ما فُرص الاتفاق على «رئاسي» جديد يُمهد للانتخابات الليبية؟

في ظل اعتراضات حول تعديلات تشريعية أجراها مجلس النواب

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

ما فُرص الاتفاق على «رئاسي» جديد يُمهد للانتخابات الليبية؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

تتجه الأنظار في ليبيا إلى شكل السلطة التنفيذية التي قد تتولى إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، بعدما انتقل النقاش من القواعد المنظمة للانتخابات إلى السؤال الأصعب حول فرص الوصول إلى اتفاق ليبي حول مجلس رئاسي جديد، يحكم البلاد خلال الفترة التي تسبق الوصول إلى صناديق الاقتراع؟

ويزداد هذا التساؤل مع اقتراب جلسة مجلس الأمن حول الاتفاق الذي توصلت إليه لجنة «4 + 4» نهاية أغسطس (آب) الماضي، الذي يربط إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، على أن تُجرى خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً من تاريخ تشكيلها.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

* إعادة تشكيل السلطة التنفيذية

يكتسب ملف المجلس الرئاسي الجديد حساسية خاصة، وذلك لارتباطه بتوزيع النفوذ بين شرق ليبيا وغربها، في ظل استمرار الانقسام بين حكومة «الوحدة الوطنية»، التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ويرى عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي أن الحديث عن السلطة الجديدة والانتخابات «لا يزال بحاجة إلى بعض الوقت»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن خطوات البعثة الأممية ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، لم تتضح بصورة نهائية، خصوصاً في ظل رفض قوى سياسية ومسلحة في غرب البلاد لاتفاق «4 + 4».

وازداد الحديث عن احتمال إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في أعقاب التحركات الأميركية التي يقودها بولس، والاتصالات التي جرت بين ممثلين عن القيادة العامة وحكومة «الوحدة»، والتي تطرقت، وفق تقديرات سياسية، إلى ترتيبات المرحلة المقبلة، وشكل السلطة الموحدة.

وربطت تقارير محلية هذه التحركات بترتيبات محتملة لتقاسم السلطة، من بينها بقاء الدبيبة في رئاسة الحكومة، وتولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، إلا أن بولس نفى أن تكون تحركات بلاده قائمة على «صفقة بين النخب».

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

غير أن الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد مطيريد، يتوقع إعلان سلطة تنفيذية جديدة، تضم مجلساً رئاسياً وحكومة موحدة منتصف الشهر الحالي، عقب الإحاطة المرتقبة للمبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن.

ويستند مطيريد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى ما يصفه باتصالات أميركية مكثفة بين ممثلين عن القيادة العامة وحكومة «الوحدة»، تناولت توحيد السلطة وتوزيع بعض الوزارات السيادية، عاداً أن البعثة الأممية ركزت بدرجة أكبر على الإطار القانوني للانتخابات، بينما أصبح التوافق على السلطة الجديدة ملفاً سياسياً، تتعامل معه واشنطن بصورة مباشرة.

في المقابل، لم يستبعد عضو المجلس الأعلى للدولة، صالح جعودة، أن «تتجه البعثة إلى لجنة حوار سياسي كآلية لتشكيل السلطة التنفيذية»، مؤكداً «تمسك مجلسه برفض لجنة 4 + 4» واتفاقها.

* «غطاء لتقاسم السلطة»

بدا إقرار مجلس النواب في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي تعديلات على قانون انتخاب رئيس الدولة، تأسيساً على مخرجات اتفاق «4 + 4»، مثار اعتراضات كثيرة، وشكوك لدى سياسيين ليبيين، بوصفها «غطاء لتقاسم السلطة»، وفق توصيفهم.

في هذا السياق عدّ رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، أن «إقرار هذه القوانين جاء غطاء لصفقة تقاسم سلطة بين القوى الفاعلة، ستحرص على التشبث بمواقعها وعرقلة الانتخابات»، ورجح إعلان السلطة التنفيذية الجديدة «نهاية العام أو مطلع العام المقبل»، بعد حسم ملف المناصب السيادية، الذي يمثل أحد أبرز الملفات الخلافية بين القوى الليبية.

وتحدث معزب لـ«الشرق الأوسط» عن انطباعاته بشأن زيارة وفد حكومة «الوحدة» المنضوي في لجنة «4 + 4» إلى مجلسه، موضحاً أنها ركزت على تمرير الشق الانتخابي، لكنها تجاهلت التساؤلات المتعلقة بموعد وآلية تشكيل السلطة التنفيذية، عادّاً أن ذلك يعزز التكهنات بشأن تقاسمها فعلياً بين ممثلي حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني».

