لم تكن ليلة عادية في «الجوهرة المشعة»، بل كانت لحظات تجلّى فيها الاتحاد أمام النصر، محققاً انتصاراً كانت النقاط الثلاث جزءاً من مكاسب عديدة حصدها الفريق بعد أداء ملحمي. وكان النيجيري جورج استثنائياً بكل معنى الكلمة، إذ أحرز هدفين؛ الأول بمتابعة وحس تهديفي عالٍ، فيما يُسجل الثاني كهدف أيقوني في تاريخ مواجهات الفريقين، بعدما ارتقى عالياً على طريقة المهاجمين الكبار، ووضع قدمه حيث يضع المهاجمون رؤوسهم، مسجلاً بطريقة تشبه ما يفعله السويدي زلاتان إبراهيموفيتش والنرويجي إيرلينغ هالاند. وكان جورج بطل الليلة في الجولة الخامسة، بعدما نال جائزة رجل المباراة.

ويبدو أن ينز فيسينغ كان يحتفظ بسلاح جورج في الجولات الماضية، حتى يهيئ له الوقت والمكان المناسبين ليلمع بريقه، وهو ما حدث في مواجهة النصر، الذي ترك مساحات كبيرة في دفاعه استغلها هجوم الاتحاد مرتين، فيما لم ينجح الفريق في استثمار مساحات أخرى لتعزيز النتيجة، مكتفياً بهدفَي الشوط الأول.
المواجهة، التي حضرها أكثر من 47 ألف مشجع، لم يكن فريق ينز فيسينغ يحتمل فيها سوى الانتصار، من أجل مواصلة الاقتراب من المنافسين، وتحديداً الهلال المتصدر الذي حقق خمسة انتصارات، والنصر والقادسية اللذين حققا أربعة انتصارات. وكانت الخسارة ستعني ابتعاد الاتحاد عن القمة، وربما إرسال رسالة بفقدان القدرة على المنافسة، في ظل وجود منافسين لا يعرفون التوقف. أما الانتصار، فوضع الاتحاد على بعد أربع نقاط من المتصدر، ونقطة واحدة فقط عن المركز الثاني، ليعود الفريق من الباب الكبير إلى دائرة المنافسة على القمة.
وخلال تحضيراته للمواجهة، راهن فيسينغ على قدرة لاعبيه على تحقيق الانتصار والنتيجة الإيجابية، رغم حالة الإحباط التي سادت قبل المباراة، نظير ما رآه المتابعون من محدودية التعاقدات خلال سوق الانتقالات. وطالب المدرب الألماني لاعبيه بالحركة الدؤوبة، وقال لهم: «نستطيع الانتصار لو قمنا بحركة أكبر من الخصم، هذا الأمر سيمنحنا أفضلية في الملعب».
وتجلَّى هذا الأمر بوضوح في الإحصائيات، إذ أظهرت أرقام «سوفا سكور» أن معدل المسافات المقطوعة من لاعبي الاتحاد بلغ 91.8 كيلومتر في المباراة، مقابل 67.7 كيلومتر للاعبي النصر، وهو ما يعكس حسن قراءة المدرب الألماني للمواجهة، بعدما جعل الضغط والركض المستمر شرطاً رئيسياً للانتصار، في صورة تعكس العقلية الألمانية في فهم كرة القدم.
وفي المؤتمر الصحافي، تحدث فيسينغ عن العقلية التي يريد رؤيتها من لاعبيه، وذلك رداً على سؤال «الشرق الأوسط»، قائلاً: «كرة القدم التي نريدها تعتمد على المجموعة؛ الجميع يدافع والجميع يسجل الأهداف. لقد شاهدتم ما قام به يوسف النصيري في الدقيقة 92 عندما عاد واستخلص الكرة وأنقذ الفريق من هدف شبه مؤكد، هذا هو السلوك الذي نريده».
