شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

الجدل حول الصرف الصحي يتجدد كل موسم

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
TT

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)
صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع العاصمة الموريتانية نواكشوط في الأيام الأخيرة، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة، وسط مخاوف من هطول أمطار أخرى تفاقم الأزمة.

ويتجدد الحديث في الأمر مع كل موسم أمطار من كل عام، في شهرَي أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، وتتعالى النداءات بسرعة البحث عن حل؛ إذ تخلو البلاد من أي شبكة للصرف الصحي، سواء على مستوى المنازل والمرافق الحيوية، أو لشفط مياه الأمطار من الشوارع.

وقال المكتب الوطني للصرف الصحي، السبت، بعد أن سجلت المدينة كميات أمطار وصلت لأكثر من 45 ملليمتراً، إنه يواصل المرحلة الثانية من تدخلاته لشفط مياه الأمطار التي هطلت بكثافة يوم الخميس، وذلك عبر صهاريج كبيرة تتحرك في مختلف الأحياء، مضيفاً أنه يتحرك باتجاه «مختلف مقاطعات ومناطق العاصمة التي سجلت تجمعات لمياه الأمطار، وخاصة في المناطق الهشة».

شوارع بالعاصمة الموريتانية نواكشوط وبها تجمعات لمياه الأمطار (إعلام محلي)

وأكد المكتب أن المرحلة الأولى من التدخل لتخفيف أضرار المطر أُنجزت «في وقت قياسي»، ومكنت من فتح وتأمين محاور الطرق الرئيسية والتقاطعات والنقاط الحساسة.

الاعتماد على الصهاريج

وتواجه الحكومة الموريتانية انتقادات لاذعة بسبب غياب مشروع للصرف الصحي في العاصمة نواكشوط، وتكرار الاعتماد على الصهاريج في مواسم الأمطار، ما يثير حالة غضب واسعة بين المواطنين.

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصور صهريجاً يحمل شعار المكتب الوطني للصرف الصحي وهو يفرغ مياه صرف في الشارع، وسط صيحات رفض وغضب من المواطنين.

وتعليقاً على الحادثة، حمَّل المكتب الوطني للصرف الصحي المسؤولية لشركات خاصة تقدم خدمة تفريغ المياه، وطلب منها الالتزام بالضوابط عند التخلص من المياه، ووصف سكبها في الأماكن العامة بأنه «ممارسة مرفوضة» تنطوي على مخاطر بيئية وصحية، وقد تعرقل عمليات التصريف نفسها، محذراً من إحالة مرتكبيها إلى القانون.

صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

كما حذر المكتب من «استغلال غير مشروع» لاسم المكتب أو شعاره، عبر تقديم خدمات شفط بمقابل مالي، وأكد أن جميع عملياته مجانية بالكامل، وأن أي صهريج يحمل شعاره لا يحق له أن يتقاضى أي مبالغ من أي جهة.

المسببات والجهود

وعن مشكلة تراكم مياه المطر في الشوارع، كتب الدكتور محمد الأمين شريف أحمد، وهو كاتب رأي معروف، أن المشكلة لا تحتاج إلى أمطار استثنائية لتظهر، وإنما «تكفي أمطار معتبرة حتى تظهر في نواكشوط وبعض المدن معاناة يعرفها المواطن».

ونبّه في مقاله الذي نشرته صحف محلية إلى خطورة الوضع على المرضى، مشيراً إلى أن سيارة الإسعاف «يُفترض أن تختصر الدقائق لا أن تبحث عن منفذ بين تجمعات المياه».

وعزا الكاتب الأزمة إلى تراكم عقود من النمو الحضري السريع، وتمدد عمراني سبق البنية التحتية، إضافة إلى طبيعة الأرض، مع ارتفاع منسوب المياه الجوفية في مناطق من المدينة.

في المقابل، دافع عيسى ولد اليدالي، وهو ناشط في الحزب الحاكم ومستشار في وزارة الثقافة، عن المقاربة الحكومية، معتبراً أن تجمّع المياه «ليس مشكلة موسمية عابرة، بل انعكاس لتحدٍّ بنيوي ظل يتراكم عبر سنوات طويلة». ورأى أن «التشكيك المطلق» في جهود الحكومة «لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض».

