عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

لا يزال الطفل أيوب يحبس أنفاس الجزائريِّين، بينما تتسابق فرق الإنقاذ مع الزمن للوصول إليه بعد سقوطه داخل بئر ضيقة وعميقة في ولاية البيض، غرب الجزائر، منذ الأربعاء.

وسقط أيوب، البالغ من العمر 10 سنوات، داخل بئر جافة في بلدية الغاسول، بدائرة بريزينة، في أثناء عودته إلى منزل عائلته بعد أن كان قد حمل وجبة غداء لشقيقه الذي يرعى الأغنام، ويساعد والده في عمله.

وخلال رحلة العودة، مرَّ الطفل فوق لوح من الخشب الرقائقي كان يغطي فتحة البئر، قبل أن ينكسر اللوح تحت ثقله ويسقط أيوب إلى داخلها.

بئر بعمق 80 متراً... وفتحة لا تتجاوز 40 سنتيمتراً

وتبلغ حفرة البئر نحو 80 متراً، بينما لا يتجاوز قطر فتحتها 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل أيوب عبر الفتحة أمراً بالغ الصعوبة.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإنَّ البئر حُفرت بطريقة تقليدية داخل مزرعة عائلية، وهي جافة ومردومة جزئياً بالأتربة حتى عمق نحو 30 متراً، كما أنَّها غير مزودة بأنبوب تغليف خارجي، وكانت فتحتها مغطاة بلوح خشبي رقيق.

وفور الإبلاغ عن الحادث، توجَّهت مصالح الحماية المدنية الجزائرية إلى الموقع، وبدأت فرق متخصصة محاولات الوصول إلى الطفل وانتشاله.

لماذا تعذّر النزول مباشرة إلى البئر؟

إلا أن فرق الإنقاذ واجهت صعوبات كبيرة بسبب ضيق البئر وخطر انهيار التربة، الأمر الذي حال دون مواصلة محاولات النزول المباشر إليها.

ودفعت هذه المخاطر فرق الإنقاذ إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على حفر حُفرة أو خندق عميق موازٍ للبئر، للوصول إلى المستوى الذي يُعتقد أن أيوب عالق عنده.

وبعد الوصول إلى ذلك العمق، تعمل الفرق على اختراق جدار البئر أفقياً وبشكل يدوي، في محاولة للوصول إلى الطفل من دون التسبب في انهيار التربة المحيطة.

ووصف مسؤولو فرق الطوارئ عملية الإنقاذ بأنها «معقدة للغاية»؛ بسبب وعورة المنطقة وهشاشة التربة وضيق فتحة البئر وعمقها.

حفرة ضخمة موازية للبئر في سباق مع الزمن

تواصل فرق الإنقاذ الجزائرية حفر حُفرة ضخمة موازية للبئر للوصول إلى أيوب، وسط إجراءات احترازية لتفادي انهيار التربة.

وجرى تدعيم الفرق المتدخلة بوحدات متخصصة في التدخل بالأماكن الوعرة، إلى جانب الاستعانة بكاميرات مخصصة لاستكشاف الآبار، وآليات ثقيلة للمساعدة في أعمال الحفر.

كما يوجد طاقم طبي في موقع الحادث تحسباً لأي تطورات، بينما تواصل سيارات الإسعاف وشاحنات الإنقاذ والفرق المتخصصة العمل في المكان.

الجزائريون يتابعون عملية إنقاذ أيوب بقلق

إلى ذلك، عاش سكان المنطقة ساعات عصيبة وهم يتابعون محاولات إنقاذ الطفل، بينما توجَّه عدد من سكان المناطق المجاورة إلى موقع الحادث؛ بهدف المساعدة في جهود الإنقاذ.

كما يتابع الجزائريون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطورات العملية وسط حالة من القلق والترقب، بينما تواصل فرق الإنقاذ أعمالها في الموقع.

ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه الفرق المختصة مع الزمن للوصول إلى الطفل أيوب، في ظلِّ التعقيدات التي تفرضها طبيعة البئر والتربة المحيطة بها.

