تثير عملية دراسة ملفات الترشح والمصادقة عليها، التي تجريها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، تحسباً للانتخابات المحلية المقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، احتجاجاً واسعاً داخل الطبقة السياسية الجزائرية، إذ نددت عدة أحزاب وممثلون لقوائم مستقلين بإجراءات تصفها بالتعسفية والتقييدية، فيما استنكرت «جبهة القوى الاشتراكية» ما سمته «عملية تصفية حقيقية» تستهدف مرشحيها.

وفي بيان نُشر، الاثنين، أكدت «القوى الاشتراكية» استبعاد مرشحين من أغلبية قوائمها الانتخابية. وحسب أقدم أحزاب المعارضة، فقد استهدفت عمليات الإقصاء بشكل خاص رؤساء القوائم، وأطر الحزب، والمرشحين الذين يتمتعون بـ«قاعدة شعبية»، و«قدرة حقيقية على الإقناع بالتصويت». وندّد الحزب بقرارات الرفض، التي وصفها بأنها «تعسفية وغير دستورية»، عادّاً أنها تعكس إرادة واضحة للتأثير في نتائج الاقتراع، وتوجيه خيارات الناخبين.
وتنتقد «جبهة القوى الاشتراكية» تفعيل المادتين (1) و(184) من قانون الانتخابات في قرارات رفض الترشيحات، الذي تصفه بأنه «تقديري ومفرط وموجّه سياسياً»، مشيرة إلى أنها اعترضت على أحكامهما حتى قبل اعتمادهما. وترى أن هذه النصوص أصبحت تُستخدم أساساً لما تصفه بـ«منطق الإقصاء السياسي»، الذي يجري تقديمه تحت أسماء، من قبيل «تطهير الساحة السياسية»، أو «إضفاء الطابع الأخلاقي على الحياة العامة».

* جدل حول شروط الترشح
تتناول المادتان شبهة «الفساد المالي» بوصفهما أساساً لحرمان الشخص من الترشح للانتخابات المحلية، ونظيرتهما فيما يخص الترشح للبرلمان، وهي المادة (200) التي تم تفعيلها بشكل واسع في انتخابات 2 يوليو (تموز) الماضي.
كما عبّر «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، في بيان، عن رفضه لما يعدّه مساساً بحقوق المترشحين، وندّد الحزب بـ«تحقيقات إدارية موجّهة» يقول إنها تُجرى في انتهاك للقانون، وبالمساس بمبدأ قرينة البراءة، فضلاً عن تبليغ قرارات الرفض خارج الآجال القانونية. ورأى الحزب أن «الإدارة لا يمكنها أن تحل محل القضاء، ولا أن تتحول إلى أداة للانتقاء السياسي للمترشحين».
وأعلنت تشكيلات سياسية أخرى، من بينها أحزاب تُعد تقليدياً قريبة من السلطة، عن تسجيل عدد كبير من حالات رفض الترشح، حيث واجهت أحزاب مثل «صوت الشعب» و«جبهة المستقبل»، إلى جانب «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، حالات رفض لقوائم أو مترشحين.

وحسب عدد من المسؤولين السياسيين، بررت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» قرارات في كثير من الأحيان بأشياء تتعلق بـ«سوء السمعة»، أو بشبهات «الارتباط بالمال القذر»، أو حتى بهدف «تطهير الحياة السياسية»، وهي مفاهيم يرى المعترضون أنها فضفاضة وغير محددة بما يكفي.
ويفرض هذا الوضع على الأحزاب والقوائم المستقلة خوض سباق مع الزمن لاستبدال المترشحين المرفوضين، أو تقديم طعون أمام المحاكم الإدارية. وتزداد هذه المهمة صعوبة في بعض المناطق، التي يقل فيها عدد المترشحين، والتي يشترط فيها القانون، على وجه الخصوص، أن يكون نصف المترشحين دون سن الأربعين.
من جهته، أشار رئيس «حركة مجتمع السلم» الإسلامية، عبد العالي شريف حساني، في مقابلة مع «الخبر تي في»، إلى أن الإقصاءات التي شملت مرشحي الحزب لم تقتصر على أسماء معروفة، أو شخصيات سبق لها ممارسة العمل السياسي، بل مست، حسبه، بالجملة شباباً لم يسبق لهم خوض أي تجربة سياسية، أو الترشح للاستحقاقات الانتخابية.
* تحذير من تراجع المنافسة الانتخابية
وتساءل الحزب عن «الجهة التي تملك صلاحية الحكم على أخلاق المترشحين، أو تصنيفهم ضمن من يساهمون في أخلقة الحياة السياسية، أو من يُفترض أنهم يسيئون إليها»، عادّاً أن إطلاق مثل هذه الأحكام «لا يمكن أن يستند إلى تقديرات فضفاضة أو شبهات غير مثبتة، بل يتطلب معايير قانونية واضحة، وضمانات تحول دون التعسف في استعمال السلطة».

وفي هذا السياق، ذكّر حساني بأن المحكمة الدستورية، عند نظرها في قانون الانتخابات، أثارت مخاوف بشأن احتمال التعسف في تطبيق المادة (184)، وهو ما يعيد، وفقه، طرح مسألة الضمانات القانونية الكفيلة بمنع التوسع في تفسير شروط الإقصاء، وتحويلها إلى أداة لتقييد حق الترشح.
وكشف حساني أن نحو 20 في المائة من قوائم مرشحي الحزب تعرضت للإقصاء، مشيرة إلى أن المبررات المتداولة تتركز أساساً حول ثلاث مسائل: الاشتباه في الصلة بأوساط المال الفاسد، والارتباط بأوساط مشبوهة، وما يُقدَّم تحت عنوان «أخلقة الحياة السياسية».
وترى «حركة مجتمع السلم»، حسب رئيسها، أن إقصاء المترشحين بناءً على شبهات غير مدعومة بأدلة قانونية ثابتة، ودون الاستناد إلى أحكام قضائية نهائية، يشكّل مساساً بمبدأ قرينة البراءة، ويحوّل مجرد الشكوك والتقديرات الإدارية إلى مبررات لحرمان المترشحين من حقهم في الترشح، رغم عدم ثبوت أي إدانة قضائية في حقهم.
وفي بيان شديد اللهجة، لفت رئيس حزب «جيل جديد»، لخضر أمقران، إلى أن «تراكم قرارات الرفض المبنية على أسباب لا يفهمها المترشحون، أو يصعب عليهم مناقشتها، يتسبب في تقلص المنافسة، كما تضيق الخيارات أمام الناخب، وتتراجع الثقة في العملية الانتخابية»، متسائلاً: «هل نريد انتخابات حقيقية تتنافس فيها البرامج والكفاءات، أم مساراً تتراجع فيه المنافسة قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع؟».









