أكتوبر أم ديسمبر؟ السؤال الأبرز في الأوساط الاقتصادية اليابانية

البنك المركزي حائر بين ضغوط التضخم وحذر الشركات

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

أكتوبر أم ديسمبر؟ السؤال الأبرز في الأوساط الاقتصادية اليابانية

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يواجه بنك اليابان معادلة أكثر تعقيداً في تحديد توقيت خطوته المقبلة، بعدما أظهرت مداولات اجتماعه الأخير ميلاً متزايداً داخل مجلس السياسة النقدية نحو مواصلة رفع أسعار الفائدة وربما تسريع وتيرة التشديد إذا تصاعدت مخاطر التضخم، في حين قدم أحدث مسح لثقة الشركات صورة أقل وضوحاً عن قوة الاقتصاد، بما قد يقلل الحاجة إلى زيادة متتالية للفائدة خلال أكتوبر (تشرين الأول).

وأظهر ملخص آراء اجتماع سبتمبر (أيلول) أن معظم صانعي السياسة يرون ضرورة اتباع الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة بخطوات إضافية، بعدما رفع البنك سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. لكن مسح «تانكان» الفصلي، الصادر الخميس، كشف عن تحسن قوي في ثقة المصنعين يقابله تراجع في معنويات الشركات غير الصناعية واستقرار نسبي في توقعات التضخم.

ويضع التباين بنك اليابان أمام قرار دقيق؛ فالاستمرار في تطبيع السياسة النقدية لمنع التضخم من تجاوز مستهدفه بصورة مستدامة، من دون تشديد سريع قد يضغط على الاستهلاك والخدمات وتمويل الشركات.

وقال أحد أعضاء مجلس السياسة النقدية، وفق ملخص الاجتماع: «إذا ظهرت مؤشرات على انحراف الأسعار صعوداً، فسيحتاج البنك إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة». ورأى عضو آخر أنه من المرغوب فيه تقريب سعر الفائدة من «الهدف التقريبي» للبنك في وقت قريب نسبياً، بما يمنح السياسة النقدية مساحة للتحرك إذا واجه الاقتصاد تطورات غير متوقعة.

كما دعا أحد الأعضاء البنك إلى التحرك «في الوقت المناسب من دون الإفراط في الحذر»، في ظل ما وصفها بالمخاطر الصعودية الكبيرة للأسعار، مع ضرورة تحسين تقديرات مستوى الفائدة المحايدة.

وتتراوح تقديرات بنك اليابان للفائدة الاسمية المحايدة، التي لا تحفز النشاط الاقتصادي ولا تقيده، بين 1.1 و2.5 في المائة. ويعني وجود سعر الفائدة الحالي عند 1.25 في المائة أن السياسة النقدية لا تزال قريبة من الطرف الأدنى لهذا النطاق.

التضخم يُبقي باب التشديد مفتوحاً

تعكس المناقشات تحولاً واضحاً في اهتمام بنك اليابان من الخروج التدريجي من سنوات السياسة النقدية شديدة التيسير إلى منع التضخم من الاستقرار فوق المستوى المستهدف.

وأشار عدد من أعضاء المجلس إلى أن التضخم الأساسي وصل بالفعل، أو بات قريباً، من هدف البنك البالغ 2 في المائة. كما برزت أسعار النفط بوصفها أحد المخاطر الرئيسية، مع تحذير عضو من ضرورة بناء توقعات الأسعار على احتمال استمرار الخام عند مستويات مرتفعة بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

لكن أحدث بيانات «تانكان» لم تقدم دليلاً حاسماً على تسارع جديد في الضغوط التضخمية.

وأظهر المسح أن الشركات تتوقع ارتفاع الأسعار بنسبة 2.6 في المائة خلال السنوات الثلاث المقبلة و2.5 في المائة خلال خمس سنوات. ورغم تجاوز التوقعات هدف البنك البالغ 2 في المائة، فإن تقديرات السنوات الثلاث لم تتغير مقارنةً بالمسح السابق، بينما انخفضت توقعات السنوات الخمس قليلاً.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بعدما أكد محافظ بنك اليابان كازو أويدا، أن ارتفاع توقعات التضخم كان من العوامل التي عززت ثقته في اقتراب التضخم الأساسي من هدف البنك.