جانب من مساعي شفط مياه الأمطار من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

وأكد ولد اليدالي أن «المشكلات التي تشكلت عبر عقود لا يمكن أن تُحل في سنوات قليلة»، وأن الدولة «اختارت السير في الطريق الأصعب والأطول». غير أنه أقرّ بأن المواطن الذي تحاصره المياه «من حقه أن يطالب بحلول عاجلة وفعالة».

الرهان الأكبر

ووسط هذا الجدل، يبقى الحل الجذري معلّقاً على مشروع للصرف الصحي بدأت مرحلته الأولى بعد أن وضع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حجرها الأساس في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بتكلفة 177.6 مليون دولار ممولة بالكامل من ميزانية الدولة. ولكن المشروع الذي تنفذه شركة صينية تأخرت انطلاقته على الأرض، رغم أن المهلة التي حددتها الحكومة لنهايته هي 45 شهراً؛ أي إنه من المفترض أن يكون جاهزاً عام 2029، ولكن في ثلاث مقاطعات من نواكشوط هي: تفرغ زينة ولكصر والسبخة وأجزاء من الميناء وتيارت، والتي تعد الأكثر تضرراً من تجمع المياه.

ويشمل المشروع شبكة صرف منزلي في 29 محطة ضخ ورفع، ونحو 15.7 كيلومتر من قنوات تصريف مياه الأمطار، ومحطة معالجة تبلغ طاقتها الأولية 19 ألف متر مكعب يومياً قابلة للتوسعة إلى 33 ألفاً، إلا أن شريف أحمد يرى أن المشروع لا يكفي وحده، مستنداً إلى دراسة حكومية سابقة قدّرت حاجة العاصمة الفعلية إلى منظومة تعالج 50 ألف متر مكعب يومياً، وتربط 75 ألف منزل، بتكلفة تقارب 420 مليون يورو.

ويخلص الكاتب إلى أن المشروع رغم ضخامته «مرحلة أساسية من الحل وليس نهايته».


مقالات ذات صلة

غضب في الجزائر بعد مطالبة أوروبية بـ«توضيحات» حول الانتشار العسكري بالنيجر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيس النيجر في منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

غضب في الجزائر بعد مطالبة أوروبية بـ«توضيحات» حول الانتشار العسكري بالنيجر

أثارت مطالبة من الاتحاد الأوروبي للجزائر بـ«توضيحات» بشأن نشر وحدات من جيشها في النيجر غضباً واستنكاراً بين أطراف جزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد لقطة بواسطة طائرة مسيّرة لمبانٍ على شاطئ المحيط في ليبرفيل عاصمة الغابون (رويترز)

الغابون تسعى لإحياء مشروع «مابوني» للمعادن باستثمار يبلغ ملياري دولار

تسعى الغابون إلى إحياء مشروع «مابوني» للنيوبيوم والمعادن النادرة، المتعثر منذ فترة طويلة، وذلك من خلال مشروع تطوير مقترح بقيمة مليارَي دولار...

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

ناقش تجمع دول «الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة تشمل إريتريا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا طالب مصر بالمساهمة في بناء السدود الجديدة التي تعتزم بلاده إقامتها على روافد النيل

هشام المياني (القاهرة )

مصر: مطالبات بـ«نواب» للسيسي لحل أزمة مرشحي الرئاسة

الرئيس المصري يؤكد رفضه «المساس بالدستور» (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يؤكد رفضه «المساس بالدستور» (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

مصر: مطالبات بـ«نواب» للسيسي لحل أزمة مرشحي الرئاسة

الرئيس المصري يؤكد رفضه «المساس بالدستور» (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يؤكد رفضه «المساس بالدستور» (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

يتزايد الزخم في مصر حول مقترح تعيين نواب للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أعلن رفضه «المساس بالدستور»، مما يعني انتهاء حكمه مع نهاية ولايته الأخيرة عام 2030.

