حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور: اضطرابات الطاقة والشحن تهدد التعافي رغم توقع نمو 6.6 % في 2027

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
TT

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)

تضع تداعيات الحرب اقتصادات الشرق الأوسط أمام معادلة صعبة، إذ تتقاطع اضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة مع توقعات التعافي، في حين يظل مسار النمو رهناً بمدة الصراع وسرعة عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته.

وفي هذا السياق، حذَّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب، وتجدُّد الاضطرابات في إنتاج الطاقة ومسارات الشحن والبنية التحتية الحيوية يُمثِّلان أكبر المخاطر على اقتصادات المنطقة، متوقعاً انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان 1.3 في المائة في 2026، يعقبه نمو قوي بنسبة 6.6 في المائة في 2027، وإن كان التعافي متفاوتاً بين دول المنطقة.

وتأتي هذه التوقعات بعد نمو اقتصادات المنطقة بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المنتظَرة خلال العام الحالي، قبل الارتداد المتوقع في العام المقبل. غير أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين الاقتصادات، تبعاً لمدى تأثرها باضطرابات الطاقة والتجارة وقدرتها على استيعاب تداعيات الحرب.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، خلال مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك، إن تأثير الحرب يتفاوت بشدة بين اقتصادات المنطقة، مع تعرُّض الدول المتضررة مباشرة من اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة لضغوط أكبر. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الحكومات على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت، الخميس، 2.2 في المائة إلى 103.78 دولار للبرميل، في جلسة عكست استمرار حساسية أسواق الطاقة للمخاطر الأمنية واضطرابات الإمدادات. ورغم أن الأسعار المرتفعة توفر دعماً لبعض الموازنات العامة والمراكز الخارجية للدول المصدرة للنفط، فإن هذا الأثر لا يعوّض بالضرورة خسائر تعطل الإنتاج أو تراجع كميات التصدير.

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (أ.ف.ب)

تعافٍ مشروط

وتفترض توقعات الصندوق استئناف حركة التجارة والشحن بصورة طبيعية خلال الرُّبع الأول من 2027، على أن تعود الصادرات تدريجياً إلى مستوياتها المعتادة بحلول منتصف العام، مع بقاء أسعار النفط أعلى. ويظل هذا المسار مشروطاً بعدم تجدد الاضطرابات، إذ إن استمرار الحرب أو اتساع الأضرار التي تطول إنتاج الطاقة وطرق الشحن والبنية التحتية الحيوية قد يعرقلان التعافي المتوقع.

وأوضح أزعور أن الدول المصدرة للنفط التي تأثرت مباشرة بالحرب مرشحة لانكماش ملحوظ في 2026، يعقبه انتعاش قوي في العام التالي مع عودة الإنتاج والتجارة تدريجياً إلى طبيعتهما. لكنه أشار إلى أن الناتج سيظل دون المسار الذي كان الصندوق يتوقعه على المدى المتوسط قبل الحرب، بما يعكس الآثار الممتدة للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.

وتتفاوت حدة الصدمة الاقتصادية بين الدول المصدرة للطاقة في المنطقة، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الكويتي 16.7 في المائة، والعراقي 16 في المائة، والقطري 15.6 في المائة في 2026، مقابل 3.3 في المائة للسعودية و3.9 في المائة للإمارات، بينما يُنتظَر أن تسجِّل اقتصادات هذه الدول انتعاشاً قوياً في 2027 مع عودة الإنتاج والصادرات تدريجياً إلى طبيعتها. وتشير توقعات الصندوق إلى نمو الاقتصاد السعودي 7.9 في المائة، والقطري 18.8 في المائة، والكويتي 17.1 في المائة، والعراقي 19 في المائة في العام المقبل، في تعافٍ يعكس جزئياً الانخفاض الحاد المتوقع في العام الحالي، لكنه يظل مشروطاً بتراجع اضطرابات الطاقة والتجارة والشحن.

في المقابل، أظهرت الاقتصادات المستوردة للنفط قدراً أكبر من المتانة في مواجهة الصدمة، وفق أزعور، الذي أشار إلى أن مسار التعافي سيظل متفاوتاً بين دول المنطقة تبعاً لمدى تأثرها بالحرب وقدرتها على استيعاب تداعياتها.

سفن في مضيق «هرمز» كما تُرى من مسندم في عُمان (رويترز)

الخليج وأولويات ما بعد الحرب

وعلى صعيد متطلبات التعافي في دول الخليج، قالت الخبيرة في الاقتصاد والسياسات العامة، هزار كركلا لـ«الشرق الأوسط»، إن التطورات الأخيرة أثّرت على دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة، لكنها أبرزت أهمية بناء نموذج اقتصادي مرن قادر على استيعاب الصدمات والتكيف مع المتغيرات.

