رحيل اليابانية يايوي كوساما... سيدة النقاط واللانهاية

مسيرة امتدَّت 7 عقود حوّلت خلالها الهلوسات والهواجس إلى لغة فنّية عابرة للحدود

كانت ترى العالم يتكاثر أمام عينيها... فرسمته (إ.ب.أ)
كانت ترى العالم يتكاثر أمام عينيها... فرسمته (إ.ب.أ)
TT

رحيل اليابانية يايوي كوساما... سيدة النقاط واللانهاية

كانت ترى العالم يتكاثر أمام عينيها... فرسمته (إ.ب.أ)
كانت ترى العالم يتكاثر أمام عينيها... فرسمته (إ.ب.أ)

توفيت الفنانة اليابانية يايوي كوساما التي تحوّلت إلى نجمة عالمية بعد عقود عاشتها في مستشفى للأمراض النفسية، عن 97 عاماً. وأعلنت شركة «يايوي كوساما إنك»، الخميس، أنّ الفنانة توفيت في مستشفى بالعاصمة اليابانية طوكيو في 14 أغسطس (آب) الحالي.

أمضت عمرها ترسم الشيء نفسه الذي لم يكفّ عن الظهور أمامها (أ.ب)

وجاء في بيان الشركة: «على امتداد حياة استثنائية كرَّستها بالكامل للإبداع الفني، خاضت كوساما مسيرة حافلة بالتكريم الدولي، بوصفها فنانة رائدة في طليعة الحركة الفنّية، وشملت ممارستها الإبداعية الفنون البصرية، والأداء الفنّي، والأدب، والشعر».

وأضاف البيان: «واصلت الرسم حتى أيامها الأخيرة، ولم تضع فرشاتها جانباً قَطّ، وظلت تستكشف الحبّ الأبدي، والروح الخالدة. سنواصل تنفيذ أمنيات كوساما، ومن خلال الفنّ سنستمرّ في بثّ الأمل والقوة من أجل المستقبل في نفوس الناس حول العالم».

وقالت «الغارديان» إنه بشَعرها المستعار القصير ذي اللون الأحمر الزاهي، الذي أصبح من أبرز سماتها، اشتهرت كوساما أيضاً بألوانها الصاخبة، والمبهرة، وهي تستحضر في صورها الهلوسات الناجمة عن الممنوعات، وتركيباتها الفنّية المعروفة باسم «غرف المرايا اللانهائية»، وهي أعمال ساعدتها على الوصول إلى جمهور واسع في عصر صور السيلفي، ووسائل التواصل الاجتماعي.

حوّلت ما كانت تراه وحدها إلى ما اصطفَّ العالم لرؤيته (أ.ف.ب)

وكان معرضها في أستراليا عام 2024 الأكثر شعبية في تاريخ البلاد. وأطلقت كوساما كثيراً من موضوعاتها الفنية الأساسية في ستينات القرن الماضي، عندما كانت شابة، قبل أن تغيب مدّةً عن دائرة الاهتمام الفنّي.

وإلى جانب النحت والرسم، قدّمت خلال حقبة الهيبي أعمالاً أدائية أثارت الجدل، وارتبط اسمها كذلك بفضائح فنية؛ وأثارت بعض تصرّفاتها استياءً شديداً لدى أسرتها المحافظة في اليابان.

وُلدت كوساما في مدينة ماتسوموتو اليابانية عام 1929، وعاشت طفولة تعيسة في ظلّ أم قاسية، وأب كثير العلاقات النسائية.

كانت أسرتها الثرية تدير مشاتل للنباتات، وكانت كوساما تجلس لترسم الزهور، رغم محاولات والدتها المتكرّرة منعها من ذلك. وفي طفولتها بدأت تعاني الهلوسات، فكانت ترى الزهور تتجمّع حولها، وتتحدَّث إليها، واتخذت من الرسم وسيلةً للتعامُل مع ما تراه.

أخذت الهلوسة من رأسها وعلّقتها على جدران العالم (أ.ف.ب)

وخلال الحرب العالمية الثانية، جُنّدت كوساما، وكانت في الـ13 من عمرها، للعمل في صناعة الأقمشة المُستَخدمة في مظلّات الجيش الياباني.