الصناعة قوية والخدمات تتراجع

في الوقت نفسه، أظهر «تانكان» أن ثقة كبار المصنعين ارتفعت إلى موجب 24 نقطة في سبتمبر من موجب 22 نقطة في يونيو (حزيران)، مسجلةً أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2018، وإن جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين عند موجب 25 نقطة.

واستفاد المصنعون من الطلب العالمي القوي على أشباه الموصلات والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تراجع بعض قيود سلاسل الإمداد وتحسن هوامش الأرباح مع تمرير الشركات جزءاً من ارتفاع تكاليف المواد الخام إلى العملاء.

لكن الصورة كانت أضعف في القطاعات غير الصناعية. فقد انخفض مؤشر ثقة الشركات الكبرى غير الصناعية إلى موجب 35 نقطة من موجب 37 في يونيو، مسجلاً أول تراجع في خمسة فصول، كما جاء دون توقعات السوق البالغة موجب 36 نقطة.

وأوضح مسؤول في بنك اليابان أن شركات الخدمات عانت ارتفاع تكاليف المواد الخام والأجور، في حين تضررت المبيعات من إحجام المستهلكين عن قبول زيادات الأسعار. كما أثرت الأعاصير وفترات الأمطار الطويلة على نشاط المطاعم والفنادق.

وقال تاكيشي مينامي، الاقتصادي لدى «نورينتشوكين ريسيرش إنستيتيوت»، إن تحسن ثقة المصنعين جاء نتيجة الطلب العالمي القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي وانحسار قيود العرض، بينما حدَّ ضعف استهلاك السلع المعمرة من التفاؤل.

وأضاف أن نتائج «تانكان» تعزز مبررات تنفيذ زيادات إضافية للفائدة، لكنها «لا تقدم ما يكفي لتنفيذ زيادة متتالية».

خلاف حول سرعة التحرك

ولا يوجد إجماع كامل داخل مجلس بنك اليابان على سرعة التشديد. فقد عارض العضوان تويتشيرو أسادا وأيانو ساتو قرار رفع الفائدة في سبتمبر، وتضمن ملخص الاجتماع آراء تُحذر من ضعف الاستهلاك ومحدودية التضخم في قطاع الخدمات، وهي عوامل تدعم التريث.

كما طالب ممثل مكتب مجلس الوزراء البنك بأن «يدرس بعناية الآثار التراكمية لزيادات أسعار الفائدة السابقة»، في إشارة إلى مخاوف الحكومة من تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على النشاط الاقتصادي.

ولا يكشف الملخص عن هوية أصحاب الآراء، لكن وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي مثّل مكتب مجلس الوزراء في اجتماع سبتمبر. وتراقب حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، من كثب ارتفاع تكاليف التمويل، في ظل خططها للإنفاق والمخاوف المتزايدة بشأن أوضاع المالية العامة.

وفي المقابل، أظهر «تانكان» أن ظروف تمويل الشركات لم تتغير كثيراً خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مما يعني أن زيادات الفائدة السابقة لم تؤدِّ حتى الآن إلى تشديد حاد في البيئة الائتمانية.

وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين لدى «سومبو إنستيتيوت بلس»، إن ظهور تدهور واضح في ظروف تمويل الشركات كان سيشكل عائقاً أمام رفع الفائدة مجدداً، لكن البيانات الأخيرة تشير إلى أن اليابان تجنبت مثل هذا السيناريو حتى الآن.

أكتوبر أم ديسمبر؟

كان كثير من المحللين يتوقعون أن يرفع بنك اليابان الفائدة مرة أخرى في أكتوبر أو ديسمبر (كانون الأول)، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على تحرك فوري.

وتراجع الضغط أيضاً مع انخفاض احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للفائدة بعد بيانات تضخم أميركية جاءت أضعف من المتوقع. وكان احتمال زيادة الفائدة الأميركية يثير مخاوف في طوكيو من اتساع فارق العوائد بين البلدين، بما قد يؤدي إلى مزيد من ضعف الين وارتفاع تكلفة الواردات اليابانية.

وارتفع الدولار إلى نحو 157.87 ين بعد صدور ملخص اجتماع بنك اليابان، مع تقليص المستثمرين رهاناتهم على تنفيذ زيادة ثانية متتالية في أكتوبر.

