«مهرجان ربيع بيروت» يستعيد ذاكرة لبنان بالفنّ

الدورة الـ18 تنبش ما بقي خارج الرواية وتُعيد جمع شظايا المدينة

سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
TT

«مهرجان ربيع بيروت» يستعيد ذاكرة لبنان بالفنّ

سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)
سنونو يعود كلّ ربيع... والذاكرة أيضاً تحتاج إلى مَن يدلّها على طريق العودة (مهرجان ربيع بيروت)

بين ذاكرة حرب لم تجد طريقها كاملاً إلى الرواية اللبنانية، وصُوَر أرشيفية تستعيد بيروت في لحظة تشكُّل حداثتها، وبيانو جَريح نجا من انفجار المرفأ، يبني «مهرجان ربيع بيروت» دورته الـ18 حول فعل التذكُّر. الذاكرة مادة فنّية يُعاد تفكيكها وتركيبها ليخرج ما غاب -أو صَمَت أو كاد يُنسَى- إلى الضوء.

انطلقت الدورة في 24 أغسطس (آب) الحالي، وتستمرّ حتى 26 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أُعيدت برمجتها بسبب حرب 2026. وعلى امتداد 11 أمسية، تتوزَّع 3 مشاريع متعدّدة الوسائط على 4 فضاءات في بيروت، وطرابلس، هي «متروبوليس سينما»، و«بيت الفنّ»، و«استوديو ألفريد طرزي»، و«الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» (ألبا). وتتنقّل الأعمال بين الفيلم، والتصوير الفوتوغرافي، والتجهيز، والموسيقى، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص.

حكايات بقيت طويلاً خارج الضوء (مهرجان ربيع بيروت)

تأسَّس «مهرجان ربيع بيروت» عام 2009 بمبادرة من «مؤسّسة سمير قصير»، مُستلهماً إرث الصحافي والمؤرّخ والمثقّف اللبناني سمير قصير، والتزامه الحرّية، والتجدُّد، والتعبير الثقافي. ومنذ تأسيسه، جعل مجانية عروضه جزءاً من هويته، انطلاقاً من فكرة إتاحة التجارب الفنّية الأصلية وغير التجارية لجمهور واسع، وخَلْق مساحة للحوار، والانفتاح، والتسامح، والتنوّع الثقافي.

تجد هذه الروحية امتداداً أعمق في دورة 2026. فالمهرجان يضع الذاكرة والتاريخ والتراث في برنامجه، ويجمع 3 أعمال تقترب من الماضي اللبناني من جهات مختلفة، لكنها تلتقي عند محاولة بناء سردية مشتركة من الشهادات، والصور، والأرشيف، والأبنية، والأشياء. وتندرج مشاريع هذه الدورة ضمن الأعمال الفائزة بمنحة «التكنولوجيا من أجل الذاكرة» التي أطلقتها «مؤسّسة سمير قصير» عام 2025، وذلك في إطار مبادرة مموَّلة من الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تمكين الفنانين والمؤسّسات الثقافية اللبنانية من توظيف الأدوات الرقمية والمنصّات المعاصرة في مقاربة تاريخ لبنان المجزّأ، وحفظ تراثه الثقافي. أما الدورة الحالية فهي مموَّلة بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي من خلال مبادرة «الذاكرة على الخشبة»، فيما يبقى الدخول إلى عروضها مجانياً.

الفنّ يعيد وصل ما قطعه التاريخ (مهرجان ربيع بيروت)

ذاكرة الشمال... حرب خارج الرواية

افتُتحت الدورة بمشروع عمر خالد «أصداء الشمال... الذاكرة غير المروية»، الذي عُرض في بيروت يوم 24 أغسطس، مع عرض ثانٍ مساء السبت 29 منه في «بيت الفنّ-مركز العزم الثقافي» بطرابلس. ينطلق العمل من فجوة في الذاكرة الوطنية تتعلَّق بتجارب طرابلس وعكار خلال الحرب اللبنانية، وسنوات الوجود السوري بين 1975 و1986. وعوض التعامل مع الحرب من خطوط القتال وحدها، يتم الاستماع إلى 16 شاهداً عاشوا الخوف، والحواجز، والاختفاء، والنزوح، والضائقة الاقتصادية، والتحوّلات التي أصابت الحياة. والاستعانة بشهادات مباشرة، وصُوَر، وصحف، وخرائط أرشيفية، ومعالجات سينمائية، مع اهتمام خاص بتجارب النساء، وبما انتقل من الذاكرة بين الأجيال، أو فُقد في الطريق.

