خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: تخزين الكهرباء ينتقل من الحل المساند إلى بنية تحتية أساسية

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
TT

خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

خلف مشروعات الشمس والرياح التي تعيد رسم خريطة الطاقة في السعودية، تتشكل سوق جديدة عنوانها تخزين الكهرباء. فمع اتساع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تبرز البطاريات كحلقة أساسية في المنظومة، تحفظ الكهرباء عندما تتوفر وتعيد ضخها إلى الشبكة عندما تشتد الحاجة إليها.

ولا يقتصر هذا التحول على إضافة تقنية جديدة إلى قطاع الكهرباء، بل يؤسس تدريجياً لنشاط استثماري قائم بذاته، تتحول فيه البطاريات من حل مساند لمشروعات الطاقة المتجددة إلى جزء من البنية التحتية اللازمة لإدارة الكهرباء وتعزيز مرونة الشبكة وموثوقيتها.

وتتقدم السعودية خطوة جديدة في هذا المسار مع توقيع الشركة السعودية لشراء الطاقة أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة بالبطاريات، بإجمالي سعة يبلغ 2000 ميغاواط لمدة 4 ساعات، واستثمارات تتجاوز 4.35 مليار ريال (1.16 مليار دولار)، بحضور الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية ورئيس مجلس مديري الشركة، أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة باستخدام البطاريات.

4 مشروعات ترسم سوق التخزين

تتضمن المجموعة الأولى ثلاثة مشروعات جرى توقيعها مع تحالف «الشركة السعودية للطاقة» و«أكوا» وشركة «الشريف للمقاولات والتنمية التجارية»، وهي «الموية» و«حضن» في منطقة مكة المكرمة، و«الكهفة» في منطقة حائل، بسعة 500 ميغاواط لكل مشروع ولمدة 4 ساعات.

كما تشمل المجموعة مشروع «الخشيبي» في منطقة القصيم، بالسعة نفسها، وجرى توقيع اتفاقيته مع تحالف شركة «إنجي» وشركة «الحاج عبد الله علي رضا وشركاه المحدودة».

وتأتي هذه المشروعات ضمن أول مجموعة من مشروعات تخزين الطاقة التي يجري تنفيذها بنموذج البناء والتملك والتشغيل، في إطار جهود منظومة الطاقة لتعزيز موثوقية وكفاءة إنتاج الكهرباء في السعودية.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية خلال حضوره توقيع الاتفاقيات (وزارة الطاقة)

«التخزين»... يعزز الطاقة المتجددة

وفي قراءة تحليلية للمشروع، قال كبير مستشاري وزير البترول السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التوجُّه يأتي في صلب احتياجات المرحلة المقبلة لقطاع الطاقة، في ظل التوسع المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة.

وأوضح أن مشروع تخزين الطاقة بالبطاريات يمثل رافعة أساسية لتعزيز مكانة مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية والرياح، ضمن منظومة توليد الكهرباء في السعودية.

وأكد الصبان أن أهمية التخزين تنبع من طبيعة مصادر الطاقة المتجددة، إذ إن الاستفادة من الطاقة التي تنتجها تتركز في نطاق زمني محدود لا يتجاوز عادةً 4 ساعات، مما يجعل تخزينها في البطاريات عاملاً مهماً لإطالة فترة الاستفادة منها وإتاحتها لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء في أوقات لاحقة.

وأشار إلى أن السعة الحالية، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية بمفردها في ظل تقلبات الأجواء وقِصر الفترة التي يمكن خلالها الاستفادة من الطاقة الشمسية، خصوصاً بعد غروب الشمس، وهو ما يعزز أهمية هذه المشروعات في المرحلة المقبلة لرفع كفاءة الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.

«التخزين» يعيد تشكيل منظومة الكهرباء

من جهته، يرى المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن توقيع هذه الاتفاقيات في وقت واحد يحمل دلالة مهمة، وهي أن السعودية لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها مجرد إضافة قدرات إنتاجية جديدة، بل تنتقل إلى بناء منظومة كهرباء متكاملة تشمل التوليد والتخزين وإدارة الأحمال ورفع موثوقية الشبكة.