وأوضحت أن دول مجلس التعاون الخليجي تمكنت من الصمود أمام تداعيات الحرب بفضل مرونتها الاقتصادية والسياسات السليمة التي اعتمدتها خلال السنوات الأخيرة. وأضافت أن هذه الدول تمتلك المقومات الاقتصادية اللازمة لإعادة بناء ما تضرر واستعادة النشاط الاقتصادي على المدى القصير، تمهيداً لاستئناف تنفيذ المشاريع التنموية الاستراتيجية على المديين المتوسط والطويل. غير أنها أشارت إلى أن تحقيق ذلك يظل مرهوناً بإنهاء الحرب والتوصل إلى حل شامل ومستدام يعيد الأمن والاستقرار إلى دول المجلس.

وأشارت كركلا إلى أن الاستقرار شكّل على مدى عقود عاملاً أساسياً في جذب السياحة والفعاليات والخدمات والاستثمارات إلى دول مجلس التعاون الخليجي. وأوضحت أن الإنفاق في مرحلة ما بعد الحرب سيستهدف ضخ السيولة في الاقتصاد المحلي، وتعزيز أمن الطاقة ومرونة البنية التحتية، إلى جانب تطوير البنية التحتية للنقل وشبكات السكك الحديدية.

وأضافت أن تنفيذ هذه المشاريع يتطلب تمويلاً كبيراً واستثمارات واسعة، ما يستدعي تحديد مصادر التمويل المتاحة، بما فيها استثمارات القطاع الخاص، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار المالي. وشددت على أن الأولوية في مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن تتمثل في تهيئة بيئة مستقرة للأعمال واستعادة ثقة المستثمرين تدريجياً.

هوامش الأمان تتقلص

إلى ذلك، قال أزعور إن الفوائض المتاحة قبل الحرب، واللجوء إلى مسارات تصدير بديلة، والتكيف في الطلب على الطاقة، والسحب من المخزونات، ساعدت على احتواء جانب من الصدمة. إلا أن هذه الهوامش ليست بلا حدود، في ظلِّ تراجع المخزونات وانخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لتحركات حادة في الأسعار إذا تجدَّدت الاضطرابات.

ولا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة، إذ حذَّر الصندوق من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظلُّ الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظلِّ اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

وفي حين تتركز المخاطر المباشرة على اقتصادات الشرق الأوسط في اضطرابات الطاقة والتجارة وتشديد الأوضاع المالية، تمتد توقعات الصندوق إلى اقتصادات القوقاز وآسيا الوسطى، التي يُتوقع أن يتباطأ نموها إلى 5.2 في المائة في 2026 و5 في المائة في 2027، مقارنة بـ6.2 في المائة في 2025، مع استمرار تراجع التضخم من مستوياته المرتفعة.

أولوية الاستقرار المالي

ودعا أزعور الحكومات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وإعادة بناء الهوامش المالية التي تآكلت بفعل الصدمات، وتعزيز القدرة على التعامل مع اضطرابات مستقبلية. ويشمل ذلك تجنب الدعم الواسع وغير الموجّه، والاعتماد بدلاً منه على مساعدات مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات على المالية العامة.

وشدَّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية. كما حذَّر من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، مفضِّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات ويحافظ على استدامة المالية العامة.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة.

ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي عن آفاق الاقتصاد في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في دبي في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، متضمناً تقييماً أوسع لتداعيات الحرب ومسارات النمو والتضخم والسياسات الاقتصادية في المنطقة.


مقالات ذات صلة

شرط الـ15 % يعقّد إعادة هيكلة المصارف اللبنانية

خاص الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة خلال اجتماعه في واشنطن بالمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في سبتمبر (إكس)

شرط الـ15 % يعقّد إعادة هيكلة المصارف اللبنانية

كشفت المناقشات بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومسؤولين من بنوك لبنانية، عن استمرار التباين في المقاربات المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

أعلن صندوق النقد الدولي أنه بدأ التواصل مع السلطات العراقية لبرنامج تمويل جديد فيما يستهدف التوصل لاتفاق بشأن المراجعة الأخيرة لمصر قبل منتصف ديسمبر

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد راكب دراجة يمر أمام مبنى بنك كندا في أوتاوا (رويترز)

بنك كندا يتجه لرفع الفائدة لاحتواء امتداد تضخم الطاقة إلى بقية الاقتصاد

من المرجح أن يرفع بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس الأربعاء

