مراقبون: بوتين بعيد تماماً عن العُزلة... وعلى أوروبا التعامل معه باستراتيجية طويلة الأمد

غريغوار روس: بالنسبة لبكين تظل موسكو «أداة تشويش» تساعد على ظهور نظام دولي بديل «يكون فيه نفوذ أميركا وأوروبا أقل وزناً»

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقطون صورة تذكارية في نيودلهي (أ.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقطون صورة تذكارية في نيودلهي (أ.ب)
TT

مراقبون: بوتين بعيد تماماً عن العُزلة... وعلى أوروبا التعامل معه باستراتيجية طويلة الأمد

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقطون صورة تذكارية في نيودلهي (أ.ب)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ (وسط) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقطون صورة تذكارية في نيودلهي (أ.ب)

كثّف الرئيس فلاديمير بوتين تحركاته الدبلوماسية عبر سلسلة من القمم خلال الأسبوعين الماضيين، دون إبداء استعداد للتراجع عن أهداف روسيا في حربها على أوكرانيا، بل إن المؤشرات ذهبت في الاتجاه المعاكس، مع تسارع وتيرة التصعيد.

ويقول الخبير السياسي غريغوار روس، من «المعهد الملكي للشؤون الدولية» (معهد تشاتام هاوس) إنه يبدو أن أوروبا تميل إلى تفسير هذا النشاط المتنامي كونه «إشارة على إصابة موسكو باليأس. ولكن هذا تقدير خاطئ، ففي الواقع، قد تكون استراتيجية الكرملين القائمة على الجمع بين الجمود الدبلوماسي والتصعيد المحسوب أقوى مما تبدو عليه».

الرئيس بوتين يدلي بصوته إلكترونياً عبر الإنترنت (رويترز)

لا تراجع

ويشير روس، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا بالمعهد، في تحليل نشره «تشاتام هاوس»، إلى محادثات المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع بوتين في موسكو في الخامس من الشهر الحالي، لبحث سُبل إنهاء الحرب.

ووصف الكرملين المحادثات بأنها «مفيدة للغاية»، دون أي مؤشر على استعداده لتخفيف مطالبه. وبعد أيام، رفض الكرملين عرضاً من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للقاء بوتين خلال قمة مجموعة العشرين بمدينة ميامي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وفي الوقت نفسه، تصاعدت الهجمات الروسية على أوكرانيا.

وفي 13 سبتمبر (أيلول) أصابت مسيّرة روسية بنية تحتية للسكك الحديدية قرب ياهودين، بعد وقت قصير من مرور قطار كان يقل رئيس الوزراء بريطانيا الأسبق بوريس جونسون، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بترايوس، وآخرين، في المنطقة.

لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري أوشاكوف (إ.ب.أ)

ويرى عدد من مسؤولي أوروبا أن سلوك موسكو يدل على أنها تستنفد خياراتها في أوكرانيا. وبالفعل، فإن «وضع روسيا غير مؤكد، فهي تتكبد خسائر استثنائية، فيما تظل مكاسبها الإقليمية بطيئة ومكلفة. كما استعادت القوات الأوكرانية أراضي في عدة قطاعات». ومع ذلك، «فإن الاستنتاج القائل إن التصعيد الروسي يكشف عن حالة من اليأس هو أقرب إلى التفكير القائم على التمني منه إلى الواقع».

بوتين لا يزال يتجاهل النصائح الودية

ويشير روس إلى مبادرة رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، في يوليو (تموز) بشأن حرب أوكرانيا، والتي حظيت باهتمام كبير؛ حيث قال توكاييف، وهو يجلس بجوار بوتين في مدينة أومسك، إنه يجب تجميد الصراع واستئناف المفاوضات، ولكن الكرملين سرعان ما رفض فكرة تجميد الحرب. وذهب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى أبعد من ذلك في بيشكيك، عاصمة قيرغزستان يوم 31 أغسطس (آب) الماضي، خلال قمة منظمة «شنغهاي» للتعاون، عندما قال لبوتين علناً إن العالم بحاجة إلى «الانتقال من الحرب التي لا تنتهي إلى إنهاء الحرب».

ورغم ذلك، خاطب مودي بوتين «صديقي»، وأشاد بقوة العلاقات الثنائية. وبعد أقل من أسبوعين، وخلال قمة «بريكس» في نيودلهي، ناقش مودي وبوتين هدفاً تجارياً ثنائياً بقيمة 100 مليار دولار. ولا يوجد ما يدعو إلى الشك في أن حكومات مثل الهند وكازاخستان تريد فعلاً إنهاء الحرب، «ولكن ذلك لا يعني أنها مستعدة أن تجعل علاقاتها مع روسيا مشروطة بإنهائها».

