تونس: محكمة النقض تنظر في قضية «التآمر على أمن الدولة»

«منظمة العفو الدولية» حضّت السلطات التونسية على إطلاق سراح الموقوفين

«منظمة العفو الدولية» حضّت  الرئيس قيس سعيد على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» (موقع الرئاسة)
«منظمة العفو الدولية» حضّت الرئيس قيس سعيد على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» (موقع الرئاسة)
TT

تونس: محكمة النقض تنظر في قضية «التآمر على أمن الدولة»

«منظمة العفو الدولية» حضّت  الرئيس قيس سعيد على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» (موقع الرئاسة)
«منظمة العفو الدولية» حضّت الرئيس قيس سعيد على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» (موقع الرئاسة)

تشرع محكمة النقض التونسية، الخميس، النظر فيما يُعرف بقضية «التآمر على أمن الدولة»، التي حكم فيها على عشرات الأشخاص، من بينهم شخصيات من المعارضة ومحامون، بعقوبات مشددة بحسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووُجّهت انتقادات شديدة لهذه الجلسة؛ إذ ندّد محامون بالمهلة القصيرة الفاصلة بين تاريخ الإعلان عنها وموعد انعقادها، معتبرين أن ذلك لم يسمح لهم بالتحضير الكافي لملف الدفاع في هذه القضية.

وتجمّع نحو عشرين شخصاً، صباح الخميس، أمام المحكمة دعماً للمسجونين، رافعين لافتات تطالب بالإفراج عن المعارض التاريخي أحمد نجيب الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والقيادي في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، وفق مراسل الوكالة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، كانت محكمة الاستئناف في تونس قد أيّدت الأحكام الصادرة بحق عشرات المتهمين، التي وصلت إلى 45 سنة سجناً.

ومن بين الأشخاص المسجونين أستاذ القانون الدستوري والمعارض جوهر بن مبارك، والوزير السابق غازي الشواشي، والمسؤول السابق رضا بالحاج، والناشطة شيماء عيسى.

وعشية الجلسة، ندّدت المحامية والمعارضة دليلة مصدّق، شقيقة جوهر بن مبارك، بإجراءات قالت إنها لم تكن منذ بدايتها «سوى تطبيق مفضوح للتعليمات السياسية».

من جهتها، حضّت «منظمة العفو الدولية» الرئيس قيس سعيد والسلطات التونسية على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» والإفراج عن الموقوفين.

كما انتقدت المنظمة ما اعتبرته «محاكمة جماعية شابتها انتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة»، وندّدت بأوضاع السجن حيث «أدَّت موجات الحرّ المتتالية الأخيرة إلى تفاقم ظروف الاحتجاز داخل زنازين سيئة التهوية».


مقالات ذات صلة

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

شمال افريقيا مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

أكدت مصادر في منظمات إنسانية أن هناك ممارسات عنصرية تُستخدم عمداً، لإرغام المهاجرين على مغادرة تونس، فيما تسمى «عمليات العودة الطوعية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من احتجاجات أنصار الحزب الدستوري الحر في تونس العاصمة (إ.ب.أ)

تونس: أنصار الحزب الدستوري الحر يتظاهرون ضد «الظلم»

تجمع أنصار الحزب الدستوري الحر في تونس، اليوم (السبت)، في مسيرة احتجاجية وسط العاصمة، ضد تدهور الخدمات العامة وانحسار الحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)

تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

أطلقت منظمات غير حكومية تونسية ودولية ناقوس الخطر بشأن أوضاع السجون «غير الإنسانية» في تونس، والتي تفاقمت بسبب موجة القيظ في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي نظمها اتحاد الصحافيين وسط العاصمة الثلاثاء للمطالبة بالحريات (إ.ب.أ)

اتحاد الشغل التونسي يدعو إلى التعبئة لإضراب عام

قال أمين عام مساعد في الاتحاد العام التونسي للشغل إن النقابة ستنظر في اجتماع الهيئة الإدارية، «لتثبيت مبدأ الإضراب العام»، و«الدعوة إلى التعبئة».