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الاقتصاد مشهد من داخل البورصة المصرية (رويترز)

بورصة مصر تهوي 4 %... وتراجع قياسي للجنيه

قلصت بورصة مصر خسائرها إلى نحو 4 % مع إغلاق جلسة الأحد، التي شهدت تراجعات حادة شبه جماعية للأسهم، جرّاء تقييمات للمخاطر من مستثمرين أجانب تبعته حركة بيع جماعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)

الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

يضع صندوق النقد الدولي الاقتصاد العراقي أمام انكماش حاد خلال العام الحالي، قبل تعافٍ قوي متوقع في 2027.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة تقفز 3.6 % خلال الربع الثالث

عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
TT

إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة تقفز 3.6 % خلال الربع الثالث

عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)
عمال يعملون تحت أشعة الشمس بورشة بناء في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أرشيفية-رويترز)

سجلت إنتاجية العاملين في الولايات المتحدة نمواً يفوق التوقعات خلال الربع الثالث، ما أسهم في خفض تكاليف العمالة ودعم التقديرات التي تشير إلى أن سوق العمل لم تكن مصدراً لضغوط التضخم.

وقال مكتب إحصاءات العمل، التابع لوزارة العمل الأميركية، الخميس، إن إنتاجية العاملين في القطاعات غير الزراعية، التي تقيس حجم الإنتاج لكل ساعة عمل، ارتفعت بمعدل سنوي بلغ 3.6 في المائة خلال الربع الماضي، بعد زيادة معدَّلة بالرفع بلغت 2.1 في المائة خلال الربع الثاني.

كان اقتصاديون، استطلعت «رويترز» آراءهم، قد توقعوا ارتفاع الإنتاجية بمعدل 2.8 في المائة، مقارنة بمعدل نمو بلغ 1.4 في المائة وفق القراءة السابقة للربع الثاني.

وتتسم الإنتاجية بالتقلب على أساس فصلي، في حين سجلت نمواً بمعدل 2.1 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويأمل اقتصاديون وصانعو السياسات أن تؤدي الطفرة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق مكاسب كبيرة بالإنتاجية.

في المقابل، تراجعت تكاليف وحدة العمل، التي تقيس تكلفة العمالة اللازمة لإنتاج وحدة واحدة من السلع أو الخدمات، بمعدل 0.7 في المائة خلال الربع الثالث، في أول انخفاض لها منذ الربع الثاني من عام 2025، وذلك بعد ارتفاعها بمعدل 1.9 في المائة خلال الربع الثاني، وفق قراءة معدلة بالرفع.

وكان الاقتصاديون قد توقعوا ارتفاع تكاليف وحدة العمل بمعدل 0.6 في المائة، بعد زيادة بلغت 1.2 في المائة وفق القراءة السابقة. وعلى أساس سنوي، ارتفعت تكاليف العمالة بنسبة 2.4 في المائة.

تأتي هذه البيانات عقب صدور أرقام الأسبوع الماضي، والتي أظهرت ارتفاعاً معتدلاً في مؤشر تكلفة التوظيف خلال الربع الثالث، وهو أوسع المقاييس نطاقاً لقياس تكاليف العمالة.

ويرى صانعو السياسات والاقتصاديون أن سوق العمل لا تشكل مصدراً رئيسياً للتضخم. كما يمنح الاعتدال في نمو الأجور مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مجالاً أوسع للتركيز على ضغوط الأسعار المتزايدة الناجمة عن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وكان البنك المركزي الأميركي قد أبقى، الأسبوع الماضي، سعر الفائدة الرئيسي لليلة واحدة ضِمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، مع إقراره بأن التضخم «لا يزال مرتفعاً». ويتوقع اقتصاديون أن يعمد «الفيدرالي» إلى رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.


9.4 تريليون دولار ديون البلدان النامية وسط تصاعد أعباء خدمة الدين

شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
TT

9.4 تريليون دولار ديون البلدان النامية وسط تصاعد أعباء خدمة الدين

شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)

قفزت الديون الخارجية للبلدان النامية إلى مستوى قياسي بلغ 9.4 تريليون دولار خلال عام 2025، بزيادة 5.5 في المائة على أساس سنوي، في أسرع وتيرة نمو منذ عام 2021، وسط عودة قوية للاقتراض من الدائنين في القطاع الخاص، وانتعاش إصدارات السندات الدولية، لكن بتكلفة تمويل لا تزال مرتفعة، تضاعف الضغوط على الاقتصادات الأكثر فقراً، وتحد من قدرتها على توجيه الموارد نحو التنمية والاستثمار في رأس المال البشري.

