النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

على القادة الإصغاء لهن

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي
TT

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

النساء يدقّن ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي

تعرضت الممثلة ريس ويذرسبون حديثاً لانتقادات بسبب تصريحها بأن مشاركة النساء في مجال الذكاء الاصطناعي «مهمة للغاية»؛ لأن «التغيير قد بدأ». وقد عكست ردود الفعل السلبية انقساماً أوسع: فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي قفزة حتمية للأمام، يحذّر آخرون من أن مخاطره يتم تقبّلها بسرعة كبيرة. وتُظهر دراسة جديدة أجرتها مؤسسة «بيو» أن النساء أكثر تشككاً من الرجال، فهن أقل ترجيحاً لتوقعات تحسين الذكاء الاصطناعي لحياتهن، وأكثر ترجيحاً للاعتقاد بأنه سيكون ضاراً بالمجتمع، كما كتبت إيمي ديل (*).

على القادة عدم تجاهل هذا القلق

ولا ينبغي للقادة تجاهل هذا القلق بوصفه مقاومة للابتكار؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن حذر النساء يعكس رؤية واضحة للمخاطر غير المتكافئة التي قد يُسببها الذكاء الاصطناعي. إن الإصغاء لهذه المخاوف أمر ضروري لأي مؤسسة ترغب في استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

الذكاء الاصطناعي يُعزّز أوجه عدم المساواة القائمة

يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة إنتاج التحيزات المتأصلة في المجتمع وأماكن العمل. فقد أظهرت دراسات نماذج الذكاء الاصطناعي تحيزاً واسع النطاق على أساس الجنس والعرق؛ إذ غالباً ما تربط نماذج اللغة الكبيرة النساء برعاية الأسرة والأعمال المنزلية أو الأدوار الثانوية، في حين تربط الرجال بالقيادة والإنجاز المهني. وقد تُؤدي الجهود المبذولة لتصحيح هذا التحيز إلى ظهور تشوهات جديدة، مثل المبالغة في نسبة العبارات النمطية الذكورية إلى النساء.

تكمن المشكلة في آلية عمل هذه الأنظمة؛ إذ تتنبأ نماذج اللغة الكبيرة بأنماط الكلمات المحتملة من مجموعات ضخمة من النصوص الموجودة، دون أن تُنتج معرفة مستقلة. ولأن هذه المجموعات تعكس أوجه عدم المساواة التاريخية؛ قد يبدو الذكاء الاصطناعي فصيحاً وواثقاً، ولكنه في الوقت نفسه غير دقيق أو نمطي.

71 % من الرجال الأميركيين لديهم خبرة في الذكاء الاصطناعي مقارنةً بـ29 % من النساء

تظهر عدم المساواة أيضاً في إمكانية الوصول إلى النظم الذكية، ففي استطلاع أجرته شركة «راندستاد» وشمل 12000 موظف، أفاد 71 في المائة من الرجال بامتلاكهم خبرة في الذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ29 في المائة من النساء. كما كان الرجال أكثر حظاً في الحصول على الأدوات، والتدريب. وحتى في الحالات التي تستخدم فيها النساء الذكاء الاصطناعي، قد يتعرضن للعقاب: فقد وجدت دراسات السير الذاتية وشفرات البرامج أن النساء حصلن على تقييمات كفاءة أقل من الرجال في العمل نفسه الذي تم إنجازه بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يُحمّل النساء مخاطر غير متناسبة

لا تتوزّع مخاطر الذكاء الاصطناعي بالتساوي، وتشمل المخاطر عليهن:

* الخصوصية ومخاوف تخزين المعلومات الحساسة. قد يحتفظ الذكاء الاصطناعي التوليدي بمدخلات المستخدم، وغالباً ما يجهل الناس ما يتم تخزينه، وكيفية استخدامه، أو ما إذا كان يُستخدم لتدريب نماذج مستقبلية. وتُظهر الدراسات الاستقصائية أن النساء أقل اهتماماً من الرجال باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمور الشخصية كالشؤون المالية والعلاقات والصحة؛ ما يُشير إلى قلق أكبر بشأن تسليم معلومات حساسة لهذه الأنظمة.