مأساة أيوب تعيد إلى الأذهان قصة الطفل ريان

وأعادت حادثة أيوب إلى الأذهان في الجزائر والمغرب قصة الطفل المغربي ريان، الذي سقط في فبراير (شباط) 2022 داخل بئر ضيقة في قرية بإقليم شفشاون شمال المغرب.

وكان عمق بئر ريان نحو 32 متراً، وتواصلت عملية إنقاذه على مدى 5 أيام، واعتمدت فرق الإنقاذ خلالها على حفر بئر موازية، ثم شق نفق أفقي للوصول إليه.

وتمكَّنت فرق الإنقاذ في نهاية العملية من الوصول إلى الطفل، قبل إعلان وفاته.

عياش... حادثة بئر أخرى هزّت الجزائر

كما تستحضر الحادثة مأساة الشاب الجزائري عياش، الذي سقط عام 2018 داخل بئر، واستمرَّت جهود إنقاذه 5 أيام، وسط متابعة واسعة من الجزائريِّين.

وشكَّلت صعوبة الوصول إلى عياش بسبب طبيعة البئر والتربة تحدياً كبيراً أمام فرق الإنقاذ، قبل انتشال جثته بعد انتهاء عمليات الحفر والإنقاذ.

وتتواصل في المقابل جهود فرق الإنقاذ الجزائرية للوصول إلى الطفل أيوب، وسط آمال بأن تنتهي العملية بإنقاذه وإخراجه سالماً من البئر.


مقالات ذات صلة

الجزائر تشدد العقوبات ضد بارونات المخدرات

شمال افريقيا قرار إرسال مروجي المخدرات إلى تنزروفت جاء خلال اجتماع للمجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون (الرئاسة)

الجزائر تشدد العقوبات ضد بارونات المخدرات

قررت الجزائر تحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي في منطقة تنزروفت، التي تعد واحدة من أكثر مناطق العالم قسوة للعيش، إلى سجن شديد الحراسة مخصص لمهربي المخدرات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

تعيينات جديدة في الحكومة الجزائرية

عيّن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فريد كورتل وزيراً للصناعة، وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة لجماعات المحلية لدى وزير الداخلية والجماعات المحلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حريق مهول عاشته مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر «الحماية المدنية»

الجزائر تعلن السيطرة على جميع الحرائق

أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية عن إخماد جميع الحرائق التي نشبت في عدة ولايات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، تعديلاً وزارياً جزئياً شمل أربع حقائب، وذلك بعد استشارة الوزير الأول، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
خاص أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز) p-circle 03:42

خاص الشتاء يختبر أمن الطاقة الأوروبي... والجزائر تتقدم إلى الواجهة

تدخل أوروبا موسم الشتاء وهي تواجه معادلة غاز أكثر تعقيداً من السابق: مخزونات أدنى من المعتاد، وأسعار مرتفعة، وإمدادات قطرية معطلة فيما روسيا تستعد للخروج.

هلا صغبيني (الرياض)

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
TT

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

​ وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030، ورأى خبراء أن طول أمد التوترات الإقليمية «قد يجبر الحكومة المصرية على تفعيل اقتصاد الحرب».

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إن الحكومة وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها «السيناريو الأسوأ» وهو استمرار الحرب لسنوات، موضحاً خلال مؤتمر صحافي الخميس، أن «أحد السيناريوهات التي وضعتها الحكومة حتى عام 2030 هو استمرار الحرب، وتداعياتها على الاقتصاد المصري»، مؤكداً ضرورة «التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة».

وأشار رئيس الوزراء المصري إلى أن «وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب»، لافتاً إلى أنه «رغم ارتفاع الأسعار الكبير وعبئه على الدولة المصرية، وتزايد الاستهلاك الكبير للطاقة في فصل الصيف، لم تحدث أي أزمة».

