سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

الأسعار تقترب من 30 سنتاً للدولار رغم تعثر الإصلاح وإعادة هيكلة الدين

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تغرّد «سندات لبنان الدولية (اليوروبوندز)» خارج نطاق الخسائر المالية الجسيمة الناجمة عن جولات الحرب، وبمنأى عن حال الانكماش الحاد التي أصابت المؤشرات الاقتصادية الأساسية، لتقترب مجدداً من عتبة 30 في المائة من قيمتها الاسمية، بعد ارتفاعات متتالية قاربت نسبها المجمعة الأعلى، نحو 28 في المائة من بداية السنة، وفق توزيع الشرائح والاستحقاقات.

ويثير الإقبال الأجنبي على حيازة السندات، والمساهمة تلقائياً في رفع أسعار تداولها، تساؤلات محقّة بشأن التوقعات الاستثمارية وخلفياتها، في ظل استمرار توغّل البلد واقتصاده في حال «عدم اليقين»، المعزّزة بحروب تدميرية ومخاوف مشروعة من احتمالات تجدّدها أو توسع نطاقها، بينما يستمر التباطؤ من قبل الحكومة في تحديد خريطة طريق إعادة هيكلة الدين العام، ويتعثر عقد اتفاق تمويلي مساند مع «صندوق النقد الدولي» بسبب العجز عن استكمال الاستجابة لشروطه الحاكمة.

وتشير المؤسسة المصرفية الدولية «غولدمان ساكس»، في تقييم محدث، إلى أن «مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع لا يزال عالقاً»، وهو عنصر أساسي في أي تسوية شاملة للأزمة المالية. في حين تنوه بأن إقرار «قانون إعادة هيكلة المصارف» المعدّل في أغسطس (آب) الماضي، أزال عقبة مهمة من أمام برنامج محتمل مع «صندوق النقد» وإعادة هيكلة الدين.

ولم يكن عابراً في التقييم الجديد من المؤسسة الدولية، الذي وردت خلاصاته في تحليل من بنك «بلوم أنفست»، التنويه بأن بلوغ أسعار السندات عتبة 30 سنتاً لكل دولار، ربما ينطوي على تفاؤل «أكبر من اللازم» أو مبالغ فيه، بوصف أن الطريق لإعادة هيكلة الدين العام لا تزال تواجه عقبات جيوسياسية وتشريعية كبيرة.

«مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

ومن دون مواربة، وأبعد من مجرد القول إن الأسعار مرتفعة، تعدّ المؤسسة أن حلّ مسألة سلاح «حزب الله» وإعادة احتكار الدولة استخدام القوة يمثل، عملياً، شرطاً مهماً للحصول على دعم مالي دولي واسع، حتى لو لم يكن ذلك شرطاً رسمياً لـ«صندوق النقد». في حين أن استمرار خطر الصراع يجعل التقدم نحو إعادة هيكلة الدين صعباً؛ ولهذا تحديداً، فإن التداول السوقي للسندات بأسعار مرتفعة حالياً (29 سنتاً للدولار)، لا يعكس، بصورة كافية، المخاطر المتبقية.

ويقع ضمن الشروط الدولية لاستدامة الدين وتدفق التمويلات والقروض الخارجية، وفق مسؤول مالي رفيع المستوى تواصلت معه «الشرق الأوسط»، مبادرة وزارة المال إلى إطلاق جولات مفاوضات مباشرة مع الدائنين، توخياً لإبرام اتفاقية رضائية تحدّد قيم السداد للأصول والفوائد والجدول الزمني الجديد، تبعاً لتوفر الإمكانات المالية وفائض الموازنة؛ مما يشكل المدخل البديهي لعودة لبنان، بقطاعيه العام والخاص، إلى الأسواق المالية الدولية.