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في سبتمبر الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

وفتح تعديل قانون انتخاب رئيس الدولة، الذي أقره مجلس النواب أخيراً، باب الترشح أمام العسكريين ومزدوجي الجنسية، مع إلزام الفائز بالتخلي عن الجنسية الأجنبية، أو الاستقالة من الخدمة العسكرية قبل أداء اليمين الدستورية، كما ألغى جولة الإعادة في حال حصول أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة، أي 50 في المائة زائد صوت واحد.

ويرى جعودة أن هذه التعديلات يمكن الطعن فيها، مشيراً إلى اعتراض مجلسه على جلسة مجلس النواب التي أقرت الاتفاق، فيما يعد معزب أن تمرير القوانين الانتخابية من دون توافق سياسي واسع قد يعكس ترتيبات أوسع لتقاسم السلطة بين القوى الموجودة على الأرض.

ولا يقتصر الاختبار المقبل على تسمية أعضاء المجلس الرئاسي أو رئيس الحكومة، وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن حسم المناصب السيادية سيكون مؤشراً مبكراً إلى طبيعة التفاهمات المقبلة بين طرفي الانقسام الليبي، خصوصاً مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، في ظل التنافس على إدارة الموارد والمؤسسات الاقتصادية.

وخلص العبدلي إلى أن «الوضع قد يظل هادئاً لحين إعلان تشكيل السلطة ومعرفة الأسماء التي تضمها»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية الليبيين يركزون على أوضاعهم المعيشية، ويأملون أن يحرك الاتفاق الجمود الراهن، حتى لو اقتصر الأمر على انتخابات نيابية تفرز برلماناً يخفف معاناتهم».


مقالات ذات صلة

اختفاء أكاديمي ليبي في غرب طرابلس يعيد عمليات الخطف إلى الواجهة

شمال افريقيا الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)

اختفاء أكاديمي ليبي في غرب طرابلس يعيد عمليات الخطف إلى الواجهة

أثار اختفاء الأكاديمي والإعلامي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري في غرب طرابلس مطالبات حقوقية وأسرية بكشف مصيره، وفتح تحقيق في ظروف غيابه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح خلال جلسة سابقة (المركز الإعلامي لصالح)

هل تمهّد جلسة «النواب» الليبي المنتظرة لإقالة عقيلة صالح؟

يواجه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح اختباراً جديداً مع تحرك أعضاء في المجلس لانتخاب رئيس جديد خلفاً له بالتزامن مع جلسة مرتقبة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التشادي أحمد كوقوري والمكلّف بوزارة الخارجية بـ«الوحدة» الليبية الطاهر الباعور يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

مباحثات بين ليبيا ومصر وتشاد لمكافحة الإرهاب وتفعيل «الساحل والصحراء»

تكثف مصر وليبيا وتشاد التعاون الإقليمي في مواجهة التحديات الأمنية والإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود بالتوازي مع تحركات لإعادة تجمع دول الساحل والصحراء

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية في «ملتقى الزاوية مصراتة» يوم 3 أكتوبر (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يصالح قادة تشكيلات الزاوية المسلحة بعد تعهده بتفكيكها

يسعى رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة إلى استيعاب التشكيلات المسلحة في الزاوية واحتواء خلافاتها، في تحول لافت عن تعهداته السابقة بتفكيكها.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)

خلافات «النواب» الليبي تضع رئاسة عقيلة صالح على المحك

تضع خلافات متصاعدة داخل مجلس النواب الليبي رئاسة عقيلة صالح على المحك، وسط تحركات لتعديل اللائحة الداخلية وإعادة انتخاب قيادة المجلس.

جاكلين زاهر (القاهرة)

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)
رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)
TT

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)
رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)

نفّذ الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه عمليات عسكرية في ولاية غرب دارفور على الحدود مع تشاد، وشن هجمات ضد «قوات الدعم السريع» في عدة محاور بالإقليم.

يجيء هذا بينما طالب الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، السلطات السودانية بمعالجة مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية بصورة «عاجلة وموضوعية وشفافة».

وتزامناً مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية بين طرفي الحرب في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، أعلن حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، استعادة السيطرة على عدد من المناطق في ولاية غرب دارفور.