حديث رئيس الوزراء المصري أثار تساؤلات بشأن تأثر الاقتصاد في حال استمرار الحرب بالمنطقة، و«التحوط» الحكومي للتعامل مع التأثيرات، وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، «تتركز المخاوف المصرية بالأساس على المصادر الرئيسية للتدفقات الدولارية؛ وهي قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والسياحة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحسب الحكومي لحرب ممتدة يعني اعتماد اقتصاد الحرب عبر التحوط لتوفير السلع الأساسية من خلال جهاز (مستقبل مصر)، وضمان إمدادات الطاقة والبحث عن مصادر بديلة للسلع الأساسية وعلى رأسها بدائل للقمحين الروسي والأوكراني».

وسبق أن لوح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024، إلى تعامل الدولة مع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه قد تضطر إليه الحكومة إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية»، وهو ما أثار جدلاً وتساؤلات في ذلك الحين.

الحكومة المصرية تحاول السيطرة على الأسعار عبر التوسع في طرح السلع المدعمة (وزارة التموين المصرية)

وأكد النحاس أن «استمرار الحرب بالمنطقة سيؤثر مباشرة في التدفقات الدولارية؛ سواء السياحة أو قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج».

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، أوائل يوليو (تموز) الماضي، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة، حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق».

وأشار النحاس إلى أن «تصريحات رئيس الوزراء تحمل رسالة إلى المواطنين مفادها أن الحكومة يمكن أن تكون مضطرة إلى خفض الدعم عن بعض الخدمات؛ وفي مقدمتها المحروقات والكهرباء، بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية».

وذكر مدبولي أن أسعار الغاز والبترول ارتفعت بسبب الاضطرابات الإقليمية، و«تحملت الدولة خلال السنوات القليلة الماضية فاتورة تلك الاضطرابات»، موضحاً أن «هناك حكومات تمرر الزيادة بالكامل على المواطن، أو تتخذ إجراءات في صورة تحميل جزء على المواطن وتحميل جزء آخر على فاتورة الدين، وهذه هي السياسات ببساطة شديدة، لكننا اخترنا البديل الثاني؛ وهو أن تتحمل الدولة جزءاً من هذه الفاتورة في صورة ديون، وتحمل المواطن الجزء الآخر».

«حرب إيران» تلقي بظلالها على الأسواق المصرية (وزارة التموين المصرية)

ويحمل حديث رئيس الوزراء المصري في خلفياته رسائل سياسية عدة، بحسب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور أيمن عبد الوهاب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ثمة رسالة للمواطن المصري، بألا يتوقع تراجع موجة الغلاء قريباً؛ وهي رسالة للمكاشفة والمصارحة بشأن تأثيرات الأزمات الإقليمية». وفي رأيه، فإن «طبيعة المرحلة والتحولات الإقليمية تعزز سيناريو عدم الاستقرار بالمنطقة، وهو ما ينعكس على السياسات الاقتصادية لمعظم الدول، ومنها مصر».

وتابع: «يمكن اعتبار التحسب الحكومي للتأثيرات الاقتصادية شكلاً من أشكال إدارة المخاطر، يتطلب الاستعداد لكل السيناريوهات، خصوصاً القطاعات التي تتأثر سريعاً بالتوترات؛ مثل إمدادات الطاقة وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة وقناة السويس، لذلك لا بد أن يُؤخذ التحوط الحكومي بجدية».

وأكد عبد الوهاب أن «حديث رئيس الوزراء يتضمن تنبيهاً للرأي العام إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها اقتصاد البلاد بسبب التوترات الإقليمية والصعوبات والتحديات التي تواجهها الحكومة، بهدف زيادة الوعي لدى المواطنين بحجم المخاطر».

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء المصري في وقت تتجه الحكومة إلى التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» لحاملي البطاقات التموينية، حيث بدأت وزارة التموين في مايو الماضي، إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وحذف غير المستحقين، وهو ما أثار مخاوف من امتداد التأثيرات الاقتصادية للحرب على ملف الدعم.


مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

يتنقل الأفرقاء الليبيون بين صيغ ومسارات تفاوضية عبر لجان ترعاها البعثة الأممية لدى البلاد، تحمل أرقاماً تبدأ من «5 + 5» إلى «6 + 6»، و«3 + 3»، و«2 + 2»، وصولاً إلى «4 + 4»، وذلك في محاولات لكسر جمود سياسي، وتعثُّر انتخابي، وانقسام عسكري وأمني طال أمده.

ومع توصُّل لجنة «4 + 4» إلى تفاهمات بين «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» المؤقتة في غربها بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية»، الأسبوع الماضي، وما أثارته من جدل، يعود التساؤل حول جدوى هذه المسارات، وما إذا كانت ستُنهي المرحلة الانتقالية، أم قد تمهِّد لصيغة جديدة؟

وتشترك هذه اللجان، رغم اختلاف مهامها، في محاولة تقريب وجهات النظر بين مؤسسات وأطراف شرق ليبيا وغربها، ومعالجة ملفات عالقة، من وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى القوانين الانتخابية أو توحيد الميزانية.

اجتماع لجنة «6 + 6» لإعداد القوانين الانتخابية بطرابلس في 7 مايو 2023 (مجلس النواب)

ومن منظور الدكتور عارف أحمد التير، الأكاديمي الليبي، فإن توالي هذه المسارات يعكس جانباً من تعقيدات الأزمة، في ظلِّ الانقسام السياسي والعسكري، وانتشار السلاح والميليشيات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية.

ويعتقد التير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الصيغ «باتت تمثل إطاراً لإيجاد حلول للأزمة من خلال إشراك ممثلين عن شرق البلاد وغربها»، عادّاً أن طبيعة الصراع دفعت إلى البحث عن ترتيبات تستوعب توازنات القوى، لكنها بقيت تحمل في طياتها سؤالاً لدى الليبيين عن «رقم الحظ» الذي يحمل حلاً لليبيين.

البداية مع تلك المسارات كانت عسكرية، حين شُكِّلت لجنة «5 + 5» في يناير (كانون الثاني) 2020 بموجب مخرجات «مؤتمر برلين»، واضطلعت بمهمة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب العاصمة طرابلس عام 2019، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وتمكنت من تثبيت الهدنة، لكنها لم تحقق نتائج حاسمة لتوحيد الجيش.

ومع تعثر انتخابات 2021 الرئاسية والبرلمانية، تشكلت لجنة «6 + 6» في مارس (آذار) 2023، بواقع 6 أعضاء من مجلس النواب، ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، وأقرَّت في يونيو (حزيران) من العام نفسه تعديلات للقوانين الانتخابية، لكنها لم تُفضِ إلى إجراء الانتخابات بسبب استمرار الخلافات السياسية.

توقيع ممثلي مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» للاتفاق الموحد في أبريل الماضي (المصرف المركزي)

ولم تتوقف هذه المسارات، إذ ارتبط إقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، في أبريل (نيسان) الماضي، بتفاهمات عُرفت بصيغة «2 + 2»، جمعت ممثلين عن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» في مسار مرتبط بمصرف ليبيا المركزي. لكن تنفيذه لم يكتمل بالشكل المأمول، وفق تصريحات لمسؤولين حكوميين.

راهناً، تحيط السرية بأعمال لجنة «3 + 3»، التي تشكلت بين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، عقب مناورات مشتركة في سرت خلال أبريل الماضي برعاية أميركية. ويتركز هدفها المعلن على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما فيها الاتجار بالبشر والتهريب.

ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام خطوات لتقريب المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وإن لم تظهر حتى الآن نتائج معلنة بشأن توحيد الجيش، لكنها تبقى رهينة سؤال مؤجل عن مصير الميليشيات والوجود الأجنبي.

ورغم ما حققته لجنة «4 + 4»، الأسبوع الماضي، من توافق بشأن الانتخابات وقوانينها و«مجلس المفوضية»، بوصفه «خطوة مهمة» على مسار إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن التير يشدِّد على أن «الاختبار الحقيقي في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية»، عادّاً أن نجاح الصيغة في ذلك «سيكون إنجازاً مهماً»، ويمهد لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتنظيم الانتخابات.