ووفقاً لتقرير الديون الدولية لعام 2026 الصادر عن «مجموعة البنك الدولي»، سجل نمو الديون خلال العام الماضي معدلاً يقارب 4 أضعاف متوسط النمو المسجل خلال الفترة بين 2022 و2024، مع ارتفاع الدين الخارجي بوتيرة أسرع في البلدان الأكثر عرضة للمخاطر؛ حيث زاد بنسبة 8.1 في المائة، ليصل إلى 1.3 تريليون دولار في الدول المؤهلة للحصول على التمويل الميسر من «المؤسسة الدولية للتنمية» التابعة للبنك الدولي.

وكان التمويل من القطاع الخاص المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، إذ ارتفعت إصدارات السندات من المؤسسات العامة والجهات المدعومة حكومياً بنحو 35 في المائة، لتصل إلى 251 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها خلال 5 سنوات، مع عودة عدد من البلدان النامية إلى أسواق السندات الدولية.

وقالت هايشان فو، رئيسة الخبراء الإحصائيين، ومديرة «مجموعة بيانات التنمية في البنك الدولي»، إن عودة الدائنين من القطاع الخاص إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تُمثل تطوراً إيجابياً، لكن هذه البلدان باتت تقترض أكثر وتدفع تكاليف أعلى، في وقت لا يتبقى لديها في كثير من الحالات سوى موارد أقل لتمويل التنمية طويلة الأجل.

وأضافت أن الإدارة المسؤولة عن الديون تتيح للجميع، بمن فيهم الأجيال المقبلة، فرصة تحقيق الازدهار.

تكلفة اقتراض مرتفعة

ورغم تحسن فرص الوصول إلى التمويل الدولي، لا تزال تكلفة الاقتراض مرتفعة، خصوصاً بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل. وبلغ متوسط سعر الفائدة الذي دفعته الدول المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية على ارتباطاتها الجديدة تجاه الدائنين من القطاع الخاص 8.2 في المائة خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ عام 1989، فيما وصلت الفائدة على السندات الجديدة إلى 9.4 في المائة.

واتسعت الفجوة بين أسعار الفائدة التي تدفعها هذه البلدان للدائنين الرسميين وتلك التي تدفعها للقطاع الخاص، من 3.4 نقطة مئوية في عام 2016 إلى 5.5 نقطة مئوية في عام 2025.

وفي المقابل، بلغ متوسط سعر الفائدة على السندات الجديدة للبلدان المؤهلة فقط للحصول على قروض غير ميسرة من البنك الدولي للإنشاء والتعمير 5.5 في المائة، انخفاضاً من 5.8 في المائة في العام السابق.

وأشار التقرير إلى أن حكومات عديدة أصدرت سندات جديدة لإعادة تمويل ديون اقترب موعد استحقاقها، في خطوة أسهمت في تحسين آجال السداد من دون خفض أرصدة الديون بصورة ملموسة، وغالباً بأسعار فائدة أعلى.

واستمر إقبال البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على أسواق السندات الدولية رغم ارتفاع تكاليف التمويل، إذ تجاوزت إصدارات أكثر من 10 بلدان بحلول منتصف أغسطس (آب) 2026 إجمالي إصداراتها خلال عام 2025 بأكمله، فيما عادت بلدان أخرى إلى هذه الأسواق.

أعباء خدمة الدين

وفي ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، ظلّت أعباء خدمة الدين مرتفعة، إذ سددت البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل نحو 1.4 تريليون دولار من أصل الديون والفوائد خلال عام 2025، بزيادة 1.9 في المائة، مسجلة بذلك ارتفاعاً سنوياً للعام الخامس على التوالي.

وارتفعت المدفوعات لحاملي السندات إلى 363 مليار دولار، مدفوعة جزئياً بعمليات إعادة شراء الديون والسداد المبكر الممول من خلال إصدار سندات جديدة.

وخلال الفترة من 2022 إلى 2025، سددت البلدان النامية لخدمة ديونها مبالغ تجاوزت ما تلقته من تمويل جديد بنحو 436 مليار دولار. غير أن هذا الاتجاه انعكس خلال عام 2025، إذ تحوَّلت تدفقات الديون طويلة الأجل من صافي تدفقات خارجة بلغ 118 مليار دولار في عام 2024 إلى صافي تدفقات داخلة بقيمة 45 مليار دولار.

ولفت التقرير إلى أن تحركات أسعار الصرف أسهمت أيضاً في زيادة أعباء الديون، إذ يعود أكثر من ربع الزيادة البالغة 303 مليارات دولار في قيمة الدين العام والمضمون من الحكومة إلى تأثير تراجع الدولار الأميركي في قيمة الديون المقومة بعملات أخرى عند تحويلها إلى الدولار.