ويرتقب، في حال «تقدم» التسويات الكبرى ونجاحها في تكريس سيادة الدولة ومرجعيتها السيادية في قرارات الحرب والسلم، والتقدم الموازي في الإصلاحات المالية، تبيان التأثير الأوضح على قيمة هذه الأصول المستحقة، من خلال تيسير المفاوضات المباشرة مع الدائنين المحليين والأجانب، لا سيما بعد تحرّر الموازنة تقنياً وفعلياً من نحو ثلثي قيمة الدين العام المحرر بالليرة، الذي «تبخرت» قيمته الحقيقية إلى أقل من مليار دولار؛ من جراء الانهيار الكارثي لسعر الصرف.

وتشير الترقبات الاستثمارية إلى أن عملية إعادة هيكلة هذه الشريحة من الديون العامة، وفق الخيارات التي أوردتها مؤسسات مالية ووكالات تصنيف دولية، بينها «مورغان ستانلي» و«موديز»، ستفضي إلى شطب نحو 65 في المائة من قيمتها الاسمية، أي بنسبة استرداد تبلغ 35 في المائة، وربما ترتقي إلى نسبة 40 و45 في المائة، وفق سيناريو أكبر تفاؤلاً يفترض رفد الإصلاحات بخطة مالية متوسطة المدى وبإعادة تنشيط القطاع المالي، أو تنحدر إلى نحو 25 في المائة في حال المراوحة وبطء الإصلاحات الهيكلية وتعذر عقد الاتفاق مع «صندوق النقد».

الدخان يتصاعد في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية على مدينة عربصاليم (رويترز)

وتضم قائمة حاملي «اليوروبوندز» بنوكاً ومؤسسات مالية وصناديق استثمارية دولية، بينها «بلاك روك»، و«آشمور»، بنسب مجمّعة حاكمة تتعدّى 40 في المائة، إلى جانب المصارف المحلية، و«المصرف المركزي»، ومستثمرين محليين وأجانب. في حين، تنص العقود القانونية للإصدارات على الاحتكام إلى محاكم نيويورك، وإلزامية موافقة 75 في المائة من الدائنين على أي اتفاقية جديدة تتضمن إعادة هيكلة قيم السداد وخفض الفوائد وتمديد مهل الاستحقاقات.

ومن المرجّح، وفق المسؤول المالي، أن الطلب الاستثماري على السندات اللبنانية يلاحق جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ويترقب احتمال انتهائها إلى اتفاق متكامل؛ مما ينعش التطلعات لتغيير الصورة النمطية في أبعادها الجيوسياسية، لا سيما لجهة تنامي قدرات الدولة على بسط سلطاتها المركزية، وحل معضلة السلاح «غير الشرعي»، شرطاً لازماً لتدفق الدعم الخارجي، إقليمياً ودولياً.

كما تسهم معطيات إصلاحية جزئية أو غير مكتملة في عكس إشارة واعدة لإغناء البعد المالي صوب تحقيق التوازن الفعلي المنشود، الذي يمهّد لاعتماد استراتيجية استدامة الدين العام، الكفيلة شرطياً بجذب الدعم والتمويل، لا سيما أن حزمة الإصلاحات «المتأخرة» متنوعة، وتشمل، خصوصاً، إطلاق غالبية الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية وأساسية، والوقف التام لتمويل قطاع الكهرباء عبر سلفات الخزينة، وتحسّن إدارة المالية العامة، ورفع سقوف الإنفاق، بما يستجيب لردم جزء من فجوات مخصصات القطاع العام، واستمرار العمل على تنمية موارد الخزينة وتحقيق فوائض أولية في الموازنة، مع التقدير بطابعها الدفتري أو النظري، ما دام يجري عزل موجبات الدين العام.

ولا تكمن الأهمية الخاصة لهذه المحفظة في قيمة أصولها الدفترية البالغة نحو 30.6 مليار دولار، وتراكم فوائدها بنحو 15 مليار دولار، ولا بوصفها، العبء الأكبر على مالية الدولة المنهكة، بل في أنها تحولت، وفق المسؤول المالي، إلى نواة الانفجارات النقدية والمالية التي توالت بسرعة قياسية، عقب قرار الحكومة الأسبق، في ربيع عام 2020، بالامتناع عن دفع المتوجبات المستحقة من الأصول والفوائد، وتكفلت بإخراج لبنان وقطاعه المالي من الأسواق المالية الدولية، لتبلغ مستوى أزمة نظامية عاتية ضربت أسس النظام المالي، وتستمر ارتداداتها لسابع عام على التوالي.


