الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

تقديرات متباينة مع الارتفاعات المستمرة بالأسعار

الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
TT

الأجور في مصر... كم تحتاج الأسر لضبط إنفاقها الشهري؟

الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)
الغذاء يحتل المرتبة الأولى بين بنود الإنفاق الشهري للأسرة المصرية (رئاسة حي الساحل بالقاهرة)

على مكتبها بأحد الدواوين الحكومية، أمسكت الموظفة الأربعينية، منى مصطفى، التي تقطن محافظة المنوفية (دلتا النيل)، ورقةً وقلماً لحساب بنود نفقات أسرتها الشهرية مع موسم دخول المدارس، محاولة ضبط راتبها مع تكاليف الحياة اليومية.

ومراراً وتكراراً، وبين استغناء وتحايل لتقليل نفقات بند لصالح بند آخر، في محاولة للتكيف مع تكلفة معيشية متصاعدة، قالت منى، التي تعول ابنتين تدرسان بالمرحلة الثانوية: «أحاول تدبير نفقات مصروفات المدرسة لابنتين، التي تبلغ نحو 3500 جنيه سنوياً (67 دولاراً)، بخلاف تكاليف الدروس الخصوصية، والمواصلات، مع البنود الثابتة الأخرى كالكهرباء والماء والغاز».

وبضيق، أضافت الأم، التي تتقاضى الحد الأدنى للأجور البالغ 8 آلاف جنيه شهرياً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أمام حسبة صعبة، لا أجد إلا تقليلاً من البند المخصص للطعام، لكن أمام ارتفاع معظم السلع لا أعرف كيف أتصرَّف، فالأجر لا يكفي، وأحتاج لضعفه على الأقل، لنستطيع العيش».

وسجَّل المعدل السنوي للتضخم على مستوى مدن مصر 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات رسمية. بينما تتوقع مؤسسة «فيتش سوليوشنز» ارتفاع متوسط معدل التضخم في البلاد من 14 في المائة خلال النصف الأول من 2026 إلى 15.5 في المائة في النصف الثاني.

بين الحسابات «المعقدة» والمُعدلّات «المتوقعة»؛ سلطت دراستان حديثتان، أصدرتهما مراكز بحثية، الضوء على خريطة الإنفاق للطبقة الوسطى، وكم تحتاج الأسرة لضبط إنفاقها الشهري.

الدراسة الأولى، أعدها «مركز العدل لدراسات السياسات العامة»، التابع لـ«حزب العدل» المصري، وذهبت إلى أن الأسرة المكونة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفاً و784 جنيهاً شهرياً (نحو 609 دولارات) لتغطية سلة المعيشة وفق السيناريو الأوسط، بما يعادل نحو 1059 جنيهاً يومياً للأسرة.

وارتفع الحد الأدنى للأجور بمصر للعاملين بالدولة لـ8 آلاف جنيه شهرياً (نحو 153 دولاراً) اعتباراً من يوليو (تموز) الماضي، بينما يبلغ الحد الأدنى للقطاع الخاص 7 آلاف جنيه منذ مارس (آذار) 2025.

أحد المنافذ الحكومية في مصر لتوفير السلع (وزارة التموين المصرية)

بالتزامن، أوضحت دراسة حديثة أعدها مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» بعنوان «الأجر المعيشي في مصر»، أنه عند الحديث عن إعالة أسرة صغيرة، فإن الدخول التي تدور حول الحد الأدنى للأجور تظل شديدة الحساسية أمام أي ارتفاع جديد في الأسعار، أما عند الحديث عن أجر معيشي أكثر واقعية، فينبغي أن يسمح الدخل بتغطية الاحتياجات الأساسية، وأن يترك في الوقت نفسه هامشاً معقولاً للطوارئ والادخار.