وتوالت المطالبات باستخدام الرئيس حقه الدستوري في تعيين نواب له؛ ودعا السياسي والبرلماني السابق محمد أنور السادات إلى استخدام هذا الحق لتعيين نائب أو اثنين بخلفيات عسكرية أو مدنية لتدريبهما عملياً طوال السنوات الثلاث المتبقية، بدلاً من فكرة التدريب النظري بالأكاديمية العسكرية التي سبق واقترحها السيسي.

وكان الرئيس المصري قد اقترح منتصف الشهر الماضي إعداد وتأهيل مرشحين محتملين للرئاسة، من حملة الدكتوراه والماجستير، عبر برنامج يستمر 30 شهراً داخل الأكاديمية العسكرية. ويستهدف أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً، ممن تتوافر فيهم شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، مشيراً إلى «إمكانية إعداد مجموعات تضم 200 أو 300 أو 500 شخص، بما يتيح للمواطنين الاختيار من بين عدد من المؤهلين لتولي منصب رئيس الجمهورية».

وقال السادات خلال مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب، مساء السبت، إنه يرى أن «الأفضل أن يعين الرئيس - والدستور يعطيه هذا الحق - نائباً أو اثنين، ربما ذوي خلفية عسكرية أو مدنية، ليعيشا معه السنوات الثلاث المتبقية، ويتم إعدادهما وتأهيلهما من خلال تدريب عملي، وليس مسألة أكاديمية وأموراً نظرية، بل تدريب عملي عبر تكليفهما بمهام».

وأوضح السادات أن المقترح «لا يعني حسماً للمنصب»، بل إن المسألة الأهم «تتمثل في ضرورة وصول رسالة الرئيس السيسي بوقوف أجهزة الدولة ومؤسساتها على مسافة واحدة من الجميع».

وتنص المادة 150 من الدستور المصري، على أنه «لرئيس الجمهورية أن يعين نائباً له أو أكثر، ويحدد اختصاصاتهم، وله أن يفوضهم في بعض اختصاصاته، وأن يعفيهم من مناصبهم، وأن يقبل استقالتهم».

المطالبة بتعيين نواب للرئيس المصري تأتي قبل نحو 3 سنوات من انتهاء ولايته الأخيرة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

ومؤخراً، تبنَّى إعلاميون وسياسيون مطالبات بتعيين نواب للرئيس. وفي منتصف الشهر الماضي، طالب الإعلامي عمرو أديب الرئيس المصري بتعيين نائب أو أكثر، معتبراً أن «وجود نائب بجانب الرئيس سيكون مفيداً في ظل الاستعداد لمرحلة انتقال السلطة».

ونهاية الشهر الماضي، اقترح المفكر السياسي الدكتور حسام بدراوي تعيين ثلاثة نواب للرئيس، يكون أحدهم مدنياً، والثاني من خلفية عسكرية، والثالث سيدة. وأضاف في تصريحات تلفزيونية أن النواب الثلاثة «يمكن أن يتولوا مهاماً واضحة لمدة ثلاث سنوات، بما يتيح للمواطنين متابعة أدائهم وتقييم قدراتهم على تحمل المسؤولية العامة».

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور طارق فهمي أن المطالبات بتعيين نائب أو أكثر للرئيس «تعبِّر عن زخم سياسي صاحب حديث السيسي، الذي قدم رؤية توجيهية للمستقبل فتحت نقاشات سياسية متنوعة».

لكن بحسب فهمي، فإن «فكرة تعيين نواب للرئيس لإعدادهم لتولي الرئاسة مستقبلاً تنطوي على التفاف على ما طرحه السيسي، وتفريغ للمضمون الذي تحدث عنه، وافتئات على حرية الشعب في اختيار رئيس ضمن عدة مرشحين».

وأكد فهمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تعيين نواب للرئيس «يمثِّل إشكالية انتخابية، إذ يجب أن تجري انتخابات رئاسية تضمن فرصاً متساوية لكل من يرغب في الترشح؛ فحديث السيسي أعمق من فكرة تعيين نواب».