ما انكسر لا يفقد صوته دائماً (مهرجان ربيع بيروت)

بيروت والأرشيف... ذاكرة مدينة متحوّلة

ومن 15 إلى 20 سبتمبر، يقدّم ألفريد طرزي في الاستوديو الخاص به «بيان عاشق، الجزء الثاني... التجربة اللبنانية»، وهو الفصل الثاني من تاريخ متحرّك لبيروت في 5 أجزاء يمتدّ من نشوء المدينة الحديثة عام 1860 إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

يركّز هذا الجزء على الأعوام 1920-1958، حين كانت بيروت مختبراً حيوياً للحداثة العربية. ومن آلاف الصُوَر والوثائق المجموعة من الصحف والمجلّات اللبنانية والمجموعات الخاصة والأرشيفات الثقافية، يتشكّل تاريخ بصري كثيف للمدينة عبر التحريك، والكولاج، والمونتاج، فيما يتتبّع طرزي صعود أشكال جديدة من الحرّية والتعبير السياسي والرغبة، والمسارات التي انتهت لاحقاً إلى تخوم العنف والحرب.

للأرشيف ذاكرة تتجاوز الصورة (مهرجان ربيع بيروت)

بيانو المدينة... بيروت تعزف نهوضها

وتُختتَم الدورة من 24 إلى 26 سبتمبر في «ألبا» مع عمل سولا سعد «أصداء تراث مدينة منسيّ... على مقام دو الصغير»، بموسيقى لأنور بزري. ينطلق العمل من بيروت ما بعد انفجار 4 أغسطس 2020، ومن الدمار الذي أصاب أحياءها التاريخية، ومئات مبانيها التراثية، مقابل تحرُّك معماريين ومهندسين وحرفيين ومنظّمات ومتطوّعين لترميم البيوت، وحماية النسيج الاجتماعي للمدينة.

آلة جريحة تحمل ذاكرة مدينة (مهرجان ربيع بيروت)

في الفيلم بيانو متضرِّر عُثر عليه داخل مبنى مدمَّر من 3 طبقات. ومع محاولات عازفين استعادة صوته بالتوازي مع ترميم «مجموعة غلام»، و«البيت الأزرق»، وأبنية أخرى، يغدو البيانو شاهداً على رحلة المدينة من الدمار إلى استعادة صوتها، والتعافي، والنهوض. ويلتحم الفيلم على الخشبة بالموسيقى، والغناء، والشِّعر، والكلمة المحكيّة، والرقص، كأن إعادة جمع الفنون المختلفة تصبح امتداداً لإعادة جمع شظايا بيروت.

الدورة الـ18 ورشة ذاكرة. 3 تجارب تنطلق من شمال ظلَّ ناقص الحضور في السردية الوطنية، ومن بيروت المؤرشَفة، ومن مدينة جريحة أعاد أهلها ترميم بعض حجارتها. وما يجمعها هو الإصرار على أنّ حفظ الذاكرة محاولة لمنع ما عاشه الناس وما صنع هوية المكان من أن يختفي مرّتين. مرّة حين صار ماضياً، ومرّة حين يُنسى.


مقالات ذات صلة

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مدحت صالح من نجوم الدورة الجديدة لمهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

مصر: انفراجة في مهرجان الموسيقى العربية مع عودة بعض النجوم

شهدت أزمة اعتذارات الدورة الـ34 من مهرجان الموسيقى العربية، والتي ستبدأ فعالياتها يوم 20 أكتوبر الحالي، انفراجة ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
TT

مصر لإعلان «كهف الجارة» محمية طبيعية لتعزيز السياحة البيئية

تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)
تكوينات فريدة في كهف الجارة (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

تتجه مصر لإعلان منطقة «كهف الجارة» بمحافظة الوادي الجديد بالصحراء الغربية محميةً طبيعيةً لتعزيز السياحة البيئية، لما تمتلكه المنطقة من مقومات جيولوجية وطبيعية فريدة من نوعها، لتصبح المحمية الطبيعية رقم 32 في مصر والمحمية الرابعة في محافظة الوادي الجديد، وفق بيان لوزارة التنمية المحلية والبيئة، السبت.

