رغم اتجاه الحكومة المصرية إلى «مضاعفة سعة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي»، لا تزال تكاليف خدمات الاتصالات «تمثل عبئاً على ميزانيات بعض الأسر»، وذلك بسبب تعدد الاشتراكات الشهرية للهواتف الجوالة والإنترنت المنزلي، والاضطرار إلى شراء سعات إضافية أو تجديد الباقات قبل موعدها.
وأعلن «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر، الأحد، بدء الإجراءات التنفيذية والفنية اللازمة لمضاعفة سعة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي من 50 إلى 100 غيغابايت، دون زيادة في سعر الاشتراك البالغ 150 جنيهاً (الدولار يساوي 55.08 جنيه) في خطوة تستهدف الاستجابة لشكاوى المستخدمين من سرعة نفاد الباقات.
وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد قال في الجلسة الختامية لـ«منتدى مصر 2026»، السبت، إن «الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية بنفس السعر الحالي».
ويشكو الأربعيني محمود إسماعيل، الذي يعمل في شركة خاصة، مما يصفه بـ«البند المخصص لخدمات الاتصالات»؛ إذ يسدد شهرياً فاتورة هاتفه الجوال إلى جانب باقتَي نجلَيه في المرحلة الإعدادية، فضلاً عن اشتراك الإنترنت المنزلي.
ويقول إسماعيل، الذي يقطن في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، إن متوسط ما يخصصه لهذا البند «لا يقل عن ألفَي جنيه شهرياً، علاوة على فاتورة الإنترنت الأرضي، التي ترتفع تباعاً مع زيادة استهلاك أفراد الأسرة؛ إذ غالباً ما تنفد الباقة قبل موعدها»، ما يضطره إلى شراء سعات إضافية أو التجديد المبكر.
إسماعيل لديه 3 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، وينتمي إلى قاعدة واسعة من مستخدمي خدمات الاتصالات بمصر؛ إذ «بلغ عدد اشتراكات الهاتف الجوال النشطة نحو 125.6 مليون اشتراك بنهاية مارس (آذار) 2026، في حين اقتربت اشتراكات الإنترنت الثابت من 13 مليوناً»، وفق مؤشرات صادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في يونيو (حزيران) الماضي.

وترى وكيلة «لجنة الاتصالات» بمجلس النواب المصري مها عبد الناصر، أن مضاعفة سعة الباقة الأساسية دون زيادة سعرها تمثل «خطوة إيجابية لتخفيف الأعباء عن المواطنين»، لكنها «لا تعني انتهاء المشكلات المرتبطة بتكلفة خدمات الإنترنت وجودتها». وتدعو إلى «ضرورة مراجعة أسعار الإنترنت وسعات الباقات وجودة الخدمة، بما يتناسب مع احتياجات المواطنين ومعدلات استهلاكهم المتزايدة».
وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الإنترنت أصبح ضرورة أساسية ترتبط بالتعليم والعمل والحصول على الخدمات المختلفة، ولم يعد مجرد وسيلة للترفيه، ما يستدعي استمرار العمل على توفير خدمات اتصالات بأسعار مناسبة، مع مراعاة التوازن بين تكلفة الخدمة واحتياجات المستخدمين».
ويأتي التحرك الحكومي الأخير في ظل شكاوى متكررة من «سرعة نفاد باقات الإنترنت وارتفاع تكلفتها الفعلية على الأسر»، وأوصت «لجنة الاتصالات» بمجلس النواب في نهاية يونيو الماضي خلال مناقشة إحاطة برلمانية عن أسعار الإنترنت بـ«توفير باقات مخفضة للمواطنين لا يتجاوز سعرها 150 جنيهاً».
عضوة مجلس النواب إيرين سعيد أشارت إلى أن أعباء خدمات المحمول والإنترنت أصبحت «تمثل بنداً مهماً على ميزانيات الأسر، وقد تفوق القدرة الشرائية للمواطن المصري، خصوصاً مع الاعتماد المتزايد على الإنترنت».
وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة لا تتعلق فقط بأسعار الباقات، إنما بسرعة نفادها والحاجة إلى تجديدها أكثر من مرة خلال الشهر، فحتى لو كان سعر الباقة في حد ذاته يبدو مقبولاً، فإن قِصر مدة الاستفادة الفعلية منها يؤدي إلى زيادة التكلفة الشهرية الحقيقية على الأسرة».

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وافق في مايو (أيار) الماضي على تحريك أسعار بعض باقات الإنترنت والجوال بنسبة تراوحت بين 9 و15 في المائة، وعزا قراره حينها إلى «ارتفاع سعر الصرف وتكاليف الطاقة والتشغيل والعمالة وإنشاء الشبكات ومعدات الاتصالات».
وتأتي التوصية الحكومية الجديدة بمضاعفة سعة الباقة الأرضية الاقتصادية من 50 إلى 100 غيغابايت بعد أشهر من طرحها، في محاولة لتوسيع حجم الاستخدام المتاح للمشتركين دون تحميلهم زيادة في سعر الاشتراك. لكن بحسب المراقبين «لا تكفي السعة الجديدة أسرة تضم عدداً من المستخدمين، خصوصاً مع استخدام مقاطع الفيديو والمنصات التعليمية والألعاب والتحديثات التلقائية للتطبيقات والأجهزة».
وبحسب خبير الاتصالات محمد مصطفى، فإن «التكلفة الفعلية للاتصالات لا تتوقف عند السعر المعلن للباقة، إنما تتحدد في نهاية الشهر عند نفاد الباقة والحاجة إلى التجديد، وهي معادلة تجعل فاتورة الاتصالات واحدة من الفواتير الأساسية للمنزل، لكنها الوحيدة تقريباً التي لا يمكن توقع قيمتها بدقة في بداية الشهر».