ويضيف «تانكان» أسباباً أخرى للحذر، إذ تتوقع الشركات الصناعية وغير الصناعية تدهور ظروف الأعمال خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة والصراع في الشرق الأوسط.

لكن قوة ثقة المصنعين، واستمرار توقعات التضخم فوق 2 في المائة، وعدم ظهور ضغوط كبيرة في تمويل الشركات، كلها عوامل تُبقي الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد.

وهكذا لم يعد السؤال الأساسي في الأسواق اليابانية يدور حول ما إذا كان بنك اليابان سيرفع الفائدة مجدداً، بقدر ما يتعلق بسرعة التحرك. فمداولات سبتمبر تُظهر مجلساً أكثر قلقاً من التضخم، بينما يقدم «تانكان» اقتصاداً متفاوت الأداء: صناعة قوية تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي، وخدمات واستهلاك أكثر هشاشة.

وسيكون على البنك في اجتماعه المقبل الموازنة بين هذين المسارين؛ فالتأخر في التشديد قد يزيد مخاطر التضخم ويضغط على الين، بينما قد تؤدي زيادة متسرعة للفائدة إلى إضعاف الطلب المحلي ورفع تكاليف الاقتراض. وبين الاحتمالين، تبدو بيانات الأسعار والأجور والاستهلاك المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الزيادة التالية ستأتي في أكتوبر أم ينتظر البنك حتى ديسمبر.


مقالات ذات صلة

برلين تنفي طلب وكالة الطاقة سحب احتياطياتها النفطية

الاقتصاد شخص يزود سيارته بالوقود في محطة بنزين مع دخول تخفيض الضرائب على الوقود حيز التنفيذ في برلين (رويترز)

برلين تنفي طلب وكالة الطاقة سحب احتياطياتها النفطية

نفت ألمانيا الخميس تلقيها طلباً من وكالة الطاقة الدولية لسحب جزء من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، فيما تتعرض أسواق الطاقة لضغوط متزايدة جراء الوقود.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد امرأة تقف في جناح شركة «توتال إنرجيز» في معرض النفط والغاز العراقي (أ.ف.ب)

«توتال إنرجيز» تستثمر 10 مليارات دولار في الأرجنتين

تعتزم شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية استثمار 10 مليارات دولار في الأرجنتين، موزعة على مجموعة من المشاريع.

«الشرق الأوسط» (باريس، بوينس آيرس)
الاقتصاد شعار شركة «تينسنت» على مقرها في مدينة شينزن الصينية (رويترز)

«تينسنت» تستأجر 100 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي من «أوراكل»

أبرمت شركة «تينسنت» الصينية اتفاقاً ضخماً مع «أوراكل» الأميركية لاستئجار قدرات حوسبة تعتمد على نحو 100 ألف رقاقة متقدمة للذكاء الاصطناعي غير متاحة داخل الصين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص المركز المالي في السعودية (واس)

خاص السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

تدخل المالية العامة السعودية عام 2027 من قاعدة مختلفة عن العام الحالي، مع توقعات بتعافي النمو بقوة، بعد الانكماش المرتبط بتراجع إنتاج النفط.

عبير حمدي
الاقتصاد مطار الملك فهد الدولي في الدمام (واس)

السعودية تربط مطار الملك فهد بالجبيل والخفجي عبر حافلات ترددية

أعلنت الهيئة العامة للنقل، بالتعاون مع مطارات الدمام، تنفيذ المرحلة الأولى من خدمة نقل الركاب بالحافلات لربط مطار الملك فهد الدولي بمدينة الجبيل والخفجي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
TT

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)

افتتحت وكالة «بلومبرغ» مكتباً جديداً في مركز الملك عبد الله المالي بالرياض، في خطوة لتوسيع حضورها في السعودية.

وبالتزامن مع افتتاح المكتب، دشنت الشركة «مختبر بلومبرغ المالي» ومبادرة «مسارات بلومبرغ المالية» في السعودية، استناداً إلى مذكرة التفاهم المبرمة مع الأكاديمية المالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

كما أفصحت «بلومبرغ» عن تعاونها مع منظمة «Turquoise Mountain» لتطوير المهارات المهنية ومهارات ريادة الأعمال، مع التركيز بشكل أساسي على السيدات في السعودية.