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي -» مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

«الشرق الأوسط» (تونس)

تلاسن مصري - إثيوبي متصاعد يفاقم نزاع «سد النهضة»

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
TT

تلاسن مصري - إثيوبي متصاعد يفاقم نزاع «سد النهضة»

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تلاسن حاد بين مصر وإثيوبيا على خلفية نزاع «سد النهضة»، مع رد إثيوبي لاذع يرفض عدّ القاهرة السد «غير شرعي».

ذلك التلاسن يأتي بعد شهر، شهد تحذيراً من مصر وتأكيداً «بالدفاع عن حقها المائي»، وهجوماً إعلامياً إثيوبياً ضدها بمنابرها، لا سيما بالوكالة الرسمية.

ووفق خبراء، فإن ذلك المشهد «ينذر بتفاقم نزاع سد النهضة مع استمرار مسار التصعيد الكلامي في ظل انشغال أديس أبابا بأزماتها الداخلية دون أن تكون هناك قريباً، فرصة لإحياء المفاوضات بين الجانبين».

ونقلت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الأربعاء، عن المدير العام للشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية زريهون أبيبي، قوله إن تصريحات وزير الري المصري هاني سويلم ضد سد إثيوبيا «تعكس مواقف مؤسفة للغاية»، مشيراً إلى أنها «تعكس سوء فهم لموقف إثيوبيا وحقوقها بموجب القانون الدولي».

ونشرت الوكالة ذاتها مقال رأي، الأربعاء، لهيئة تحريرها تضمن هجوماً ضد القاهرة بالقول إن «القاهرة تتعامل مع موارد دول حوض النيل من منظور الوصاية، وعدّ التنمية في دول المنبع قضيةً تتطلب موافقة القاهرة».

والثلاثاء، أكدت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية في بيان نقلته الوكالة، أن تصريحات الوزير سويلم «تحريضية»، رافضة في الوقت ذاته أي مفهوم لما أسمته «الهيمنة المائية» التي «تسعى لحرمان دول المنبع من حقوقها الأصيلة كدول ذات سيادة».

وزير الري المصري خلال المؤتمر الصحافي مع المراسلين الأجانب في القاهرة الأحد (وزارة الري المصرية)

والأحد، وخلال مؤتمر صحافي أمام 80 مراسلاً أجنبياً، هاجم وزير الري المصري، إثيوبيا، وعدّ «سد النهضة غير شرعي» وإثيوبيا غير مدركة للقانون الدولي، مشدداً على أن «اكتمال البناء أو مرور الزمن لا يعنيان قبول مصر بالواقع الذي تم فرضه، ولا يُسقطان موقفها أو حقوقها، ويعطيان مصر الحق في التعامل بالطريقة التي تراها في مصلحتها وفقاً للخيار المناسب لها».

وشهد أغسطس (آب) الماضي أيضاً، مواقف مماثلة كان أبرزها إعلان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في حديث تلفزيوني، أنه «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي».

ويعتقد الخبير في الشؤون الإثيوبية أنور إبراهيم، أن التلاسن والتراشق الإعلامي الحالي بين مصر وإثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» بمثابة «موجة عابرة ووقتية»، مؤكداً، أن المرحلة الحالية عقب اكتمال بناء السد «تتطلب تغليب لغة التعاون والشراكة الاقتصادية والثقافية بدلاً من الشد والجذب السياسيين».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تبادل الاتهامات بين القاهرة وأديس أبابا حول استغلال الملف المائي لتغطية أزمات داخلية ليس بالجديد»، على حد قوله، مشيراً إلى أن «التصعيد الأخير لا تعود أسبابه إلى وجود خلافات مباشرة حول السد، بل يُعزى بالأساس إلى التطورات والتحركات السياسية في منطقة شرق أفريقيا وشمالها».

وترجع الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني هذا التصعيد المصري ضد أديس أبابا، لاعتبارات أهمها أن قضية «سد النهضة» تشكل بالنسبة لمصر والسودان قضية أساسية وضرورية وملحة لا يمكن أن تسقط بالتقادم أو تنتهي بتغيير الواقع الميداني كما تتخيل أديس أبابا، مشددة على «التمسك الشعبي والرسمي الحاسم بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني عادل وملزم يضمن حقوق جميع الأطراف».