سياسيون آخرون ينظرون إلى ظاهرة اللجان ذات الصيغ الرقمية بقدر أكبر من التشكيك، عادّين أن سوابقها لا تحمل أي حظوظ لإنهاء المرحلة الانتقالية، بعدما عالجت ملفات جزئية من دون إنتاج حل شامل.

ويقول أبو بكر مصباح، عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف»، إن الصيغ التي طُرحت، ومنها «6 + 6» و«4 + 4» و«3 + 3»، أثبتت أنها أقرب إلى «حلول وقتية لإدارة الأزمة» منها إلى مسارات تستهدف إنهاءها والتوصل إلى تسوية دائمة.

ويربط مصباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استمرار هذه الدائرة بتغير المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، موضحاً أن تغيير القائمة بأعمال المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز أسهم، في رأيه، في «تعطيل المسار السياسي»، إذ يأتي كل مبعوث جديد برؤى وترتيبات مختلفة قبل اكتمال المسارات السابقة.

ويضع مصباح ملاحظة على تركيبة اللجان، إذ يرى أن معظم الصيغ ركزت على الشرق والغرب، بينما تجاهلت معادلاتها الجنوب، رغم موقعه المؤثر، عادّاً أن الجنوب «يمثل رمانة الميزان في هذه المعادلة السياسية المعقدة»، ومؤكداً أن الوصول إلى تسوية مستقرة «لا يمكن أن يتم من دون إشراك الجنوب بصورة حقيقية»، محذراً من أن استمرار إنتاج اللجان وفق صيغ مختلفة لا يعني بالضرورة أن الحل أصبح أقرب، ما لم تتوافر إرادة سياسية لتنفيذ التفاهمات.

ولا يحمّل فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة «6 + 6»، اللجان نفسها مسؤولية التعثر، إذ يرى لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة ليست في اللجان، وإنما في توجهات البعثة لإطالة المرحلة الانتقالية لتحقيق أغراض بعض المتدخلين في الشأن الليبي إقليمياً ودولياً».

اجتماع سابق للجنة «5 + 5» العسكرية الليبية أبريل 2023 (البعثة الأممية)

وبينما تختلف التقييمات، تكشف حصيلة هذه المسارات عن أن كل لجنة جاءت لمعالجة عقدة محددة، لكنها لم تتمكَّن حتى الآن من تقديم حلول حاسمة وقابلة للاستدامة. ويبقى السؤال: إذا لم تكن «4 + 4» هي المسار الذي يخرج ليبيا من أزمتها، فكم ستحتاج البلاد من الصيغ واللجان كي تنتهي المرحلة الانتقالية؟


تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

جاء الاتفاق الدفاعي الذي وقعته الولايات المتحدة مع إثيوبيا قبل أيام من زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، وشهدت توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عديدة، وتزامنت مع مناورات جوية «مصرية - صينية».

وطرح هذا التقارب الزمني تساؤلات حول ما إذا كان التعاون العسكري بين واشنطن وأديس أبابا دافعه «الغضب الأميركي من القاهرة»، وما أبرز أهدافه في ظل توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي؟

وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، جرى التوقيع على اتفاقية دفاعية بين أميركا وإثيوبيا خلال زيارة رسمية لوفد عسكري إثيوبي إلى واشنطن، كإطار استراتيجي يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني، وحماية المصالح الوطنية، وتحقيق المنافع المتبادلة بين البلدين، بحسب ما تم إعلانه رسمياً من الجانبين.

وحول ما تستهدفه واشنطن من وراء هذا الاتفاق، قال رئيس وحدة أبحاث الشؤون الأفريقية بـ«مركز معلومات» مجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود إن «الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع أديس أبابا بعد سنوات من التوتر، خصوصاً على خلفية حرب إقليم تيغراي الإثيوبي والانتقادات الأميركية لسجل إثيوبيا في حقوق الإنسان».

