فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فيها ثمارٌ تَخَالُها يَنَعَتْ... وليس يُخشَى فسادُ يانِعِها

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
TT

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات. يحوي هذا الموقع الأثري سلسلة من الألواح الفسيفسائية الأرضية التي تزيّن قاعاته، كشفت عنها حملة تنقيب استمرت من عام 1979 إلى عام 1985، منها لوح كبير خرج إلى النور بشكل كامل عند اكتشافه، غير أنه تعرّض لاحقاً لحادث طبيعي أفقده كثيراً من عناصره. تظهر مكوّنات هذا اللوح في صور التُقطت قبل وقوع هذا الحادث، وتؤلف مشهداً تصويرياً يجمع بين سلسلة متنوّعة من البهائم، تصطفّ حول صيّاد يحتلّ وسط التأليف.

يتكوّن قصر الحلابات من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. يزيّن هذا اللوح الاستثنائي أرض غرفة حملت رقم 11 في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع، ويتبع أسلوباً تقليدياً راج بشكل واسع في سائر أقاليم العالم المتوسّطي. يحضر المشهد التصويري داخل إطار مزدوج يتألّف من شريطين يتبنّى كلّ منهما طرازاً خاصاً. يشكّل الشريط الأول إطاراً خارجياً، وهو تجريدي هندسي، ويتألف من سلسلة من المربعات المائلة، تحضر وسط سلسلتين متواجهتين من المثلثات، صيغت بحلّة لونية ترابيّة، تناوب فيهما الأسوَد والبنّي. اتخذت المربعات المائلة حلّة مشابهة، وبدا كلّ منها على شكل مُعين أبيض يتوسّطه مُعين صغير صيغ بهذين اللونين. يشكّل الشريط الأول إطاراً داخلياً، وهو تصويري نباتي، ويتألف من أغصان حلزونية تتدلّى منها عناقيد العنب. تشكّل هذه الدوالي شريطاً زخرفياً متقناً، وتتبع في صياغتها اللونية حلّة مختزلة تقتصر كذلك على الألوان الترابية.

تستقرّ البهائم وسط هذا الإطار المزدوج، ويقف الصياد بينها في فضاء مجرّد، وفقاً للغة تشكيلية ملتبسة يصعب تحديدها في خانة ثابتة. ينفي المصور نقطة التقاء الصياد والحيوانات بالأرض التي يقفون عليها، معتمداً على مبدأ التنضيد. يغيب الشق الظاهر للبعد الأمامي فتتحرّر الكائنات من قوانين الجاذبية وتبدو في حركاتها المتعددة كأنها تحلّق في فضاء عمودي. يحافظ القسم الأكبر منها على صورته الطبيعية بثقلها الواقعي، لكن أحجامها تخرج عن المنطق الطبيعي. في القسم الأيسر من تأليف الصورة، يظهر أسد وأفعى ومعزاة. وفي القسم الأيمن، يظهر ثور وكبش وطيور من فصائل متعددة. وفي وسط الصورة، يحضر الصياد، وهو حافي القدمين، ويرتدي سروالاً يعلوه قميص ينسدل فوق ركبتيه. نراه رافعاً بيده اليسرى فوق ظهره عصا يتدلى منها أرنب اصطاده، قابضاً بيده اليمنى على حبل يلتف حول عنق نعامة كبيرة. تحيط بهذه الكائنات مجموعة من الشجيرات تختلف في الحجم والشكل، أبرزها شجرة تحتل وسط الجزء الأعلى من التأليف، تتميز بثمارها المتدلية من أغصانها.

