«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

مخاوف تقنية وانتقادات للرسوم مع التطبيق الوشيك للمنظومة

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
TT

«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)

تترقب الأوساط القضائية في مصر بدء تطبيق منظومة «التقاضي عن بُعد» مع بداية العام القضائي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، الذي سيتيح نظر القضايا الجنائية في جلسات إلكترونية عبر تقنية «الفيديو كونفرنس».

ولدى بعض المحامين مخاوف من عدم قدرة البنية التحتية التكنولوجية على استيعاب هذا القدر من القضايا، خصوصاً مع شكاوى ضعف شبكات الإنترنت في مصر، بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة لهذه التقنية التي تفرض رسوماً جديدة، تُضاعف من تكلفة التقاضي.

ومهّد قانون «الإجراءات الجنائية» الذي صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي لتطبيق هذه المنظومة، وأرجأت الجهات المختصة تطبيق القانون لحين تجهيز البنية التحتية له.

وبينما لا يفصل عن تطبيق المنظومة الجديدة سوى نحو أسبوعين، تتصاعد المخاوف منها، خصوصاً مع مواجهة بعض المحامين مشاكل تقنية خلال التسجيل على المنصة التي سيتم من خلالها تطبيق المنظومة، حسب المحامي حسن شومان الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تطبيق التقاضي عن بُعد «يواجه تحديات أخرى تتعلق بتأمين أوراق القضايا ومستنداتها لمنع التلاعب فيها، أو تعرض المنظومة لهجوم إلكتروني».

غرفة المحضرين تكتظ بالمستأجرين في محكمة جنوب الجيزة (الشرق الأوسط)

وشاركه في التخوف المحامي عمر قريبة الذي كتب عبر «فيسبوك»: «مع عدم إنكار ما تحققه فكرة التقاضي عن بُعد من مزايا، إذا ما طُبقت بصورة صحيحة من توفير الوقت والجهد، وتقليل الزحام داخل المحاكم، وتيسير وصول المتقاضين ومحاميهم إلى الخدمات القضائية، فضلاً عن سرعة تداول بعض الإجراءات وإنجازها بصورة أكثر كفاءة، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الفكرة، وإنما في آليات التنفيذ، ومدى جاهزية المنظومة التي يُراد تطبيقها من خلالها».

وأضاف: «التقاضي عن بُعد لا يتوقف على إنشاء منصة إلكترونية فحسب، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية قوية، وأجهزة ومعدات قادرة على تحمل الاستخدام، وشبكات إنترنت مستقرة، ونظم إلكترونية مصممة بصورة احترافية، فضلاً عن ضرورة وجود عناصر بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على إدارة المنظومة والتعامل مع مشكلاتها الفنية والإجرائية».

وتساءل عن إشكاليات انقطاع الاتصال بالإنترنت أو تعطل النظام الإلكتروني أثناء اتخاذ إجراء قضائي، قائلاً: «لن يكون مجرد عطل فني عابر، وإنما يترتب عليه تعطيل مصلحة أحد الخصوم أو فوات إجراء أو تأخير الفصل في الدعوى».

وتُجرى المحاكمات في مصر حالياً داخل قاعات المحاكم على مستوى الجمهورية، التي عادة ما تعج بكثير من المحامين والمتهمين والمواطنين المتوجهين لقضاء مصالحهم، وسط شكاوى من بطء المنظومة في بعض القضايا والإجراءات.

وكانت وزارة العدل المصرية قد أطلقت في نهاية أغسطس (آب) الماضي، «المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد»، تمهيداً لتطبيق منظومة التقاضي الإلكترونية.

وتتيح المنصة للمحامين حضور جلسات المحاكمة عن بُعد، والحصول على صور رقمية معتمدة من ملفات الدعاوى، وإرسال قرارات محاكم جنايات أول درجة وإخطارات الجلسات إلى المحامين فور صدورها من خلال رسائل نصية، وحضور مختلف أطراف الدعوى عبر الوسائل الرقمية، ومن بينهم الشهود من الخبراء والأطباء الشرعيين، وفقاً للقواعد والإجراءات المنظمة لذلك، «بما يعزز كفاءة إجراءات التقاضي، ويدعم سرعة إنجاز القضايا»، وفق بيان لوزارة العدل.