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارتهما لبكين في سبتمبر 2025 (رويترز)

ويخلص روس إلى أن هذا التمييز يكشف جانباً كبيراً من ثقة بوتين، «فعلى الرغم من انتقاداتها، تواصل الهند التعامل مع روسيا بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً. وسعت كازاخستان إلى تنويع علاقاتها الخارجية بحذر، لكنها حافظت على علاقة وثيقة مع موسكو. وفي الوقت نفسه، انتقد إعلان (بريكس) الصادر في نيودلهي العقوبات الأحادية والقيود التجارية، لكنه تجنّب مواجهة روسيا مباشرة بشأن أوكرانيا». ويؤكد روس أيضاً أن هذه الشراكات المستمرة قد «تقدم لموسكو شيئاً تحتاج إليه بقدر حاجتها تقريباً إلى الدعم لحربها في أوكرانيا: الاندماج الاقتصادي في آسيا، والشرعية الدبلوماسية، ودوراً يحظى بالاحترام في التكتلات الدولية المؤثرة».

أهمية روسيا للصين

وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ لبوتين خلال قمة منظمة «شنغهاي» للتعاون إن أسس العلاقات الثنائية بين البلدين ستزداد قوة. وكثيراً ما يصف الأوروبيون روسيا بأنها «تابعة» للصين، وهو أمر يعكس تفاوتاً اقتصادياً حقيقياً، «إذ إن الاقتصاد الصيني أكبر بنحو 8 مرات من الاقتصاد الروسي. كما تجري روسيا ما لا يقل عن 34 في المائة من تجارتها الدولية مع الصين، في حين لا تُمثل روسيا سوى نحو 4 في المائة من تجارة الصين».

الرئيس بوتين يتحدث إلى مجموعة من القوات المسلحة (أ.ب)

ولكن هذا التصوير يغفل جانباً مهماً من الشراكة، «لا يمكن قياسه من خلال التجارة الثنائية وحدها، فلدى بكين أسباب تدفعها إلى إبقاء موسكو قوية بما يكفي لتظل قوة مستقلة. فروسيا تمتلك ترسانة نووية، ومقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وموارد هائلة من الطاقة والسلع الأساسية، وموقعاً استراتيجياً يمتد عبر آسيا الوسطى ومنطقة القطب الشمالي. والأهم من ذلك أن موسكو مستعدة لتحدي ما تبقَّى من النظام العالمي الذي تشكَّل بقيادة أميركا».

ويظهر انخراط الصين في اقتصاد الحرب الروسية أن «العلاقة بين البلدين أكثر اتساقاً مما قد يعتقد كثيرون في أوروبا».

ويُشير روس في هذا الشأن إلى وثائق نشرتها مجلة «بوليتيكو» مؤخراً تظهر أن شركة صينية مملوكة للدولة شحنت أليافاً كربونية تُستخدم في طائرات «جيران» -المسيرة الهجومية- إلى شركة «ألابوجا-فولوكنو»، وهي شركة تابعة لمؤسسة «روس آتوم» الروسية الحكومية للطاقة النووية، وتخضع لعقوبات. وكانت تحقيقات سابقة أجراها معهد روبرت لانسينغ وثقت وجود محركات ومكونات صينية في طائرات روسية مسيّرة.

لافروف مع بوتين في المنتدى الاقتصادي الشرقي بمدينة فلاديفوستوك (أ.ب)

ولكن هذا ليس دليلاً على أن كل المعاملات التجارية تمت بأوامر من بكين، «كما أنه ليس دليلاً على دعم صيني (بلا حدود)، فلا مصلحة للرئيس شي في أن يصبح رهينة لقرارات بوتين، وسوف تواصل بكين ضبط حجم انخراطها بحذر شديد. لكنه يظهر، مع ذلك، مدى تضليل الربط بين الحذر الخطابي للصين بشأن أوكرانيا وابتعادها عن روسيا».

وبالنسبة لبكين، تظل موسكو «أداة التشويش المفيدة الرئيسية؛ حيث تساعد تحركاتها على ظهور نظام دولي بديل من خلال مجموعات مثل منظمة (شنغهاي) للتعاون و(بريكس)، (يكون فيه نفوذ أميركا وأوروبا أقل وزناً)».

ويرى روس أن الهند ربما لا تشارك الصين رؤيتها للنظام العالمي، «لكنها لا ترى أيضاً فائدة في عزل روسيا. وينطبق الأمر نفسه على كازاخستان أو أي عضو آخر في (بريكس). وقد أثبت هذا الغموض أنه مريح بما يكفي لبوتين كي يتعايش معه».