وأعلنت الشركة كذلك إطلاق صندوق تعاون جديد بالشراكة مع منظمة «Synergos» لدعم رواد الأعمال الاجتماعيين في السعودية من خلال مشاريع مشتركة وبرامج لبناء القدرات، مع التركيز على تعزيز ريادة الأعمال وإتاحة الفرص الاقتصادية وتحفيز الابتكار الاجتماعي.

واحتفاءً بافتتاح المكتب، استضافت «بلومبرغ» معرضاً خاصاً لمنتجات منصتها المالية «بلومبرغ تيرمنال»، لإتاحة الفرصة للعملاء والشركاء لاستكشاف أحدث ما توصلت إليه في مجالات البيانات والتحليلات والتكنولوجيا.


رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

قال نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، يوم الخميس، إن سوق العمل ليس محركاً رئيسياً للتضخم الذي يسعى البنك المركزي الأميركي إلى خفضه، مضيفاً أن إلحاق الضرر بسوق العمل ليس ضرورياً لتحقيق هذا الهدف.

وقال كاشكاري لتلفزيون «بلومبرغ»: «لا أعتقد أن ذلك ضروري، لأن سوق العمل ليس المصدر الرئيسي للتضخم اليوم، ولذلك لا أرى ضرورة لذلك». وجاءت تصريحاته رداً على سؤال عما إذا كان يتفق مع زميل له في «الاحتياطي الفيدرالي» يخشى أن تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة معدلات البطالة، وفق «رويترز».

وأضاف: «لكنني لا أريد استبعاد هذا الاحتمال تماماً. لدينا تفويض مزدوج؛ فأحد جانبي هذا التفويض يبدو في وضع جيد جداً حالياً، بينما ظل الجانب الآخر بعيداً عن تحقيق المستهدف طوال السنوات الخمس الماضية».

من جانبه، قال جيف شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، يوم الخميس، إن تحديد أثر ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام مسؤولي البنك المركزي الأميركي، الذين يحاولون تقييم ما إذا كانت الضغوط التضخمية الحالية ستستمر.

وقال شميد، خلال مؤتمر نظّمه بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند حول التنمية الريفية، إن «هذا الأمر ربما يكون أحد أكبر التحديات التي تواجه السياسة النقدية اليوم، أي فهم ما يكمن وراء صدمة العرض هذه»، مضيفاً أن التحدي يتمثل أيضاً في تحديد المدة التي قد يستمر خلالها تأثيرها على معدلات التضخم.


«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
TT

«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)

تراهن مصر على الآبار الجديدة لتوفير احتياجاتها من الغاز، وتقليل فاتورة الاستيراد بعد تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته وفقاً لبعض التقديرات. لكن هذا التراجع والاعتماد على الاستيراد لا يمنعان القاهرة من إبراز دورها كمركز إقليمي للطاقة، والاستمرار في عقد صفقات لتصدير الغاز رغم عجز الإنتاج عن الوفاء باحتياجاتها.

وأعلنت وزارة البترول المصرية، الأربعاء، إضافة 45 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً إلى الإنتاج المحلي، إلى جانب 540 برميلاً يومياً من المتكثفات، من خلال ثلاث آبار جديدة، وإعادة تشغيل بئر رابعة. وربطت هذه الزيادة بعودة استثمارات الشركاء بعد تسوية المستحقات المتأخرة، وقالت إن برنامجها يقوم على تسريع وضع الآبار الجديدة على الإنتاج، وإصلاح الآبار المتوقفة، والاستفادة من البنية التحتية القائمة.

لكن هذه الإضافة غير كافية لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف، فوفق تصريحات لوزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، في نهاية أغسطس (آب) الماضي، فإن إنتاج البلاد من الغاز يبلغ نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل فاتورة استهلاك مرتفعة وصلت إلى 7.28 مليار قدم مكعبة يومياً، في يوليو (تموز) وأغسطس، ونحو 6.45 مليار خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى مارس (آذار)، ما يعني اضطرار القاهرة للاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف.

وزارة البترول المصرية تقوم بنشر إنفوغراف توضيحي لتجاوز الغاز المصري مرحلة تراجع الإنتاج (أرشيفية-البترول المصرية)

وقال عضو مجلس النواب المصري (البرلمان) حسام حسن الخشت، لـ«الشرق الأوسط»، إن إنتاج مصر من الغاز وصل إلى أدنى مستوياته منذ نحو 15 عاماً، مشيراً إلى ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري في إدارة منظومة الطاقة».