تأتي هذه الخطوة في إطار جهود رسمية لإبراز المقومات الطبيعية الفريدة التي تزخر بها مصر، وتعزيز فرص السياحة البيئية، بما يضمن صون قيمتها الجيولوجية والطبيعية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة، وفقما أوضحت وزيرة التنمية المحلية والبيئة المصرية الدكتورة منال عوض خلال زيارتها الميدانية للمحافظة لتفقد عدد من المشروعات التنموية والخدمية والتعرف على المقومات الطبيعية والبيئية التي تتمتع بها الوادي الجديد.

واطلعت وزيرة التنمية المحلية والبيئة على المقومات الطبيعية والجيولوجية التي يتميز بها الكهف، وما يضمه من تكوينات كلسية فريدة، تشمل الهوابط والصواعد وغيرها من التكوينات الجيولوجية التي تشكلت عبر فترات زمنية طويلة، إلى جانب الرسوم والنقوش الصخرية التي يضمها الموقع، بما يعكس قيمته الجيولوجية والأثرية والإنسانية.

منطقة كهف الجارة تستعد للانضمام لمحميات مصر الطبيعية (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

ووجهت منال عوض بإجراء مسح بيئي لكامل المنطقة المحيطة بالكهف لمعرفة إمكانية وجود كهوف أخرى مشابهة بالمنطقة وتتمتع بالخصائص نفسها، ووضع خطة إدارة وحماية متكاملة للحفاظ على كهف الجارة، وتمهيد الطريق المؤدية إليه، حيث يعتبر رابع محمية بالوادي الجديد، كما تمثل محميات المحافظة ثلث محميات مصر الطبيعية.

وأكدت الوزيرة أن إعلان المنطقة محمية طبيعية، يتم وفقاً للضوابط والإجراءات القانونية والفنية المعمول بها، بما يحقق التوازن بين حماية التكوينات الجيولوجية الفريدة وإتاحة الفرصة أمام المواطنين والزائرين لاكتشافها والاستمتاع بها بطريقة مسؤولة.

وقالت في البيان إن «كهف الجارة يمثل نموذجاً متميزاً للثراء الطبيعي والجيولوجي الذي تزخر به الصحراء الغربية»، لافتة إلى أن تنوع المقومات التي تتمتع بها المحميات الطبيعية يتيح فرصاً واعدةً لتعزيز السياحة البيئية والجيولوجية.

وتشغل المحميات الطبيعية التي يصل عددها إلى 31 محمية نحو 15 في المائة من مساحة مصر، وتتوزع في مختلف المحافظات، من بينها محميات «وادي الحيتان» و«سانت كاترين» و«أبو جالوم» و«رأس محمد» و«جزر نهر النيل» و«وادي العلاقي» و«كهف سنور» و«الغابة المتحجرة» و«بركة قارون» و«سيوة».

وأوضحت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن التكوينات الجيولوجية داخل الكهوف تتسم بحساسيتها، وهو ما يتطلب تطبيق أساليب مناسبة للإدارة والحماية، بما يحافظ على طبيعتها ويحد من أي ممارسات قد تؤثر على مكوناتها، مشيرة إلى أن مثل هذه المواقع لا تمثل مجرد مشاهد طبيعية خلابة، بل تعد ثروة وطنية تحمل قيمة علمية وبيئية وتراثية، وتستحق الحماية والإدارة المستدامة.

ودعت المواطنين ومحبي الطبيعة والسياحة إلى زيارة كهف الجارة والتعرف على ما يضمه من مشاهد وتكوينات طبيعية استثنائية، مؤكدة أن اكتشاف كنوز مصر الطبيعية لا يقتصر على المواقع السياحية التقليدية، بل يمتد إلى مناطق تحمل تفرداً جيولوجياً وجمالاً طبيعياً قادراً على تقديم تجارب سياحية مختلفة ومميزة.