ودرست لاحقاً فنّ «نيهونغا»، وهو أسلوب ياباني تقليدي في الرسم، بمدينة كيوتو، لكنها شعرت بالإحباط من القيود التي فرضها عليها. ورفضت المستقبل الذي خطَّطت له أسرتها، والقائم على الزواج التقليدي، وتكوين أسرة، وغادرت اليابان إلى نيويورك عام 1958.

هناك، تعرَّفت إلى الفنان والمنظِّر دونالد جَد، وحقَّقت أبرز إنجازاتها الفنية من خلال لوحات «شبكات اللانهاية»، وهي مساحات شاسعة من النقاط البارزة الممتدَّة على سطح اللوحة.

وعام 1962، باعت أولى هذه اللوحات للفنانَيْن فرانك ستيلا ودونالد جَد مقابل 75 دولاراً. وبعد أكثر من نصف قرن، بيعت لوحتها «البيضاء رقم 28» في مزاد عام 2014 مقابل 7.1 مليون دولار، وهو رقم قياسي آنذاك لفنانة على قيد الحياة.

وعام 1963، بدأت كوساما إنتاج ما أطلقت عليه «المنحوتات اللينة»، وهي قطع أثاث وأشياء أخرى، مثل السلالم، غطّتها بأشكال بيضاء منتفخة، ومحشوّة بالقماش، وذات إيحاءات حميمية.

دخلت الهلوسة لوحاتها... ثم دخل الجمهور إليها (أ.ف.ب)

ورغم عملها في محيط فنّي ارتبط، بصورة فضفاضة، بفن البوب والفنّ التبسيطي، فإن عالم الفنّ لم يحتضن كوساما تماماً. وظلَّت تؤكد أن كثيراً من أفكارها في تلك المرحلة استولى عليها فنانون رجال بيض، من بينهم آندي وارهول، بينما هُمِّشت عند كتابة تاريخ الفنّ.

ودار عملها الفنّي في كثير من الأحيان حول مفهوم اللانهاية، وفكرة «محو الذات»، التي استلهمتها من الهلوسات التي كانت تجتاحها.

وتحدَّثت ذات مرة عن لوحتها «فلاوزر دي إس بي إس»، التي رسمتها عام 1954، قائلة إنها كانت تنظر إلى نقوش الزهور الحمراء على مفرش طاولة، ثم رفعت عينيها لترى النقوش نفسها تغطّي السقف، والنوافذ، والجدران، قبل أن تنتشر في الغرفة كلّها، وعلى جسدها، وفي الكون. وقالت إنها شعرت آنذاك بأنّ هذه الرسوم بدأت «تمحو ذاتها»، وتدور في «لا نهاية الزمن الأزلي» و«الفراغ المطلق»، حتى تختزل إلى العدم.

ما أخاف الطفلة دفع العالم لاحقاً ثمن تذكرة ليراه (رويترز)

وفي «بينالي البندقية» عام 1966، واصلت كوساما استكشاف تلك الأفكار، وقدَّمت عملها الشهير «حديقة النرجس»، الذي كان «بحيرة» من 1500 كرة عاكسة، سعت من خلالها إلى خلق إحساس باللانهاية عبر انعكاسات المرايا.

وعندما بدأت كوساما بيع الكرات مقابل دولارين للواحدة، تحت شعار «نرجسيتك للبيع»، تدخل منظّمو «بينالي البندقية» لإيقاف العملية.

وازداد ميل كوساما إلى إثارة الجدل. ورغم تعرُّض «أحداثها» الفنية إلى انتقادات لكونها مجرّد وسيلة لإحداث صدمة، فإن رسائلها السياسية تبدو اليوم، في كثير من الأحيان، سابقة لعصرها.

كانت ترسم كي لا تبتلعها الصورة التي تراها (رويترز)

في تلك المرحلة ارتبطت كوساما بعلاقة أفلاطونية اتّسمت بالهوس بالفنان الأميركي جوزيف كورنيل، واستمرَّت حتى بعد مغادرتها الولايات المتحدة، وعودتها إلى اليابان.