وأوضحت الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المحاولات الإثيوبية لفرض الهيمنة والنفوذ واعتماد الإجراءات الأحادية، لن تؤدي إلا إلى مضاعفة الأزمات الداخلية والخارجية لأديس أبابا مع محيطها الإقليمي».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ويشار، إلى أن طريق التصعيد الحالي والوصول لحافة الهاوية، يقابله مسار معلن تدفع فيه دول غربية نحو إحياء المفاوضات.

وأوائل سبتمبر (أيلول) الحالي، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

عن مستقبل ذلك المسار التصعيدي في ظل الوساطات المطروحة، تتوقع الحسيني، أن تواصل القاهرة «طرح هذا الملف بحزم وفي جميع المحافل والمنابر الدولية والإقليمية»، وقالت إن «الخيار السلمي الذي تنتهجه مصر والمستند إلى الحكمة والدبلوماسية المتزنة والصبر هو الذي سينتصر في نهاية المطاف، متغلباً على سياسات الغطرسة والأمر الواقع الإثيوبي».

ويرجح إبراهيم، «تدخل الأطراف الدولية لتفعيل دور الوساطة وخلق تقارب حقيقي بين البلدين لطي صفحة الخلافات السابقة والعودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة وأن تاريخ البلدين وثقلهما المحوري في المنطقة يدفعان نحو التفاهم والتنازل المتبادل»، متوقعاً أن يعقب هذا التصعيد «حراك دبلوماسي ينتهي إلى نتائج إيجابية».


«قوارب الموت»... صناعة سرية تزدهر على طرق الهجرة من ليبيا

مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)
مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)
TT

«قوارب الموت»... صناعة سرية تزدهر على طرق الهجرة من ليبيا

مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)
مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)

تحولت القوارب المستخدمة في نقل المهاجرين غير النظاميين من ليبيا إلى أوروبا لجزء من سوق سرية تنمو بالتوازي مع نشاط تهريب البشر، مع انتقال المهربين تدريجياً من الاعتماد على قوارب يجري جلبها من الخارج، إلى تصنيع بعضها داخل ليبيا وتجهيزها خصيصاً لرحلات العبور البحري، حسب مسؤولين أمنيين وحقوقيين.

ولا يكاد يمر وقت دون إعلان السلطات الليبية ضبط ورشة أو مصنع سري لتصنيع القوارب المخصصة للهجرة غير النظامية، أو ما تعرف على نطاق بـ«قوارب الموت»، في مؤشر على استمرار الأنشطة المرتبطة بهذا النوع من التهريب وتوزعها بين مناطق ساحلية في غرب البلاد وشرقها.

محركات تستخدم في تصنيع قوارب الهجرة غير النظامية (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية في غرب ليبيا)

وتُقدم الصور التي تنشرها الأجهزة الأمنية في شرق ليبيا وغربها على مدار سنوات لمحة عن طبيعة هذه الورش؛ فهي غالباً مواقع مهجورة أو بعيدة عن الأنظار، تضم ألواحاً خشبية ومحركات ومعدات تصنيع، إلى جانب قوارب مكتملة وأخرى لا تزال قيد التجهيز.

وتكشف المداهمات الأمنية، في بعض الحالات، عن تعمد الأجهزة المختصة حرق القوارب والمكونات المضبوطة عقب مداهمتها، لمنع إعادة استخدامها في عمليات تهريب المهاجرين.

وتتوزع هذه الورش في مدن ساحلية ليبية قريبة من نقاط انطلاق مراكب الهجرة غير النظامية، وفق رصد «مركز بنغازي لدراسات الهجرة».

وقال رئيس المركز طارق لملوم لـ«الشرق الأوسط» إن بعضها عبارة عن ورش نجارة أو أماكن بسيطة قريبة من الساحل، يجري تحويلها إلى مواقع لتصنيع القوارب. وضبطت السلطات في زوارة، على سبيل المثال، استراحة ساحلية حُوِّلت إلى ورشة لصناعة قوارب خشبية.