وفصّلت الدراسة مستويات صافي الدخل الشهري للفرد لعام 2026 وتأثيرها المعيشي، حيث وصفت الدخل أقل من 8 آلاف جنيه بأنه «شديد الصعوبة»، أما تراوحه بين 8 آلاف و12 ألف جنيه «فيكفي الاحتياجات الأساسية بصعوبة»، بينما يمثل الدخل بين 12 ألفاً و15 ألف جنيه «مستوى معيشة محدوداً ومستقراً نسبياً».

وتصل الأمور إلى «مستوى مناسب» لفرد يعول أسرة صغيرة لمَن يتراوح دخله بين 15 ألفاً و20 ألف جنيه، في حين يُعد الدخل ما بين 20 ألفاً و25 ألف جنيه «مستوى جيداً نسبياً»، ليأتي الدخل الأكثر من 25 ألف جنيه ليسمح بهامش أفضل للادخار ومواجهة الطوارئ.

وبحسب الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، ومُعد الدراسة، فإن المواطن يواجه مجموعة من الالتزامات الشهرية، أبرزها الغذاء، والسكن، والكهرباء، والمياه، والغاز، والمواصلات، والاتصالات، والتعليم، والعلاج، والملابس، وغيرها من الاحتياجات، وبالتالي فإن الحكم على كفاية الأجر لا ينبغي أن يتم من خلال الرقم المجرد، وإنما من خلال مقارنته بسلة النفقات الضرورية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد السؤال في مصر اليوم هو: كم يتقاضى المواطن من أجر؟، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً: ماذا يستطيع هذا الأجر أن يشتري له؟».

ويقدّر الخبير، الحد الأدنى للأجر المناسب لأسرة من 4 أفراد في عام 2026 بنحو 20 ألف جنيه شهرياً، مُفضلاً أن يزيد لـ25 ألفاً لتوفير هامش للطوارئ والادخار، أما الفرد الأعزب فيحتاج بين 12 و15 ألف جنيه، مع مراعاة تباين ظروف السكن والمحافظة.

بدورها، ترى الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية «العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات»، أن الحد الأدنى للأجر الحكومي يغطي نحو رُبع الاحتياجات وفقاً للتقديرات البحثية الأخيرة، ما يخلق فجوة هيكلية عميقة ويفرض ضغوطاً غير مسبوقة على شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الطبقة الوسطى، التي تراجعت نحو مستويات معيشية أدنى نتيجة عجز الأجور عن ملاحقة موجات التضخم المتسارعة.

تقديرات متباينة بشأن خريطة إنفاق الطبقة الوسطى في مصر (وزارة التموين المصرية)

وتبيّن، لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الفجوة تدفع الأسر إلى العمل لساعات إضافية، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة، والاعتماد على الاقتراض، ما يزيد الضغوط النفسية، لافتة، أيضاً إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، حيث اتجه البعض نحو أعمال غير مستقرة أو غير مؤمنة اجتماعياً لتعويض نقص الدخل، وهو توجه لا يخلو من مخاطر اجتماعية واقتصادية.

وبلغت آخر نسبة معلنة للفقر، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر 33.5 في المائة عام 2021.

عودة للموظفة، منى مصطفى، التي أمسكت بورقة جديدة في محاولة أخرى لهندسة راتبها، مُرددة: «ما أتمناه فقط أن يحقق راتبي المثل الشعبي: (اللي جاي على قد اللي رايح)».


مقالات ذات صلة

مصر لدفع تنمية سيناء بتطوير «ميناء العريش» وتسريع «الربط السككي»

شمال افريقيا أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)

مصر لدفع تنمية سيناء بتطوير «ميناء العريش» وتسريع «الربط السككي»

المشروع يسهم في تحقيق التنمية الشاملة وخدمة التجمعات الصناعية والزراعية بسيناء وتسهيل عملية التصدير.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا طرح 10 آلاف وحدة بنظام «الإيجار التمليكي» و15 ألف وحدة بنظام «الإيجار» (وزارة الإسكان المصرية)

الحكومة المصرية تراهن على «الإيجار» لزيادة الإقبال على المدن الجديدة

في وقت يتزايد فيه الحديث عن أزمة ضعف الإقبال على المدن الجديدة جاء توجُّه وزارة الإسكان نحو الاعتماد على «الإيجار».