ودخلت المستشفى مراراً خلال إقامتها في نيويورك. وعندما توفي كورنيل عام 1972، تدهورت حالتها النفسية بصورة أكبر، مع تعرضها لهلوسات، ونوبات هلع، وإقدامها على محاولات انتحار.

وعام 1977 دخلت طوعاً مستشفى للأمراض النفسية في طوكيو كان يقدّم برامج للعلاج بالفن، ووفّر لها الاستقرار الذي احتاجت إليه لمواصلة مشروعاتها بعيداً عن عوامل التشتيت.

وفي نهاية المطاف قرَّرت الإقامة هناك بصورة دائمة، وكانت تعمل يومياً من الصباح حتى الليل في مرسمها القريب.

ورغم نشرها روايات عدّة خلال ثمانينات القرن الماضي، بدا أن الاهتمام بأعمالها انحسر بصورة شبه كاملة مع بداية التسعينات. ومع ذلك، فإن التقدير الذي استعصى عليها في بدايات مسيرتها الفنية وصل إليها أخيراً في مرحلة متقدّمة من حياتها.

وعام 1993 أنشأت كوساما غرفة عاكسة مملوءة بمنحوتات صغيرة على شكل القرع العسلي، ضمن الجناح الياباني في «بينالي البندقية»، وحظي العمل بإشادة واسعة.

من عينين تريان أكثر مما تحتملان خرج فنّ لا يعرف الاكتفاء (رويترز)

وكانت قد رأت ثمرة القرع للمرة الأولى مع جدّها عندما كانت في الـ11 من عمرها. وعندما حاولت التقاطها، بدت لها كأنها بدأت تتحدَّث إليها. وأصبح القرع لاحقاً أحد الرموز المتكرّرة في أعمالها، ومنها «كلّ الحب الأبدي الذي أكنّه للقرع» عام 2016.

وتدريجياً تحوّل اهتمام كوساما نحو التركيبات الفنّية، التي طوَّرت فيها أفكاراً ظهرت في عملها «غرفة المرايا اللانهائية: حقل القضبان» عام 1965. وفي ذلك العمل رتَّبت مئات الأشكال الوردية اللينة داخل غرفة مكسوة بالمرايا.

وبعد نصف قرن لاقت هذه التجارب المشحونة صدى هائلاً لدى الجماهير حول العالم؛ إذ وفرت الأضواء الملوّنة، والقرع المطلي بألوان زاهية محتوى مثالياً لصور «إنستغرام».

ولم تخلُ الشهرة الجديدة من المفارقة؛ ففي عام 2017 أُغلق مؤقتاً معرض لها في متحف هيرشهورن بواشنطن، بعدما أتلف أحد الزوار عملاً فنياً خلال محاولته التقاط صورة سيلفي.

وحظيت أعمال كوساما باحتفاء متأخّر من متحف الفنّ الحديث في نيويورك عام 1998، و«تيت مودرن» في لندن عام 2012، ومتحف هيرشهورن في واشنطن عام 2017.

وكانت تذاكر معارضها تنفد سريعاً في أنحاء العالم، فيما كان المعجبون يصطفون لساعات لخوض تجربة لا تتجاوز 30 ثانية داخل تركيباتها الفنية.

ورغم تساؤل بعض النقاد عما إذا كانت كوساما قد أصبحت الفنانة الأكثر شعبية في العالم، فإنها ظلت تؤمن بأنّ مكانتها في التاريخ لن يحدّدها عالم الفن ومؤسّساته. وقالت ذات مرة: «لا أستطيع أن أتخيَّل كيف سيجري تصنيفي بعد وفاتي. أشعر بالارتياح لكوني عنصراً من خارج المنظومة».