ويأتي تطبيق منظومة التقاضي الجديدة في وقت تتجه فيه الدولة نحو الرقمنة، بتوفير كثير من الإجراءات والخدمات عبر منصة «مصر الرقمية». وأشار «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء المصري في بيان، الاثنين، إلى أن مصر تقدمت «في المرتبة 22 عالمياً في مؤشر نضج تكنولوجيا الحكومة لعام 2025، والمرتبة 52 عالمياً في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي».

من داخل محكمة جنوب الجيزة الابتدائية (الشرق الأوسط)

ولا يتوقع المحامي محمود أحمد عليوة أن تكون البنية التكنولوجية عائقاً أمام التحول الرقمي، بالقياس على أن «جلسات تجديد المحاكمات الفترة الماضية كانت تتم عبر (الفيديو كونفرنس)، حيث يشارك فيها المتهم من مقر محبسه والمحامي والقضاة في المحكمة، وكانت تحدث دون عوائق».

لكنه انتقد في الوقت نفسه الرسوم الكثيرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل خطوة أصبحت برسوم، وغير واضح إذا ما كانت هذه الرسوم للقضية أم لكل جلسة»، لافتاً إلى أن المتقاضي سيتحمل هذه التكلفة.

وانتقد بعض المحامين رسوم التقاضي. ووفق المنصة الجديدة يحتاج المحامي إلى 500 جنيه (نحو 10 دولارات) للتسجيل سنوياً على المنصة، بالإضافة إلى 500 جنيه مصاريف جلسة الجنايات أول درجة، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات لتصوير كل ورقة في القضية.

وكان وكيل لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب ياسر الهضيبي قد انتقد في تصريحات على إحدى القنوات الفضائية، الأحد، الرسوم التي توشك على التطبيق، متسائلاً عن «السند القانوني لهذه الرسوم، ومدى قدرة منظومة العدالة على تطبيق التحول الرقمي بالتزامن معها»، مؤكداً أنه لا يجوز فرض أي رسوم على المواطن إلا بموجب تشريع صادر عن السلطة المختصة، ومشيراً إلى أن العبء سيقع على المواطن.


مقالات ذات صلة

دعم مصري مستمر لحل أزمة الخبز في غزة

المشرق العربي دقيق وسلال غذائية من مصر إلى قطاع غزة الأحد في إطار حملة «سنابل العطاء من زاد العزة» (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

دعم مصري مستمر لحل أزمة الخبز في غزة

أعلن «الهلال الأحمر» الأحد إطلاق قافلة «زاد العزة... من مصر إلى غزة» رقم 306 محملة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية المتجهة إلى غزة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي لقاء وزير الخارجية المصري مع نظيرته اليمنية السبت (صفحة وزارة الخارجية المصرية على فيسبوك)

مصر تؤكد مجدداً على مساندة جهود استعادة الاستقرار باليمن

جددت مصر تأكيدها على مساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في اليمن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا «الهلال الأحمر المصري» يقدم تدخلات إغاثية لمتضرري حادث «الطريق الأوسطي» (صفحة وزارة الصحة على فيسبوك)

حادث مروري يسلط الضوء على معاناة «عمال اليومية» في مصر

تابع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، مع وزير الصحة خالد عبد الغفار، الحالة الصحية للمصابين، والتأكد من تقديم جميع أوجه الرعاية الطبية والعلاجية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير البترول المصري كريم بدوي خلال تفقده مركز التحكم القومي بالشبكة القومية للغاز الطبيعي السبت (وزارة البترول المصرية)

إجراءات مصرية جديدة لمواجهة أزمة إمدادات الطاقة

اتخذت الحكومة المصرية إجراءات جديدة لمواجهة أزمة إمدادات الطاقة عبر تدشين منظومة إلكترونية لرصد أنماط الاستهلاك، بهدف ضبط توزيع المنتجات البترولية، ومنع التهريب