مقالات ذات صلة

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

المشرق العربي الوزير ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن (رويترز)

لبنان ينقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن

انتقل ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من تثبيت الموقف على منبر الأمم المتحدة، إلى البحث في آليات تنفيذه في واشنطن

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد إثر انفجار في بلدة المنصوري كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

إسرائيل تسحب القوة المقاتلة من «غولاني» وتبقي حزاماً أمنياً بجنوب لبنان

تطرح العملية الإسرائيلية في بلدة المنصوري بقضاء صور سؤالاً حول ما إذا كانت عمليات الاقتحام والهدم تمهد لتقليص الوجود البري المباشر

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عسكريون في الجيش اللبناني ينتشرون في زوطر الغربية، أولى البلدات النموذجية في جنوب لبنان (د.ب.أ)

الجيش اللبناني وإسرائيل... توتر تضبطه واشنطن بالتنسيق والمفاوضات

على مدى ثلاث سنوات، طالت عشرات الاستهدافات الإسرائيلية للجيش اللبناني المنتشر في الجنوب، وتخللتها احتكاكات، رغم آليات التنسيق القائمة بين الطرفين عبر واشنطن.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي رجل يلوّح بعلم «حزب الله» اللبناني في بغداد خلال الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله... 26 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» ينفي علاقته بخلية أوقفتها سوريا قرب الجولان

نفى «حزب الله»، الأربعاء، أي علاقة له بمجموعة أعلنت السلطات السورية ليلاً توقيفها قرب الجولان المحتل من إسرائيل، وقالت إنها كانت تخطط «لتنفيذ عمليات».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد لقاء الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إكس)

غورغييفا تضع «قانون الفجوة» على طريق برنامج جديد للبنان

وضعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي مشروع قانون الانتظام المالي في صلب المسار الذي يفترض أن يقود لبنان إلى برنامج جديد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
TT

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)

توسع قطاع التصنيع في الهند بوتيرة حادة في سبتمبر (أيلول)، منهياً تباطؤاً استمر ثلاثة أشهر، مع دفع قوة الطلب لنمو نشاط المصانع إلى أسرع وتيرة في سبعة أشهر، واستئناف التوظيف وتعزيز ثقة الشركات، وفق مسح خاص صدر يوم الخميس.

وارتفع مؤشر «إتش إس بي سي» لمديري مشتريات قطاع التصنيع في الهند، الذي تعدّه «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 55.1 نقطة في سبتمبر من أدنى مستوى له في 5 سنوات البالغ 52.8 نقطة في أغسطس (آب)، لكنه جاء دون التقدير الأولي البالغ 55.7 نقطة.

وكانت القراءة هي الأعلى منذ فبراير (شباط). وتشير قراءة المؤشر التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو النشاط.

وارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ فبراير، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات الإلكترونية والغذائية والدوائية والمنسوجات، وفقاً للمسح. كما تسارعت طلبات التصدير، مع إشارة المصنعين إلى زيادة الطلب من العملاء في البرازيل وأوروبا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.

وارتفع الإنتاج بشكل حاد، مع تسارع وتيرة التوسع إلى أقوى مستوى منذ مايو (أيار)، مدعوماً بالطلبات التجارية الجديدة وارتفاع الطلب.

وقال برانجول بهانداري، كبير الاقتصاديين لدى «إتش إس بي سي» في الهند: «اشترت الشركات مزيداً من المواد وزادت مخزوناتها استعداداً للمبيعات المتوقعة. وسجلت مخزونات السلع تامة الصنع ثاني أكبر زيادة لها في نحو 12 عاماً، ما يشير إلى تحول واضح عن مستويات المخزون المنخفضة».