وأوضح محمود لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يكشف عن أن إثيوبيا باتت جزءاً من حسابات أميركية أوسع تشمل أمن البحر الأحمر ومواجهة النفوذ الصيني والروسي ومكافحة الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي».

ويرى عضو البرلمان الإثيوبي محمد العروسي أن «الولايات المتحدة تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، وتقع فيها تهديدات إرهابية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «في قلب هذه الجغرافيا توجد إثيوبيا، ذات الثقل السكاني والسياسي والعسكري في منطقة واسعة، وفيها المقر الدائم للاتحاد الأفريقي... لهذا السبب، فواشنطن لا تأتي إلى إثيوبيا بحثاً عن ورقة ظرفية، بل تعيد بناء موقعها في منطقة تتغير فيها موازين القوة».

صورة لـ«سد النهضة» (الصفحة الرسمية لرئيس الوزراء الإثيوبي على فيسبوك)

عضو الحزب الجمهوري الأميركي والخبير الاستراتيجي أدولفو فرانكو قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الاتفاق يفتقر إلى معاهدات ملزمة رسمياً، وتمويل مالي مباشر»، مضيفاً: «لا تزال جميع صادرات الدفاع المستقبلية تخضع لقيود مشددة، ويتم تقييمها بدقة على أساس كل حالة على حدة، مع مراعاة حقوق الإنسان».

ووفقاً للبرلماني الإثيوبي محمد العروسي، فقد دخلت «في مايو (أيار) الماضي، العلاقة الأميركية - الإثيوبية في إطار حوار ثنائي منظم يغطي الاقتصاد والتجارة والاستثمار والدفاع والأمن، وبعد ثلاثة أشهر فقط، شهد المسار الدفاعي تطوراً، وهذا التسلسل مهم لأنه يكشف عن أن واشنطن تتعامل مع إثيوبيا ضمن حسابات طويلة المدى».

إدارة الخلافات بدلاً من حلها

وفي اعتقاد رأفت محمود، فإن «الدعم الأميركي المتزايد لإثيوبيا قد يؤدي إلى تحسين موقعها التفاوضي، ليس فقط في ملف المياه، وإنما أيضاً في مساعيها للحصول على منفذ بحري وتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر».

ومؤخراً تحدثت تقارير إعلامية عن أن التقارب الأميركي - الإثيوبي يأتي رداً من واشنطن على التقارب المصري المتزايد أخيراً مع الصين والذي توج بزيارة مهمة للرئيس الصيني إلى القاهرة هذا الأسبوع.

الرئيس المصري مرحباً بنظيره الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وهو ما رد عليه رأفت محمود بأن «التقارب المصري - الصيني ليس وليد اللحظة، وإن كانت التطورات المتعلقة به تثير حساسية واشنطن بطبيعة الحال، خاصة في ضوء تنامي التعاون الاقتصادي والأمني».

وتجدر الإشارة إلى أنه في يناير (كانون الثاني) 2026، رفعت إثيوبيا والصين علاقاتهما إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية للتعاون في جميع الظروف»، وذلك بعد عامين تقريباً من الارتقاء بالعلاقات المصرية - الصينية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» في عام 2024.

وعن ذلك، قال العروسي إنه «عندما تأتي واشنطن وتوسع شراكتها مع أديس أبابا، فالمشهد لا يُقرأ باعتباره استبدال شريك بشريك. بل إن المشهد يكشف عن ارتفاع القيمة الاستراتيجية لإثيوبيا نفسها».

المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي هنري إنشر، يؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الولايات المتحدة ترغب في شريك أمني في منطقة القرن الأفريقي. وتُعدّ إثيوبيا الخيار الأمثل نظراً لإمكانياتها. وفي حين تتنافس الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، فإن مصر هي الشريك الأهم، لذا من غير المرجح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى هذا الأسلوب لمواجهتها أو معاقبتها».