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تفاوت في مصروفات الجامعات بمصر (صفحة الجامعة الألمانية على «فيسبوك»)

جامعات خاصة تفجر خلافاً بين الحكومة المصرية ونقابات بسبب «تدني التنسيق»

أثار خفض الحدود الدنيا للقبول ببعض الكليات في الجامعات الخاصة وفروع الجامعات الأجنبية بمصر اعتراضات نقابية وبرلمانية.

منى أبو النصر (القاهرة )

مصر لدفع تنمية سيناء بتطوير «ميناء العريش» وتسريع «الربط السككي»

أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)
أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)
TT

مصر لدفع تنمية سيناء بتطوير «ميناء العريش» وتسريع «الربط السككي»

أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)
أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)

ضمن إجراءات حكومية لدفع مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء (شمالي شرق)، تستهدف الحكومة المصرية تطوير «ميناء العريش البحري» على ساحل البحر المتوسط، إلى جانب تسريع «الربط السككي» بين مدن تابعة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء ومنطقة شرق بورسعيد (شمال).

وتفقد وزير النقل المصري، كامل الوزير، مواقع العمل بمشروع تطوير وتوسعة «ميناء العريش» البحري، وحسب إفادة لوزارة النقل المصرية، السبت، أكد الوزير أن «المشروع يسهم في تحقيق التنمية الشاملة وخدمة التجمعات الصناعية والزراعية بسيناء، وتسهيل عملية التصدير إلى مختلف دول العالم».

وتسهم المشروعات التنموية في سيناء في جذب المواطنين من محافظات أخرى للتوطين، بالإضافة إلى زيادة الثقل الاقتصادي لمحافظتي شمال وجنوب سيناء عبر زيادة حركة تصدير المنتجات الصناعية والزراعية والمعادن التي تحتويها أرض سيناء، بحسب برلمانيين واقتصاديين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ويقع «ميناء العريش» على ساحل البحر المتوسط، شمال شرقي مصر، وهو الميناء البحري الوحيد المطل على البحر المتوسط، في محافظة شمال سيناء، وحسب وزارة النقل المصرية، فإن «الميناء له أهمية كبيرة في تحقيق التنمية الشاملة بسيناء، لدوره الهام في خدمة حركة التجارة بين قارتي أوروبا وآسيا».

وزير النقل المصري يتفقد أعمال التطوير في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)

وأشار وزير النقل إلى أن الميناء له «دور مهم في خدمة حركة التجارة بين قارتي أوروبا وآسيا، ويعد أحد المكونات الأساسية للممر اللوجيستي (العريش/طابا)، الذي يبدأ من ميناء العريش على البحر المتوسط، وحتى ميناء طابا في خليج العقبة، مروراً بمناطق الصناعات الثقيلة في وسط سيناء».

وقبلها بيوم واحد، تفقّد الوزير أيضاً خط سكة حديدية يصل إجمالي طوله 500 كيلومتر يربط بين مدن القناة وسيناء، وأشار إلى أن ميناءي (العريش وطابا)، ستربط بينهما شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة، مروراً بالموانئ الجافة والمناطق اللوجستية، وفق وزير النقل المصري، ويعد ممر (العريش/طابا) أحد الممرات اللوجستية الدولية المتكاملة التي ستسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل اللوجستي وتجارة الترانزيت، وفق وزارة النقل المصرية.

وتسهم مشروعات النقل والمختلفة واللوجستيات في تعزيز الاستفادة من الثروات الطبيعية التي تتمتع بها شبه جزيرة سيناء، وفق عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) عن محافظة شمال سيناء فايز أبو حرب الذي قال، إن «تطوير الميناء البحري الوحيد في شمال سيناء، سيزيد من صادرات المنتجات الصناعية والزراعية والثروات التعدينية في أراضي سيناء».

