شيعت محافظة درعا جنوب سوريا، الثلاثاء، ضحايا العملية العسكرية الأردنية داخل الأراضي السورية، وسط حالة من الغضب الشعبي في أعقاب سقوط سبعة مدنيين بينهم أطفال وكبار في السن.
واعتبرت وزارة الخارجية السورية «هذا التصرف الميداني مرفوض جملة وتفصيلاً»، متهمة ما وصفته بـ«الأطراف المشبوهة» بالسعي إلى «تعكير صفو العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين». وأعلنت الخارجية، في بيان أصدرته الثلاثاء، عن العمل بالتنسيق المباشر مع الأردن على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة عاجلة، بهدف وضع حد للخروقات والتجاوزات الميدانية ومنع تكرارها.
أهالي محافظة درعا من جهتهم، طالبوا في أثناء التشييع بفتح تحقيق حول الغارات الأردنية التي استهدفت عدداً من المواقع في المحافظة، ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية عن المشاركين بالتشييع مطالباتهم الجانب الأردني بتوضيح المعلومات التي وصلتهم عن الأهداف التي جرى قصفها، مع تأكيدهم أنها مواقع مدنية، وخلو محافظتهم من أي تنظيمات إرهابية.
من تشييع ضحايا الغارات الجوية الأردنية في بلدة الطف بريف درعا بمشاركة شعبية واسعة.#سانا pic.twitter.com/JLvOaye1ZJ
— الوكالة العربية السورية للأنباء - سانا (@Sana__gov) October 27, 2026
الخبير العسكري عماد شحود اعتبر العمل على تشكيل اللجنة مشتركة «إجراء متأخر كان يجب أن يتم قبل تنفيذ العملية»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن خطأ ما تسبب بوقوع ضحايا مدنيين يترتب عليه تعويض ذويهم».
ورأى أن المسؤولية عن هذا الخطأ تتحمله بالدرجة الأولى الاستخبارات الأردنية، من حيث ضرورة التأكد من المعلومات والإحداثيات عبر التنسيق مع الجانب السوري، مشيراً إلى وجود خطأ آخر مهني يتعلق بضرورة استطلاع الأهداف لمدة يوم كامل على الأقل، مستغرباً استخدام سلاح طائرات إف 16 لضرب «خلية إرهابية»، وقال: «في مثل هذه العمليات يتم العمل على القبض على العناصر أحياء قدر الممكن».

وكانت غارات نفّذها سلاح الجو الأردني استهدفت عدداً من المواقع في محافظة درعا، ليلة الاثنين/الثلاثاء. وأفادت مديرية الصحة في درعا بارتفاع عدد الضحايا إلى 10 أشخاص، «هم 7 شهداء بينهم رجل مسن وامرأة وثلاثة أطفال، إضافة إلى أربعة جرحى بإصابات متفاوتة نتيجة 4 غارات شنها الطيران الأردني مستهدفاً فيها مواقع في جنوب سوريا».
هذا، ودعا مجلس الشعب السوري الحكومتين السورية والأردنية إلى فتح تحقيق مشترك، مؤكداً «عمق العلاقة بين الشعبين الشقيقين السوري والأردني»، وذلك بعد إدانته في بيان «الجريمة التي راح ضحيتها مدنيون بينهم أطفال ونساء في ريف محافظة درعا».
ويلاحظ من البيانات الرسمية الأردنية والسورية، أنها أظهرت حرصاً على العلاقات الثنائية، واعتبارها «أكبر من الأخطاء» بحسب تعبير السياسي السوري وعضو مجلس الشعب مؤيد غزلان، مشيراً في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» إلى عدم إمكانية توجيه الاتهام لأي «جهة ثالثة حالياً» تسببت فيما حصل.
وقال: «نعول على أن العلاقات الثنائية أكبر من الأخطاء، لكن لا يمكن أن نقبل بعدم التحقيق فيما حصل وعدم تحمل مسؤولية الحدث الجسيم وتعويض الأهالي عن الضرر الكبير الذي لحق بأرواح شهدائنا».

ورأى غزلان أن «التنسيق الأمني بين البلدين ماض إلى الأفضل كما هي العلاقات الثنائية، ودور الأردن وسوريا في التحالف ضد الإرهاب والموقف الصلب المشترك ضد الانتهاكات الإسرائيلية أثار غيرة بعض الأطراف التي تريد ضرب أسس هذه العلاقة الإيجابية».
وعن الانعكاسات المحتملة للعملية الأردنية على العلاقات بين البلدين، قال غزلان: «لا مساس بعلاقتنا بالأردن؛ لأنها متينة ومتجذرة، وهذا بذاته يقتضي احتراماً مطلقاً متبادلاً للسيادة، وأن يتم التنسيق الكامل مع الحكومة السورية ضمن بروتوكولات الاتفاق في مكافحة الإرهاب».
وتتفق التحليلات في الأوساط السورية على وجود «خلل» تسبب بوقوع ضحايا مدنيين. وتحدث المحلل السياسي والإعلامي علي عيد لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود فجوة أمنية في الجنوب السوري، بسبب الممارسات الإسرائيلية التي تمنع وجود قوة أمنية سورية كافية وإجراء عمليات مسح كافية لضبط المنطقة الجنوبية، وبحسب عيد، وهو ابن محافظة درعا، فإن إسرائيل هي سبب رئيسي -قد لا يظهر بشكل مباشر في الصورة- في حصول فوضى تؤدي إلى خلل أمني يستدعي هذا النوع من التدخل.

وبحسبه، فإن غياب التنسيق عن هذه العملية يظهر أن الجانبين الأردني والسوري ليسا على صفحة واحدة في القضايا الأمنية، وأن هناك فجوة برزت جلياً في سقوط ضحايا مدنيين، مشدداً على أنه لا تزال هناك أسئلة بحاجة إلى إجابات ومعالجة. وقال إن بيان الخارجية السورية حاول خلق حالة من التوازن مع تأكيد على السيادة السورية، وضرورة ألا تتم هذه العمليات إلا بتنسيق مسبق؛ لأن «الأرض السورية هي من مسؤولية الدولة السورية، لا مسؤولية الجانب الأردني».
ولم يستغرب عيد أن الضربة أثارت استياء كبيراً في الشارع السوري، خاصة مع غياب دليل ملموس على وجود قتلى إرهابيين ضمن المستهدفين، وهذا يشكل ضغطاً على الحكومة والرئيس السوري، وبالتالي سيدفع إلى تنسيق من نوع مختلف على الأرجح «سيصطدم بعقبات إسرائيلية».