وعزا خبير اقتصاد الطاقة جمال القليوبي تراجع إنتاج مصر من الغاز إلى «طبيعة الحقول نفسها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإنتاج يزيد ويقل وفق قدرات الخزانات، وأعمارها الإنتاجية»، موضحاً أن «أحد التغيرات الرئيسة كان تراجع إنتاج حقل (ظهر)، الذي استحوذ في مرحلة سابقة على نحو نصف قدرات إنتاج الغاز المصرية».

وأضاف: «مساهمات حقل ظهر انخفضت إلى نحو 27 أو 28 في المائة، ما ترك فجوة لم يظهر حتى الآن حقل بديل لتعويضها».

هذا الانخفاض دفع وزارة البترول لزيادة أنشطة الحفر والاستكشاف خلال العامين الماضيين، بهدف استعادة معدلات الإنتاج السابقة.

لكن حتى الآن لا تزال مصر تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الغاز، لا سيما في فصل الصيف، حيث تستهلك محطات الكهرباء نحو 4.3 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، مقابل نحو 3.3 مليار في الأشهر الأقل استهلاكاً، بحسب القليوبي.

وبلغ استهلاك الغاز في توليد الكهرباء والتدفئة نحو 4.7 مليار قدم مكعبة يومياً خلال شهر يوليو الماضي، أي ما يقارب ثلثي إجمالي الاستهلاك في ذلك الشهر، بحسب التقديرات الرسمية.

وإلى جانب الكهرباء تحتاج مصر للغاز في عدد من الصناعات، وفي مقدمتها الأسمدة، والبتروكيماويات، وأوضح القليوبي أن «مصر تنتج نحو 17.5 مليون طن من الأسمدة، يستهلك منها محلياً نحو 12 مليون طن، ويُصدّر الباقي، فضلاً عن إنتاج نحو 4.8 مليون طن من البتروكيماويات، يذهب جزء كبير منها إلى التصدير».

وأوضح الخشت، أن متوسط تكلفة المليون وحدة حرارية من الغاز داخل المنظومة يصل إلى نحو 10.5 دولار في ظل مزيج التوريد الحالي الذي يجمع بين الإنتاج المحلي والواردات، بينما تبيعه البترول لوزارة الكهرباء بنحو 5 دولارات، في مؤشر على ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري».

اكتشافات مصرية متسارعة لآبار الغاز للوفاء بالاحتياجات المحلية (أرشيفية- البترول المصرية)

ولتلبية احتياجاتها تستورد مصر الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه في عام 2019، وتم تعديله أخيراً لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040، بمعدل يومي قدره 1.8 مليار قدم مكعبة.

لكنها في الوقت ذاته تواصل توقيع صفقات تصدير الغاز لتعزيز وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية كمركز إقليمي للطاقة، حيث وقعت بداية العام الجاري مذكرات تفاهم لتصدير الغاز إلى سوريا، ولبنان. ووفق تقديرات رسمية أخيراً زادت صادرات مصر من الغاز الطبيعي والمسال بنحو 130 في المائة خلال العام المالي الماضي، ووصلت إلى 835 ألف طن.

وفسر القليوبي استمرار صفقات التصدير رغم الحاجة للغاز بـ«طبيعة سوق الغاز واتفاقيات الشركاء الأجانب»، وقال إن «الشركات العالمية العاملة في مصر، ومن بينها (إيني) و(بي بي)، لديها حصص، والتزامات تجارية وفق اتفاقياتها، وقد تتمكن من بيع حصصها في أسواق بعائد أكبر من المبلغ الذي تشتري به مصر الغاز».

وأضاف: «الشريك الأجنبي يتعاقد على صفقات غاز مربحة أكثر، وبالتالي يطلب الحصول على حصته، والتصرف فيها، بينما تستورد مصر الغاز بمبالغ أقل، ما يحقق معادلة تجارية مربحة».

وأوضح القليوبي أن وزارة البترول تعكف على استكشاف آبار جديدة، وتطوير الحالية، ما قد يزيد الإنتاج بنحو 1.5 مليار قدم مكعبة يومياً خلال 2027.