مقالات ذات صلة

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماتت فيديا وبقي غاندي يطرق باب زوجها بالحبر («سافرون آرت» في «إنستغرام»)

غاندي يواسي صديقاً مفجوعاً بـ688 رسالة تُباع بالملايين

بيعت مجموعة تضمّ 688 تأمّلاً ورسالة بخط يد المهاتما غاندي مقابل 1.2 مليون جنيه إسترليني في مزاد أُقيم في الهند.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث والرسم، وهو ما يدفع العراقي منتظر صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق بعض الوجوه أكبر من أن تُترك للخوارزميات (رويترز)

فريدي ميركوري نجم «كوين» بملامح «مشوّهة»... وبراين ماي غاضب

حضَّ السير براين ماي، رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، على وقف الذكاء الاصطناعي «قبل فوات الأوان»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)

الكلاب تقلد البشر عندما يرمشون

لقطة فيديو تظهر كلباً خلال إحدى الجلسات التجريبية (الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة)
لقطة فيديو تظهر كلباً خلال إحدى الجلسات التجريبية (الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة)
TT

الكلاب تقلد البشر عندما يرمشون

لقطة فيديو تظهر كلباً خلال إحدى الجلسات التجريبية (الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة)
لقطة فيديو تظهر كلباً خلال إحدى الجلسات التجريبية (الجمعية الملكية للعلوم المفتوحة)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة بارما في إيطاليا، أن الكلاب ترمش أكثر عندما ترى أصحابها يرمشون. ووفق دراستهم المنشورة في مجلة «رويال سوسايتي أوبن ساينس»، يحافظ الرمش على رطوبة العينين، ويزيل الأوساخ والغبار، ويساعد الدماغ على الراحة في أثناء معالجة المعلومات البصرية، ولكن لدى الكلاب، قد يؤدي وظيفة أو إشارة اجتماعية أخرى.

وأظهر تحليل إضافي أن الكلاب سجلت أعلى معدلات رمش عند النظر إلى أصحابها مقارنةً بالغرباء، إذ يبدو من نتائج الدراسة أن الألفة تعد عاملاً مهماً في هذا السلوك، وذلك وفق بيان صادر الأربعاء.

وفي هذه الدراسة، اختبر الباحثون 35 كلباً لمعرفة كيفية تفاعلهم مع مقاطع فيديو لأشخاص. شاهد كل حيوان مقطعين مدة كل منهما 40 ثانية لثلاثة أشخاص. في الفيديو الأول، رمش مالك الكلاب، ورجل غريب، وامرأة غريبة، مرة كل ثلاث ثوانٍ. أما في الفيديو الثاني، فقد نظر الأشخاص الثلاثة مباشرةً إلى الأمام دون أن يرمشوا.

ولتتبع الاستجابات بدقة، سجل الباحثون كل جلسة واستخدموا نظاماً متخصصاً لتحليل حركات وجه الكلاب، حيث قاموا بحساب كل حركة جفن إطاراً بإطار.

وكشفت النتائج عن اختلافات واضحة في كيفية استجابة الحيوانات. وكما أشار الفريق في بحثهم، «كانت النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة هي أن الكلاب أظهرت معدل رمش أعلى عند مشاهدة فيديوهات رمش البشر».

وأظهرت التحليلات أن الكلاب سجلت أعلى معدلات رمش عند النظر إلى أصحاب الكلاب مقارنةً بالغرباء. وعند مشاهدة فيديوهات المقارنة، التي لم يرمش فيها البشر إطلاقاً، انخفض معدل رمش الكلاب بشكل ملحوظ.

ويشير الباحثون إلى أن معدل رمش الكلب يتأثر بسلوك الرمش نفسه وبالأهمية الاجتماعية للشخص المعني، أي ما إذا كان صاحبه أو شخصاً غريباً. لكن هذا لا يعني أن الكلاب تقلد رمشات صاحبها، إذ لم يجد الباحثون دليلاً قاطعاً على أن الكلب أكثر عرضة للرمش خلال 1.5 ثانية من رمش الإنسان، سواء كان صاحبه أو شخصاً غريباً. بل يرون أن زيادة رمش الكلاب قد تعكس زيادة الانتباه، أو التقليد التلقائي، أو عمليات اجتماعية أوسع. وأضاف الباحثون: «تشير نتائجنا إلى أن رمش العين قد يلعب دوراً في سلوك الكلاب في سياقات اجتماعية معينة».