وأوضح أن التخزين يمثل الحلقة التي تحوّل الطاقة الشمسية والرياح من مصادر متقطعة إلى مصادر يمكن إدارتها والاستفادة منها وقت الحاجة، معتبراً أن ذلك يعكس مرحلة أكثر نضجاً في قطاع الكهرباء، خصوصاً مع التوسُّع الكبير المستهدف في مصادر الطاقة المتجددة.

وأضاف أن هذه المشروعات تسهم اقتصادياً في تحسين كفاءة استخدام الأصول الكهربائية وتقليل الحاجة إلى بناء قدرات تقليدية تعمل فقط خلال ساعات الذروة، إلى جانب تعزيز استقرار الشبكة، مشدداً على أن القيمة لا تكمن في البطاريات وحدها، بل في المرونة التي تضيفها إلى النظام الكهربائي بالكامل.

المليارات... فرصة للمحتوى المحلي

ويرى العطاس أن «قيمة العقود تمثل فرصة جيدة للمحتوى المحلي، مع ضرورة التفريق بين تصنيع البطاريات نفسها وبقية مكونات سلسلة القيمة»، متوقعاً أن تتركز هذه الفرص في المرحلة الأولى في الأعمال المدنية والكهربائية والإنشاءات والتركيب والتشغيل والصيانة، إضافة إلى بعض أعمال التجميع والأنظمة المساندة، بينما تظل الخلايا وتقنيات البطاريات المتقدمة أكثر اعتماداً على الاستيراد في البداية.

وشدد على أن الأهم اقتصادياً هو حجم السوق المستقبلية، فتحوّل السعودية إلى سوق كبيرة ومستقرة لمشروعات التخزين قد يخلق حافزاً حقيقياً لتوطين مصانع التجميع، ثم بعض المكونات، وربما التصنيع بشكل أوسع لاحقاً، لافتاً إلى أن الصناعة لا تنتقل إلى السوق لمجرد وجود مشروع أو مشروعين، بل حين ترى طلباً مستداماً وحجماً اقتصادياً واضحاً، وهو ما يبرز أهمية استمرار برنامج التخزين في السعودية.

أصل استثماري مستقل

ويعتقد العطاس أن هذه المشروعات تمثل خطوة مهمة نحو التعامل مع تخزين الطاقة باعتباره فئة أصول استثمارية مستقلة، وليس مجرد مكون تابع لمحطة شمسية أو رياح، موضحاً أن وجود عقود طويلة الأجل لمدة 15 عاماً، وهيكل تعاقدي واضح، وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها، يجعل هذا النوع من الأصول أكثر جاذبية للمستثمرين وممولي المشروعات.

وأشار إلى أن جاذبية التخزين مقارنة بمحطات التوليد التقليدية تكمن في تقديمه خدمة مختلفة تتمثل في المرونة وتوفير الطاقة عند الحاجة إليها، بينما يعالج، مقارنة بمشروعات الطاقة المتجددة، أحد أكبر تحدياتها، وهو عدم تطابق وقت الإنتاج مع وقت الطلب.

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

«أكوا» توسع حضورها في البنية التحتية للطاقة

وتبرز «أكوا» بوصفها أحد الأطراف الرئيسية في المشروعات الثلاثة في مكة المكرمة وحائل، مع حصة تقارب 35 في المائة، ويرى العطاس أن ذلك يعكس توجهاً نحو بناء محفظة أوسع من أصول البنية التحتية للطاقة، وليس الاقتصار على مشروعات إنتاج الكهرباء.

وتستهدف السعودية، من خلال هذه المشروعات، زيادة حصة الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الطاقة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 50 في المائة بحلول 2030، بما يتناسب مع نمو الطلب على الكهرباء، وبما يسهم في تعزيز موثوقية وكفاءة المنظومة ومرونتها التشغيلية.