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية للرئيس خلال احتفاله بعيد الفطر مع «أهالي الشهداء» (المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

مصر: نقاشات إعلامية متصاعدة حول تعديل الدستور لإعادة انتخاب السيسي

تصاعدت نقاشات إعلامية في مصر بشأن تعديل الدستور بما يتيح إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

رحاب عليوة (القاهرة)

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

قال مجلس السيادة السوداني، اليوم الأحد، إن أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الجاري، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، فيما يتصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع".

ويتهم الجيش السوداني أديس أبابا بالوقوف إلى جانب "الدعم السريع"، التي يقاتلها منذ عام 2023، وقد انقسمت السودان إلى مناطق نفوذ بينهما.

من جانبها تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وأكد مجلس السيادة الانتقالي الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان رصد "70 هجوما" بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026 من "مناطق إطلاق إثيوبية" تتضمن "187 طائرة مسيرة".

وأوقعت تلك الهجمات، بحسب التقرير، 484 مدنيا بين قتيل ومصاب، وأسفرت عن مقتل 176 مجندا بالجيش، في النيل الأزرق والخرطوم وغيرها، مستهدفة مستشفيات ومناطق سكنية ومرافق للوقود والكهرباء.

ويعتمد طرفا الحرب في السودان بشكل كبير على الطائرات المسيرة، حيث تراجعت حدة المواجهات المباشرة وارتفعت وتيرة الهجمات الجوية في الغرب والجنوب.

وحذرت الأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة هجمات الطائرات المسيرة التي تسببت في مقتل أكثر من 1,100 شخصا منذ بداية العام، بينهم أكثر من 300 خلال الشهر الماضي فقط.

وحملت الخرطوم في التقرير "إثيوبيا المسؤولية الدولية عن العمليات العابرة للحدود"، مطالبة "بالوقف الفوري للهجمات التي تُشنّ ضد أراضيها، وإغلاق المنشآت الإثيوبية التي تُستخدم من قِبل قوات الدعم السريع".

وأكد التقرير أن السودان يسعى إلى "المساءلة والحصول على تعويضات عن الأضرار والدمار الناجم عن تلك الأعمال".

وذكر التقرير هجوما استهدف عائلات نازحة في ود الماحي بولاية النيل الأزرق الشهر الماضي، مسفرا عن مقتل 30 مدنيا، بينهم 26 امرأة وأربعة أطفال.

واعتمد التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية السودانية مع الاستخبارات العسكرية والعامة على أدلة من حطام المسيرات وبيانات الرحلات الجوية والسجلات العسكرية.

ومن بين الأدلة حاسوب تحكم خاص بأحدى المسيرات التي سقطت في الدمازين في النيل الأزرق في سبتمبر (أيلول)، ضم بيانات مسار الطائرة التي تشير إلى انطلاقها من نقطة على عمق 1,7 كيلومترا داخل الأراضي الإثيوبية.

وأسفرت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام عن مقتل عشرات الآلاف في السودان وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجه، إضافة إلى انتشار المجاعة في عدة مناطق.

وتسببت هجمات في الآونة الأخيرة على محطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش عن انقطاع واسع للتيار في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والقضارف.


بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
TT

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»، في وقت تتسارع الاتصالات بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، وسط تقارير عن تفاهمات أولية بين الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة «المؤقتة»، لكنها لم تسفر عن اتفاق نهائي بسبب «خلافات تتعلق بهيكل القيادة العسكرية وعلاقتها بالسلطة السياسية».

وقال بولس في بيان على منصة «إكس»، الأحد، إن الليبيين في شرق البلاد وغربها «أحرزوا تقدماً مهماً على مدى العام الماضي من خلال مبادرات عسكرية مشتركة تستهدف تعزيز التوحيد الوطني، شملت المشاركة في تمرين «فلينتلوك 2026» الذي استضافت مدينة سرت جزءاً منه، وإنشاء مركز عمليات مشترك، والالتزام بتشكيل قيادة جوية متكاملة».

