعاب الفيديو».
ورغم أن حديث مبابي جاء في سياق فكاهي، فإن المقطع أثار ردود فعل غاضبة في الصين، حيث يتمتع اللاعب الفرنسي بشعبية واسعة، ويتابعه نحو 1.1 مليون شخص على منصة التواصل الاجتماعي الصينية «شياوهونغشو».
وتدخلت وزارة الخارجية الصينية في القضية، إذ قال المتحدث باسمها غو جياكون إن «أي تصريح أو تصرف يجرح مشاعر الشعب الصيني سيواجه بطبيعة الحال رفضاً جماعياً من المجتمع الصيني بأسره».
ولم تتوقف التداعيات عند المواقف الرسمية، إذ سارعت شركات صينية كبرى إلى إعلان إنهاء علاقاتها التجارية مع مبابي.
وكانت شركة «بوشويلا» للمشروبات الرياضية، التابعة لمجموعة «دونغبينغ»، أول من أعلن وقف التعاون مع اللاعب، بعدما كانت تستخدم صورته وصوته في حملاتها الإعلانية منذ أبريل (نيسان) الماضي.
وبعد دقائق، أصدرت مجموعة «مينغنيو»، إحدى كبرى شركات منتجات الألبان في الصين، وشركة «ميلكغراوند» المتخصصة في صناعة الأجبان، بيانين مماثلين أعلنا فيهما إنهاء علاقاتهما التجارية بالنجم الفرنسي.
وتكشف المعلومات عن أن قيمة هذه العقود بلغت نحو سبعة ملايين يورو سنوياً، وكان من المقرر انتهاؤها في فبراير (شباط) ومارس (آذار) المقبلين.
وترجح المعطيات أن العقود كانت ستجدد لولا الأزمة، خصوصاً أن مبيعات مجموعة دونغبينغ ارتفعت بأكثر من 15 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026، رغم المنافسة الشديدة في سوق المشروبات الصينية.
لكن الخسائر المحتملة لم تقتصر على مبابي، إذ كشفت وسائل إعلام عن تعليق التلفزيون الصيني الرسمي «سي سي تي في» بث مباريات ريال مدريد، ما أثار قلقاً داخل رابطة الدوري الإسباني بشأن انعكاسات الأزمة على مصالحها التجارية في السوق الصينية.
وسارعت الرابطة إلى التعبير عن أسفها لما أثارته تصريحات اللاعب من استياء، مؤكدة أنها تعمل مع شركائها الصينيين للحفاظ على العلاقات القائمة.
كما نشر رئيس رابطة الدوري الإسباني، خافيير تيباس، اعتذاراً عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، قال فيه إنه يقدم «اعتذاره الصادق إلى الشعب الصيني» على خلفية تصريحات مبابي التي تسبّبت في استياء وإساءة داخل الصين.
وانتقد التقرير موقف تيباس، مشيراً إلى أنه تجاهل عند تقديم اعتذاره التداعيات التاريخية لحملتي «القفزة الكبرى إلى الأمام» و«الثورة الثقافية» في عهد ماو تسي تونغ.
وكشفت المعلومات عن أن رابطة الدوري الإسباني كانت قد حذرت ريال مدريد، الاثنين، من احتمال اندلاع الأزمة، وأبدت استعدادها لمساعدة النادي في احتوائها.
لكن العلاقات المتوترة بين المؤسستين دفعت ريال مدريد إلى رفض العرض، خصوصاً أن عقوده التجارية المباشرة مع الشركات الصينية الخاصة لم تكن مهددة بالإلغاء.
ومع ذلك، فإن النادي الملكي لن يكون بمنأى عن التداعيات، ولا سيما في مبيعات القمصان داخل الصين، حيث كانت قمصان ريال مدريد التي تحمل اسم مبابي الأكثر طلباً في السوق المحلية.
وفي كواليس النادي، تعامل بعض المسؤولين مع الموقف بشيء من السخرية، مترقبين الطريقة التي سيحاول بها تيباس احتواء الأزمة، في ظل الخلافات المستمرة بين إدارة ريال مدريد ورابطة الدوري الإسباني.
أما داخل الدائرة المقربة من مبابي فكان المشهد مختلفاً تماماً، إذ انهالت الاتصالات طوال الثلاثاء، وسط محاولات لفهم حجم الأزمة وإيجاد مخرج سريع لها.
وتابع فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، التطورات واستفسر عن الوضع، في حين امتدت الاتصالات في فرنسا إلى الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وصولاً إلى المستويات الدبلوماسية.
وأكد الاتحاد الفرنسي أنه يتابع القضية باهتمام، موضحاً أن عقوده التجارية الحالية مع الشركاء الصينيين تخص المنتخب الفرنسي بأكمله، وليس مبابي بصورة فردية.
ويعكس هذا التوضيح القلق من احتمال انتقال تداعيات الأزمة إلى المنتخب الفرنسي، الذي يقوده مبابي ويحظى بعلاقات تجارية مع شركات صينية.
وأمام اتساع الجدل، سارع اللاعب الفرنسي إلى إصدار بيان اعتذار بثلاث لغات، هي الفرنسية والإنجليزية والصينية، أقر فيه بأن تصريحاته كانت غير موفقة.
وقال مبابي: «أقدم اعتذاري إلى جميع الذين جرحتهم كلماتي. لم يكن ذلك قصدي على الإطلاق. أكن احتراماً عميقاً للشعب الصيني وتاريخه، وأنا آسف بصدق».
ورغم أن الاعتذار أسهم في تهدئة الأجواء نسبياً، فإن احتمالات تراجع الحكومة الصينية عن موقفها لا تزال غير مؤكدة، خصوصاً بعد القرارات التي اتخذتها الشركات الراعية وتعليق بث مباريات ريال مدريد.
ويأمل مبابي الآن في تجاوز الأزمة والتركيز على أهدافه الرياضية المقبلة، وفي مقدمتها مواجهة راسينغ سانتاندير، الأحد، ضمن منافسات الدوري الإسباني، وهي المباراة التي لن تُبث في الصين وفق المعلومات الواردة في التقرير.
وهكذا، وجد النجم الفرنسي نفسه خلال يوم واحد أمام خسارتين مختلفتين؛ الأولى رياضية بعدما أفلتت منه الكرة الذهبية بفارق ضئيل، والأخرى تجارية وسياسية بعدما تحولت مزحة في مقابلة قديمة إلى أزمة عابرة للحدود، تهدد عقوداً بملايين اليوروهات وتضع ريال مدريد والدوري الإسباني والمنتخب الفرنسي أمام تداعيات لم تكن في الحسبان.



