يواصل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» دعمه للحركة الفنية والإبداعية في العالم العربي من خلال «جائزة إثراء للفنون». وفي الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، أعلن المركز فوز الفنانة والكاتبة الكويتية أسيل اليعقوب بالجائزة في دورتها السابعة، خلال حفل أُقيم في مقره بمدينة الظهران.
ويحمل العمل الفائز عنوان «نباتات مجهولة»، ويستمر عرضه في متحف «إثراء» حتى مارس (آذار) 2027، إلى جانب الأعمال الفنية التي تأهلت إلى القائمة النهائية وحصلت على منح إنتاج.
يعكس عمل «نباتات مجهولة» انشغال أسيل اليعقوب بتاريخ المنطقة المادي والاجتماعي والثقافي، حيث تضع الروايات والذاكرة الثقافية تحت النقد والتحليل، مقدمةً أعمالاً تقف في مواجهة التصورات التاريخية السائدة.

نباتات مجهولة
تَخْرُجُ منحوتات النباتات المجهولة من الأدراج، ومن سطح الخزائن الفولاذية المخصصة لحفظ الملفات. هذه النباتات مُنْتَجة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يحوي التركيب الفني أيضاً، رسومات غرافيتية تحاكي الأسلوب التوثيقي للسجلات العلمية. تضع أسيل اليعقوب المتلقي أمام مقارنة بين النبات المتحرر من الأدراج التي تحفظ العينات النباتية وبين رسمه التوضيحي المعلّق على الجدار، لتفتح بذلك نقاشاً حول آليات التصنيف العلمي للنباتات وحدودها. ووفقاً للبيان الفني للعمل، يعتمد علماء النبات عند اكتشاف نوع جديد على مقارنته بالأنواع الموثقة سابقاً في السجلات العلمية، قبل منحه اسماً لاتينياً وإلحاقه بتوصيف جغرافي يحدد موطنه. كأن هوية النبات تختلط بهوية جديدة تحددها السجلات العلمية. تقدم الفنانة في شرح العمل مثالاً على زهرة الخزامى المعروفة في السعودية والكويت ومناطق أخرى، حيث تحمل الزهرة اسم «ديكسونيا»، وهو اسم أطلقه عليها عالم النبات البريطاني ويليام توريل، تكريماً للباحثة التي جمعت عيّنات الزهرة من منطقة الخليج وبعثت بها إلى الباحثين. كانت الزهرة حينها اكتشافاً جديداً بالنسبة إلى توريل، رغم أن لها اسماً محلياً وتاريخاً وعلاقة وثيقة بالناس والبيئة التي تنمو فيها. استقت أسيل من منهج التصنيف هذا، فكرة ابتكار نباتات هجينة متخيَّلة تجمع بين المحلي والغربي، رسمتها وصنفتها بدقة كأنها نباتات حقيقية، مشككةً فيما يمكن قبوله كحقيقة علمية في أرشيفات التصنيف النباتي لمنطقة الخليج، متسائلةً عمَّن يملك حق إطلاق المسميات وتحديد أبعاد المعرفة والتوثيق.
حياة معاكسة
ضمن اهتمام أسيل بالبحث في البيئة النباتية ومدى ارتباط وتفاعل الإنسان الخليجي معها، قدمت في عام 2018 بالتعاون مع الفنانة الكويتية علياء فريد، عملاً بعنوان «حياة معاكسة: حديقة نباتية مضيئة مخصصة للأشجار» وهو عمل تركيبي أُنْشِئَ خصيصاً لمركز جميل للفنون بدبي وعُرض على سطح المركز ممثِّلاً حديقة نباتية مجتمعية. يتألف العمل من نباتات وأشجار اصطناعية مضيئة موزعة على ست جزر، تحمل أسماء أحياء حضرية توجد بها هذه الأشجار، ومنها الشارقة، وتشونغشان في الصين، والأحمدي بالكويت. وتتنوع الأشجار الاصطناعية بين النخيل والصفصاف والزنبق والكرز وغيرها.

يطرح العمل عدة مفارقات، فهذه الأشجار المضاءة اندمجت مع مكونات الأحياء والأماكن العامة في الدول الخليجية رغم أنها مستوردة من الصين. ومن ناحية أخرى يمكن النظر إليها على أنها محاولة لاستعادة علاقتنا بالطبيعة بعد أن سيطر التوسع العمراني على المشهد، إلا أنها ليست طبيعية. تتساءل أسيل أيضاً عن سبب ميلنا غير المفهوم لاستبدال الاصطناعي بالواقعي، مع أن الاصطناعي أقل استدامة من المكونات الطبيعية المنسجمة مع البيئة، وقد أثبت العمل الفني نفسه هذه الفكرة، فبعد مرور أقل من عام منذ عرض العمل، تعرضت أجزاءه إلى التلف بفعل حرارة الشمس.
مائة جندي
من الملاحَظ أن التركيز على المفارقات، وتسليط الضوء على التباين من خلال البحث التاريخي الذي تقدمه أسيل في أعمالها، هو أسلوب فني يميزها وتستعين به أيضا بوصفه أداة للسخرية، كما نرى في فيلم «مائة جندي يتشقلب» الذي عُرض لأول مرة على منصة الفن المعاصر بالكويت، عام 2020. الفيلم عبارة عن مونتاج جديد لمجموعة من المواد الأرشيفية التي جمعتها على مدار أربع سنوات، من نشرات الأخبار والمقابلات والإعلانات والمسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والرسوم الكاريكاتورية وغيرها. يبدأ سرد الحكاية بمشاهد للحياة اليومية التي عاشها البريطانيون تحت شمس الكويت، تمهيداً لحدث إلغاء معاهدة الحماية البريطانية عام 1961 وإعلان استقلال الكويت. ثم تتسلسل أحداث دبلوماسية وتطورات عسكرية تمتد حتى وقتنا الحاضر.

يرافق الفيلم موسيقى من تأليف ملحنين كلاسيكيين مثل سيرغي بروكوفييف ومغنين مثل عبد الله الرويشد. اعتمدت الفنانة أسلوباً يمزج بين المشاهد الجادة، مثل لقطات اجتياح الكويت والمفاوضات، وبين لقطات مرحة، ومنها مقتطفات من الدور الشهير الذي لعبه الفنان عبد الحسين عبد الرضا لشخصية صدام حسين، ومقطع لمستر ريجيرز المقدم الأميركي المعروف لبرامج الأطفال، وهو يغني للجيرة الطيبة والأصدقاء. كما نلمس التباين بين المرئي والمسموع مثل شارة الفيلم، التي تقدم مشهداً من الرسوم المتحركة لمائة جندي يتشقلبون ويتكوم بعضهم على بعض، في حين تسمع وقع أقدام الجنود وهم يستجيبون للأوامر، كما نسمع إيقاعات المارشات العسكرية. هذا الأسلوب الذي اتبعته الفنانة يضع المتفرج أمام عرض يسخر فيه مشهد من آخر ويسخر فيه الصوت من الصورة. ينتهي الفيلم بمقاطع مؤثرة من أحداث سياسية ألمَّت بالمنطقة، مع ذكر المسافة التي يبعد بها كل بلد عن الكويت.




