بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والدراما التلفزيونية، تخوض المخرجة السعودية هناء العمير تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل من خلال فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس عن رواية الكاتب السعودي أسامة المسلم. ويشارك الفيلم في الدورة المقبلة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، قبل طرحه في صالات السينما السعودية في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وتضع هذه الخطوة هناء العمير أمام تحدٍ مختلف، يتمثل في تحويل رواية حققت انتشاراً واسعاً بين القراء إلى تجربة سينمائية تجمع التشويق والغموض والرعب.
وفي حديثها إلى «الشرق الأوسط»، تتوقف هناء العمير عند خصوصية تجربتها الجديدة، والمسؤولية التي يفرضها جمهور الرواية، وأهمية المحافظة على تصاعد الإيقاع والحالة النفسية للشخصيات، كاشفة عن انجذابها إلى الشخصيات المركبة التي تحمل تناقضات إنسانية، وتتحرك في المساحة الرمادية بين الخير والشر.
تجربة انتظرتها طويلاً
تصف هناء العمير انتقالها إلى الفيلم الروائي الطويل بأنها خطوة طال انتظارها، وتجربة تطلبت منها تركيزاً مكثفاً على التفاصيل، خصوصاً مع طبيعة الحكاية التي تتلاحق أحداثها خلال فترة زمنية قصيرة. وتقول: «الفيلم السينمائي الطويل تجربة كنت أنتظرها منذ زمن. والحقيقة أنها من أمتع التجارب في الإخراج، لأن الفيلم يتطلب التركيز بشكل مكثف في كل تفصيلة. وفي قصة (جحيم العابرين) تحديداً، كل عنصر من عناصر العمل هو بطل». وأردفت: «لأن القصة مكثفة وأحداثها تدور في نحو يوم واحد، فإنها تتطلب استمرارية في الحالة النفسية للأبطال، وكذلك تتطلب تصاعداً في الإيقاع، وهذا كان أكثر ما يشغلني: إيقاع العمل وتصاعده حتى النهاية».
وسبق لهناء العمير أن خاضت تجربة التشويق والغموض في مسلسل «وساوس»، الذي عُرض على منصة «نتفليكس» عام 2020، وتناول أسرار عائلة ثرية تتكشف عقب وفاة كبيرها، وسط شكوك تحيط بعلاقات أفرادها وماضيهم. أما في تجربتها السينمائية الجديدة، فتنتقل إلى حكاية تدور أحداثها في أجواء أكثر قتامة، وعلى امتداد رحلة ليلية تتحول تدريجياً إلى كابوس تبدأ فصوله على طريق منعزل، حيث تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت سيارته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعور غامض بالقلق. لكن الرحلة تأخذ منعطفات مخيفة مع توالي الأحداث الغريبة، لتصبح النجاة هاجس الشخصيات في مواجهة المجهول.
تحدي جمهور الرواية
يستند الفيلم إلى رواية صدرت عام 2021، وتحمل ملامح الأسلوب الذي اشتهر به أسامة المسلم، من خلال المزج بين الرعب والغموض والفانتازيا، واستثمار المواقف المألوفة في بناء أحداث تتجه نحو عوالم مقلقة وغير متوقعة. كما تطرح شعبية الرواية تحدياً إضافياً أمام المخرجة، خصوصاً أن قراءها يحملون تصورات مسبقة عن الشخصيات والأحداث، بينما يفرض تحويل النص الأدبي إلى فيلم اختيارات بصرية ودرامية محددة.
وعن حجم هذه المسؤولية، تجيب هناء العمير: «بالطبع، كون الرواية لها جمهور واسع، فهذا يضع مسؤولية كبيرة علي كوني مخرجة، فكل قارئ رسم صورة خاصة لعالم القصة وللأبطال، وقد تختلف عما هو موجود في الفيلم. فلو أعطيتِ قصة لعشرة مخرجين، سيختلف تناول كل مخرج عن الآخر. كذلك من المهم جداً للفيلم أن يكون ممتعاً بحد ذاته، وأن يستمتع به من قرأ الرواية ومن لم يقرأها، وهنا يكمن التحدي. وأتمنى أن أكون قد وفقت في هذا». كما يكتسب هذا التحدي خصوصية مع تولي المسلم كتابة السيناريو بنفسه، في تجربة تجمع صاحب النص الأدبي والمخرجة التي تتولى نقله إلى السينما، بما تحمله هذه العملية من اختلاف بين حرية التخيل أثناء القراءة ومتطلبات السرد السينمائي.
شخصيات بين الخير والشر
وعن العنصر الذي جذبها إلى «جحيم العابرين»، تتوقف هناء عند شخصياته المركبة وما تحمله من تناقضات إنسانية، مشيرة إلى أن طبيعة الشخصيات تمثل أحد أهم معاييرها في اختيار الأعمال التي تتولى إخراجها. وتوضح: «ما جذبني إلى هذا العمل هو شخصياته. بالنسبة لي، دائماً مفتاح أي عمل هو شخصياته. كلما كانت الشخصيات مختلفة عن المعتاد، كانت مغرية بالنسبة لي باعتباري مخرجة. وأهم شيء بالنسبة لي هو أن تكون الشخصية ثلاثية الأبعاد، وتحمل درجات متفاوتة من الرمادي (أي أنها لا تمثل الخير المطلق ولا الشر المطلق)، وإنما شخصية طبيعية بها جوانب مظلمة وجوانب خيّرة، وتحمل تناقضاتها الخاصة».
يشار إلى أن «جحيم العابرين» يأتي ضمن شراكة أعلنت عنها استوديوهات MBC مع الكاتب أسامة المسلم قبل نحو عامين، لتحويل عدد من رواياته إلى أعمال سينمائية ودرامية. وقد صُورت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي. وتولى سفيان الفاني إدارة التصوير، فيما يحمل العمل توقيع المنتج محفوظ الزهراني، وتنفيذ شركة Aflam Production، وتتولى شركة قنوات توزيعه.