وبالنسبة إلى عدد من أكبر المقترضين بشروط ميسرة، تجاوز أثر تحركات أسعار الصرف قيمة أصل الدين الذي سددوه خلال عام 2025، ما أدى إلى ارتفاع أرصدة ديونهم المسجلة رغم استمرارهم في سداد التزامات خدمة الدين.


مسؤولة في «الفيدرالي»: خفض التضخم إلى 2 % يتطلب مزيداً من رفع الفائدة تدريجياً

بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

مسؤولة في «الفيدرالي»: خفض التضخم إلى 2 % يتطلب مزيداً من رفع الفائدة تدريجياً

بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، الخميس، إن البنك المركزي الأميركي لا يزال أمامه مزيد من العمل لخفض التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة، مشيرة إلى أن ضغوط الأسعار لا تزال مرتفعةً بصورة غير مقبولة.

وأضافت هاماك، في نصِّ كلمة أعدتها لإلقائها خلال فعالية في زيوريخ، أنها تتوقع أن تتجه السياسة النقدية نحو مستوى تقييدي من أجل إعادة التضخم إلى 2 في المائة خلال فترة زمنية مناسبة.

ورغم أنها لم تحدِّد موعداً للزيادة المقبلة في أسعار الفائدة، فإنها أوضحت أنها تفضِّل الوصول إلى هذا المستوى من خلال زيادات أصغر وأكثر تقارباً كلما أمكن، عادة أن هذا النهج سيكون أقل إرباكاً للأسر والشركات والأسواق المالية، وفق «رويترز».

وقالت إن الزيادات التدريجية من شأنها أيضاً الحد من مخاطر تأخر السياسة النقدية عن المستوى المطلوب، والحيلولة دون ترسخ عقلية تضخمية في الاقتصاد.

وكان «الفيدرالي» قد أبقى أسعار الفائدة الرئيسية، الأسبوع الماضي، ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، رغم إقرار صانعي السياسة النقدية بأن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية. وكان البنك قد رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بينما تتوقع الأسواق المالية على نطاق واسع زيادة أخرى في ديسمبر (كانون الأول).

وصوَّتت هاماك، إلى جانب عضوة مجلس محافظي «الفيدرالي» ليزا كوك، ضد قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، مفضلتين رفعها. وكانت هاماك قد عارضت أيضاً قرار تثبيت الفائدة في أواخر يوليو (تموز).

وترى هاماك أن السياسة النقدية والأوضاع المالية الأوسع نطاقاً لا توفران حتى الآن مستوى التشديد اللازم لكبح النشاط الاقتصادي والتضخم، وهو ما يستدعي، بحسب موقفها، رفع تكاليف الاقتراض قصير الأجل.

وفي كلمتها، شدَّدت هاماك على أهمية استقلالية البنوك المركزية لتحقيق استقرار الأسعار، مضيفة أن «الاحتياطي الفيدرالي اكتسب المصداقية» بصفته مؤسسة تستند في قراراتها إلى الأدلة والبيانات الاقتصادية، وليس إلى الضغوط السياسية.

مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية

وخصَّصت هاماك جانباً كبيراً من كلمتها لدور الدولار وأهميته على الساحة العالمية، مؤكدة أن العملة الأميركية لا تزال تتصدَّر العملات الاحتياطية العالمية بفارق كبير، بفضل قوة المؤسسات الأميركية والنظام القانوني في البلاد.

وقالت إن مكانة الدولار تعتمد على الحفاظ على المقومات الأساسية التي تدعم قوته وتوفر قاعدة متينة لأي عملة، مشيرة إلى أن ذلك يشمل الحفاظ على استقلالية البنك المركزي بما يتيح له تنفيذ مهامه.

وأضافت أنها لا تتوقع فقدان الدولار دوره العالمي، موضحة أنه من الممكن أن تكون حصة العملة الأميركية من الاحتياطات العالمية قد بلغت ذروتها، لكن من الصعب تصور حدوث تغييرات كبيرة وشيكة في دورها الدولي.

كما استبعدت أن تُشكِّل العملات المشفرة تهديداً لمكانة الدولار في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن التقلبات الحادة في أسعارها تجعلها أقل موثوقية بوصفها مخزناً للقيمة مقارنة بالعملة الأميركية.

وقالت: «إلى أن تتم معالجة هذه المشكلات، أظل متشككة في أن تُشكِّل العملات المشفرة تهديداً لمكانة الدولار».