8 آلاف يد لتحريك 400 طن... اليابانيون يعيدون قلعتهم إلى مكانها

مشاركون يسحبون قلعة هيروساكي بالحبال لإعادتها إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم في هيروساكي بمحافظة أوموري (أ.ف.ب)
مشاركون يسحبون قلعة هيروساكي بالحبال لإعادتها إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم في هيروساكي بمحافظة أوموري (أ.ف.ب)
TT

8 آلاف يد لتحريك 400 طن... اليابانيون يعيدون قلعتهم إلى مكانها

مشاركون يسحبون قلعة هيروساكي بالحبال لإعادتها إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم في هيروساكي بمحافظة أوموري (أ.ف.ب)
مشاركون يسحبون قلعة هيروساكي بالحبال لإعادتها إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم في هيروساكي بمحافظة أوموري (أ.ف.ب)

في مشهد يجمع بين القوة الجماعية والوفاء للتاريخ، اصطف آلاف اليابانيين في مدينة هيروساكي شمال البلاد، وشدّوا حبالاً ضخمة لإعادة برج قلعة قديمة يزن نحو 400 طن إلى موقعه الأصلي، بعد سنوات من نقله لإتاحة المجال أمام ترميم أساساته الحجرية.

ومنذ السبت، تناوبت مجموعات تضم نحو 80 شخصاً على شد الحبال المربوطة بالبرج الخشبي المؤلف من 3 طوابق، لتحريكه بضعة سنتيمترات في كل مرة. وشارك نحو 4 آلاف شخص في العملية، وفق تقديرات المسؤولين، ما أتاح حتى الآن تحريك المبنى نحو 5 أمتار.

وقال تاكاهيرو كوغاوا، 56 عاماً، أحد سكان هيروساكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بعد دقائق من الجهد، والعرق يتصبب من جبينه: «الأمر أشبه بمحاولة تحريك جبل».

ولم تقتصر المشاركة على سكان المدينة؛ إذ سافرت أزوسا نيميا، 46 عاماً، من محافظة شيماني في الطرف الآخر من اليابان للمساعدة في العملية. وقالت بحماس: «إنها تجربة للعمر، وذكرى ثمينة وفريدة».

مشاركون يرتدون قفازات يستعدون لسحب قلعة هيروساكي بالحبال إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم بمحافظة أوموري (أ. ف.ب)

رحلة ذهاباً وإياباً

البرج هو الجزء الرئيسي من قلعة هيروساكي، وهو مبنى خشبي مصنف ضمن الممتلكات الثقافية المهمة على المستوى الوطني في اليابان. وفي عام 2015، نُقل لمسافة نحو 80 متراً من دون تفكيكه، بهدف ترميم القاعدة الحجرية للقلعة التي كانت مهددة بالانهيار.

ووضع المهندسون المبنى كتلة واحدة على سكك حديدية، وحركوه إلى ساحة قريبة، بالتزامن مع إعادة بناء الأساسات في عملية دقيقة استغرقت سنوات.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يغادر فيها البرج موقعه. ففي القرن السابع عشر، دمّرته صاعقة قبل إعادة بنائه في مطلع القرن التاسع عشر. وبعد نحو قرن، دفعت مخاوف انهيار الأساسات إلى نقله للمرة الأولى، قبل إعادته إلى موقعه عام 1915.

ويقول كينسوكي هاياساكا، المسؤول عن مشروع الترميم، إن إشراك الجمهور في عملية العودة يهدف إلى «تمكين الجميع من معايشة هذه التجربة التاريخية»، مؤكداً أهمية ذلك في نقل تاريخ هيروساكي إلى الأجيال المقبلة.

وتستخدم العملية أسلوباً يابانياً تقليدياً يُعرف باسم «هيكيا»، يعتمد على القوة البشرية والحبال لنقل المباني. ومن المقرر أن تستخدم البلدية آليات ثقيلة في سبتمبر (أيلول) لاستكمال العملية، على أن يثبت البرج نهائياً في نوفمبر (تشرين الثاني).