مواد تستخدم في تصنيع قوارب الهجرة غير النظامية (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

وفي وقت سابق في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، ضبطت السلطات مصنعين لتصنيع قوارب الهجرة في طبرق شرق البلاد وسرت، وعثرت داخلهما على قوارب ومعدات تصنيع. وقبل ذلك، شهدت مناطق في غرب ليبيا، بينها تاجوراء في العاصمة طرابلس إلى جانب الخمس والقويعة، مداهمات لمواقع مماثلة، فيما ضبطت السلطات مصنعين في مصراتة العام الماضي.

من كل صنف ولون

هذه الوقائع، التي شملت مناطق تمتد من مصراتة وطرابلس الكبرى غرباً إلى سرت وطبرق شرقاً، تكشف عن استمرار تصنيع القوارب محلياً وتوزعه جغرافياً، بالتوازي مع تحولات طرأت على طرق الهجرة وأساليب شبكات التهريب خلال السنوات الأخيرة.

ويشير لملوم إلى «ورش تتركز في شرق ليبيا، وتحديداً في طبرق وبئر الأشهب والمناطق القريبة من الحدود المصرية». ويضيف أن «جزءاً من القوارب الخشبية ارتبط تاريخياً بمصر، سواء من حيث مصدر القوارب أو العمالة والخبرة في صناعتها».

ورشة لتصنيع قوارب الهجرة غير النظامية (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

ومع توسع طريق الهجرة من شرق ليبيا باتجاه كريت واليونان، ظهرت أيضاً ورش محلية لتصنيع القوارب في المنطقة. وبين شرق ليبيا وغربها، تنشط كذلك خطوط لتهريب القوارب، بما فيها الزوارق المطاطية والقوارب المصنعة محلياً، وصولاً إلى طبرق ومناطق الانطلاق المحيطة بها.

وبالتالي، لا تبدو سوق القوارب المرتبطة بالهجرة موزعة بين أسواق محلية منفصلة، وفق لملوم، بل توجد شبكة إمداد داخلية تربط مناطق مختلفة من ليبيا وتوفر القوارب والمعدات اللازمة لرحلات العبور. ويستند الخبير الحقوقي الليبي في هذا الرصد إلى شهادات يقول إنه جمعها من أشخاص خاضوا الرحلات البحرية، إضافة إلى تقارير أممية وتحقيقات منشورة حول طرق الهجرة والتهريب.

وتتنوع القوارب المستخدمة في هذه الرحلات بين القوارب الخشبية وقوارب الفايبرغلاس والزوارق المطاطية، إلى جانب قوارب صيد قديمة يجري شراؤها وإعادة استخدامها. وفي السنوات الأخيرة، ظهر أيضاً تصنيع قوارب مخصصة أساساً لرحلات الهجرة، إلا أن جودتها تختلف اختلافاً كبيراً، وبعضها يُصنَّع بتكلفة منخفضة ومن دون المعايير المطلوبة لقوارب الصيد أو الملاحة العادية.

وتتفاوت الأحجام والحمولات؛ فبعض القوارب يحمل عشرات الأشخاص، بينما تستطيع القوارب الخشبية الأكبر استيعاب أعداد أكبر بكثير. ويقول لملوم: «لا يوجد نموذج واحد يمكن وصفه بأنه قارب الهجرة الليبي».

تجارب هجرة «قاسية»

ومنذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، حافظت ليبيا على موقعها بوصفها بلد مقصد وعبور للمهاجرين، قبل أن يبرز دورها بصورة أكبر ضمن مسارات الهجرة عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، كان في ليبيا نحو 936 ألف مهاجر خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين.

ومع اتساع نشاط تهريب المهاجرين غير النظاميين، أصبحت القوارب نفسها سلعة داخل هذا الاقتصاد.

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن متوسط سعر القارب الخشبي جيد الصنع، من دون المحرك، يبلغ نحو 50 ألف دينار ليبي، أي ما يعادل نحو 5 آلاف دولار. واتفق لملوم مع هذا التقدير، آخذاً في الاعتبار أسعار الصرف وتكلفة المواد والمحركات.

