الثقافة في فلسطين.. جوائز وفعاليات وحضور أدبي لافت.. وتحديات

المسرح الوطني ينتظر من ينقذه من وطأة الديون المتراكمة

زياد خداش  يتسلم  «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
زياد خداش يتسلم «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
TT

الثقافة في فلسطين.. جوائز وفعاليات وحضور أدبي لافت.. وتحديات

زياد خداش  يتسلم  «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني
زياد خداش يتسلم «جائزة فلسطين» من الرئيس الفلسطيني

لعل من أبرز الأحداث الأدبية في عام 2015 بالنسبة للفلسطينيين، فوز الروائي أسامة العيسة عن روايته «مجانين بيت لحم» بـ«جائزة الشيخ زايد للكتاب» عن فرع الآداب، بعد منافسة حميمة ضمت إلى جانبه في القائمة القصيرة كلا من الشاعر الفلسطيني غسان زقطان عن مجموعته الشعرية «لا شامة تدل أمي علي»، والروائي المصري إبراهيم عبد المجيد عن روايته «هنا القاهرة».
واحتفى الوسط الأدبي خاصة والثقافي عامة، بوصول رواية عاطف أبو سيف «حياة معلقة» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وما رافقها من احتفاء نقدي وجماهيري جعلها من بين الأعمال المنافسة على الجائزة، علما بأنها المرة الأولى التي يصل فيها روائي فلسطيني من داخل الأراضي المحتلة عام 1967، وبالتحديد من غزة إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة.
على مستوى الشعر، كان الحضور الأبرز للشاعر غسان زقطان، فقد ظهر اسمه للعام الثاني على التوالي، ضمن المرشحين في القائمة القصيرة لـ«جائزة نيوستاد العالمية للأدب»، والتي تعرف بجائزة «نوبل أميركا»، وهو الفائز بجائزة «غريفين» العالمية قبل سنتين، وذلك عن عمله المترجم «كطير من القش وقصائد أخرى».
وفاز الشاعر الدكتور زياد مدوخ، رئيس قسم اللغة الفرنسية بجامعة الأقصى في غزة، ويكتب الشعر بالفرنسية، بجائزة التميز في مسابقة الشعر الدولية، التي تنظمها «مؤسسة الشعر الأوروبية»، ومقرها في العاصمة الفرنسية باريس.
وكان لفلسطين حضور متميز في الدورة الحادية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، الذي حلت فيه فلسطين ضيف شرف، حيث شاركت في وفد ضم المبدعين الفلسطينيين من أدباء ومثقفين وفنانين من مختلف دول العالم، شاركوا في كثير من الندوات المتميزة، والأمسيات الأدبية والشعرية، والمعارض الفنية وعروض الأفلام، بينما كانوا يتابعون عن كثب نتائج جائزة «البوكر» التي أعلنت ضمن فعاليات المعرض، باعتبار فلسطين كانت من بين الدول المتنافسة من خلال رواية «حياة معلقة» لعاطف أبو سيف، الذي منعته حركة حماس، آنذاك، من المشاركة في الحفل والمعرض، رغم ورود اسمه في القائمة الرسمية الممثلة لفلسطين.
وشهد عام 2015، عودة جائزة الدولة التقديرية في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، بعد غياب استمر أربعة عشر عاما، حيث قررت لجنة الجائزة برئاسة الروائي والكاتب يحيى يخلف، بمنحها في الآداب لكل من الأديب محمد علي طه، والقاص زياد خداش، بينما ذهبت في الفنون إلى الثلاثي جبران، بينما كانت جائزة الدولة التقديرية عن مجمل الأعمال للدكتور حسام الخطيب.