وتتولى الشركة السعودية لشراء الطاقة، بصفتها «المشتري الرئيس»، إعداد الدراسات التمهيدية وطرح مشروعات توليد الكهرباء وتخزين الطاقة، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء الطاقة واتفاقيات خدمات تخزين الطاقة مع التحالفات المطورة.

ولا تقتصر إعادة تشكيل منظومة الكهرباء على إضافة قدرات التخزين، إذ تتزامن هذه الخطوة مع تحرك موازٍ لتعزيز البنية التحتية للشبكة نفسها، بما يواكب التوسع المتوقع في مصادر التوليد الجديدة. فقد وقَّعت «الشركة السعودية للطاقة» اتفاقية تعاون مع «بي بي آي فرانس» لتمويل مشروعات تطوير وتوسعة شبكة الكهرباء، وتوفير حلول تمويلية للمشتريات والمشروعات التي تنفذها الشركة.

وجرى توقيع الاتفاقية خلال الطاولة المستديرة للاستثمار السعودي - الفرنسي في باريس، بالتزامن مع الزيارة الرسمية للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا.

وتستند الاتفاقية إلى مذكرة تفاهم سابقة لإنشاء تسهيل مالي تصل قيمته إلى 3 مليارات دولار، بهدف دعم برنامج المشتريات ومشروعات البنية التحتية الكهربائية، بما في ذلك المعدات المرتبطة باستقرار الشبكة.

في المحصلة، فإن المشهد الذي يتشكل اليوم لا يتعلق بالبطاريات وحدها، بل بما يمكن أن تصبح عليه منظومة الكهرباء السعودية في السنوات المقبلة: طاقة شمسية ورياح تنتج الكهرباء، وبطاريات تحفظها، وشبكة أكثر قدرة على نقلها وإدارتها وقت الحاجة. وبين هذه الحلقات، تتشكل سوق جديدة قد تكون واحدة من أبرز قصص الاستثمار في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

السعودية تمدِّد تعليق العمليات التشغيلية بمطار الرياض

الخليج مطار الملك خالد الدولي بالرياض (الشرق الأوسط) p-circle 00:29

السعودية تمدِّد تعليق العمليات التشغيلية بمطار الرياض

أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودي تمديد تعليق العمليات التشغيلية في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، لاستكمال الإجراءات اللازمة للتحقق من سلامة المرافق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد 
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما كانت الظروف، واصفاً الرياض بأنها.

عبير حمدي (الرياض)
رياضة سعودية من المباراة التي جمعت الشباب والتعاون ضمن الدوري السعودي (واس)

مدرب الشباب يبدي تضامنه مع السعودية... ويشيد بأداء لاعبيه

أبدى الألماني توماس ليتش، مدرب الشباب، تضامنه مع السعودية في ظل الظروف الراهنة، وما تخللها من اعتداءات إرهابية من الميليشيات الحوثية.

عبد العزيز الصميلة (الرياض )
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج حملت الشاحنات الإغاثية السعودية على متنها 3 آلاف و240 سلة غذائية (واس)

9 شاحنات إغاثية سعودية تصل إلى عدن

وصلت 9 شاحنات إغاثية إلى مديرية خور مكسر بمحافظة عدن، السبت، تحمل على متنها 3 آلاف و240 سلة غذائية مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم من البنوك وتراجع أسعار النفط

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بدعم من البنوك وتراجع أسعار النفط

رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
رسم بياني لمؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية، يوم الاثنين، بقيادة أسهم البنوك، مع تراجع أسعار النفط، وسط آمال بالتوصل إلى هدنة بين روسيا وأوكرانيا تشمل منشآت الطاقة، في حين يترقب المستثمرون انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات بحثاً عن محفّزات جديدة للأسواق.

وصعد مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.43 في المائة إلى 634.25 نقطة، بحلول الساعة 07:09 بتوقيت غرينتش. وقفز مؤشر «إيبكس» الإسباني، الذي تتمتع أسهم البنوك بوزن كبير فيه، بنسبة 1.3 في المائة، مسجلاً أكبر مكاسب بين المؤشرات الأوروبية الرئيسية، وفق «رويترز».