وتولى السيسي رئاسة مصر عام 2014 بعد فوزه في انتخابات أعقبت ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 التي أطاحت بحكم «الإخوان المسلمين»، قبل أن يُعاد انتخابه في عامي 2018 و2023.

وشهد الدستور المصري تعديلات في عام 2019، رفعت مدة الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، وحُددت مدة الرئاسة بدورتين متتاليتين، كما أتاحت للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.

وظهرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو الرئيس المصري إلى التراجع عن قراره، وتطالب بتعديل الدستور وترشيحه لمدد تالية، وهو ما تبناه أيضاً عدد من الإعلاميين، من ضمنهم أحمد موسى ومحمد الباز. وفي المقابل، رحبت أحزاب وشخصيات عامة بإعلان الرئيس التداول السلمي للسلطة.

ويعتقد خبير النظم والتشريعات الانتخابية في مصر، عبد الناصر قنديل، أن مطالب تعيين نواب للرئيس يجب فصلها عن فكرة التنافس في انتخابات رئاسية قادمة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تعيين نواب للرئيس هو تفعيل لإحدى مواد الدستور، ويكون نظرياً له أهداف سياسية محددة، منها تنظيم وضمان الانتقال السلمي للسلطة خلال مرحلة الانتخابات، أو مشاركة الرئيس في بعض الأعباء عبر تفويض النواب في بعض الاختصاصات والملفات».

لكنه أضاف أن الربط بين تعيين نواب للرئيس وإعدادهم للترشح للانتخابات القادمة يعني «توريث المنصب».


ليبيا تعيد فتح ملف رفع دعم المحروقات وسط مخاوف

خبراء اقتصاد خلال لقاء في مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي (المجلس)
خبراء اقتصاد خلال لقاء في مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي (المجلس)
TT

ليبيا تعيد فتح ملف رفع دعم المحروقات وسط مخاوف

خبراء اقتصاد خلال لقاء في مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي (المجلس)
خبراء اقتصاد خلال لقاء في مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي (المجلس)

أعاد مقترحٌ برلماني بدراسة رفع الدعم عن المحروقات في ليبيا فتحَ أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، بعدما دعا رئيس مجلس النواب، الصالحين عبد النبي، إلى بحث تعويض المواطنين نقدياً، بدلاً من استمرار الدعم السلعي بصيغته الحالية.

ومنذ طرح المقترح خلال اجتماع مع خبراء اقتصاديين في مجلس النواب نهاية الأسبوع الماضي، تصدرت القضية النقاشات الشعبية والاقتصادية، وسط استحضار موجات جدل بشأن إمكانية تحويل الدعم السلعي إلى نقدي، وتساؤلات حول قدرة التعويضات على مواكبة تحرير أسعار الوقود، خصوصاً مع تراجع قيمة الدينار.

وتتركز الاعتراضات على احتمال انتقال تكلفة الاختلالات الاقتصادية إلى المواطنين إذا ارتفعت أسعار المحروقات دون ضمانات كافية للتعويض. وامتدت هذه المخاوف إلى تكاليف النقل والخبز والسلع الأساسية، باعتبار أن تأثير تحرير الوقود لن يقتصر على أصحاب السيارات.

ويتزامن ذلك مع استمرار الجدل بشأن مشروع جدول المرتبات الموحد في ليبيا، الذي فتح النقاش بشأن عدالة الأجور، وسط شكاوى موظفين من عدم تناسب الرواتب مع تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار.

ولا تقتصر الاعتراضات على قيمة التعويضات وحجم دخل الليبيين، بل تمتد إلى قدرة الدولة على ضبط الأسواق ومراقبة التجار ومنع استغلال تحرير الأسعار، فضلاً عن غياب بدائل النقل العام التي تخفف اعتماد المواطنين على السيارات الخاصة وتحدّ من الأعباء المعيشية.