جنود في مطار الخرطوم لدى وصول حاكم دارفور مني أركو مناوي بعد مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)

وقال مناوي في منشور على صفحته الرسمية على «فيسبوك»، مساء الاثنين: «هذه الانتصارات ليست مجرد تقدم على الأرض، بل هي رسالة واضحة بأن دارفور عصية على الاختطاف»، مؤكداً أن المعركة الحقيقية هي استعادة الإقليم وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية.

ونشر أفراد من «القوة المشتركة» مقاطع فيديو يؤكدون فيها السيطرة على منطقة بئر أم سليبة بولاية غرب دارفور، بينما لم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع»، ولم يتسنّ التحقق من الأمر من مصادر مستقلة.

«القوة المشتركة»

ويقود مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، أحد أبرز الفصائل المكوِّنة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي انحازت إلى الجيش في مواجهة «قوات الدعم السريع» بعد نحو عام من اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

وتقع منطقة بئر أم سليبة الاستراتيجية على بعد 50 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.

وقالت «تنسيقية لجان مقاومة الفاشر» في بيان نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك» إن «معركة تحرير الجنينة قد بدأت... ولن تنتهي إلا باسترداد الأرض وعودة أهلها».

وتُعد هذه المرة الثانية منذ أشهر التي يحاول فيها الجيش السوداني والقوات المساندة له إحداث اختراق في غرب دارفور، التي تقع تحت سيطرة «الدعم السريع».

أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم الدولي لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)

وتأتي المعارك في دارفور في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إقليم النيل الأزرق الذي يشهد تصعيداً عسكرياً متزايداً، مع تكثيف العمليات البرية على الأرض واستمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تشنها «قوات الدعم السريع» على العاصمة الدامازين.

وتفرض «قوات الدعم السريع» سيطرتها على ولايات إقليم دارفور الخمس، منذ إحكام قبضتها على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور أواخر العام الماضي، باستثناء جيوب محدودة لا تزال تحت سيطرة القوات المشتركة أو مجموعات محلية.

الاتحاد الأوروبي

من جهته، عبَّر الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ إزاء مزاعم استخدام هذه الأسلحة، وذلك من خلال كلمة ألقتها الممثلة الدائمة لآيرلندا لدى منظمة «حظر الأسلحة الكيميائية»، آن ديروين، بالدورة (113) للمجلس التنفيذي في لاهاي.

وقالت المسؤولة الأوروبية: «أُحيلت هذه المسألة إلى المجلس التنفيذي بموجب المادة التاسعة، الفقرة الرابعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية»، مضيفةً أن الأمانة العامة بالاتحاد ترصد جميع الأوضاع ذات الصلة، معلنة استعدادها لتقديم المساعدة متى طُلب منها ذلك وفق أحكام الاتفاقية.

وذكرت ديروين أن المعيار العالمي المناهض لاستخدام الأسلحة الكيميائية يتعرض لتحديات، داعية «الأمانة العامة إلى أداء مهامها بكفاءة وفاعلية في الاستجابة لأي طارئ».

وسبق أن رفضت الحكومة السودانية اتهامات ساقتها الإدارة الأميركية لها باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب، مشيرة إلى أن واشنطن لم تقدم أدلة يمكن الاعتداد بها، ولم تلجأ إلى آليات التحقق المتاحة داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

لقاء بولس والبرهان

من جانب آخر، أعلن كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الاثنين، عبر منصة «إكس»، أنه التقى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مطلع الأسبوع في مصر.

وقال: «نؤكد مجدداً الجهود المستمرة التي تبذلها الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع شركائنا المصريين وشركائنا وحلفائنا الإقليميين والدوليين الآخرين، من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة».

كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

وجاء هذا اللقاء النادر بعد أقل من أسبوعين من امتناع واشنطن عن منح تأشيرة دخول للبرهان قبل زيارته المقررة إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة قالت مصادر سودانية ومصادر أخرى إنها مرتبطة بمقترح لوقف إطلاق النار تدعمه الولايات المتحدة وترفضه الخرطوم.

وقال بولس إن الولايات المتحدة على استعداد لدعم جميع الجهود التي تؤدي إلى حوار شامل بين القوى السياسية السودانية، مما يقود إلى خريطة طريق أولية لمستقبل السودان.

وأسفرت الحرب السودانية عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 14 مليون نسمة، وفق تقديرات عاملين في المجال الإنساني، كما تسببت في أكبر أزمة جوع في العالم.