وبالحديث عن المجموعة، فإن المدرب الألماني يؤمن بالعمل الجماعي ويمنح مساحة كبيرة لمساعديه، خصوصاً السعوديين منهم، كما كان يفعل مع فريقه الياباني. وظهر ذلك خلال المواجهة من خلال تدخل المساعد حسن خليفة، الذي أشار إلى قدرة مهند الشنقيطي على اللعب في مركز الظهير الأيسر.
إذ استجاب ينز لاستشارة الخبير خليفة وجاء القرار في الدقيقة 85، بعدما تعرض فارس عابدي لإجهاد كبير ولم يعد قادراً على استكمال المواجهة بالقوة والحيوية ذاتها، في ظل نفاد تبديلات المدرب. وقرر الجهاز الفني وضع الشنقيطي في الظهير الأيسر، مع مساندة من يوسف النصيري في الجناح، ومحاولة التغطية على إجهاد عابدي وعدم قدرته على الدخول في التحامات وسباقات سرعة متكررة. وتعكس مثل هذه التغييرات أثناء المباراة ثقة فيسينغ بطاقمه، وفهم أفراده لقدرات اللاعبين وأدوارهم.
وعلى مستوى الأفراد، كان لاعبو الاتحاد حاضرين ذهنياً وبدنياً بصورة لافتة، إلا أن الأداء الذي ظهر عليه أحمد الجليدان في مركز الظهير الأيمن كان ملفتاً، إذ شكل جبهة رئيسية انطلقت منها خطورة الاتحاد في الجهة اليمنى. وقام الجليدان بأدوار مزدوجة، بين الظهير تارة والجناح تارة أخرى، وساهم في صناعة الهدف الأول، قبل أن يكمل 50 دقيقة بامتياز ويطلب التغيير.
ويُعد الجليدان أحد أكثر اللاعبين تطوراً منذ وصول المدرب الألماني، إذ أظهر استجابة واضحة، وتحديداً على الجانب البدني الذي شهد تحسناً كبيراً بفضل العمل مع مدرب خاص خلال حصص إضافية لتحسين هذا الجانب.
وكان ديون لوبي، هو الآخر، أحد العوامل الحاسمة في انتصار الاتحاد، بفضل قدراته البدنية في وسط الملعب. ويستطيع اللاعب الحفاظ على الكرة في أصعب اللحظات، مستفيداً من استخدام جسده بطريقة تجعل مهمة افتكاك الكرة منه معقدة. واللافت أنه لم يفقد أي كرة خلال المواجهة، وهو ما ساعد الاتحاد على الصمود في اللحظات الصعبة، خصوصاً خلال فترات الضغط التي مارسها النصر بحثاً عن العودة في النتيجة.
وتبقى إحدى النقاط السلبية في المواجهة عدم استغلال المساحات وعمليات الارتداد التي قام بها الاتحاد، إذ توفَّرت مساحات عديدة أثناء اندفاع النصر بحثاً عن العودة إلى المباراة، غير أن الرعونة حضرت في كثير من اللحظات، وهو ما تسبب في غضب فيسينغ على خط التماس. وقال المدرب الألماني عن ذلك في المؤتمر الصحافي عقب المواجهة: «لم نكن موفقين في المرتدات التي صنعناها».
وحاول المدرب الألماني الشاب ضبط حماس فريقه في أكثر من مناسبة، خصوصاً مع القرارات التي كان يتخذها اللاعبون وسط صيحات الجماهير. وكاد غضب فيسينغ يظهر بوضوح عندما تقدم ديوم لوبي وريتشارد ريوس في الشوط الثاني إلى حدود منطقة جزاء النصر، تاركين خلفهما مساحة كبيرة، ليطلب منهما الهدوء واللعب بوعي أكبر، مع المحافظة على النتيجة واستهداف المساحات، دون اندفاع مبالغ فيه قد يكلف الفريق هدف التعادل.