تفقد كهف الجارة تمهيداً لإعلانه محمية طبيعية (وزارة التنمية المحلية والبيئة)

ووصف الخبير السياحي المصري، محمد كارم، كهف الجارة، بأنه «كنز جيولوجي في الصحراء الغربية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الكهف يمثل واحدة من أروع الصور التي صنعتها وشكلتها الطبيعة عبر ملايين السنين وإدراجه ضمن المحميات الطبيعية يفتح آفاقاً جديدة للسياحة البيئية في مصر والوادي الجديد تحديداً».

وأشار إلى أن إدراج كهف الجارة كمحمية طبيعية يجعلنا نؤكد على زاوية النظر لهذا المكان ليس بوصفه معلماً طبيعياً فقط وإنما بوصفه فرصة واعدة لدعم السياحة البيئية.

من جانبها أكدت حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، على أن إدراج منطقة كهف الجارة ضمن المحميات الطبيعية يعكس ما تتمتع به المحافظة من مقومات طبيعية وجيولوجية فريدة، ويعزز جهود مصر في صون ثرواتها الطبيعية والحفاظ على المواقع ذات القيمة البيئية والجيولوجية، مشيرةً إلى أهمية الاستفادة من المقومات التي تزخر بها المنطقة في دعم السياحة البيئية والجيولوجية.

وأوضح كارم أن «الموقع الزاخر بالتكوينات الجيولوجية الفريدة يعد فرصة لجذب المهتمين بالجيولوجيا وتصوير الطبيعة والسياحة الاستكشافية في مصر، بعيداً عن الأنماط السياحية التقليدية»، مؤكداً أن «إدراج الموقع ضمن منظومة المحميات الطبيعية توجه مهم للحفاظ على التراث الطبيعي مع ازدياد الاهتمام العالمي بالسياحة البيئية والطبيعية».


سرّ ذكاء الأخطبوطات المذهل... العلم يقترب من فكّ اللغز

في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
TT

سرّ ذكاء الأخطبوطات المذهل... العلم يقترب من فكّ اللغز

في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)
في طيّات الحمض النووي... سرّ العقل ذي الأذرع الثماني (جامعة شيكاغو)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة فيينا في النمسا أن سرّ التطوّر المذهل لأدمغة الأخطبوطات والحبار وأجهزتها العصبية قد لا يكمن في تفرّد جيناتها فحسب، وإنما أيضاً في كيفية تنظيم هذه الجينات ضمن بنية ثلاثية البُعد.

ووجد الباحثون أنّ عملية قديمة وواسعة النطاق لإعادة تنظيم الجينوم غيّرت ترتيب الحمض النووي داخل خلايا هذه الكائنات البحرية، إذ قرّبت مناطق منه كانت متباعدة سابقاً، وجعلتها تتلامس، مما غيّر آليات تنظيم الجينات.

ووفق الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، فإنّ فهم هذه العملية قد يغيّر نظرتنا إلى كيفية ظهور سمات جسدية وعصبية جديدة خلال تطور هذه الكائنات البحرية.

ومن المعروف أن الأخطبوطات والحبار والسبيدج، وهو أحد أنواع الحبار، تنتمي إلى مجموعة تُعرف باسم «رأسيات الأرجل الكولويدية»، وقد طوّرت أجهزة عصبية ضخمة وشديدة التعقيد، تمنحها القدرة على ممارسة سلوكيات متقدّمة، مثل حلّ المشكلات والتمويه السريع والانقضاض على الفرائس والهرب من المفترسات.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة ثيا روجرز: «إن الجينوم ليس مجرّد تسلسل للجينات، فهو مطويّ ضمن بنية وظيفية معقّدة ثلاثية البُعد».

وأضافت، في بيان صدر الجمعة: «أصبح فهم كيفية تطوّر هذه البنية أمراً شديد الأهمية لتفسير نشوء أشكال جديدة من التعقيد البيولوجي».

وأوضحت أنه قبل مئات الملايين من السنوات، شهدت رأسيات الأرجل عملية واسعة النطاق لإعادة تنظيم الجينوم، أدّت إلى إعادة ترتيب شاملة لمكوّناته، وقرّبت مناطق من الكروموسومات كانت متباعدة سابقاً.

ووجد الباحثون أن تلامس مناطق الحمض النووي يتيح لها التفاعل والتأثير في نشاط بعضها بعضاً. ومع الوقت، قد تترسّخ هذه التفاعلات، فتشكّل شبكات تنظيمية مترابطة على نحو فريد.