وتراجعت أسعار النفط، وسط توقعات بزيادة الإمدادات الروسية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، عقب التوصل لاتفاق أميركي روسي بشأن إمدادات الديزل.

كما انخفضت عوائد السندات بمنطقة اليورو، يوم الاثنين، ما عزَّز معنويات المستثمرين تجاه الأصول الأكثر مخاطرة.

ويتطلع المستثمرون إلى تقارير نتائج الشركات الأوروبية، لتقييم أوضاعها المالية والتشغيلية، في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ومن المقرر أن تعلن مجموعة «إل في إم إتش» نتائجها بعد إغلاق الأسواق الأوروبية، في حين يُنتظر أن تعلن شركة «إيه إس إم إل»، المتخصصة في مُعدات صناعة أشباه الموصلات، وشركة الاستثمار «إي كيو تي»، نتائجهما، في وقت لاحق من الأسبوع.

وفي تحركات الأسهم الفردية، ارتفع سهم شركة «نوردكس» بنسبة 2.5 في المائة، بعدما أعلنت الشركة المصنِّعة لتوربينات الرياح البرية زيادة طلبيات مشروعاتها، خلال الربع الثالث، بنسبة 30 في المائة على أساس سنوي.


ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ميراس: لا يمكن التضحية بأمن الطاقة أو استدامتها أو القدرة على تحمل تكاليفها

بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)
بيدرو ميراس يتحدث إلى الحضور مع انطلاق مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، أن العالم يحتاج إلى مزيد من الطاقة من مصادر متعددة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي، مشدداً على ضرورة تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة والتنمية الاقتصادية، دون التضحية بأي من هذه الأولويات.

وقال ميراس، في كلمته خلال افتتاح مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض، إن الرياض هي المكان الأكثر ملاءمة لاستضافة المؤتمر، مشيراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه السعودية في منظومة الطاقة العالمية، واستمرارها في قيادة الاستثمارات والابتكار والتقدم التكنولوجي في القطاع.

وأضاف أن المؤتمر، الذي يجمع على مدى أربعة أيام قادة الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والتكنولوجيا والتمويل والمؤسسات الدولية، يشكل منصة لمناقشة سبل تلبية احتياجات العالم المتزايدة من الطاقة، مع دعم الازدهار والاستدامة والأمن للأجيال المقبلة.

وأشار إلى أن العالم يمر بمرحلة تشهد تحولات عميقة وتحديات كبيرة وفرصاً استثنائية، في ظل توقعات باقتراب عدد سكان العالم من 10 مليارات نسمة بحلول منتصف القرن، وما يصاحب ذلك من زيادة الطلب على الطاقة نتيجة النمو السكاني والتوسع الحضري وتحسن مستويات المعيشة.

وأوضح أن استهلاك الطاقة والتنمية البشرية سارا جنباً إلى جنب على امتداد التاريخ الحديث، إذ أسهم توفر الطاقة في تحسين الصحة والتعليم ومستويات المعيشة، مؤكداً أن مواصلة التقدم البشري تتطلب توفير المزيد من الطاقة.

ولفت إلى أن النفط والغاز لا يزالان يوفران حصة كبيرة من احتياجات العالم من الطاقة، رغم عقود من الابتكار والنمو في التقنيات الجديدة، معتبراً أن ذلك يؤكد حجم التحدي المقبل والحاجة إلى الاستفادة من مصادر الطاقة المتعددة.

أربعة محاور لمستقبل الطاقة

وشدد ميراس على أن التحدي لم يعد يتمثل في المفاضلة بين أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها والاستدامة، بل في تحقيق التقدم في هذه المجالات بالتوازي مع التنمية الاقتصادية.

وقال إن مليارات الأشخاص حول العالم يتطلعون إلى تحسين ظروفهم المعيشية والحصول على خدمات صحية وتعليمية أفضل وفرص اقتصادية أوسع، وهو ما يتطلب إتاحة الطاقة بصورة موثوقة ومواصلة الاستثمار في منظومتها.