محطة وقود في منطقة جرمة بالجنوب الليبي (صفحة المحطة)

وفي هذا السياق، يحذر الخبير الاقتصادي الليبي إبراهيم الحداد من أن رفع الدعم، بالتزامن مع خفض قيمة الدينار، وفي ظل غياب الشفافية والرقابة، قد يفاقم الاختلالات المالية، ويفتح المجال أمام استغلال الموارد العامة في تمويل الفساد.

ويعتبر الحداد، في منشور عبر «فيسبوك»، أن معالجة أوجه الهدر والفساد ينبغي أن تتقدم على تحميل المواطنين أعباء إصلاحية جديدة، محذراً من أن غياب الرقابة الفعالة قد يجعل التعويض النقدي محدود الأثر أمام ارتفاع الأسعار.

وأمام التحذيرات المتداولة، سارع مجلس النواب، مساء الجمعة، إلى توضيح موقفه، مطَمئناً إلى أن دراسة التحول من الدعم السلعي إلى النقدي «تندرج ضمن الخيارات الإصلاحية المطروحة، ولا تعني إلغاء الدعم أو استبداله بصورة فورية».

وتعهد المجلس بعدم اتخاذ أي خطوة قبل استكمال الدراسات اللازمة، وتوفير المتطلبات والضمانات، والتأكد من جاهزية الدولة لتنفيذ التحول المقترح، في تأكيد على أن الأمر لا يزال في مرحلة الدراسة، ولم يتحول إلى قرار ملزم.

ولا ينكر عضو لجنة المالية والتخطيط في مجلس النواب، فهمي التواتي، أن منظومة الدعم الحالية تعبر عن «خلل هيكلي عميق يستنزف موارد الدولة ويعيق نمو الاقتصاد»، مبرزاً أن استمرارها بصيغتها الراهنة يشوه الأسعار، ويفتح الباب أمام تهريب السلع والمحروقات، ويحرم الاقتصاد فرص التعافي.

ويحذر التواتي أيضاً، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن معالجة هذه الاختلالات دون استعداد مؤسسي قد تنتهي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية صعبة، خصوصاً في ظل غياب مؤسسات حكومية موحدة واستمرار الانقسام السياسي وضعف الرقابة وشبكات الأمان الاجتماعي.

ويرى التواتي أن «الإصلاح المتسرع قد يطلق موجات تضخم ويرفع أسعار السلع والخدمات الأساسية، بما يهدد الطبقتين المتوسطة ومحدودة الدخل، ويجعل المواطنين يتحملون تكلفة اختلالات اقتصادية لا يملكون أدوات التأثير فيها، خصوصاً مع تراجع قدرتهم الشرائية».

وتعكس بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم بند الدعم في الموازنة العامة، إذ بلغت نفقاته نحو 34.5 مليار دينار (5.4 مليار دولار بالسعر الرسمي) خلال عام 2025، بما يعادل 25.2 في المائة من إجمالي الإنفاق العام البالغ 136.8 مليار دينار.

ويشمل هذا البند دعم المحروقات والأدوية والإمداد الطبي وعلاوة الزوجة والأبناء، إلى جانب مرتبات بعض الشركات والجهات العامة، ما يعني أن الرقم المعلن لا يمثل تكلفة دعم الوقود وحده، بل إجمالي مكونات بند الدعم، وفق بيانات المصرف المركزي.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بلغت نفقات الدعم نحو 14.3 مليار دينار، مقابل 29.5 مليار دينار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بتراجع يقارب 51.5 في المائة، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي. (الدولار يساوي 6.40 دينار في السوق الرسمية، و9.92 دينار في السوق الموازية).

وفي المقابل، يستند أنصار مراجعة المنظومة إلى الأعباء التي تفرضها على المالية العامة، وما يرتبط بها من تهريب للمحروقات وتشوهات في الأسعار، معتبرين أن استمرار الوضع الحالي يبدد موارد يمكن توجيهها إلى قطاعات خدمية وتنموية.

ودفع رجل الأعمال الليبي حسني بي باتجاه تنفيذ أكثر سرعة وشمولاً، مطالباً رئيس مجلس النواب بالإصرار على «الاستبدال النقدي الكلي والفوري والكامل» للدعم، ليشمل المحروقات والكهرباء، مع بيع الطاقة وفق تكلفتها الفعلية.