الزوبي وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خلال بدء «فلينتلوك 2026» في سرت الليبية منتصف أبريل الماضي (أفريكوم)

وشدّد على أن «توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ركيزة أساسية لتعزيز السيادة وضمان الاستقرار»، مؤكداً «ضرورة أن تتزامن هذه الجهود مع تقدم موازٍ في توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والقضائية». وأعرب عن تقديره «للشراكة المستمرة مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ودورها في دعم هذه الجهود التي يقودها الليبيون».

يأتي هذا الحديث في سياق تحرك أميركي متواصل لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، بعد مشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة، واستضافة البلاد جانباً من تمرين «فلينتلوك» الذي نظمته القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» بمشاركة أكثر من 30 دولة.

وتزامن إعلان بولس، مع تحركات تركية تمثلت باستضافة محادثات بين صدام حفتر، والزوبي، ناقشت مقترحات لإنشاء قيادة عسكرية مشتركة، وتوزيع الصلاحيات بين القيادات في الشرق والغرب.

صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» يتفقد قاعدة الواو العسكرية بالجنوب (الجيش الوطني)

وحسب تقارير محلية، فقد توصل الطرفان إلى «وثيقة تفاهمات مبدئية تتضمن إنشاء أربع رئاسات أركان للمناطق الشرقية والغربية والجنوبية والوسطى، وتشكيل هيئة قيادة مشتركة تضم وزير الدفاع ونائب القائد العام، مع تأجيل حسم مسائل متعلقة بصلاحيات القيادة العليا وتركيبتها».

لكن هذه التفاهمات لم تسفر بعد عن اتفاق نهائي، فقد «تمحورت الخلافات حول الجهة السياسية التي ستخضع لها القيادة العسكرية الموحدة، وطبيعة العلاقة بين وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي، ومستقبل منصب القائد العام الذي يشغله خليفة حفتر في الشرق»، وفق التقارير... وبينما «تمسك وفد الزوبي بحصر التفاهمات في الجانب العسكري أولاً ، أصر الجانب الآخر على ربط المسارين العسكري والسياسي».

وترى مصادر عسكرية أن«الخلاف لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب العسكرية، بل يمتد إلى شكل السلطة التي ستتولى الإشراف على الجيش، ومن يملك القرار النهائي في التعيينات والميزانيات والتسليح والعمليات».

جانب من لقاء صدام حفتر والزوبي في تركيا (أرشيفية)

وكان رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي طالب، بصفته القائد الأعلى للجيش، الزوبي ورئيس الأركان صلاح النمروش، بـ«عدم توقيع أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم أو محاضر ذات أثر ملزم، أو إقرار هياكل وترتيبات تنظيمية وقيادية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، قبل عرضها على وزير الدفاع والتنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5)، ثم إحالتها إلى القائد الأعلى للحصول على الاعتماد المسبق، وفق الإجراءات القانونية المقررة».

وأثارت هذه الخطوة خلافاً داخل «المجلس الرئاسي» نفسه، إذ اعترض عضو المجلس موسى الكوني، على الطلب، قائلاً إنه «لم يعرض على المجلس ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية موثقة أو تفويض جماعي». ورغم تأكيد الكوني دعمه جهود توحيد المؤسسة العسكرية، فإنه حذر من «أن استمرار الانقسام يكرس تعدد مراكز القرار، ويضعف قدرة الدولة على صون سيادتها».

وفي مسار موازٍ، بحث رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، مساء السبت، مع تجار وممثلين عن غرف التجارة والصناعة في المنطقة الحرة بمصراتة، تداعيات الإجراءات الاقتصادية على السوق المحلية. وأسعار السلع وآليات فتح الاعتمادات المستندية وسعر صرف الدولار، إلى جانب ملف الدولار الجمركي، وقرار وزارة الاقتصاد والتجارة قصر عمليات الاستيراد على القنوات المصرفية.