ومنحت «مؤسسة محمود دوريش»، جائزة محمود درويش للثقافة والإبداع في دورتها السادسة لعام 2015، للمخرج السينمائي الفلسطيني هاني أبو أسعد، الذي ركز في مشروعه الإبداعي على قيم الحرية والعدالة لفلسطين والفلسطينيين، كما حصل على جائزة محمود درويش للإبداع العربي الكاتب والأديب العربي السوري الرائد في مجال القصة زكريا تامر، الذي يجمع بين جمالية السرد ورفعة الذوق، وبين الشجاعة والعناد في الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته، ومواجهة الظلم والاستبداد، في حفل نظمته المؤسسة بمتحف محمود درويش في رام الله.
وعلى مستوى الفعاليات، استضاف متحف محمود درويش في مدينة رام الله عام 2015، عددا كبيرا من الأدباء العرب والفلسطينيين، من أبرزهم الروائي الجزائري واسيني الأعرج، الذي أطلق طبعة خاصة بفلسطين لسيرته الروائية «سيرة المشتهى»، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان، وأهدى ريعها لصالح الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وكذلك الروائي الفلسطيني المقيم في لندن ربعي المدهون، الذي أطلق من المتحف روايته الجديدة «المصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة»، والروائي الفلسطيني أنور حامد، الذي استعرض تجربته الروائية في المتحف، خصوصا رواية «جنين 2000»، إضافة إلى الروائي عاطف أبو سيف الذي استعرض تجربته في «البوكر»، وتحدث عن روايته «حياة معلقة»، وغيرهم، بينما أطلقت عشرات الروايات ودواوين الشعر الجديدة لروائيين وشعراء مكرسين، وآخرين يطلقون أعمالهم الأولى أو الثانية، إضافة إلى عشرات المعارض الفنية، والعروض المسرحية، والأفلام السينمائية في إطار مشروع «الأربعا سينما»، الذي دخل عامه الثالث.
وبعد سلسلة النجاحات التي حققها مركز الشعر الدولي في مدينة مرسيليا الفرنسية، عبر برنامج «استيراد وتصدير»، في كل من دمشق وبيروت والإسكندرية والجزائر وطنجة وأمستردام، وهو المشروع الرامي إلى تحقيق نوع تواصل في الشعر المعاصر، حط رحاله هذا العام في رام الله، انطلاقا من متحف محمود درويش، الذي احتضن أمسية للشعراء المشاركين، وهم: غسان زقطان، وزهير أبو شايب، وبشير شلش من فلسطين، وجون دايف، وجون شارل دوبول من فرنسا، الذين اجتمعوا على مائدة مستديرة للخروج بقصائد مترجمة تضمها فيما بعد كتاب. وبذلك، شارك الشعراء في ترجمة قصائدهم، وهو مشروع رائد، واختيار رام الله لتكون محطته الجديدة إضافة مهمة إلى المشهد الثقافي عموما، والمشهد الشعري الفلسطيني على وجه الخصوص.
وتحت شعار «فلسطين حرية وثقافة»، انتظمت هذا العام فعاليات الملتقى الثقافي الفلسطيني السابع، ونظمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، انطلاقًا من حفل مركزي تحتضنه قاعة مبنى الهلال الأحمر الفلسطيني في مدينة البيرة.
وعلى عكس الدورات السابقة التي انحازت إلى فنون الغناء والرقص الشعبي عبر مطربين وفرق فلسطينية وعربية حققت حلمها بالغناء على أرض الوطن، كان من أبرزها الفنان الراحل «أبو عرب»، وفرقة العاشقين، وغيرهم، انحازت الدورة السابعة إلى الأدب بشتى صنوفه، دون إغفال الفنون الأخرى، عبر مشاركة شعراء وروائيين وكتاب ومسرحيين وسينمائيين من إسبانيا، ضيف شرف المهرجان، وروسيا، وداغستان، وبريطانيا، والعراق، وفلسطين. ومن أبرز المشاركين من إسبانيا: المسرحي والشاعر ميغيل أنشو فران بيو، والشاعرة والناقدة أبيلار غونثالث، والشاعر والقاص والناقد لبناني الأصل سمير دلغادو، والشاعرة ماري آنخلس فرنانغوميث، والشاعرة بيبا نييتو، والشاعر باو باديل، والشاعرة ماريا فيكتوريا كارو بيرنال، والسينمائي مانو تريو، والناشرة سارة مورينو.