مصريون يعدون روايات مصوّرة عن حرب أكتوبر بالذكاء الاصطناعي

جنود مصريون يرفعون العلم على الضفة الشرقية من قناة السويس خلال معارك حرب أكتوبر 1973 (أ.ب)
جنود مصريون يرفعون العلم على الضفة الشرقية من قناة السويس خلال معارك حرب أكتوبر 1973 (أ.ب)
TT

مصريون يعدون روايات مصوّرة عن حرب أكتوبر بالذكاء الاصطناعي

جنود مصريون يرفعون العلم على الضفة الشرقية من قناة السويس خلال معارك حرب أكتوبر 1973 (أ.ب)
جنود مصريون يرفعون العلم على الضفة الشرقية من قناة السويس خلال معارك حرب أكتوبر 1973 (أ.ب)

بالتزامن مع الاحتفالات بذكرى انتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر موجة غير مسبوقة من الإبداع الرقمي، تمثلت في توليد مقاطع «ريلز (Reels)»، و«ميمز (Memes)» ساخرة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أخرج المصريون ما يدعو للفخر والاعتزاز بالنصر، وكذلك الاستهزاء بـ«العدو الإسرائيلي».

وشهدت الساعات الأخيرة قبل حلول الذكرى الـ53 لمعركة السادس من أكتوبر انتشار هذه المقاطع عبر «تيك توك» و«ريلز» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«يوتيوب شورتس» لتنافس الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية التي تستدعي ذاكرة الحرب.

وعمل اللجوء إلى المشاهد الدرامية والكوميدية الشهيرة من الأفلام والمسرحيات المصرية الكلاسيكية، وتوظيفها داخل المقاطع، وإسقاط وقائع المعركة عليها، من خلال تغيير ملامح شخصياتها إلى شخصيات قادة الحرب عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، على وصول ورواج هذه المقاطع بشكل سريع بين مستخدمي المنصات، الذين تفاعلوا معها عبر مئات التعليقات والمشاركات.

إيقاع سريع... ومؤثرات بصرية

أما مضمون هذه «الريلز» و«الميمز»، الذي قُدِّم بالإيقاع السريع والمؤثرات البصرية، فغلب عليه الفخر بالمشهد التاريخي بعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف بهدف تعزيز الشعور الوطني وإبراز حالة التفوق على إسرائيل.

وحلَّ الرئيس الأسبق أنور السادات بطلاً لكثير من المقاطع، حيث تمَّ استحضاره متحدثاً بلكنته الشهيرة لكن في سياقات كوميدية، انصبَّت على «سخريته من قادة إسرائيل وجيشها» أو توظيفه في «إفيهات» معاصرة دارجة تتحدَّث بلغة «السوشيال ميديا» لكن بإسقاط على أحداث الحرب.

وأظهرت مقاطع أخرى السادات قائداً سبق خصومه بخطوات كثيرة، حيث يظهر في حوارات متخيَّلة مع القادة الإسرائيليِّين، الذين يظهرون في صورة مرتبكة أو ساذجة أو غير قادرة على فهم ما يحدث نتيجة للخداع الاستراتيجي.

في المقابل، سعت مقاطع أخرى إلى الاستهزاء من «غطرسة العدو»، و«التحفيل» على قادته وهزيمتهم في الحرب، وأبرزهم غولدا مائير رئيسة وزراء الحكومة الإسرائيلية إبان الحرب، وموشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق.

الرئيس الأسبق أنور السادات (ذاكرة مصر المعاصرة)

كما تمَّ تداول مقاطع أخرى تعيد تجسيد الجنود المصريين في أثناء العبور، أو يدخلون في حوارات ممزوجة بروح فكاهية خفيفة مع العدو.

تعريف الأجيال الجديدة بنصر أكتوبر

المتخصص في الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي بمصر، محمد فتحي، يبيِّن لـ«الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي استطاع نقل حرب أكتوبر من الرواية التاريخية التقليدية إلى المحتوى الساخر القصير عبر (الميمز) ومقاطع تتخيل شخصيات أو مواقف من الحرب وهي تتحدث بلغة وإيقاع (السوشيال ميديا)؛ ما يقرّب التاريخ من الأجيال الجديدة، لأن الشاب قد يتفاعل مع دقيقة ساخرة أكثر من محاضرة تاريخية كاملة».