ويرى أبو حرب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن«الربط السككي، والطرق التي تربط بين موانئ البحرين المتوسط والأحمر، ستتكامل مع محاور التنمية الأخرى في شبه جزيرة سيناء؛ ما يسهل عملية التصدير للمنتجات المختلفة»، وقال إن«الحكومة المصرية تبذل جهوداً للتنمية هناك، لكنها بحاجة إلى المزيد، وتسريع وتيرة التنفيذ، لتعزيز الاستفادة من ثروات المنطقة».

وتسهم عملية التعمير في سيناء، في عودة الحياة لطبيعتها بمدن المنطقة وجذب مواطنين من محافظات أخرى للتوطين في سيناء»، بحسب النائب فايز أبو حرب.

وتتحدث الحكومة المصرية عن طفرة في مشروعات التنمية بسيناء خلال السنوات الأخيرة، وفي نهاية عام 2023، أشار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إلى أن حكومته أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال 10 سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري)، شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية، بداية من البنية التحتية والطرق والإسكان والمياه والأنفاق.

وفي ذلك الحين، أكد أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدّر بنحو 363 مليار جنيه، لتنفيذ نحو 302 مشروعاً، خلال 3 سنوات»، حسب مجلس الوزراء المصري.

الرصيف السياحي في ميناء العريش البحري (وزارة النقل المصرية)

وتعوّل الحكومة المصرية على مشروعات التنمية في سيناء لتعزيز الاستفادة من ثرواتها الطبيعية، وفق أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، هشام إبراهيم، وقال، إن «ما يتم تنفيذه يأتي ضمن الخطة الاقتصادية والتنموية لمصر بشكل عام، والتي تستهدف تعزيز الاستفادة من الموارد والثروات الطبيعية، ومنها المعادن التي تحتويها سيناء».

ويرى إبراهيم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشروعات التي تنفذها الحكومة في مدن سيناء تحقق فوائد اجتماعية وأمنية والأهم اقتصادية»، وقال إن «هناك اهتماماً حكومياً في السنوات الأخيرة لمعالجة الأوضاع الأمنية التي شهدتها سيناء لسنوات بمشروعات تنموية تعزز من ربطها ببقية المحافظات والمدن المصرية، وتسهل من حركة الأفراد والبضائع منها وإليها».

وأعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، أن حجم الاستثمارات العامة المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء في العام المالي الحالي 2026، والعام المالي المقبل (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأن «59 في المائة من الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».


ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)
TT

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)

لم يكن مايكل أوبونا يعلم أن رحلته الشاقة سعياً للعبور إلى أوروبا ستنتهي بطلب للعودة إلى غانا، بعد أقل من عام على وصوله إلى تونس. ولكن الظروف التي تزداد صعوبة وتعقيداً دفعته إلى أن يصبح واحداً من آلاف الراغبين في العودة إلى بلدانهم في أفريقيا جنوب الصحراء، وهو حال كثيرين سجَّلوا أسماءهم للاستفادة من برنامج «العودة الطوعية» إلى بلدانهم الأصلية. إلا أن عاملين في المجال الإنساني -طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم- أكدوا أن المهاجرين واللاجئين يُدفَعون دفعاً إلى الرحيل ومغادرة تونس.

مهاجرون أفارقة تم إنقاذهم وسط البحر خلال محاولتهم الوصول بحراً إلى أوروبا (رويترز)

وعبَر أوبونا (37 عاماً) الصحراء الكبرى مع زوجته وطفليه، ليصل إلى تونس العاصمة. ولكنه يرى الآن أن البقاء في تونس أصبح صعباً، بعدما بات حلم الوصول إلى أوروبا بعيد المنال، بسبب اتفاق أُبرم عام 2023 بين تونس والاتحاد الأوروبي، لتشديد الرقابة على عمليات عبور المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر البحر.