وأدى ارتفاع الطلب أيضاً إلى استئناف التوظيف. ونما عدد العاملين بأقوى وتيرة منذ مايو، متعافياً من انخفاض فعلي في أغسطس، وهو أول تراجع في الوظائف الصناعية منذ عامين ونصف العام.

وارتفعت ثقة الشركات إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر في سبتمبر، مدفوعة بالتفاؤل الناجم عن زيادة الاستفسارات الجديدة والتوقعات باستمرار الطلب.

وارتفعت ضغوط التكاليف، مع تسارع تضخم تكاليف المدخلات مقارنة بأغسطس، مدفوعاً بارتفاع أسعار المكونات الإلكترونية والمنتجات الدوائية والصلب. ومع ذلك، ظل معدل التضخم دون متوسطه طويل الأجل. كما ارتفعت أسعار البيع مقارنة بأغسطس، وإن كانت الزيادة متواضعة وبوتيرة بقيت أيضاً دون الاتجاه العام.

وظل التضخم أعلى من هدف بنك الاحتياطي الهندي البالغ 4 في المائة على المدى المتوسط للشهر الثالث على التوالي في أغسطس، مدفوعاً بارتفاع حاد في تكاليف الطاقة والغذاء. ولمواجهة ارتفاع التضخم، من المتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة بما مجموعه 50 نقطة أساس هذا العام إلى 5.75 في المائة.


«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهت سوق الأسهم السعودية الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 على تراجع محدود بلغ نحو 0.5 في المائة، مقارنة بخسارة بلغت 4.4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما بددت الضغوط التي تعرضت لها السوق خلال الربع الثالث، وتحديداً في سبتمبر (أيلول)، المكاسب التي راكمها مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» منذ بداية العام.

وأغلق «تاسي» جلسة الأربعاء، آخر تداولات سبتمبر والربع الثالث، عند 10440.64 نقطة، مقارنة بـ10490.69 نقطة في نهاية عام 2025 بخسارة بلغت نحو 50 نقطة، تعادل 0.48 في المائة منذ بداية العام.

ويظهر الأداء تحسناً نسبياً مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025، عندما تراجع المؤشر 4.43 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى، من 12036.50 نقطة في نهاية عام 2024 إلى 11502.97 نقطة بنهاية سبتمبر من العام الماضي.

ورغم الفارق في معدل الأداء بين الفترتين، فإن المستوى الحالي للمؤشر يظل أدنى بنحو 9.2 في المائة من إغلاق نهاية سبتمبر 2025، في ظل اختلاف قاعدة المقارنة، بعدما دخلت السوق عام 2026 من مستويات أدنى عقب التراجعات التي سجلتها خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

تباين بين الأرباع

واتسم أداء السوق خلال العام الحالي بتباين واضح بين الأرباع؛ إذ أنهى «تاسي» الربع الأول عند 11249.54 نقطة، مرتفعاً بنحو 7.2 في المائة منذ بداية العام، قبل أن يتراجع نحو 4 في المائة خلال الربع الثاني ويغلق يونيو (حزيران) عند 10799.92 نقطة.

وتواصلت الضغوط خلال الربع الثالث، ليفقد المؤشر نحو 3.3 في المائة إضافية حتى نهاية سبتمبر، مقارنة بارتفاع بلغ نحو 3 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وشكل سبتمبر نقطة التحول الأبرز في أداء السوق خلال العام؛ إذ بدأ المؤشر الشهر عند 11127.08 نقطة، مرتفعاً بأكثر من 6 في المائة منذ بداية 2026 قبل أن يفقد نحو 686 نقطة خلال شهر واحد، بما يعادل 6.17 في المائة، ليمحو كامل مكاسبه المتراكمة ويعود إلى المنطقة السلبية.

ويأتي ذلك مقابل ارتفاع بلغ نحو 7.5 في المائة سجله المؤشر خلال سبتمبر من العام الماضي، ما يعكس تبايناً واضحاً في أداء السوق بين الفترتين.