ويوضح أن الرواج الكبير لهذه «الميمز» يأتي من انسياق الشباب وراء كل «ترند» جديد لجذب الانتباه أو تحقيق مشاهدات. ويشير إلى أن «اللجوء لأفلام ومشاهد درامية بعينها وإعادة توظيفها، جاءا لأنها الأكثر شهرة ومتابعة، وبالتالي يجعل استغلالها المقطع يصل للجمهور بشكل أسرع وأكبر».

كما يلفت فتحي إلى أنه على الرغم من فائدة هذه المقاطع في تعريف الأجيال الجديدة بـ«نصر أكتوبر» فإن الأمر يتضمَّن إشكالية الخلط بين الحقيقة والخيال، خصوصاً عندما يكون الفيديو واقعياً جداً لدرجة أن المشاهد لا يعرف هل ما يراه تسجيل حقيقي أم مولَّد بالذكاء الاصطناعي، كما أن «الأخطر أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إعادة تركيب الشخصيات التاريخية نفسها؛ صوتاً، وصورة، وتعبيرات، وحواراً لم يحدث أصلاً، وهذا هو الخطر الأكبر».

مشهد تمثيلي مولَّد عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي بطلاه الرئيس السادات وغولدا مائير

أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يوضح أن محتوى «الميمز» المتداول يعكس تحولاً جذرياً في أشكال استدعاء التاريخ عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويبيِّن أن توظيف هذه المواد يحمل - رغم الصبغة الساخرة وغلبة «الإفيه» - رسائل ضمنية تؤكد على «القوة العسكرية المصرية ونجاحها التاريخي في تحطيم خط بارليف بالماء وكسر الحاجز النفسي، خصوصاً في ظلِّ الأزمات الإقليمية المحيطة مثل حرب غزة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «إدخال مسحة الكوميديا والسخرية على المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، جاء بوصفه أداةً شعبيةً لإظهار التَّفوُّق النفسي والانتصار الرمزي على الخصم، وترسيخ فكرة هزيمة إسرائيل وإذلالها وتحقيرها بما يتوافق مع المناسبة التاريخية ورمزيتها».

كما يشير إلى أن اعتماد هذه الأشكال في عصر الذكاء الاصطناعي جاء ليحاكي لغة الجيل الجديد (جيل زد) الذي يعتمد كلياً على منصات مثل «تيك توك» و«فيسبوك». ويلفت إلى أن «الأجيال الناشئة لا تستهدف الأفلام الوثائقية الطويلة والخطاب التقليدي، بل تبحث عن المعلومة المختصرة والسريعة على الهواتف الجوالة بطريقتهم الخاصة، وهذا سر رواجها».


موريتانيا تكثف حربها على تهريب المخدرات

الشرطة الموريتانية خلال مصادرة شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى دولة مجاورة عبر ميناء نواكشوط (الشرطة)
الشرطة الموريتانية خلال مصادرة شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى دولة مجاورة عبر ميناء نواكشوط (الشرطة)
TT

موريتانيا تكثف حربها على تهريب المخدرات

الشرطة الموريتانية خلال مصادرة شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى دولة مجاورة عبر ميناء نواكشوط (الشرطة)
الشرطة الموريتانية خلال مصادرة شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى دولة مجاورة عبر ميناء نواكشوط (الشرطة)

كثّفت السلطات الموريتانية ملاحقة مهربي المخدرات، ما أسفر عن تفكيك شبكتين لتهريب المخدرات في عمليتين منفصلتين، وضبط 162 ألف قرص من «الإكستازي» كانت مخبأة في 3 سيارات بميناء نواكشوط في طريقها إلى «دولة مجاورة». بينما أسفرت العملية الثانية عن ضبط شحنة وزنها الإجمالي 61 كيلوغراماً، مع شمول 15 شخصاً بالتحقيق.

وقالت الشرطة، أمس (الاثنين)، إن المكتب المركزي لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية تلقى معلومات عن شبكة تستعد لشحن 3 سيارات خفيفة إلى الميناء بغرض «العبور إلى دولة مجاورة»، بعد أن «خبأت في هياكلها بإحكام كمية مهمة من الحبوب المخدرة».

ووُضعت السيارات تحت المتابعة حتى «نقطة العبور الأخيرة»، حيث أُوقف الأشخاص الذين كانوا في انتظار تسلمها، كما حُجزت سيارة رابعة كانت تنتظرها وعلى متنها 3 أجانب. وأحال المكتب المتهمين والمحجوزات إلى النيابة العامة. ولم تحدد الشرطة الدولة الوجهة ولا جنسيات الأجانب.

