في مرحلة تكوُّن الجنين، يتشكل مخ الإنسان إلى حد كبير من مجموعة من الخلايا الجذعية التي تُعرف باسم «الخلايا الدبقية الشعاعية»، حيث تساعد في تكوين خلايا المخ ثم تحولها في مرحلة لاحقة إلى أنواع عديدة، للنهوض بالوظائف المختلفة التي يقوم بها المخ، مثل التفكير والذاكرة ومعالجة اللغة على سبيل المثال.
وكشفت الأبحاث أن هذه الخلايا الدبقية تتطور إلى العديد من أشكال الخلايا العصبية والخلايا المساعدة في القشرة الدماغية، كما تلعب دوراً رئيسياً في زيادة حجم هذه القشرة في مخ الإنسان مقارنة ببقية الأنواع الحية. ورغم أن معظم الخلايا الدبقية الشعاعية تختفي قبل مولد الإنسان، فإن خلايا شبيهة قد تظهر في مراحل لاحقة من العمر داخل الأورام السرطانية التي تصيب المخ، رغم أن أسباب حدوث هذه الحالات المرضية ما زالت غامضة أمام العلماء.
وتقول الباحثة أبارنا بهاردوري، أستاذة مساعدة في الكيمياء الحيوية بكلية طب ديفيد جيفين - جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس إن «الخلايا الدبقية الشعاعية هي أروع أنواع الخلايا على الإطلاق، فهي في حقيقة الأمر المفتاح الذي يصنع الإنسان، ولكنها أيضاً تُعتبر السبب الرئيسي وراء كثير من الاضطرابات العصبية والنفسية التي يمكن أن تصيب البشر، فضلاً عن السرطان، وبالتالي، فإن فهم طريقة تطور هذه الخلايا يعتبر أحد الطرق لتفسير تلك الحالات المرضية التي تتسبب فيها».
وكشفت دراستان نشرتهما الدوريتان العلميتان «Cell» و«Science» المتخصصتان في البحوث العلمية عن آليات جديدة تحدد طريقة عمل هذه الخلايا، وكيفية تحوُّلها إلى الأنواع المختلفة من الخلايا العصبية وخلايا المخ.
ووجدت بهاردوري أن الخلايا الدبقية الشعاعية تستجيب لنوعين مختلفين للغاية من المؤثرات، وهما طريقة معالجة المغذيات، والإشارات التي تصدر عن أجزاء أخرى من المخ أثناء عملية النمو.

ونجح الباحثون في إطار الدراسة في رسم خريطة مفصَّلة لأنشطة التمثيل الغذائي داخل القشرة الدماغية أثناء النمو.
واستخدم الباحثون أنسجة بشرية من المخ، بالإضافة إلى بعض الخلايا المخية التي تم تصنيعها من خلايا جذعية.
وفي إطار الدراسة الأولى التي نشرتها دورية «Cell»، توصل الباحثون إلى أن عملية الأيض تضطلع بدور يفوق مجرد توصيل الطاقة والمغذيات لخلايا المخ، بل تؤثر أيضاً على عملية تحول الخلايا الجذعية إلى أنواع مختلفة من خلايا المخ.
وكشفت الدراسات أن الخلايا الدبقية الشعاعية تعتمد بشكل كبير على مسار فوسفات البنتوز، وهي عملية خاصة بالتمثيل الغذائي تستخدم الغلوكوز لصناعة كتل بناء على مستوى الجزيئات لازمة لسرعة انقسام خلايا المخ.
وعندما قام الباحثون بتخفيض مستوى الغلوكوز، أو تدخلوا لتعديل مسار الفوسفات، وجدوا أن الخلايا الدبقية تقوم بتغيير سلوكها، حيث تقوم بتصنيع كميات أكبر من الخلايا العصبية التثبيطية وأنواع خلايا أخرى تتكون عادة في مراحل لاحقة من تكون المخ، بدلاً من تصنيع الخليط المعتاد من خلايا المخ لدى الجنين.