التشابُك التنظيمي

وقد تتيح هذه العملية، التي أطلق عليها الباحثون اسم «التشابك التنظيمي»، للجينومات إنتاج أنماط جديدة من التعبير الجيني، مع الحفاظ على الوظائف الأساسية لهذه الكائنات.

وأظهرت النتائج أنّ الوحدات البنيوية الكبيرة للجينوم ظلّت مستقرة إلى حدّ بعيد عبر الزمن التطوري، في حين كانت الروابط الأصغر حجماً أكثر تغيّراً؛ إذ تُقرّب هذه الحلقات مناطق متباعدة من الحمض النووي، وتتيح تلامسها.

وتبيّن أنّ هذه العناصر تختلف بدرجة كبيرة بين الأنواع والأنسجة ومراحل النمو، وغالباً ما تقع بالقرب من جينات مرتبطة بسمات رئيسية لدى هذه الكائنات، بما فيها السمات المتعلّقة بالدماغ والجهاز العصبي. ويشير ذلك إلى أنّ المناطق الأكثر مرونة قد تكون أشدّ تأثّراً بالتغيّرات واسعة النطاق في تنظيم الحمض النووي.

وتتحدَّى النتائج الاعتقاد بأن بنية الجينوم مجرّد نتاج سلبي للتطور، إذ تشير إلى أن التنظيم ثلاثي البُعد للحمض النووي يؤدي دوراً فاعلاً في توجيه مساره. وربما أسهم هذا التنظيم بدور محوري في نشوء الأدمغة والأجهزة العصبية شديدة التعقيد لدى الأخطبوطات والحبار.


بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
TT

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

قالت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدونو، السبت، من ألمانيا، عقب عودتها إلى الأرض، إنها اختبرت «جميع المشاعر الإنسانية، من الأكثر فرحاً إلى الأشدّ صعوبة»، خلال الأشهر الثمانية التي أمضتها في مدار الأرض.

وكانت مركبة «دراغون»، التي تقلّ أدونو وطاقم مهمة «كرو - 13»، قد هبطت الخميس في المحيط الهادي قبالة سواحل كاليفورنيا، عائدةً من محطة الفضاء الدولية.

وبذلك تكون أدونو قد أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا.

رحلة انتهت على الأرض ولم تنتهِ في داخلها (أ.ف.ب)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أدونو قولها السبت، من مركز التدريب التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في مدينة كولونيا الألمانية، والدموع تغالبها بين الحين والآخر، أن الأرض تبدو من ارتفاع 400 كيلومتر «بلا انقسامات ولا حدود»، بل مجرّد «كوكب ثمين يتشاركه الجميع».

وبدا الإرهاق واضحاً على رائدة الفضاء البالغة 44 عاماً لدى وصولها إلى ألمانيا، برفقة طبيبين من وكالة الفضاء الأوروبية.

وفي الفضاء، يتكيَّف الجسم مع انعدام الجاذبية، ممّا يؤدي إلى هشاشة العظام، وفقدان الكتلة العضلية، وتدهور صحة القلب، ومشكلات في الرؤية. وستخضع أدونو خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة لبرنامج خاص لاستعادة عافيتها.

وقالت في مؤتمر صحافي: «انتابني مزيج من المشاعر المدهشة. إنه لأمر مذهل. من الرائع العودة إلى الأرض، لكن هذه العودة ترافقها مجموعة من التحديات، لا سيما الجسدية منها».

دموع عند الهبوط وحنين إلى ما فوق الغيوم (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن عملية الهبوط، الخميس، كانت «صعبة»، إذ اضطرت الكبسولة التي تقلّ رواد الفضاء الأربعة إلى «مواجهة الأمواج العاتية مدّة 25 دقيقة».

وأضافت: «عندما أخرجني أفراد فرق الإنقاذ من الكبسولة كانت أول عبارة قلتها لهم: (أعيدوني إلى الفضاء أرجوكم. الأمور أسهل بكثير هناك)».

وخلال المهمّة أصبحت أدونو أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ طلعة خارج المحطة لإجراء إصلاحات فيها. ونفّذت ثلاث طلعات في المجموع، في 18 و25 أغسطس (آب)، والأول من سبتمبر (أيلول).