بوتين لدى ترحيبه بالمبعوثَين الأميركيَّين كوشنر وويتكوف في الكرملين يوم السبت (أ.ب)

أوروبا بحاجة إلى الواقعية

ويؤكد روس، كما جاء في تحقيق «الوكالة الألمانية»، أنه يتعين على القادة في أوروبا أن يتعلموا درساً مهماً من التصعيد الروسي ضد أوكرانيا وأوروبا خلال الشهور القليلة الماضية، إلى جانب تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع آسيا. والدرس مفاده أن جهودهم لإجبار الحكومات على الاختيار بين روسيا والغرب قد «وصلت إلى حدودها بوضوح، إن لم تكن قد فشلت».

وقد تقدم علاقات الاتحاد الأوروبي مع الهند نموذجاً أفضل؛ حيث شهدت هذه العلاقات تعزيز التكتل لعلاقاته التجارية مع الهند، بالتزامن مع تخفيف لهجته بشأن علاقات نيودلهي مع موسكو.

ويرى روس في ذلك أمراً منطقياً، «إذ توجد مساحة كبيرة لتعميق العلاقات مع الهند وآسيا الوسطى. ويمكن لأوروبا أن تقدم الاستثمارات والتكنولوجيا والوصول إلى السوق الموحدة وشراكات في المعادن الحيوية. كما يمكنها توفير طرق نقل تقلل الاعتماد على روسيا، مثل الممر العابر لبحر قزوين».

وفيما يتعلق بالصين، فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل عقوبات على عدد متزايد من الشركات الصينية المتورطة في التحايل على العقوبات، والمنخرطة في الصناعات الدفاعية الروسية.

وقد يتوقف نجاح الاستراتيجية الأوروبية طويلة الأمد على مدى استعداد الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق تلك العقوبات، واستهداف سلاسل الإمداد الاستراتيجية، عندما تشير الأدلة إلى تورط مباشر من جانب مورّدين صينيين أكبر حجماً أو مملوكين للدولة.

ويشير التصعيد الروسي في أوكرانيا إلى أن «بوتين لا يزال يراهن على قدرته على الصمود أكثر من داعمي أوكرانيا، وأنه لا يزال واثقاً بأن روسيا مرتبطة بما يكفي ببقية العالم لامتصاص الضغوط الغربية»، كما يرى أن موقفه تعززه أميركا «التي يعتقد أنها أضعفتها الحرب مع إيران».

وفي ختام التحليل، يقول روس: «ولكن أوروبا ليست مضطرة إلى قبول رهان بوتين، وما يتعين عليها فعله هو فهم الديناميكيات الأساسية طويلة الأمد والاستجابة لها وفقاً لذلك. فإذا كان بوتين يخوض لعبة طويلة الأمد، فربما حان الوقت لأن تفعل أوروبا الشيء نفسه».


مقالات ذات صلة

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

الاقتصاد ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن ثلاث ناقلات محملة بالديزل الروسي في طريقها إلى أميركا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا إيلون ماسك (رويترز) p-circle

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا، ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين، وكييف توقع مع شركتين من فنلندا لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية خاص بها.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس فلاديمير بوتين يلقي كلمة في مسرح البولشوي بموسكو (رويترز)

بوتين: المحادثات يجب أن تركز على أمن روسيا وأوكرانيا وأوروبا ككل

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن المحادثات حول تسوية الحرب في ​أوكرانيا يجب أن تركز على ضمانات لكلا البلدين، وعلى إطار عمل شامل للأمن في جميع أوروبا.

الولايات المتحدة​ الأميركي ستيفن هابارد (74 عاماً) الذي احتُجز في روسيا منذ عام 2022 برفقة أفراد من عائلته ومسؤولين أميركيين على متن طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة بعد إطلاق سراحه في صورة وُزّعت في 21 أكتوبر 2026 (رويترز)

ستيفن هابرد يصل إلى أميركا بعد الإفراج عنه من روسيا

وصل المواطن الأميركي ستيفن هابرد إلى الولايات المتحدة على ما أفاد محاميه «وكالة الصحافة الفرنسية»، بعدما أفرج عنه الأربعاء في روسيا حيث قضى 4 سنوات بالسجن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبورغ الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا وأوكرانيا تتبادلان الضربات تزامناً مع مغادرة مبعوث ترمب

القوات الروسية والأوكرانية تبادلتا الهجمات المكثفة رغم أحدث مساعي الوساطة الأميركية لإنهاء الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.