من جهته، يلفت عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة إلى ضرورة معالجة أوجه الخلل في السياسة المالية، بالتوازي مع مراجعة منظومة الدعم، بما يضمن اتساق الإصلاحات الاقتصادية وعدم تحميل المواطنين وحدهم تكلفة معالجة الاختلالات القائمة.

وبين الدعوات إلى إصلاح المنظومة والتحذيرات من تداعياتها الاجتماعية، يربط التواتي نجاح أي خطة بمسار وطني يبدأ بتوحيد المؤسسات السياسية والتنفيذية، ثم بناء قاعدة بيانات دقيقة تحدد المستحقين وقيمة التعويض، بما يضمن عدالة التوزيع وشفافية التنفيذ.


​من الطاقة للصحة... القاهرة وطرابلس تدفعان الشراكة في مجالات استراتيجية

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في طرابلس يوم السبت (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في طرابلس يوم السبت (مكتب المنفي)
TT

​من الطاقة للصحة... القاهرة وطرابلس تدفعان الشراكة في مجالات استراتيجية

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في طرابلس يوم السبت (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في طرابلس يوم السبت (مكتب المنفي)

بدت القاهرة وطرابلس في طريقهما لدفع الشراكة الاستراتيجية نحو آفاق جديدة، بالتوازي مع فتح مسار حواري لتقريب وجهات النظر حول «الاتفاقية البحرية» الموقّعة بين ليبيا وتركيا، والتأسيس لأرضية مشتركة.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مباحثات مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في العاصمة الليبية طرابلس، السبت، على هامش أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء؛ كما بحث مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستجدات العلاقات الثنائية، وتطورات المشهدين الإقليمي والدولي.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية خلال لقاء وزير الخارجية المصري يوم السبت (مكتب الدبيبة)

وجمعت مباحثات عبد العاطي - بالتزامن مع إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية - بين الأبعاد السياسية والتعاون الاقتصادي. وقالت وزارة الخارجية المصرية إن الوزير وقّع ووزير الصحة في طرابلس، محمد الغوج، على مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الصحي والطبي بين مصر وليبيا.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير نادر زكي، إن مذكرة التفاهم الجديدة تتضمن تبادل الخبرات بين وزارة الصحة والسكان بمصر، ووزارة الصحة بحكومة «الوحدة الوطنية»، كما تشمل التعاون في مجالات تطوير الخدمات الصحية ومكافحة الأمراض والتدريب الطبي.

الدبيبة يتوسط عبد العاطي ووزير الصحة في طرابلس محمد الغوج يوم السبت (الخارجية المصرية)

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد زار طرابلس في أبريل (نيسان) 2021 على رأس وفد رفيع المستوى، حيث وقَّعت اللجنة العليا الليبية - المصرية 13 مذكرة تفاهم و6 عقود تنفيذية.

وخلال افتتاح مقر السفارة المصرية، مساء السبت، التقى عبد العاطي مع خليفة عبد الصادق، وزير النفط والغاز الليبي المكلف بحكومة «الوحدة»، وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجال الطاقة.

وقالت وزارة الخارجية، الأحد، إن عبد العاطي أكد «أهمية الإسراع في تنفيذ مشروعات التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات إنشاء وربط خطوط الغاز وتطوير التعاون في المنتجات البترولية»، فضلاً عن «سرعة استكمال مشروعات تكرير النفط الليبي في مصر وإعادة تصديره إلى الخارج بجانب تأهيل المصافي الليبية».

كما تناولت المباحثات «الانتهاء من مشروعات الربط الكهربائي بين مصر وليبيا في أقرب فرصة ممكنة».