وقال الدبيبة إن حكومته «تسعى إلى اتخاذ إجراءات متوازنة تضمن استقرار السوق، وتوافر السلع وانسياب عمليات الاستيراد، بما يحد من ارتفاع الأسعار ويخفف الأعباء عن المواطنين، ويحافظ على قدرتهم الشرائية».

ويأتي الاجتماع بعد اعتراضات من تجار على قرار قصر الاستيراد على القنوات المصرفية، إذ يقول بعضهم، إن «الإجراءات المصرفية الحالية لا تتيح لجميع المستوردين، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، الحصول على التحويلات والتمويل اللازمين لتوفير السلع».


مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
TT

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني، مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً في المجالس البلدية، إلى جانب مشاركتها في مسارات الحوار السياسي والمجتمع المدني، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد.

لكن هذا الحضور لا يزال دون ثقل المرأة الديمغرافي، إذ تمثل النساء نحو نصف سكان ليبيا، فيما تتحدث ناشطات عن استمرار ممارسات تحمل الإقصاء وعوائق اجتماعية وأمنية وسياسية، وسط مطالب بمشاركة أوسع في الحياة السياسية.

وتتمسك أكاديميات وناشطات تحدثن لـ«الشرق الأوسط»، بتوسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة، من المجالس المحلية إلى البرلمان ومواقع القيادة في الدولة، مع الإشارة إلى تفاوت الفرص والعقبات من منطقة إلى أخرى، فضلاً عن تعرض المرشحات وصانعات القرار لضغوط وحملات تشهير وتهديد عبر الإنترنت.

وحسب رئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام» فتحية البخبخي، فإن المرأة الليبية «وبجهد شاق وحراك سياسي ومدني متصل، أثبتت أنها قوية وقادرة على التغلب على التحديات والصعوبات أياً كان نوعها»، عادّةً، أن «ظروف الصراع والأيام الصعبة التي تعيشها ليبيا في الفترة الانتقالية، كانت مختبراً حقيقياً لقوة المرأة الليبية ومقدرتها على كسب الرهان».

ولفتت البخبخي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النساء حققن حضوراً في المجتمع المدني والنقابات والعملية الانتخابية، فضلاً عن مشاركتهن في مسارات الحوار السياسي».

وتشغل النساء، خمس حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة». وخلال العامين الأخيرين، اتسع حضورهن في الإدارة المحلية، مع انتخاب امرأتين عميدتين للمرة الأولى في تاريخ ليبيا، هما الزائرة الفيتوري المقطوف في زلطن، وجميلة اللواطي في سلوق.

عميدة بلدية زلطن الليبية الزائرة المقطوف خلال متابعة أعمال الصيانة في محطة تحلية المياة بمدينتها (الصفحة الرسمية للبلدية)

وفي انتخابات المجالس المحلية الأخيرة، فازت 207 نساء بمقاعد، بما يمثل 23.8 في المائة من إجمالي الأعضاء المنتخبين، وفق بيانات «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»... وترى البخبخي، أن هذه النتائج «تعكس ارتفاعاً تدريجياً في حضور المرأة بالمجال العام والسياسي»، مؤكدة «استمرار السعي إلى زيادة تمثيلها في البرلمان والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى جانب تمكينها في المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات».

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، بواقع 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208، وفق أحدث بيانات مصلحة «التعداد والإحصاء» (حكومية)، الصادرة في مايو (أيار) الماضي استناداً إلى حصر أجري عام 2024.

ويظهر التفاوت بين المناطق بوضوح أكبر في الجنوب الليبي، حيث تقول الناشطة المدنية ورئيسة منظمة «تصدق» للأعمال الإنسانية زينب أمحمد خميس، إن «التحديات المرتبطة بتهميش المرأة وترهيبها تبدو أوسع نطاقاً في الجنوب، في ظل الاعتبارات القبلية والاجتماعية المعقدة، رغم ما تبديه السلطات من دعم لمشاركة المرأة».