التزييف العميق والعبء العاطفي

* تهديدات أمنية. كما يُشكل الذكاء الاصطناعي تهديدات أمنية. فالتزييف العميق - وهو عبارة عن وسائط مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تُحاكي مظهر الشخص أو صوته - يُفاقم كراهية النساء على الإنترنت. وتشير تقديرات حديثة إلى أن معظم محتوى التزييف العميق على الإنترنت غير توافقي (غير متفق عليه من قِبل الأطراف) وإباحي، وأن الغالبية العظمى من الأشخاص المُصوّرين فيه من النساء.

وتُعدّ النساء في المناصب العامة أكثر عرضةً للإساءة التي تهدف إلى ترهيبهن أو إسكاتهن. وقد وجدت دراسة عالمية أن 45 في المائة من الصحافيات أبلغن عن فرضهن رقابة ذاتية على انفسهن بسبب العنف الإلكتروني. ومع انخفاض تكلفة أدوات التزييف العميق وسهولة استخدامها، يُرجّح أن يتفاقم هذا التهديد.

* العبء العاطفي. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُلقي بمزيد من العبء العاطفي على عاتق النساء. فعندما تفشل روبوتات الدردشة أو مساعدو الصوت المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يقع على عاتق الموظفين البشريين مسؤولية إصلاح علاقة العميل. وتشغل النساء نسبةً كبيرةً من المناصب التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء؛ ما يعني أنه قد يُتركن لحالهن في محاولتهن تخفيف حدة الرسائل المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وحل المشكلات المُعقدة، وإعادة بناء الثقة عندما تعجز التكنولوجيا عن ذلك. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يُلقي بمزيد من العبء العاطفي على عاتق النساء؛ إذ إنه يُعيد الذكاء توزيع التكاليف الاقتصادية والبيئية.

نقص التمثيل النسوي... ومخاوف التسريح من العمل

نقص التمثيل في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. تُعاني النساء من ذلك، في حين يُمثلن نسبة كبيرة في الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة. ورغم التوسع السريع في وظائف الذكاء الاصطناعي، لم تُمثل النساء سوى 26 في المائة من التعيينات في هذا المجال بالولايات المتحدة عام 2025، ويشغلن نسبة ضئيلة من المناصب القيادية العليا.

* التأثير على المهن والتسريح من العمل. في الوقت نفسه، من المرجح أن تتأثر المهن التي تهيمن عليها النساء، مثل الدعم الإداري وخدمة العملاء، بالذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر من المجالات التي يهيمن عليها الرجال، مثل البناء والتصنيع. كما أن تقليص الوظائف المبتدئة قد يُضر بالنساء، اللواتي يُشكلن غالبية خريجي الجامعات الأميركية، ويعتمدن على هذه الوظائف لاكتساب الخبرة وبناء مسارات قيادية.

* التكاليف البيئية: يستهلك طلب واحد يستهلك طاقةً أكثر من عملية بحث على الإنترنت

للذكاء الاصطناعي أيضاً تكاليف بيئية؛ إذ يُمكن أن يستهلك طلب واحد طاقةً أكثر بكثير من عملية بحث على الإنترنت، في حين تتطلب مراكز البيانات كميات كبيرة من الكهرباء والماء. وتميل النساء، أكثر من الرجال، إلى معارضة إنشاء مراكز بيانات جديدة، ويتملكهن القلق بشأن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المناخ.

كما أن ارتفاع الطلب على الكهرباء وأجهزة الحوسبة قد يزيد من تكاليف المستهلكين. ويُسهِم نقص الذاكرة المرتبط بنمو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في ارتفاع أسعار الإلكترونيات وحتى السيارات. ولأن النساء ما زلن يتقاضين أجوراً أقل في المتوسط، ويشكلن نسبة كبيرة من العاملين في الوظائف ذات الأجور المنخفضة، فإن هذه الزيادات قد تستنزف جزءاً أكبر من دخلهن.

النساء لا يقاومن الذكاء الاصطناعي

لا تُقاوم النساء الذكاء الاصطناعي، بل إنهن يُحدّدن المخاطر التي لم تتناولها كثير من المؤسسات بعد. وبما أن الذكاء الاصطناعي باقٍ، فعلى القادة تحديد كيفية استخدامه دون تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة.