وتقول بهاردوري إن «الأمر المثير للدهشة أن عملية التمثيل الغذائي لم تكن مجرد عملية سلبية تجري في الخلفية، بل إنها في حقيقة الأمر تتحكم في آلية اتخاذ قرارات الخلايا الجذعية».
وربما تساعد هذه النتائج في دراسة تأثير الأغذية التي تتناولها الأم الحامل واضطرابات الأيض وغيرها من المؤثرات البيئية الخارجية على تطور المخ لدى الجنين. ويُعتبر «أطلس التمثيل الغذائي» الذي أعده الفريق البحثي أكبر مصدر تفصيلي لدراسة تأثير الأيض على آلية نمو وتطور المخ البشري».
أما الدراسة الثانية التي نشرتها الدورية العلمية «Science»، فقد قامت بها الباحثة كلوديا نجوين، وتناولت مصدراً آخر للمعلومات التي تصل للخلايا الدبقية الشعاعية، وركزت الدراسة على المهاد (Thalamus)، وهي كتلة من المادة الرمادية في منتصف المخ، وتساعد في نقل الإشارات عبر الجهاز العصبي.
ومن المعروف أن الخلايا العصبية في المهاد تمتد في صورة خيوط طويلة من الألياف نحو القشرة الدماغية، وأن هذه الخيوط تتصل في نهاية المطاف مع خلايا عصبية في القشرة الدماغية.
ووجدت الدراسات التشريحية أنه في مرحلة تكوُّن المخ لدى الجنين، فإن هذه الألياف تصل إلى القشرة الدماغية في مرحلة مبكرة من عملية النمو. وتوصل الفريق البحثي من جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس إلى أن هذه الألياف تضطلع بدور مهم حيث إنها تتصل بشكل مباشر بالخلايا الدبقية الشعاعية.
ويقول الباحثون إن هذا الاتصال يؤثر على التحولات التي تطرأ على الخلايا الجذعية في المخ.
وتقول الباحثة بهادوري في تصريحات للموقع الإلكتروني «سايتيك ديلي» المتخصص في الأبحاث العلمية: «نعرف بالفعل أن خطوط الألياف من المهاد تؤثر على عملية تطور القشرة الدماغية، ولكن الدراسة الأخيرة توصلت تحديداً إلى أن هذا التأثير يتحقق من خلال الاتصال الفعلي بين الألياف والخلايا الدبقية الشعاعية، وهي نقطة اتصال لم تكن معروفة من قبل، وهي على الأرجح ليست موجودة لدى أنواع أخرى من الثدييات مثل الفئران».
وتوصل الباحثون أيضاً إلى أن هذا الاتصال يرتبط بأحد الجينات ويطلق عليه اسم «NRXN1»، وأن هذا الجين يساعد في عملية ارتباط الخلايا العصبية ببعضها داخل المخ. وقد ربطت دراسات سابقة بين طفرات هذا الجين وبعض اضطرابات طيف مرض التوحُّد.
وفي إطار الدراسة، توصل الباحثون إلى أن الخلايا الدبقية المتصلة بالوصلات العصبية من المهاد تسلك سلوكيات مختلفة مقارنة بالخلايا الأخرى المستقلة، وأن هذا الاتصال يؤدي إلى تغيير شكل التوازن بين الخلايا العصبية والدبقية في مخ الجنين.
ورغم أن الدراستين تركزان على آليتين مختلفتين تماماً، فإنهما تسلطان الضوء على الفكرة ذاتها بشكل عام، وهي أن الخلايا الدبقية الشعاعية تتجاوب باستمرار مع المؤثرات الخارجية، سواء التي تتعلق بالأيض أو بالاتصال الفعلي بالخلايا المحيطة.
وتقول بهادوري إن «الدراستين تعطيان لمحة بشأن طريقة صنع القرار لدى الخلايا الدبقية، مما يشكل خطوة أولى نحو فهم طريقة نمو المخ البشري الطبيعي، وكذلك الأمراض التي تصيب المخ، فضلاً عن طريقة توظيف الخلايا الجذعية في علاج بعض الأمراض الخطيرة، مثل سرطان المخ».