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

تراجع السيولة

وعلى صعيد السيولة، أظهرت بيانات التداول خلال فترات سابقة من العام تراجعاً مقارنة بعام 2025، إذ بلغت قيمة الأسهم المتداولة في الربع الأول نحو 291 مليار ريال، بانخفاض يقارب 20 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغت قيمة التداولات في جلسة نهاية سبتمبر نحو 4.25 مليار ريال.

وقال الخبير المالي والاقتصادي وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بقاء «تاسي» قريباً من مستويات بداية عام 2026، رغم موجة الضغوط التي تعرض لها خلال الربع الثالث، يعكس قدرة السوق على امتصاص قدر كبير من المتغيرات الداخلية والخارجية، ويظهر فارقاً واضحاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما تجاوزت خسائر المؤشر 4 في المائة.

تماسك القطاعات القيادية

وأوضح أن من أبرز العوامل التي دعمت هذا التماسك دخول السوق العام الحالي من قاعدة سعرية أقل وتقييمات أكثر جاذبية بعد الخسائر التي سجلها خلال 2025، ما خفف نسبياً من حدة الضغوط البيعية، مضيفاً أن تماسك عدد من القطاعات القيادية، وفي مقدمتها البنوك والطاقة، إلى جانب استمرار قوة النشاط الاقتصادي غير النفطي والتوزيعات النقدية الجيدة لعدد من الشركات، أسهم في توفير دعم للسوق.

وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات التنظيمية وتعزيز مستويات الإفصاح والحوكمة وتطوير البيئة الاستثمارية وزيادة انفتاح السوق أمام المستثمرين الدوليين تمثل عوامل داعمة للثقة على المديين المتوسط والطويل.

وعن تراجع السوق خلال الربع الثالث، قال الخالدي إن فقدان معظم مكاسب النصف الأول جاء نتيجة تزامن مجموعة من الضغوط، من بينها تصاعد الحذر المرتبط بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية وتقلب أسعار النفط، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد المكاسب القوية التي حققها المؤشر في الربع الأول، لافتاً إلى أن ضعف السيولة شكّل أحد عناصر الضغط، وأن أي ارتداد مستدام يحتاج إلى عودة واضحة لقيم التداول وزيادة مشاركة المستثمرين.

وأضاف أن تراجع بعض الأسهم والقطاعات ذات الوزن الكبير ضغط أيضاً على حركة المؤشر، بالتزامن مع حالة ترقّب لنتائج الشركات للربع الثالث ومسار أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية العالمية.

«أقرب إلى إعادة تسعير»

ويرى الخالدي أن ما شهدته السوق خلال الربع الثالث «أقرب إلى إعادة تسعير وارتفاع في درجة الانتقائية، وليس تغيراً جوهرياً في أساسيات الاقتصاد السعودي»، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الشركات واتجاه السيولة وأسعار النفط وقدرة القطاعات القيادية على استعادة الزخم.

حذر وانتقائية

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد» محمد حمدي عمر، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع مستويات السيولة لا ينبغي تفسيره بالضرورة باعتباره خروجاً للمستثمرين أو فقداناً للثقة، بقدر ما يعكس ارتفاعاً في درجة الحذر وانتقال المستثمرين إلى مرحلة أكثر انتقائية في اتخاذ القرارات، موضحاً أن ارتفاع مستويات عدم اليقين يجعل المستثمر أقل استعداداً لبناء مراكز كبيرة أو طويلة الأجل، ويدفعه إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة انتظاراً لمحفزات أكثر وضوحاً.

وأضاف أن ما تشهده السوق حالياً «أقرب إلى حالة ترقب وإعادة تسعير للمخاطر منه إلى تغير هيكلي كامل في طبيعة التداول»، إلا أن استمرار انخفاض السيولة لفترة ممتدة قد يؤدي تدريجياً إلى تركّز التداولات بصورة أكبر في الشركات ذات النتائج القوية والتدفقات النقدية الواضحة والتقييمات الأكثر جاذبية.