وبعد ترميم السقف النحاسي والواجهات، يتوقع إعادة فتح القلعة أمام الجمهور عام 2033.

مشاركون يسحبون قلعة هيروساكي بالحبال لإعادتها إلى موقعها الأصلي عقب أعمال ترميم في هيروساكي بمحافظة أوموري (أ.ف.ب)

«هل سأعيش لأراه؟»

ومن بين المشاركين، كاتسومي تيرادا، البالغ 82 عاماً، الذي وضع علمين يابانيين في عصابته، وكان قد شارك قبل 11 عاماً في نقل البرج من موقعه.

وقال تيرادا: «كنت أتساءل بشيء من القلق عمّا سأظل على قيد الحياة لأرى البرج يعود إلى مكانه».

ثم ابتسم قائلاً: «انظروا إليّ، لقد صمدت، وما زلت حياً أرزق وبكامل لياقتي البدنية».

وبينما يتحرك البرج سنتيمترات قليلة في كل مرة، تبدو العملية أكثر من مجرد مشروع ترميم؛ إنها فرصة لأهل هيروساكي للمشاركة بأيديهم في إعادة قطعة من تاريخ مدينتهم إلى مكانها.


هبة مجدي تقترب من العودة للدراما بعد تجاوز محنتها المرضية

هبة مجدي ظهرت على المسرح بإطلالة لافتة (حسابها على «فيسبوك»)
هبة مجدي ظهرت على المسرح بإطلالة لافتة (حسابها على «فيسبوك»)
TT

هبة مجدي تقترب من العودة للدراما بعد تجاوز محنتها المرضية

هبة مجدي ظهرت على المسرح بإطلالة لافتة (حسابها على «فيسبوك»)
هبة مجدي ظهرت على المسرح بإطلالة لافتة (حسابها على «فيسبوك»)

بعد فترة من الاحتجاب جراء إصابتها بمرض السرطان وخضوعها للعلاج، ظهرت الفنانة هبة مجدي لتشارك في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف الذي نظَّمته وزارة الأوقاف المصرية، الأربعاء، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقوبل ظهورها بتصفيق الحضور من الرئيس وقيادات الدولة بعدما غنت أغنية «خد بإيدي» التي كانت آخر ما غنتها الفنانة شادية قبل اعتزالها الفن عام 1984 وهي من كلمات الشاعرة علية الجعار، وألحان عبد المنعم البارودي.

وظهرت هبة مجدي بفستان أبيض طويل، وقامت بتغطية جانب من شعرها بما يليق بالأجواء الروحانية، وقد لفتت الأنظار بأداء اتسم بالخشوع، حيث إنها تمتلك موهبة الغناء، ودرست بمعهد الموسيقى العربية، وتجمع بين التمثيل والغناء.

وبعدما أنهت الأغنية استمهلها الرئيس السيسي ليطمئن على صحتها، ودعا لها، قائلاً: «في هذا اليوم الجميل وبهذا التوسل الطيب الذي قلتيه، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم وبنور وجهه الكريم، وبجاه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يسعدك ويعافيكي ويحميكي ويسترك وما يزعلكيش، اللهم أمين، إنتي وكل الناس».

وتوجَّهت هبة بالشكر للرئيس، وقد بدا عليها التأثر الشديد وهي تغادر المسرح.

دعاء الرئيس السيسي لها بالحفل لفت الاهتمام في مصر (فيسبوك)

وأثار هذا الموقف ردود فعل واسعة من رواد مواقع «السوشيال ميديا»، الذين عَدُّوا ظهور هبة مجدي على المسرح مجدداً يُبشر بقرب تعافيها وعودتها للفن، ولتتصدر «الترند» عبر منصتَي «غوغل» و«إكس» بمصر، الخميس.

ونشرت هبة عبر حسابها على «فيسبوك» مقطع دعاء الرئيس لها، وكتبت: «تشرفت بالغناء في احتفالية المولد النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم أمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اللهم لك الحمد»، في حين وجه زوجها المطرب محمد محسن الشكر للرئيس السيسي، معرباً عن تقديره له. وكتب: «خالص الشكر والتقدير لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على اللفتة الإنسانية الطيبة التي لن ننساها أبداً طوال عمرنا».