من جهته، أعلن الدرك اليوم (الثلاثاء)، أن كتيبته في أزويرات نفّذت بالتنسيق مع كتيبة نواكشوط رقم 1 «عملية نوعية»، جاءت «ثمرة متابعة أمنية واستخباراتية دقيقة لمسار الشحنة» حتى ضبطها، مبرزاً أن التحريات قادت إلى عناصر الشبكة والمتعاملين معها. ووصف البيان المخدرات بأنها «بالغة الخطورة» دون تحديد نوعها.

حصيلة متصاعدة

تأتي العمليتان ضمن وتيرة متسارعة. ففي أبريل (نيسان) أعلن الدرك حجز نحو 980 كيلوغراماً من المخدرات في نواذيبو، وهي أكبر عملية هذا العام بحسب وسائل إعلام محلية، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية فكّكت 19 شبكة تهريب تنشط في بيع المخدرات والمؤثرات العقلية والخمور بين مطلع يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، وتوقيف أكثر من 104 مشتبه بهم.

ضبط شحنة من المخدرات داخل مقدمة سيارة (الشرطة)

وفي 3 أغسطس (آب) الماضي، فكّك الدرك شبكة في ولاية تيرس زمور (شمال البلاد) وأوقف 7 أشخاص. وصادر 7.5 كيلوغرام من صمغ القنب المصنع، المعروف بـ«الحجر الأسود»، و1.349 كيلوغرام من الكوكايين عالي النقاء، و3200 قرص من المؤثرات العقلية، إضافة إلى نحو 14 مليون أوقية قديمة، وجهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية من نوع «الثريا». وقال الدرك إن الكوكايين كان «معداً للخلط بمواد أخرى قبل ترويجها، بما يؤدي إلى مضاعفة الكميات المطروحة للتداول».

من الحشيش إلى الكوكايين

تُظهر البيانات الأخيرة الصادرة عن السلطات الأمنية في موريتانيا مستوًى كبيراً من تنوع المواد المضبوطة، من «الحجر الأسود» إلى الكوكايين، وأقراص «بريغابالين» و«الإكستازي»، كما تنوعت أساليب شبكات التهريب من الشاحنات والزوارق إلى الشحنات الغذائية، وتم ضبط 756 كيلوغراماً خلال 18 يوماً من شهر أغسطس الماضي.

وتقع موريتانيا في قلب مسارات إقليمية، حيث قال مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، في تقرير له عام 2024، إن «الاتجار بالمخدرات راسخ في منطقة الساحل، وينذر بعواقب مدمرة محلياً وعالمياً»، مبرزاً أن انخراط «جماعات مسلحة مختلفة» فيه «يواصل تقويض السلام والاستقرار».

وأشار التقرير إلى أن عمليات ضبط الكوكايين في دول الساحل قفزت من متوسط 13 كيلوغراماً سنوياً بين 2015 و2020 إلى 1466 كيلوغراماً في 2022. وأوضح أن راتنج القنب، الذي يُهرَّب عادة براً، يبقى المادة الأكثر ضبطاً في موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد.

أحد عناصر الشرطة يعثر على كمية من المخدرات في صندوق سيارة أحد مروجي المخدرات (الشرطة)

وبحسب تقارير، فقد تم في موريتانيا ضبط 2.3 طن من الكوكايين بحلول منتصف 2023، وسفينة تحمل 1.2 طن في يوليو من العام نفسه، وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ البلاد.

ويتزامن التصعيد الأمني مع مسار تشريعي لتشديد العقوبات، ومخاوف متزايدة بعد تحول موريتانيا من بلد عبور إلى سوق لاستهلاك المخدرات، وسط تحذيرات من وصول شبكات ترويج المخدرات إلى المدارس.

وتشير إحصائيات رسمية إلى أن 2100 شاب تلقوا هذا العام تكويناً على يد الحكومة في الوقاية من المخدرات داخل عدة مدن موريتانية، بينها نواكشوط، كما تم نشر 600 متطوع داخل المؤسسات التعليمية من أجل التوعية بخطورة المخدرات.

وأطلقت موريتانيا في يوليو استراتيجية وطنية للصحة النفسية، ومكافحة الإدمان للفترة 2026 - 2030 بدعم فني من منظمة الصحة العالمية. وكانت تحقيقات أوروبية كشفت في يونيو (حزيران)، بحسب «عربي 21»، شبكة لغسل أموال يُعتقد أنها من المخدرات، أُوقف فيها مشتبه بهم من أصول موريتانية.