7 توصيات للقادة

وإليكم سبع توصيات:

1. توفير تدريب شامل على الذكاء الاصطناعي. يجب ألا يُوضّح التدريب مكاسب الإنتاجية فحسب، بل أيضاً كيفية عمل الذكاء الاصطناعي، ومواطن تحيّزه أو عدم دقّته، والمخاطر الأخلاقية، ومخاطر الخصوصية، والمخاطر «الجنسانية gender»، والمخاطر البيئية التي قد يُسبّبها.

2. الإبلاغ عن تحيّز الذكاء الاصطناعي. تشجيع الموظفين على الإبلاغ عن مخرجات الذكاء الاصطناعي المتحيّزة أو التمييزية أو الضارة.

3. وضع مبادئ توجيهية للشفافية. إنشاء سياسات واضحة بشأن متى يجب على الموظفين الإفصاح عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي. يجب تطبيق المتطلبات بشكل متسق حتى لا تُحاسب النساء بشكل أشدّ قسوةً لاستخدامهنّ الأدوات نفسها التي يستخدمها الرجال.

كشف التحيّز والحفاظ على الفكر النقدي

4. منح الموظفين حرية التصرف في كيفية استخدامهم للذكاء الاصطناعي. يتطلّب الذكاء الاصطناعي حكماً بشرياً للتحقّق من الحقائق، وكشف التحيّز، والحفاظ على التفكير النقدي. على القادة تحديد الأهداف، ثمّ السماح للموظفين بتحديد كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في عملهم.

5. عدم طرد الموظفين بنظم الذكاء الاصطناعي. قد تؤدي أتمتة وظائف المبتدئين أو الخدمات إلى إضعاف مسارات تطوير المواهب والإضرار بتجربة العملاء. ينبغي للمؤسسات الحفاظ على الأدوار التي تُنمّي قادة المستقبل.

6. مكافأة الجهد العاطفي. اجعل العمل على إصلاح أعطال الذكاء الاصطناعي والحفاظ على علاقات العملاء واضحاً في التقييمات والترقيات والأجور.

7. التدقيق عند الاختبار. إذا كنت تشك في أن عمل امرأة ما، مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فاسأل نفسك ما إذا كنت ستتفاعل بالطريقة نفسها لو قدّم رجل عملاً مماثلاً. يمكن لهذا التحقق أن يمنع معاقبة النساء اللواتي يستخدمن الذكاء الاصطناعي على كفاءتهن.

مخاوف النساء - رؤى قيّمة

يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل، لكن لا يزال أمام المؤسسات خيارات بشأن تنفيذه. ويجب التعامل مع مخاوف النساء على أنها رؤى قيّمة، وليست عائقاً. القادة الذين يُصغون جيداً يُمكنهم الحد من التحيز، وحماية الخصوصية والأمان، والحفاظ على التفكير النقدي، والتركيز بشكل أقل على تعظيم تبني الذكاء الاصطناعي.. وأكثر على تعظيم الإمكانات البشرية.

* باختصار - مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

نموذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك» يرسل بلاغاً كاذباً لشرطة فيلادلفيا

تكنولوجيا شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

نموذج ذكاء اصطناعي من «أنثروبيك» يرسل بلاغاً كاذباً لشرطة فيلادلفيا

أرسل نموذج ذكاء اصطناعي طورته شركة «أنثروبيك» بلاغاً كاذباً إلى شرطة فيلادلفيا في الولايات المتحدة بشأن جريمة قتل لم تُحل.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تقل نسبة المراهقين الذين يستمرون في جلسات تتجاوز 3 ساعات متواصلة عن 2 % (د.ب.أ)

«أوبن إيه آي»: المراهقون يستخدمون «ChatGPT» أقل من 15 دقيقة يومياً

تكشف «أوبن إيه آي» أن المراهقين يستخدمون «ChatGPT» أقل من 15 دقيقة يومياً، وسط تدقيق متزايد في فاعلية أدوات الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يقود السوق الصاعدة للأسهم الأميركية إلى عامها الرابع

تواصل السوق الصاعدة للأسهم الأميركية مسيرتها القوية مع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لانطلاقها، مدفوعة بمحرك الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.


«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».