وقال أوبونا الذي ينتظر حالياً موعد العودة، ويعيش قرب مقرِّ المنظمة الدولية للهجرة في تونس: «الناس هنا، والحكومة... يعاملوننا كأننا لسنا بشراً».

ويواجه كثير من المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ظروفاً شديدة الصعوبة في تونس؛ لا سيما منذ خطاب الرئيس قيس سعيِّد عام 2023، الذي قال فيه إن «جحافل من المهاجرين غير النظاميين» تشكِّل تهديداً ديموغرافياً لمجتمع بلاده.

وقالت «المنظمة الدولية للهجرة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنها ساعدت 4965 مهاجراً على العودة إلى بلدانهم، في الفترة بين الأول من يناير (كانون الثاني) و31 أغسطس (آب) من العام الجاري، ضمن برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج؛ بينما تدير الحكومة التونسية برنامجاً منفصلاً يحمل الاسم نفسه، بجانب مركز رئيسي لإعادة المهاجرين بالقرب من مدينة صفاقس.

ولم تردّ السلطات التونسية على طلبات «وكالة الصحافة الفرنسية» لإجراء مقابلات وزيارة المركز.

عمليات طرد

في يونيو (حزيران) الماضي، قال مسؤول في الحرس الوطني التونسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن نحو 5 آلاف مهاجر أُعيدوا إلى بلدانهم خلال الأشهر الاثني عشر السابقة؛ مشيراً إلى أن رحلات العودة باتت تُسيَّر «تقريباً بشكل يومي»؛ لكن مصادر في منظمات إنسانية قالت إن هذه العمليات لا تستوفي معايير العودة «الطوعية»، مؤكدة أن ضغوطاً اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك ممارسات عنصرية، تُستخدم عمداً لإرغام المهاجرين على مغادرة تونس. وقال أحد هذه المصادر، إن ما تسمَّى «عمليات العودة الطوعية» هي «عمليات طرد واضحة»، مضيفاً أن المهاجرين يُجبرون في بعض الأحيان على المغادرة، حتى وإن كانت العودة إلى بلدانهم غير آمنة.

تفكيك مخيَّم للمهاجرين غير النظاميين بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر ذاته أن «السلطات تقول إن المهاجرين يمكثون فيما تُعرف بمراكز العودة مدة تقارب أسبوعين، بينما نعلم أن هذه العملية قد تستغرق أشهراً؛ خصوصاً للأشخاص الذين لا يملكون وثائق».

وأشارت مصادر أيضاً إلى أن ظروف احتجاز المهاجرين غير واضحة، كما أن بعضهم قد يرسَل إلى غير بلده، بينما قال مصدر آخر: «لاحظنا أن عدداً أكبر من الأشخاص بدأوا يصلون إلى ليبيا مؤخراً».

بدورهم، قال خبراء بالأمم المتحدة في يوليو (تموز) الماضي، إنهم يشعرون بالقلق إزاء معلومات بشأن «نظام مزعوم للاعتقال الجماعي والطرد والاتجار بالبشر» على الحدود بين تونس وليبيا.

ولم تُدلِ السلطات التونسية ولا الليبية بأي تعليق على هذه الاتهامات، بينما أعربت المصادر في المنظمات التي تحدثت إليها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مخاوف بشأن غياب المعلومات الرسمية حول برنامج العودة الذي تديره الحكومة.

ضغوط متزايدة

وأعلن أكثر من 40 منظمة غير حكومية دولية، أن اللاجئين والمهاجرين في تونس يتعرضون لسوء معاملة وانتهاكات، وصلت في بعض الأحيان إلى حدِّ وقوع حالات اغتصاب، وفقاً لشهادات جمعتها.

مهاجرون أفارقة وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

وفي بيان مشترك في يوليو الماضي، قالت منظمات -من بينها «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية- إن اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين «تعرضوا لعنف عنصري» في تونس، بالإضافة إلى «الاعتقال التعسفي، والطرد الجماعي، والإساءة والتعذيب، وغير ذلك من الممارسات السيئة».

جاء البيان بالتزامن مع الذكرى الثالثة لاتفاق مثير للجدل وقَّعه الاتحاد الأوروبي مع تونس، لتزويدها بالتمويل والمعدات والتدريب من أجل منع مغادرة المهاجرين غير النظاميين. وقالت هذه المنظمات إن الاتفاق جاء «بتكلفة كبيرة على حقوق الإنسان والكرامة»، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي «شريك في المسؤولية».

وأشار نشطاء أيضاً إلى أن حملة تونس على المنظمات التي تدعم المهاجرين، بالإضافة إلى تعليق عمليات وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في عام 2024، تسببا في حرمان آلاف الأشخاص من الحصول على المساعدة.

حلم مؤجل

ينتظر موسى (24 عاماً) وكريم (22 عاماً) من غينيا أيضاً مواعيد «العودة الطوعية» لدى المنظمة الدولية للهجرة في تونس. وقال الصديقان اللذان يستخدمان اسمين مستعارين، إنهما قدِما إلى تونس قبل 3 سنوات بهدف العبور إلى أوروبا.

مهاجرون سريون أفارقة في غابة بضواحي مدينة صفاقس (أ.ف.ب)

يقول كريم متحسراً: «من المستحيل الذهاب إلى أوروبا الآن، ومن المستحيل البقاء».

أما موسى فقال إن هناك «ضغوطاً أكبر الآن تمارس ضد المهاجرين»، مضيفاً بصوت مرتجف: «أنت لست حراً. الشرطة تمنعك من الذهاب إلى أي مكان للعمل أو للحصول على شيء تأكله».


تصعيد أمني جديد يؤجج التوترات في غرب ليبيا

من عملية استهداف سابقة لمنشآت الطاقة والوقود في مدينة الزاوية غرب ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
من عملية استهداف سابقة لمنشآت الطاقة والوقود في مدينة الزاوية غرب ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

تصعيد أمني جديد يؤجج التوترات في غرب ليبيا

من عملية استهداف سابقة لمنشآت الطاقة والوقود في مدينة الزاوية غرب ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
من عملية استهداف سابقة لمنشآت الطاقة والوقود في مدينة الزاوية غرب ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

عاد التوتر الأمني إلى واجهة الأحداث في غرب ليبيا، خلال الأربعة وعشرين ساعة الماضية، إثر استهداف أجهزة أمنية بقذائف «آر بي جي» في منطقة أبو سليم بالعاصمة طرابلس، بالتزامن مع تجدد مواجهات مسلحة في مدينة الزاوية، فيما أكدت وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» استمرار التحقيقات في قضية خلية، قالت إنها استهدفت منشآت نفطية وكهربائية.

وسادت أجواء التوتر والحذر في أبو سليم، السبت، بعدما أعلن «جهاز دعم المديريات بالمناطق»، مساء الجمعة، تعرض عدد من الأجهزة الأمنية والعسكرية للاستهداف بقذائف «آر بي جي». وقال إن المهاجمين «استخدموا مركبة قبل أن يفروا باتجاه شرق طرابلس عبر الطريق السريع، من دون الإعلان عن سقوط قتلى أو جرحى أو توقيف مشتبه بهم حتى الآن». واتهم الجهاز «بقايا جهاز دعم الاستقرار» بالوقوف وراء الهجوم، متوعداً بملاحقة المسؤولين عنه. وتأتي هذه التطورات الأمنية بعد فقدان «جهاز دعم الاستقرار» نفوذه في العاصمة إثر مقتل قائده عبد الغني الككلي في مايو (أيار) 2025، وما أعقب ذلك من مواجهات انتهت بسيطرة القوات الحكومية على مقاره في أبو سليم ومناطق أخرى.

تعزيز أمني في أحياء العاصمة طرابلس إثر عودة التوتر الأمني إلى واجهة الأحداث (مديرية أمن طرابلس)

ويعيد الهجوم إلى الواجهة «هشاشة الترتيبات الأمنية في العاصمة، خصوصاً في المناطق التي كانت تعدُّ لسنوات مراكز نفوذ لتشكيلات مسلحة، رغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات في طرابلس بعد مواجهات العام الماضي لإعادة ترتيب السيطرة الأمنية والعسكرية»، بحسب مراقبين.

وفي الزاوية، تحدثت مصادر محلية عن تجدد اشتباكات مسلحة في مناطق داخل المدينة، مساء الجمعة، وسط تداول صور ومقاطع فيديو تظهر إطلاق نار وأضراراً في بعض الممتلكات. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من هوية جميع الأطراف المشاركة، أو حجم الخسائر الناجمة عن المواجهات.

في سياق ذلك، أفادت مصادر محلية باندلاع مواجهات على طريق أبو جناح بين عناصر مسلحة تابعة لميليشيا «دعم الاستقرار» بقيادة حسن أبوزريبة، وجماعة أخرى تابعة لأحمد المرابط المعروف بلقب «الطربوش».

وتشهد الزاوية توترات أمنية متكررة منذ أشهر، وسبق أن حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في مايو (أيار) الماضي من استمرار حشد التشكيلات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة والمناطق المحيطة بها، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى جولة جديدة من العنف، ويعرض المدنيين للخطر.

وقالت البعثة، استناداً إلى نتائج فريق الخبراء المعني بليبيا، إن التنافس بين الجماعات المسلحة على النفوذ والسيطرة الإقليمية، والوصول إلى موارد الدولة، ما زال يقوض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة، ويغذي الإفلات من العقاب، داعية إلى حماية المدنيين، وإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في أعمال العنف.

ليبي يملأ تنكة بالبنزين في ظل عدم حصول الكثير من المحطات على الوقود الكافي (رويترز)

وتكتسب الزاوية أهمية أمنية واقتصادية خاصة، وذلك بسبب وجود مجمعها النفطي ومصفاتها، التي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، وهي أكبر مصفاة عاملة في ليبيا. وقد تعرضت منشآت النفط في المنطقة خلال أغسطس (آب) الماضي لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة.

وفي أخطر تلك الهجمات، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن الخزان «402 - T» التابع لشركة البريقة لتسويق النفط تعرض لاستهداف مباشر أدى إلى اندلاع حريق وانهياره بالكامل، وكان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من بنزين السيارات. كما تعرضت منشآت أخرى في المجمع النفطي لهجمات خلال الفترة نفسها.

وتزامنت تلك الهجمات مع استهداف محطة كهرباء في الزاوية، فيما أعلنت حكومة الوحدة لاحقاً أن التحقيقات الأمنية كشفت عن خلية تضم خمسة أشخاص، ليبيين وأجانب، قالت إنها متورطة في هجمات بمسيّرات انتحارية استهدفت خزانات نفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية، إلى جانب إحباط مخططات لاستهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، ومنشآت وشخصيات أخرى.

وأكدت وزارة الدفاع، مساء الجمعة، استمرار التحقيقات في القضية «للكشف عن جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها»، ونفت «من حيث المبدأ» وجود أي توجه للتفاوض بشأنها مع أي طرف، متعهدة بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بعد استكمالها.

ويأتي تجدد التوتر الأمني في وقت تواجه فيه ليبيا ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية متزامنة، بينما لا تزال المؤسسات الأمنية والعسكرية منقسمة بين مناطق نفوذ متعددة.

ويثير استمرار استهداف المنشآت الحيوية، وعودة الاشتباكات المحلية، تساؤلات بشأن قدرة السلطات على تثبيت ترتيبات أمنية مستدامة، وحماية البنية التحتية الاستراتيجية في غرب البلاد.