ودائما ما يَنقل مهاجرون ولاجئون تجارب قاسية خلال رحلات العبور، خصوصاً أن القوارب المستخدمة تكون في كثير من الحالات غير صالحة للإبحار أو مكتظة بالركاب، ما يزيد المخاطر التي تواجه من يستخدمونها في عبور البحر.

ولا ينسى «محمد. خ»، وهو مصري يبلغ 25 عاماً، تفاصيل رحلة خاضها على متن أحد هذه القوارب قبل سنوات، قبل أن يستقر لاحقاً في إيطاليا ويسوي أوضاعه القانونية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان القارب خشبياً متهالكاً، وكان عليه حوالي 85 شخصاً، يتزاحمون من دون موطئ قدم، بينما ينتظر الجميع الوصول أو الموت في أي لحظة».

ومنذ منتصف عام 2022، ارتفعت الرحلات من طبرق ومحيطها باتجاه إيطاليا، وكانت تُستخدم أحياناً سفناً كبيرة تحمل 400 شخص أو أكثر، وفق معلومات المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ومع تشديد الإجراءات على هذه الرحلات، تغير أسلوب المهربين في نهاية 2023، واتجهوا إلى استخدام قوارب أصغر وأكثر صعوبة في الرصد، حسبما ذكرت المبادرة. وازدهرت بالتوازي أنشطة مرتبطة بسوق التهريب، من بينها توفير القوارب وتجهيزها ونقلها إلى نقاط الانطلاق، ومن ثم أصبح القارب نفسه جزءاً من اقتصاد التهريب.

يقول لملوم: «هناك من يمول، ومن يصنع، ومن يستورد القوارب والمحركات، ومن ينقلها بين المدن، ومن يوفر الربان، ومن يؤمن نقطة الانطلاق».

وخلص إلى القول إن هذا التطور يعني أن «الأمر لم يعد يقتصر على مهرب يشتري قارباً من صياد، بل أصبح أمامنا سلسلة إمداد واقتصاد متكامل مرتبط برحلات الهجرة».


«اضطرابات تيغراي»... هل تُغير معادلة الصراع في إثيوبيا؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

«اضطرابات تيغراي»... هل تُغير معادلة الصراع في إثيوبيا؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

عادت اضطرابات إقليم تيغراي الإثيوبي الذي استبعدته حكومة آبي أحمد من الانتخابات العامة الأخيرة، في فصل جديد من مواجهات تعيد للأذهان معارك دارت بين 2020 و2022 وأدت إلى مقتل مئات الآلاف.

المتغير الجديد الذي تأتي معه تلك الاضطرابات، جاء في ظل تدشين تحالف مسلح لإسقاط حكومة آبي أحمد قبل أيام، تنضوي تحته «جبهة تحرير تيغراي»، ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه بمثابة تغيير لمعادلة الصراع وبداية لتصعيد غير مسبوق وخطوة مرتقبة منذ أشهر، وتوقعوا ردوداً إثيوبية عبر المسيَّرات والعزل التجاري والاقتصادي للإقليم، مع تجنب الهجوم البري.

وشهدت إثيوبيا حرباً دامية من عام 2020 إلى 2022 بين القوات الفيدرالية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، أودت بحياة 600 ألف شخص على الأقلّ، حسب «الاتحاد الأفريقي»، قبل أن يوقّع الطرفان اتفاق سلام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 لإنهاء الحرب، إلا أن كلاً منهما يتهم الآخر بانتهاك الاتفاق.

وانتزعت «جبهة تحرير تيغراي» في شمال إثيوبيا السيطرة على «مطار ميكيلي» عاصمة الإقليم من الشرطة الاتحادية، وعلّقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم بسبب «الوضع الراهن»، حسب ما أفادت مصادر أمنية ومحلية لوكالتي «رويترز» و«الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

وقالت حكومة إقليم تيغراي، التي تديرها الجبهة، في بيان الأربعاء، إن مقاتليها يخوضون «حرباً دفاعية» ضد قوات الحكومة الاتحادية.