التطورات الجيوسياسية

وأشار عمر إلى أن التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط والفائدة ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في السوق خلال الربع الأخير، لافتاً إلى ترابط هذه العوامل وتأثيرها في شهية المخاطرة والتضخم وتوقعات أسعار الفائدة، مضيفاً أن استمرار بيئة الفائدة المرتفعة يعني بقاء المنافسة قوية بين الأسهم والأدوات ذات العائد الثابت، إلى جانب رفع تكلفة التمويل والضغط بدرجات متفاوتة على تقييمات الشركات والقطاعات الأكثر اعتماداً على الاقتراض.

وفيما يتعلق بالنفط، أشار إلى أنه سيظل مؤثراً في توجهات المستثمرين نظراً إلى ارتباطه بالتوقعات الاقتصادية والمالية في المملكة، إلا أن ارتفاع أسعاره لا يمكن النظر إليه دائماً بوصفه مؤشراً إيجابياً منفرداً؛ خصوصاً عندما يكون جزء من الارتفاع مرتبطاً باضطرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية.

نتائج الشركات المرتقبة

ويرى عمر أن نتائج الشركات ستكون من أكثر العوامل قدرة على إحداث التمايز داخل السوق خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أنه في بيئة تتراجع فيها السيولة وترتفع فيها المخاطر «تتحول السوق من حركة جماعية إلى سوق انتقائية».

وأضاف أن المستثمرين سيعطون وزناً أكبر لقدرة الشركات على تحقيق نمو حقيقي في الأرباح والتدفقات النقدية والمحافظة على هوامش الربحية، في حين قد تكون الشركات الأكثر حساسية للفائدة أو التي تتداول عند تقييمات مرتفعة دون نمو موازٍ أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.

وتدخل السوق السعودية الربع الأخير من عام 2026 من مستويات قريبة من نقطة بداية العام، بعدما تحولت مكاسب تجاوزت 7 في المائة في نهاية الربع الأول إلى خسارة محدودة بنهاية سبتمبر، وسط ترقّب لنتائج أداء الشركات خلال الربع الثالث واتجاه السيولة وتحركات أسعار النفط ومسار الفائدة والتطورات الجيوسياسية.


«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
TT

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات، ما أثار نقاشاً بين المستثمرين حول أهداف البرنامج ومدى نجاحه في تحقيقها.

ويتيح البرنامج لحائزي السندات تقديم أوراق مالية محددة إلى الخزانة، مع تحديد الأسعار التي يرغبون في البيع عندها. ورغم أن الوزارة رفعت الشهر الماضي سقف المشتريات إلى 6 مليارات دولار من ملياري دولار، فإنها ليست ملزمة باستخدام كامل المبلغ، إذ يمكنها رفض العروض التي ترى أن أسعارها مرتفعة.

وفي أحدث العمليات، قبلت الخزانة نحو نصف السندات المعروضة، بينما جاءت مشترياتها في كل مرة دون السقف المحدد، وتركزت في عدد محدود من الإصدارات.

وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض مديري المحافظ والمحللين عن سبب زيادة حجم البرنامج إذا لم تكن الخزانة تعتزم شراء الكمية المتاحة، بينما يرى آخرون أن الوزارة تنفذ ما تعهدت به، طالما أنها تشتري السندات وفق الأسعار التي تراها مناسبة.

وقال بادهرايك غارفي، رئيس الأبحاث الإقليمي في الأميركتين لدى «آي إن جي»، إن الخزانة «لها كامل الحق في شراء كمية أقل مما تستطيع إذا لم تعجبها الشروط»، مشيراً إلى أنها «تملك دائماً خيار شراء المزيد».

سيولة كافية

ويصف وزير الخزانة سكوت بيسنت البرنامج بأنه إجراء فني يهدف إلى مساعدة المستثمرين على تداول السندات الحكومية القديمة والأقل سيولة.