واستعرض عبد الصادق ملامح التعاون الفني الحالي في مجالات النفط والغاز والكهرباء، مؤكداً على «مواصلة تنفيذ المشروعات القائمة بين الطرفين»، ومنوهاً بأنه يعتزم زيارة القاهرة في القريب العاجل لاستكمال مباحثات التعاون الفني مع وزيري البترول والكهرباء بمصر، حسبما ذكرت الوزارة المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي خليفة عبد الصادق وزير النفط المكلف في حكومة «الوحدة» (منصة حكومتنا)

وعلى هامش افتتاح السفارة المصرية في طرابلس، التقى عبد العاطي المبعوثة الأممية هانا تيتيه، وتناول معها بحث مجمل الجهود الأممية الرامية لتحريك العملية السياسية في ليبيا.

وأوضح المتحدث باسم الخارجية المصرية أن عبد العاطي أكد «على دعم مصر للجهود كافة التي تستهدف حلحلة العملية السياسية في ليبيا»، مشدداً على «موقف مصر إزاء التمسك بالحل السياسي عبر حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، وفي إطار من التوافق الوطني الواسع، وفقاً لمرجعيات الحل وعلى رأسها (اتفاق الصخيرات) دون إملاءات وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا، وتصون مؤسساتها».

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوثة الأممية لدى ليبيا خلال إعادة افتتاح سفارة مصر في طرابلس يوم السبت (الخارجية المصرية)

ونقلت الخارجية المصرية، عن تيتيه إشادتها بمستوى التعاون الوثيق بين مصر والبعثة، مؤكدة على تطلع الأمم المتحدة لمواصلة التنسيق لضمان نجاح المسار السياسي، وتثبيت دعائم السلم والأمن في جميع أنحاء ليبيا.

وحرص عبد العاطي خلال زيارة طرابلس على لقاء عدد من أبناء الجالية المصرية، وذلك في إطار ما أرجعته وزارة الخارجية إلى «الاهتمام الدائم بالتواصل المباشر والمستمر مع المواطنين المصريين بالخارج».

وتحدث عبد العاطي عن أن توجيهات القيادة السياسية تؤكد مواصلة تطوير منظومة العمل القنصلي والارتقاء بمستوى الخدمات القنصلية المقدمة للمواطنين المصريين بالخارج، بما يشمل تعزيز التحول الرقمي للخدمات القنصلية والتنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة لتقديم هذه الخدمات على نحو سريع وميسر للمواطنين.

عدد من أبناء الجالية المصرية في طرابلس خلال لقاء بدر عبد العاطي يوم الأحد (الخارجية المصرية)

واستعرض الوزير «جهود الدولة المصرية في رعاية المصريين بالخارج والارتقاء بالخدمات المقدمة لهم»، مشيراً إلى «إطلاق الوزارة مؤخراً التشغيل التجريبي للمنصة الإلكترونية التفاعلية للخدمات القنصلية من خلال تطبيق (مصري بالخارج) الذي يتيح للمواطنين إجراء المعاملات القنصلية ومتابعة مختلف مراحل إنجازها»، حسب وزارة الخارجية.

ونوهت الوزارة بأن التشغيل التجريبي للتطبيق سيشمل 17 دولة؛ وستشهد المراحل التالية مزيداً من الدول من بينها ليبيا، فضلاً عن التنسيق المستمر مع وزارة الداخلية من أجل إيفاد لجان متخصصة لإصدار وتجديد بطاقات الرقم القومي في البعثات المصرية بالخارج.

كما استعرض عبد العاطي جهود الوزارة بالتنسيق مع السلطات الليبية من أجل معالجة الإشكاليات التي تواجه المواطنين المصريين بليبيا، بما في ذلك «إيجاد تسوية ناجزة لشكوى الأطباء والممرضين المصريين الذين استقدمتهم وزارة الصحة الليبية للعمل في المستشفيات التابعة لها وتأخر دفع مستحقاتهم المالية».

وشهد اللقاء حواراً مفتوحاً بين الوزير وأبناء الجالية، استمع خلاله عبد العاطي إلى آرائهم واستفساراتهم ومقترحاتهم بشأن مختلف الموضوعات التي تمس مصالح المصريين بالخارج، مؤكداً «حرص وزارة الخارجية على مواصلة التواصل معهم والعمل على الاستجابة لمطالبهم بالتنسيق مع مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة».