موريتانيا تستدعي السفير الإيراني بسبب «تحركاته»

أبلغته احتجاجها على تصرفات «لا تنسجم مع الأعراف الدبلوماسية»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا تستدعي السفير الإيراني بسبب «تحركاته»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استدعت وزارة الخارجية الموريتانية، الاثنين، السفير الإيراني في نواكشوط جواد أبو علي، وأبلغته الاحتجاج على «بعض التصرفات والتحركات» التي قام بها مؤخراً، ووصفها بأنها «لا تنسجم مع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية».

ويأتي هذا الاستدعاء بعد زيارة قام بها السفير، نهاية الأسبوع الماضي، إلى قرية بوسديره، التي تبعد 150 كيلومتراً إلى الشرق من العاصمة نواكشوط، حيث استقبله عدة أشخاص باحتفالات أطلقت فيها أعيرة نارية.

إطلاق نار واستجواب

قال مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» إن السفير زار القرية المذكورة دون إبلاغ السلطات بتحركاته، وبالتالي فإن السلطات تفاجأت بالاحتفالات وإطلاق الأعيرة النارية، ليتم توقيف ثلاثة أشخاص، والتحقيق معهم بسبب استخدام السلاح في أماكن عامة دون ترخيص.

وأثارت زيارة السفير الإيراني إلى قرية (بوسديره) جدلاً في أوساط الموريتانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعادت النقاش حول تحركات السفير خلال الأشهر الأخيرة، وظهوره في كثير من الأنشطة والفعاليات الشعبية.

ومن أشهر الأنشطة التي ظهر فيها السفير الإيراني مأدبة إفطار خلال شهر رمضان الماضي، نظمها حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، وجرى تداول مقاطع فيديو لأعضاء في الحزب وهم يقبلون يد السفير الإيراني، ما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة.

الاحتجاج الموريتاني

بعد التحرك الأخير، أعلنت وزارة الخارجية الموريتانية استدعاء السفير الإيراني، وقالت في بيان موقع من طرف أحمد محمد الدوه، السفير ومدير الاتصال والإعلام بالوزارة، إن الهدف من الاستدعاء هو إبلاغه «احتجاجها الرسمي على بعض التصرفات والتحركات، التي لا تنسجم مع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، ولا مع الضوابط التي تحكم ممارسة مهام الدبلوماسيين في الدول المضيفة».

وأكد بيان الخارجية الموريتانية أن «الوزارة أكدت للدبلوماسي الإيراني أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛ إذ تحرص على تطوير علاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعزيزها، فإنها تولي في الوقت ذاته أهمية قصوى للاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام الصارم بالقواعد والأعراف الدبلوماسية».

وشددت الخارجية الموريتانية على أن «صون العلاقات الثنائية وتطويرها يُلزمان ممثلي الدول المعتمدين باحترام حدود المهام، والاختصاصات التي يحددها الإطار الدبلوماسي، والامتناع عن أي نشاط أو تحرك من شأنه تجاوز تلك الحدود، أو المساس بحسن سير العلاقات بين البلدين».

في السياق ذاته، أعربت الوزارة عن «حرصها على أن يتم الالتزام، مستقبلاً، وبشكل صارم، بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية، وبالضوابط المنظمة لمهام البعثات الدبلوماسية، بما يضمن استمرار العلاقات بين البلدين في إطارها الطبيعي، القائم على الاحترام المتبادل والتعاون البناء».

علاقات متذبذبة

رغم أن العلاقات بين موريتانيا وإيران تعود إلى عام 1973، خلال حكم الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه وشاه إيران محمد رضا بهلوي، فإنها ظلت علاقات غير مستقرة، ومرت بكثير من التذبذب، الذي وصل في كثير من الأحيان إلى القطيعة التامة.

وبعد الثورة الإيرانية واندلاع الحرب الخليجية الأولى بين إيران والعراق، قررت نواكشوط قطع جميع العلاقات مع طهران، أولاً انحيازاً للموقف العراقي، وثانياً بذريعة محاولة إيران التدخل في الشأن الداخلي الموريتاني ورعاية المعارضة.

واستمرت القطيعة لأكثر من 20 عاماً، حتى سقوط نظام الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع عام 2005، ليبدأ التقارب بين نواكشوط وطهران خلال حكم الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي زار طهران عام 2010، وكان أول رئيس موريتاني يفعلها منذ عام 1978، فيما زار الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد نواكشوط عام 2011.

لكن هذا التقارب سرعان ما تحول إلى توتر بسبب أنشطة السفير الإيراني في موريتانيا، وتزايد الظهور الإعلامي لمجموعة صغيرة من الموريتانيين المتشيعين، وتكرار زياراتهم إلى طهران، بل والحديث عن فتح «حسينية» في نواكشوط، ما أثار حفيظة الشارع الموريتاني.

ووصل التوتر إلى ذروته بعد هجوم على السفارة السعودية في طهران عام 2016، حيث قررت موريتانيا خفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني، وفي عام 2018، استُدعي السفير الإيراني أكثر من مرة بسبب نشاطات شيعية، كما صنفت موريتانيا «حزب الله» اللبناني منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

إيران تشدد لهجتها تجاه واشنطن وسط مساعٍ إقليمية لدفع الحوار

شؤون إقليمية صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تشدد لهجتها تجاه واشنطن وسط مساعٍ إقليمية لدفع الحوار

شددت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوحةً بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي...

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

«ثمن زهيد للغاية»... ترمب يثير غضباً باقتراحه أن «تدمر» إيران مدينتين أميركيتين

أثارت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الغضب في كاليفورنيا، بعدما أشار، خلال حديثه عن كلفة الحرب مع إيران إلى إمكانية «تدمير» لوس أنجليس وسان دييغو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

نائب إيراني يطلب رسمياً استجواب عراقجي في البرلمان

أكد عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، محمد رشيدي أن طلب استجواب وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي تقدم به النائب أمير حسين ثابتي، سُجّل رسمياً.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية مهرداد أخلاقي كتابجي المرشح لوزارة الدفاع الإيرانية (مهر)

ترشيح «صانع صواريخ» وزيرا للدفاع في إيران

قال مسؤول إيراني، الثلاثاء، إن الرئيس مسعود بزشكيان، رشح مهرداد أخلاقي كتابجي، المعروف بارتباطاته الوثيقة بصناعات الصواريخ في البلاد، لمنصب وزير الدفاع...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة البريطانية يحرسون مدخل محكمة وولويتش الملكية تزامناً مع انعقاد محاكمة 3 إيرانيين متهمين بارتكاب جرائم تجسس (أ.ب)

محاكمة 3 إيرانيين في لندن بتهمة التجسس لصالح طهران

مثل 3 إيرانيين أمام القضاء البريطاني، اليوم (الثلاثاء)، بتهمة التجسُّس لصالح إيران، ويُشتبه في أنهم مهَّدوا الطريق لتنفيذ هجوم يستهدف صحافياً واحداً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جولة السيسي الآسيوية... دفعة للتعاون الاستراتيجي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

جولة السيسي الآسيوية... دفعة للتعاون الاستراتيجي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

بدأ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، جولة آسيوية، تشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع الدول الآسيوية، وسط الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

وتركز جولة السيسي الآسيوية، على تعزيز الشراكات الاقتصادية، وفق خبراء، وقالوا إن «آلية الدبلوماسية الرئاسية كان لها دور فاعل في جذب استثمارات أجنبية كبرى لمصر خلال السنوات الأخيرة»، وأشاروا إلى أن «القاهرة تسعى لاستقطاب صناعات عالية التكنولوجيا من هذه الدول».

وتوجه الرئيس المصري، إلى جمهورية كوريا الجنوبية، الثلاثاء، في مستهل جولة آسيوية، تشمل أيضاً ماليزيا وإندونيسيا، وبحسب إفادة للرئاسة المصرية، «سيعقد السيسي، محادثات مع نظيره الكوري، لي جاي ميونج»، كما سيشارك في «مائدة مستديرة مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية».

وكان الرئيس الكوري، قد زار القاهرة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث كانت أول زيارة له لمصر منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) من العام نفسه.

وتسعى مصر لتعزيز علاقاتها مع دول شرق آسيا، ويظهر ذلك في زيارات ثنائية ومشاركات متعددة الأطراف مع هذه الدول، كان من بينها مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اجتماعات رابطة دول جنوب شرقي آسيا (الآسيان)، التي أقيمت نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي في العاصمة الفلبينية مانيلا، وقالت الخارجية المصرية آنذاك إن «المشاركة تأتي ضمن توجه دبلوماسي لتطوير العلاقات مع دول الرابطة، بما يسهم في توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي».

وينظر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، لجولة السيسي الآسيوية باعتبارها «امتداداً لنهج السياسة الخارجية المصرية، القائم على تنويع العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية»، وأشار إلى أن «الزيارة تحمل أهدافاً سياسية واقتصادية، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية وتداعياتها على اقتصاديات دول المنطقة».

ويرى بيومي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «جولة الرئيس المصري تستهدف تعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول شرق آسيا»، وقال إن «هذه الدول تمتلك أسواقاً كبيرة، يمكن الرهان عليها تجارياً»، كما يمكن في الوقت نفسه «إقامة شراكات استثمارية معها، خصوصاً أنها تمتلك تكنولوجيا تصنيع متقدمة في قطاعات عديدة»، ونوه بأن «من عوامل القوة التي تستند إليها القاهرة في علاقاتها مع هذه الدول، الأزهر الشريف، بالنظر إلى ارتباط مواطني هذه الدول بالتعليم الأزهري في مصر».

وبحسب إحصائيات رسمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وكوريا الجنوبية 995.3 مليون دولار خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، مقابل 1.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2024، كما بلغت الاستثمارات الكورية في مصر 413.8 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 288.3 مليون دولار في العام المالي السابق.

وتستهدف الحكومة المصرية جذب استثمارات صناعية من الدول الآسيوية، ومنها كوريا الجنوبية، وفق عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، وقال إن «هناك تنسيقاً سياسياً بين القاهرة وهذه الدول، غير أن التعاون الاقتصادي لا يرقى لمستوى العلاقات السياسية»، وأشار إلى أن «دولة مثل كوريا الجنوبية تمتلك تكنولوجيا متطورة في التصنيع، يمكن توطينها في المناطق الصناعية بمصر، مثل المنطقة الاقتصادية بقناة السويس».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «آلية الدبلوماسية الرئاسية المصرية، كان لها دور كبير في جذب الاستثمارات الكبرى للبلاد خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أن «الجانب الاقتصادي يحتل أولوية في جولة السيسي الآسيوية، خصوصاً أن اقتصاديات هذه الدول واعدة، لذلك تبحث القاهرة تنويع شراكاتها معها».


تيتيه تكثّف مشاوراتها دولياً قبيل طرح التطورات الليبية على «مجلس الأمن»

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي مستقبلاً المبعوثة الأممية (البعثة الأممية)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي مستقبلاً المبعوثة الأممية (البعثة الأممية)
TT

تيتيه تكثّف مشاوراتها دولياً قبيل طرح التطورات الليبية على «مجلس الأمن»

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي مستقبلاً المبعوثة الأممية (البعثة الأممية)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي مستقبلاً المبعوثة الأممية (البعثة الأممية)

تكثّف المبعوثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، تحركاتها واتصالاتها لجهة إجراء مشاورات موسعة مع أطراف إقليمية ودولية، تتمحور حول تقييم التطورات السياسية في البلاد، ودعم جهود الاستقرار، وذلك قُبيل طرح إحاطتها المقبلة على مجلس الأمن الدولي.

تيتيه تتوسط أعضاء «4 + 4» خلال اجتماعها في تونس وعلى يسار الصورة ستيفان خوري نائبة رئيسة البعثة (البعثة الأممية)

ومن مصر إلى روسيا ثم تونس، تحرص المبعوثة الأممية على إطلاع الأطراف ذات الصلة على التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في ليبيا، بما في ذلك اتفاق لجنة «4 + 4»، والترتيبات المقبلة، التي يفترض أن تثمر هذا التوافق.

وقالت البعثة الأممية، مساء الاثنين، إن تيتيه بحثت مع وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي «آخر التطورات السياسية في ليبيا، بما في ذلك الاتفاق الذي توصل إليه طرفا الأزمة في شرق البلاد وغربها، فضلاً عن الخطوات المقبلة في العملية السياسية».

كما ناقشت تيتيه والنفطي، حسب البعثة الأممية، «تأثير الانقسامات وحالة عدم الاستقرار في ليبيا على مواطنيها والدول المجاورة، وأهمية دعم الجهود الليبية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني»، فضلاً عن أعمال اللجنة التي عقدت اجتماعها العاشر في تونس الأحد.

ونقلت البعثة عن وزير الخارجية التونسي «استمرار دعم بلده للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة»، فيما أشادت تيتيه بـ«الدعم الثابت الذي تقدمه تونس للعملية التي تيسرها الأمم المتحدة، وباستضافتها اجتماعات اللجنة المصغرة (4 + 4) في تونس العاصمة».

وتعتزم المبعوثة الأممية «إجراء مشاورات موسعة مع أعضاء مجلس الأمن استعداداً للإحاطة، التي أعلنت عن تقديمها في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي؛ وعن العناصر التي ترى ضرورة إدراجها مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا».

يحدد اتفاق «4 + 4» مهلة أقصاها 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية (مفوضية الانتخابات الليبية)

ويحدد اتفاق «4 + 4» مهلة أقصاها 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وأقر تعديلات في شروط الترشح، تنص على السماح للعسكريين بالمشاركة، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن الجنسية الأجنبية حال الفوز. ورغم هذا المسار الذي ترعاه البعثة، تعترض تطبيقه عقبات سياسية في ظل رفض المجلس الأعلى للدولة.

وانتهت مهلة الشهر التي حددتها البعثة لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة» لاعتماد مخرجات «4 + 4»، قبل اللجوء إلى «خيارات بديلة حال فشل التنفيذ». ومع موافقة «النواب» ورفض «الأعلى للدولة» بات المشهد السياسي منفتحاً على سيناريوهات جديدة، ربما تتكشف بعد إحاطة تيتيه.

واعترض محمد صوان، رئيس الحزب «الديمقراطي» في ليبيا، على ما يراه «توسيع دور» لجنة «4 + 4». وقال موضحاً: «بات واضحاً - للأسف - توجه البعثة إلى توسيع دور هذه اللجنة، ليتعدى النقطتين اللتين أعلنت عنهما البعثة، وهما ملف مجلس إدارة مفوضية الانتخابات، والإطار القانوني والدستوري للانتخابات، وذلك بطرح ملف المناصب السيادية، وفي مقدمتها السلطة القضائية».

ويعتقد صوان في تصريح صحافي أن «منح اللجنة هذا الدور، الذي يتجاوز ما أعلنت عنه البعثة سابقاً، ليس تكريساً لسلطة الأمر الواقع فحسب، بل محاولة منح شرعية سياسية لموظفين تابعين لهذه السلطة»، ويرى أنه «لا يمكن إيجاد أي سند قانوني أو شبه قانوني لقيامها بهذا الدور، ولن يقبل بأي حال من الأحوال ما ينتج عنها في هذا السياق». فيما تقول البعثة إن الأمر «منوط بأعضاء اللجنة، ولا نتدخل في مراحل عملها».

عبد العاطي وزير الخارجية المصري مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى ليبيا الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

وكانت المبعوثة الأممية قد استبقت زيارة تونس، بلقاء نبيل فهمي، الأمين العام للجامعة العربية، وبدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، حيث تطرقت في مباحثاتها معهما إلى النقاط ذاتها، المتعلقة بتعقيدات الأزمة الليبية، والجهود المبذولة للدفع بالعملية السياسية في إطار «خريطة الطريق» الأممية.

واستغل عبد العاطي مباحثاته مع تيتيه لتأكيد «دعم مصر للجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة»، وفق ما نقل السفير نادر زكي، المتحدث باسم وزارة الخارجية.

كما أفاد زكي بأن الوزير شدد على «ضرورة أن تظل العملية السياسية ذات ملكية وقيادة ليبية، وأهمية الدفع نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، وإنهاء المراحل الانتقالية، وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، بما يحترم وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها».

وكانت تيتيه قد اطلعت الأمين العام للجامعة العربية على اتفاق «4 + 4»، و«الخطوات المقبلة». بينما أعرب الأمين العام عن دعمه لجهود الأمم المتحدة في ليبيا، مشدداً على أهمية مبدأ الملكية الليبية للعملية السياسية.

تيتيه خلال لقائها في موسكو وكيل وزارة خارجية الاتحاد الروسي ألكسندر سيرغييفيتش عليموف الأسبوع الماضي (البعثة)

وفي أعقاب زيارتها للقاهرة، أجرت المبعوثة مشاورات مع وكيل وزارة خارجية الاتحاد الروسي ألكسندر سيرغييفيتش عليموف، وأطلعته أيضاً على الحراك الأخير، الذي شهده المسار السياسي في ليبيا، بما في ذلك سبل البناء على هذا الزخم، وتهيئة السبيل لإجراء انتخابات ناجحة وشاملة في غضون 24 شهراً.

ومن جانبه، أعرب عليموف، حسب البعثة، عن دعم روسيا للممثلة الخاصة وبعثة الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى حلول سياسية شاملة، يقودها ويملكها الليبيون.

وشهدت الجلسة العاشرة للجنة التي عقدت في تونس، برئاسة تيتيه، مناقشات بشأن التداعيات المحتملة لأزمة انقسام القضاء على العملية الانتخابية. لكنّ المشاركين شددوا على «الضرورة الملحة لمعالجة هذا الانقسام، في احترام تام لاستقلاليته، وبعيداً عن التجاذبات السياسية، ضماناً لنزاهة الانتخابات المقبلة وقبول الأطراف كافة بنتائجها».

وجدد الأعضاء تأكيدهم على المضي قدماً في تنفيذ الاتفاق، وتضمين نتائج مشاوراتهم اللاحقة، بحزمة واحدة في إطار دستوري شامل، حسبما تقتضيه الحاجة، عادّين أن أي خطوات إجرائية ذات طبيعة قانونية لتنفيذ الاتفاق تعد سابقة لأوانها، وغير مفيدة لأجواء التوافق السائدة.

كما اتفق الحاضرون في الأخير على مواصلة انخراطهم مع الأطراف الليبية كافة من أجل ضمان أوسع دعم ممكن للاتفاق، وعلى اللقاء مجدداً قبل نهاية الشهر الحالي.


رحيل مدير الديوان يعيد ترتيب أوراق السلطة في الجزائر

مدير الديوان بالرئاسة السابق مع الرئيس تبون وقائد أركان الجيش (الرئاسة)
مدير الديوان بالرئاسة السابق مع الرئيس تبون وقائد أركان الجيش (الرئاسة)
TT

رحيل مدير الديوان يعيد ترتيب أوراق السلطة في الجزائر

مدير الديوان بالرئاسة السابق مع الرئيس تبون وقائد أركان الجيش (الرئاسة)
مدير الديوان بالرئاسة السابق مع الرئيس تبون وقائد أركان الجيش (الرئاسة)

يرجّح متتبعون في الجزائر أن تنحصر أبرز الأسماء المطروحة لخلافة بوعلام بوعلام، مدير الديوان برئاسة الجمهورية وأحد المقربين من الرئيس عبد المجيد تبون، الذي توفي أمس الاثنين، في كل من إبراهيم مراد وزير الدولة المكلف تفتيش مصالح الدولة والجماعات المحلية، والذي استُحدث له هذا المنصب بعد مغادرته وزارة الداخلية، والوزير الأول سيفي غريب.

وتأتي هذه التكهنات بعد أن أكدت الرئاسة الجزائرية أن رحيل بوعلام بوعلام (74 عاماً) كان بمستشفى في جنيف في سويسرا «حيث كان يتلقى العلاج، إثر إصابته بمرض عضال»، من دون أي تفاصيل أخرى تخص مرضه وملابسات وفاته.

مدير الديوان بالرئاسة رحل أمس الاثنين بمستشفى سويسري (الرئاسة)

وُلد بوعلام بوعلام في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1952 بعين الصفراء بالغرب الجزائري. وكان قاضياً سابقاً، وشغل مناصب مهمة عدة في الدولة حتى عام 2019، كما كان عضواً في «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، المؤيد للسلطة بين عامي 2007 و2012.

ومنذ توليه رئاسة الجمهورية نهاية 2019، أسند عبد المجيد تبون جانباً مهماً من الملفات القانونية إلى القاضي السابق بوعلام بوعلام، الذي سرعان ما تحول إلى أحد أبرز رجال الثقة داخل الرئاسة. وبمرور الوقت، تعزز نفوذه ليصبح مديراً لديوان الرئاسة، وشخصية محورية في إدارة الملفات من خلف الكواليس، إلى درجة أن مجموعة من القرارات الرئاسية كانت تمر عبره. وسرعان ما أصبح أحد الموالين الذين لا غنى عنهم لرئيس الدولة.

كما كان بوعلام من بين الذين أسهموا في مراجعة عدة قوانين وتشريعات، كانت «ضرورية لاستقرار الدولة» في نظر الرئيس، بينما رأى فيها معارضون وحقوقيون خطوة إضافية لتضييق مساحات الحرية والعمل الديمقراطي.

غياب مريب

أثار غياب بوعلام بوعلام عن عدد من الأنشطة الرئاسية خلال الأشهر الأخيرة بعض التساؤلات، وكان آخر ظهور علني معروف له إلى 22 أبريل (نيسان) الماضي، عندما شارك في نشاط رسمي لرئاسة الجمهورية. وكان الرجل يُعد العقل المدبر للرئيس تبون، وهو ما يفسر أهميته داخل الفريق المحيط برئيس الدولة.

وعلاوة على ذلك، فتح غيابه المطول الباب واسعاً أمام الشائعات والتكهنات، حيث ذهبت قراءات سياسية إلى عَدِّه انعكاساً لتجاذبات وصراعات محتملة بين دوائر صنع القرار.

الوزير الأول سيفي غريب أحد أبرز المرشحين لمنصب مدير الديوان بالرئاسة (الرئاسة)

ولم تر الرئاسة ضرورة في إعلان شغور المنصب في الفترة الأخيرة، في وقت استمر فيه عمل الديوان الرئاسي بحضور إبراهيم مراد عدداً من الاجتماعات، وهو وزير الداخلية السابق، والوزير حالياً المكلف تفتيش المصالح التابعة للدولة والجماعات المحلية، حيث استُحدث هذا المنصب، وتولاه إبراهيم مراد خلال التعديل الحكومي الواسع، الذي أُعلن عنه في منتصف سبتمبر (أيلول) 2025. ويمثل هذا المنصب رتبة جديدة له، وهي ذات طابع رقابي واستراتيجي ملحقة بالرئاسة.

وقد أثار الحضور المتزايد لمراد في أنشطة رئاسة الجمهورية، خصوصاً خلال استقبال مسؤولين ووفود أجنبية، تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كان الرئيس تبون يهيئه لتولي مهام بوعلام بوعلام. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية أكبر في ظل أنباء تداولت عن إمكانية تعيين بوعلام سفيراً للجزائر لدى فرنسا، حيث لا يزال منصب السفير شاغراً، في وقت تمر فيه العلاقات الجزائرية - الفرنسية بمرحلة من التوتر والحساسية.

ويقول مقربون من بوعلام إن تدهور حالته الصحية، ودخوله المستشفى في بلجيكا خلال ربيع العام الماضي دفعاه إلى الحد من نشاطه، قبل أن ينتقل إلى فيلته في وهران بغرب الجزائر.

وبحسب متتبعين، لم يكن بوعلام بوعلام مجرد مستشار في الرئاسة، بل اضطلع بمهام حساسة، من بينها متابعة الملفات والتحقيقات المرتبطة بالتعيينات في المناصب والمسؤوليات العليا. وبوفاته، يكون الرئيس تبون قد فقد ثاني أبرز مساعديه المقربين بعد وفاة الوزير المستشار والناطق باسم رئاسة الجمهورية، محمد السعيد عام 2022، الذي عولج لمدة عام في فرنسا متأثراً بجلطة دماغية.

خيارات الخلافة

إثر إعلان وفاة بوعلام، كتب سفير الجزائر لدى الاتحاد الأوروبي السابق، عمار بلاني، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «عرفته في إطار أداء مهامي، وقد أتيحت لي الفرصة لألمس من خلال تواصلنا المستمر، رجلاً محترماً للغاية، مهذباً، ويتمتع بخصال إنسانية عظيمة»، مشيراً إلى أن «وراء أعباء المنصب والمسؤوليات، اكتشفت رجلاً متواضعاً ومتاحاً للجميع، منتبهاً للآخرين، ويتحلى بأناقة حقيقية في التعامل الإنساني. وأحتفظ عنه بذكرى شخصية محببة، لا تمنعها الجدية أبداً من الانفتاح واللطف وحسن الروح».

إبراهيم مراد الأوفر حظاً لمنصب مدير الديوان برئاسة الجمهورية (وزارة الداخلية)

ويمتلك مراد دراية واسعة في دواليب الإدارة والدولة، وهي تجربة تتقاطع مع معرفة الرئيس تبون بالجهاز البيروقراطي والإدارة المحلية. وقد راكم هذه الخبرة خلال مساره في سلك الولاة، ثم خلال توليه وزارة الداخلية بين عامي 2023 و2025.

وفي إطار إعادة توزيع المسؤوليات، جرى تعيين إبراهيم مراد وزير دولة مكلفاً بتفتيش مصالح الدولة والجماعات المحلية، علماً أنه تولى أيضاً إدارة حملة تبون الانتخابية سنة 2024، ليجد نفسه بذلك في موقع يجمع بين جزء من المهام التي كان يضطلع بها بوعلام بوعلام، ومسؤولياته الحكومية الجديدة.

أما الوزير الأول سيفي غريب، وبحكم انتقاله السريع من قطاع الصناعة كأحد أطره البارزين، إلى وزارة القطاع نفسه، ثم إلى ديوان رئاسة الحكومة، فقد بات اسماً مألوفاً ضمن حلقة التنفيذيين، الذين يتحركون في المساحة الفاصلة بين قصر الحكومة والرئاسة.

وإذا كان الرجل لا يمثل مرشحاً معلناً في حد ذاته، فإن مساره المتحرك يجعله في نظر بعض السياسيين رقماً محتملاً في معادلة الترتيبات المقبلة، لا سيما أن الرئيس تبون يميل أحياناً إلى إعادة توظيف الكفاءات، التي اختبرت دواليب الإدارة الحساسة لملء الفراغات الكبرى التي يتركها رحيل بعض الرموز.