وإذا كان الهدف الأساسي هو توفير شبكة أمان للسيولة، أي دعم القدرة على شراء وبيع السندات بالأسعار السائدة من دون تحريك السوق بشكل كبير، فإن البرنامج يبدو مؤدياً لهذا الدور، وفقاً للمحللين، حتى مع ارتفاع عوائد السندات خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال توماس سايمونز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جيفريز»، إن المستثمرين الذين يحتاجون فعلاً إلى السيولة «سيقدمون عرضاً قوياً»، مضيفاً أن من يصرون على أسعار أعلى «لا يبدو أنهم بحاجة إلى السيولة إلى هذه الدرجة».

وقد يعكس انخفاض نسبة قبول العروض أيضاً نجاح البرنامج في إخراج بعض السندات القديمة والأقل تداولاً من السوق، ما يترك في حوزة المستثمرين سندات لا يرغبون في بيعها أو لا يجدون حاجة ملحة للتخارج منها.

وأشار سايمونز إلى أن عمليات سابقة لإعادة شراء السندات طويلة الأجل اجتذبت عروضاً تراوحت قيمتها بين 20 و30 مليار دولار، مقارنة بـ10.47 مليار دولار في أحدث عملية. ومن المقرر أن تشتري الخزانة الخميس ما يصل إلى 6 مليارات دولار إضافية من السندات التي تستحق خلال 10 إلى 20 عاماً.

وتستهدف عمليات إعادة الشراء في جانب منها سندات منخفضة العائد أُصدرت خلال فترة جائحة «كوفيد - 19»، عندما كانت أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض. ومع ارتفاع عوائد السوق حالياً، تراجعت أسعار هذه السندات كثيراً عن قيمتها الاسمية، ما يجعل تداول كميات كبيرة منها أكثر صعوبة، ويجعل بعضها رخيصاً نسبياً بالنسبة إلى الخزانة.

ويرى جون لوك تاينر، رئيس الدخل الثابت ومدير المحافظ لدى «أبتوس كابيتال أدفايزرز»، أن ذلك قد يمنح البرنامج بعداً آخر يتعلق بإدارة الدين، إلى جانب دعم السيولة.

وقال تاينر إن شراء السندات التي أُصدرت خلال فترة الجائحة، والتي يجري تداول بعضها عند 50 إلى 60 سنتاً للدولار، قد يمثل وسيلة جذابة لإدارة الدين. لكن إعادة شراء هذه السندات تتطلب في المقابل تمويلاً، وهو ما قد يعني إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل بعوائد أعلى بكثير من معدلات الكوبون على السندات التي يجري سحبها.

توقيت التوسع يزيد الغموض

وتعود التساؤلات حول الغرض من البرنامج إلى قرار الخزانة في 19 أغسطس (آب) توسيع عمليات إعادة الشراء، مع تعهدها بزيادة أحجام المشتريات للسندات التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً بما لا يقل عن الضعف.

وجاء الإعلان بعد أسبوعين فقط من عملية إعادة التمويل الفصلية، وهي المناسبة التي اعتاد المستثمرون خلالها الحصول على تحديثات بشأن خطط الاقتراض وإدارة الدين. ومن المقرر عقد عملية إعادة التمويل الفصلية التالية في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني).

وأدى هذا التوقيت غير المعتاد، بالتزامن مع موجة بيع كانت تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، إلى تكهنات في السوق بأن توسيع البرنامج قد يكون محاولة للحد من ارتفاع العوائد.

غير أن غارفي يرى أن استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل منذ الإعلان عن توسيع البرنامج يعكس بدرجة أكبر تسعير السوق لاحتمال بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وليس فشل برنامج إعادة الشراء.

ويعتبر غارفي أن فارق عوائد المبادلات، الذي يقيس تكلفة سندات الخزانة مقارنة بمعيار الإقراض الخاص «سوفر»، يمثل مؤشراً أفضل على تأثير البرنامج. وقد ضاق هذا الفارق، بما يشير، وفقاً له، إلى أن عمليات الخزانة تحقق الهدف الذي حدده بيسنت.

وقال غارفي: «لقد ضيّق فارق عوائد المبادلات. هذا كل ما يستطيع فعله».