ولقي ظهور هبة مجدي، لأول مرة بعد فترة غياب، تشجيعاً ومساندة من الجمهور والفنانين. ووجَّهت الفنانة نهال عنبر، مسؤولة الملف الصحي بمجلس نقابة المهن التمثيلية، رسالة دعم ومحبة لهبة، وشكر للرئيس عبر حسابها بـ«فيسبوك»، جاء فيها: «ربنا يتم شفاكي على خير حبيبتي، وألف شكر سيادة الرئيس لدعمك المعنوي لأبنائك»، بينما كتبت الفنانة نورهان: «تستحقين كل الخير حبيبتي. تستحقين الحب كله، وهذا ليس كثيراً عليكِ».

وعَدّ الناقد الفني المصري طارق الشناوي مشاركة هبة بحفل المولد النبوي خطوة لعودتها لفنها، مؤكداً أنها «كانت مقاتلة ومحاربة طوال الفترة الماضية»، مدللاً على ذلك بأنها «قامت بتصوير مسلسل (المداح) في عز مرضها، وتكتمت آلامها حتى أنعم الله عليها بالشفاء». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لقد رأيت وجهها مضيئاً، وحضورها كان لافتاً بالحفل، وإطلالتها تليق بجلال المناسبة».

وعبَّر الشناوي عن تقديره لهبة، مؤكداً أنها ممثلة موهوبة منذ إطلالتها الأولى، وقال: «رغم أنها تمتلك كل مقومات البطولة المطلقة فإنها لم تحظَ بها، لكنها تجعل من كل أدوارها بطولة، إذ تمنحها لمحة خاصة تجعل الدور مضيئاً وله صدى»، لافتاً إلى أن إطلالتها بالحفل أقرب ما تكون لـ«عربون محبة» للجمهور، وقد أضفت لمحات من السعادة على الملايين من محبيها، متوقعاً أن يكون الحفل بداية لعودتها للحياة الفنية، وأن الوسط الفني كله يرحب بها، والجمهور يترقب ظهورها مجدداً عبر أعمالها الدرامية.

نقاد عدّوا مشاركتها بالحفل بداية لعودتها الفنية (حسابها على «فيسبوك»)

في حين أكدت الأديبة والمخرجة عزة كامل أنها تتمنى أن تكون هبة قد شفيت من المرض واستعادت صحتها، لا سيما وقد بذلت مجهوداً في التحضير للحفل والبروفات وهو ما قد يكون مؤشراً لتعافيها. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هبة لا تزال صغيرة، وأمامها الوقت لتستعيد كامل صحتها واستئناف نشاطها الفني بصفتها ممثلةً موهوبةً وذات حضور خاص، وقد اكتسبت محبة الجمهور بوجهها البريء وأدوارها المؤثرة».

وكشفت هبة مجدي عن مرضها قبل شهرين بعدما كتبت على حسابها بموقع «فيسبوك»: «الحمد لله في أصعب وأشد مرض»، لتنهال عليها دعوات زملائها الفنانين والجمهور، متمنين لها الشفاء العاجل، في حين تبين لاحقاً أنها أُصيبت بالمرض في سبتمبر (أيلول) 2025 ولم تشأ أن تُعلنه، وواصلت تصوير دورها خلال فترة علاجها بمسلسلَي «المداح» و«نون النسوة» اللذين عُرضا خلال شهر رمضان الماضي، وكشف المطرب محمد محسن حينئذٍ عن أنهما فضَّلا الصمت والتركيز على العلاج واحتفظا بتفاصيل المرض داخل أسرتهما الصغيرة.

وتُعدُّ هبة مجدي التي أتمت عامها الـ38 في يوليو (تموز) الماضي صاحبة رصيد كبير ومميز من الأعمال الدرامية، ومن بينها مسلسلات «قاسم أمين»، و«مباراة زوجية»، و«عائلة الحاج نعمان»، و«المداح» بأجزائه المختلفة، و«ولد الغلابة»، و«حرب الجبالي»، و«ساعته وتاريخه».