وفي السياق ذاته، قال مستشار رئيس وزراء إثيوبيا، غيتاشو رضا، في بيان عبر حسابه بمنصة «إكس»، الأربعاء، «من المؤلم للغاية أنه على الرغم من جهود الكثيرين، بما في ذلك المجتمع الدولي لتجنب جولة أخرى من الحرب في تيغراي، فإن قيادة جبهة لتحرير تيغراي شنت هجوماً شاملاً على مواقع الحكومة في عفار وأمهرة».

وأضاف أن «المتمردين سيطروا على المطارات في تيغراي ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية ذهاباً وإياباً»، مؤكداً أن الجبهة «بلغت مستويات جديدة من انعدام المسؤولية»، دون تحدديد طبيعة الرد المتوقع من أديس أبابا.

أفراد من القوات الخاصة في أحد شوارع حميرة بإثيوبيا (رويترز)

ويرى الخبير في الشأن الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن «ما حدث خطوة متوقعة والسيطرة على المطارات تحصيل حاصل، لأن الجبهة مسيطرة على الإقليم بعد عزل رئيس الإقليم المؤقت الذي عينته الحكومة الإثيوبية».

لكن الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أن «التصعيد المفاجئ في تيغراي يقلب بشكل جذري الديناميكية الأمنية في إثيوبيا ويعيد معادلة الصراع من جديد».

ورجح أن تصعّد أديس أبابا في استخدام المسيَّرات والمدفعية الثقيلة لشل القدرات اللوجستية للجبهة، وتجنب شن غزو بري شامل قد تتكبد فيه القوات الفيدرالية خسائر بشرية فادحة، بخلاف إجراءات، منها الخدمات المصرفية المحلية لقطع الموارد عن الإقليم وعزل قيادة المتمردين.

وكان حزب «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» السياسي الذي يدير الإقليم حالياً وتولى قيادته سابقاً خلال الحرب الأهلية في 2020، أعلن الأحد الماضي تشكيل تحالف مع 6 جماعات مسلحة أخرى بما فيها تلك الناشطة بأقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، بهدف الإطاحة بحكومة آبي أحمد.

وجاءت هذه الخطوة بعد أشهر من تدهور العلاقات بين«الجبهة» والحكومة الاتحادية. وفي مايو (أيار) الماضي، استولت الجبهة على زمام إدارة الإقليم من الإدارة المؤقتة التي أُنشئت بموجب اتفاق السلام، فيما نفذ الجيش الإثيوبي عدة ضربات بطائرات مسيّرة ضد عناصرها وتمركزاتها خلال الشهور القليلة الماضية، حسب «رويترز».

وتشهد إثيويبا، الدولة الواقعة في الشرق الأفريقي وتضمّ 130 مليون نسمة، نزاعات مسلّحة، منذ سنوات، في منطقتيها الأكثر تعداداً للسكان: أوروميا وأمهرة، وتتواجه القوّات الفيدرالية مع «جيش تحرير أوروميا» منذ 2018، ومع قوميّي «فانو» منذ 2023.

وفي ضوء ذلك يرى عبد الصمد أن«فرص استمرار التحالف المعلن وبقائه مرهونة بالتجربة الميدانية، لكن المعطيات التاريخية والسياسية وتجارب الممارسة الواقعية، تجعل المراقب يتشكك في نجاحه وفاعليته، وبالتالي تضعف من مقدرته على التمدد وتحقيق نتائج حقيقية وقوية».

ويوضح: «اتساع الاضطرابات سينتج تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية وستكون تحديات أمام الحكومة الجديدة التي سيتم الإعلان عنها خلال الأسبوع المقبل».

ويعتقد إبراهيم «أن إثيوبيا ستلجأ لتصوير التحالف على أنه تهديد وجودي، وستعدّه محاولة يائسة لتوحيد جماعات خارجة عن القانون كانت موجودة مسبقاً؛ وهي رواية تهدف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية بين الفصائل المؤيدة للحكومة»، مشيراً إلى أنه «من السابق لأوانه حسم إلى أي مدى سيصل التصعيد بين الحكومة والتحالف وجبهة تيغراي، لكنه بدأ في الاشتعال».