في القسم الأعلى، يظهر الأسد في وضع جانبي، ويظهر الثور في وضعية مشابهة، وتفصل بينهما الشجرة المثمرة. يحني الليث رأسه في اتجاه الثور كأنه يستعدّ للانقضاض عليه، كاشفاً عن مخالب كبيرة تخرج من أطراف قوائمه الأربعة. يأخذ الثور طابعاً وحشياً، ويحضر في حركة موازية كأنه يستعدّ لمحاربة خصمه، كاشفاً عن قرنين طويلين يعلوان قمة رأسه. صُوّر وجه الأسد في وضعية المواجهة، وبدت ملامحه واضحة، وقوامها عينان ضخمتان جاحظتان، وأنف أفطس، وشدق عريض. في المقابل، صُوّر وجه الأسد في وضعية نصف جانبية، وتميّزت ملامح وجهه كذلك بطابع عدائي وحشيّ. تظهر الأفعى تحت قوائم الأسد، وتبدو كأنّها تنسلّ أفقياً في الفضاء، وسط ثلاث شجيرات ترتفع في الأفق. يربض الثور فوق شجرتين تماثلان في تكوينهما الشجرة الكبيرة، وتظهر في طرف التأليف ثلاثة طيور صوّرت في وضعية جانبية، منها طير يبدو من فصيلة الحجل.

في القسم الأوسط من التأليف، يحل الصياد وسط شجيرتين بسيطتين خلت أغصانهما من الثمار، وتحوط به نعامتان كبيرتين صوّرتا جانبياً كأنهما متواجهتان. تتميّز هذه النعامة بحجمها الضخم، والشائع أنها الكبيرة من الطير، وتشتهر بقوتها وسرعتها، وهي معروفة في بلاد العرب، كما يشهد قول أبي كثوة: «ولّى نعام بني صفوان زوزأة / لما رأى أسداً بالغاب قد وثبا». في القسم الأسفل، يحلّ الكبش تحت قدمي الصياد، ويظهر في وضعية جانبية شاخصاً في اتجاه معزاة كبيرة في وضعية مماثلة. ومن خلف هذا الكبش، نعامة أخرى تبدو أصغر حجماً.

يبدو هذا اللوح استثنائياً في الميراث الأموي، ويتميّز بحضور عنصر آدمي يتمثّل هنا بصياد يحمل طريدته وسط مجموعة متنوعة من الدواب والطيور. يشكّل هذا المشهد في الواقع امتداداً لتقليد فني ازدهر في الحقبة البيزنطية ازدهاراً كبيراً في الأردن، كما تشهد مجموعة هائلة من أرضيات كنائس تعود إلى تلك الحقبة. ويبدو أن هذا التقليد تواصل مسيحياً في هذه البقاع خلال الحقبة الأموية، وبلغ الحقبة العباسية، كما تؤكد الشواهد الأثرية التي تم الكشف عنها في العقود الماضية. تبنّى الأمويون هذا الفن وبرعوا به، وتجلّى هذا الإبداع في حلل أشهر مساجدهم وأكبرها، كما في أرضيات عمائرهم المدنية. أشار شهاب الدين العمري إلى هذا الفن في كتابه «مسالك الأبصار»، وكتب في وصفه: «والفسيفساء مصنوع من زجاج يُذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق، ومن هذا النوع المسحور، وأمّا الملوّن فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي».

استعاد محمد كرد علي هذا النص في موسوعته «خطط الشام»، وكتب معلّقاً: «ووصف ابن فضل الله هذا يمكن أن يُستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصّت بها القسطنطينية قد نُقلت إلى الشام وجود عملها». كما نقل العلّامة السوري عن ابن عساكر أبياتاً شعرية قيلت في وصف هذا الفن، ومنها:

إذا تفكرت في الفصوص وما

فيها تيقّنت حذق راصعها

أشجارها لا تزال مثمرة

لا تذهب الريح من مدافعها

كأنها من زمرد غُرست

في أرض تِبْرٍ تغشى بفاقعها

فيها ثمارٌ تَخَالُها يَنَعَتْ

وليس يُخشَى فسادُ يانِعِها


مقالات ذات صلة

السرد المضاد في حكاية سنمّار

ثقافة وفنون سعيد الغانمي

السرد المضاد في حكاية سنمّار

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية.

محمد خضير سلطان
ثقافة وفنون تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب

سعاد جروس (دمشق)
ثقافة وفنون كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير.

ندى حطيط (لندن)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.