وشارك في الملتقى القاص الروسي فلاديمير كروبين، والشاعر غينادي إيفانوف، ورئيس اتحاد كتاب روسيا الأديب أوليغ ميترافانوفيش بافيكين، وشاعر الشعب الداغستاني محمد أحمدوف، والكاتب العراقي المقيم في إسبانيا عبد الهادي سعدون.
ومن فلسطينيي الشتات شارك في الملتقى كل من: الشاعر والمترجم نزار سرطاوي، والأديب والشاعر رسمي أبو علي، والشاعر والكاتب محمد ضمرة، والشاعر عبد الله عيسى، بينما يشارك في الداخل الفلسطيني كل من: الكاتب والأديب سلمان ناطور، والشاعرة إيمان مصاروة، والشاعر أحمد فوزي أبو بكر، والمتخصصة في أدب الأطفال أنوار أيوب سرحان، والقاصة حنان جلبيلي عابد، والأكاديمية ريما عابد زينة، والشاعرة زهيرة صباغ، والشاعر فرحات فرحات، والكاتبة عناق مواسي، والكاتب والمخرج المسرحي عفيف شليوط، والشاعر سامي مهنا رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في الداخل.
وفجع الوسط الفني والثقافي في فلسطين برحيل رسام الكاريكاتير الشهير بهاء البخاري، رفيق درب الرسام الشهيد ناجي العلي، مخلفا آلاف الرسومات، واللوحات، والمعارض، وكثيرين ممن أحبوه وأحبوا معه «أبو العبد»، و«أم العبد» (شخصياته الرئيسية)، واعتبروه خليفة ناجي العلي، فالبخاري بات في السنوات العشرين السابقة أو في ربع القرن الأخير، رسام الكاريكاتير الأول في فلسطين، ورسولها إلى العالم في هذا المجال، حيث كان الملهم لكثير من الفنانين الشباب في مجال الرسم الكاريكاتيري، وبات عنوانا فلسطينيا له حضوره العالمي الطاغي، وهو الذي أنهى مشواره الكاريكاتيري في جريدة «الأيام» الفلسطينية، وعمل فيها منذ عام 1996، أي بعد تأسيسها بأشهر، بمثابرة، وإتقان، وحيوية، وابتكار، جعل من رسوماته الكاريكاتيرية عنوانا يوميا ليس على الصفحة الأخيرة في الجريدة، بل في عيون قرائها ومتابعيها.
ومع نهاية العام، وبالتحديد في الشهر الأخير منه، ابتهج الشارع الثقافي والأدبي والفني في فلسطين عموما باختيار الشاعر الفلسطيني الشاب د. إيهاب بسيسو وزيرا للثقافة، حيث لم يعتد المثقفون الفلسطينيون على اختيار وزير شاب وواحدا منهم لهذا المنصب، ما دفع كثيرين إلى التفاؤل، والتعويل كثيرا عليه في تطوير الحالة الثقافية الفلسطينية، خصوصا مع العلم بأن موازنة الثقافة لا تزيد على (0.01 في المائة) من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. ولكن، وبعد يوم أو اثنين فقط، صدر مرسوم رئاسي فلسطيني طال مثقفين وأطاح بهم من مجلس أمناء «مؤسسة محمود درويش»، ليحل بدلا عنهم رجال أعمال، ما أثار حفيظة كثير من المثقفين والأدباء والفنانين بل وأسرة الشاعر درويش نفسه.
ومن جانب آخر، لا يزال المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي)، وهو أحد أهم المراكز الثقافية العاملة، على قلتها، في القدس، ينتظر من ينقذه من وطأة الديون المتراكمة، التي تهدد بإغلاقه واستيلاء سلطات الاحتلال عليه، بعد عقود كان فيها علامة فارقة للثقافة الفلسطينية في القدس، التي يسعى الاحتلال لتهوديها بكل الطرق الممكنة.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».