وتوضح زينب لـ«الشرق الأوسط»، أن وصول المرأة إلى منصب عميدة بلدية في الجنوب «لا يزال حلماً بعيد المنال»، بينما قد يؤدي «مجرد إعلان الرغبة في الترشح للبرلمان، إلى التعرض للتنمر والضغوط الاجتماعية من البعض».

وتضيف أن هذه الضغوط تمتد إلى الحياة اليومية، بما يمكن أن «يعطل قدرات النساء ويدفع بعضهن إلى النظر إلى المنزل بوصفه مكانهن الطبيعي»، لافتة إلى أن «منظمات المجتمع المدني والروابط المحلية تواصلان العمل على تغيير هذه الصورة وإتاحة مساحة أكبر للنساء في الحياة العامة».

وتختصر طموح الناشطات في الجنوب بالقول: «نحن متمسكون بحلمنا في تمكين المرأة بصورة تعكس وزنها الديمغرافي، وتولي مناصب قيادية في الدولة، وحتى الوصول إلى موقع الرئاسة».

ولا تقتصر العوائق على الضغوط الاجتماعية والجغرافية، إذ رصد تقرير لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، تصاعد العنف الإلكتروني ضد النساء المنخرطات في الانتخابات البلدية خلال 2025 بدءاً من التسجيل والترشح، وصولاً إلى الحملات وإعلان النتائج.

وزيرة الدولة لشؤون المرأة في غرب ليبيا رندة غريب خلال لقاء مع عضوات في «المجلس الأعلى للدولة» في طرابلس سبتمبر الماضي (صفحة الوزارة)

وسبق أن قالت بعثة الأمم المتحدة،في مارس (آذار) الماضي إن «النساء اللاتي يشغلن مناصب عامة يواجهن في كثير من الأحيان الترهيب والمضايقات»، مشيرة إلى أن «هذه الممارسات تقوض مشاركتهن في الحكم»، داعية إلى «إصلاحات قانونية تزيل العقبات أمام وصول النساء إلى الموارد ومواقع صنع القرار».

وهنا تشير البخبخي، إلى أن«دعم بعثة الأمم المتحدة كان له دور في مساعدة النساء الليبيات على تجاوز جانب من الصعوبات التي ظهرت بعد عام 2011»، لافتة إلى أن مشاركة النساء في «الحوار المهيكل، واللجنة الاستشارية التي رعتها الأمم المتحدة، وصلت إلى نحو 35 في المائة».

لكن النخب النسائية لا تبدو مستعدة للتوقف عند ما تحقق. فقد أثار الحوار الذي رعته الأمم المتحدة بين طرفي الصراع في شرق ليبيا وغربها، وأفضى إلى اتفاق بشأن التشريعات الانتخابية في نهاية أغسطس (آب) الماضي، انتقادات بسبب غياب أي تمثيل نسائي عن طاولة المفاوضات.

وترى الخبيرة القانونية الدكتورة جازية شعيتير، أن هذا الغياب «مخالف لكل السوابق الدستورية والقانونية وحتى الاتفاقات السياسية»، فضلاً عن كونه موضع انتقاد للسياسيين وللبعثة الأممية، التي كان يتعين عليها، حسب رأيها، اشتراط تمثيل نسائي في المفاوضات، بما يعزز مشاركة المرأة الليبية في مسار السلام، ويحترم قرار مجلس الأمن رقم 1325». وتؤكد لـ«الشرق الأوسط»، تمسك النساء الليبيات «بحقهن في تقرير مصير مستقبل البلاد».

في المقابل، تحذر الناشطة الحقوقية انتصار القليب، من «تعميم وصف المجتمع الليبي بأنه ذكوري»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «ممارسات اجتماعية خاطئة يجب مواجهتها بالقانون والوعي». كما تشير إلى أن تمكين المرأة يتطلب «قانوناً عادلاً، ومؤسسات تنصفها، ومجتمعاً يحترم حقوقها وكرامتها».