وأضاف أن الدول تختلف في ظروفها ومواردها وأولوياتها ومراحلها التنموية، الأمر الذي يستدعي اعتماد مسارات متنوعة لتحقيق مستقبل الطاقة، والاستفادة من مجموعة واسعة من التقنيات والحلول، مشيراً إلى أن هذا التنوع يمثل مصدر قوة.

وأكد أن الحياد التقني يظل أحد المبادئ الأساسية لمجلس الطاقة العالمي للبترول، بما يتيح لمختلف مصادر الطاقة والتقنيات الإسهام في بناء منظومة آمنة وميسورة التكلفة ومستدامة.

الابتكار لا يكفي دون استثمارات وشراكات

وفيما يتعلق بالتطورات التقنية، قال ميراس إن الذكاء الاصطناعي والرقمنة والمواد المتقدمة والوقود الجديد والهيدروجين وتقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب تقنيات أخرى، تعيد تشكيل مشهد الطاقة العالمي.

لكنه شدد على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق التحول المنشود، إذ يتطلب الأمر سياسات فعالة وأطراً تنظيمية مستقرة وقابلة للتنبؤ واستثمارات طويلة الأجل، فضلاً عن تعزيز التعاون الدولي.

وأوضح أن أمن الطاقة يظل أساسياً للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ورفاه الإنسان، وأن التحول الناجح في قطاع الطاقة لا يمكن أن يتحقق دون ضمان أمن الإمدادات، كما أن استدامة هذا الأمن على المدى الطويل تتطلب استثمارات كافية في مختلف مكونات منظومة الطاقة.

وأضاف أن أي دولة أو شركة أو تقنية لا تستطيع بمفردها معالجة تحديات الطاقة العالمية، مؤكداً أهمية الشراكات بين الحكومات والقطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية والمؤسسات الدولية.

الرياض منصة للحوار العالمي

وأعرب ميراس عن تقديره للمملكة ووزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وللجهود التي أسهمت في تنظيم المؤتمر واستضافته في الرياض.

وبيَّن أن مجلس البترول العالمي يوفر، منذ أكثر من 90 عاماً، منصة تجمع الحكومات والصناعة والأوساط الأكاديمية والمؤسسات الدولية لتبادل الأفكار وتعميق الفهم واستكشاف الحلول العملية لتحديات القطاع.

وأشار إلى أن أهمية الحوار والتعاون تتزايد في ظل حالة عدم اليقين والتشرذم التي يشهدها العالم، معرباً عن تطلعه إلى أن تسهم مناقشات المؤتمر في تطوير الشراكات واستكشاف الابتكارات التي ستشكل مستقبل الطاقة.

واختتم بالتأكيد على أن الهدف يتمثل في بناء مستقبل للطاقة لا يترك أحداً خلف الركب، ويحقق التقدم في أمن الإمدادات والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة والتنمية الاقتصادية، استناداً إلى الابتكار والتعاون والاحترام المتبادل.


الروبية الهندية تقفز1 % في بداية الأسبوع بدعم من إجراءات «المركزي»

شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
TT

الروبية الهندية تقفز1 % في بداية الأسبوع بدعم من إجراءات «المركزي»

شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
شعار بنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)

قفزت الروبية الهندية بنحو 1 في المائة، يوم الاثنين، بعدما اتخذ البنك المركزي الهندي إجراءات لتحويل مشتريات شركات النفط من الدولار، بعيداً عن السوق الفورية، والحد من طلب الشركات على الدولار عبر العقود الآجلة، في مسعى لتخفيف الضغوط على العملة المحلية.

وافتتحت الروبية التداولات عند 95.76 مقابل الدولار، مقارنة بإغلاق بلغ 96.73 روبية، يوم الجمعة. وسجّلت العملة الهندية أداءً لافتاً في أسواق الصرف الآسيوية، في وقت تحركت فيه معظم العملات الإقليمية ضِمن نطاقات ضيقة. وعلى الرغم من هذا الارتفاع، فلا تزال الروبية منخفضة بنسبة 6.6 في المائة منذ بداية العام، وفق «رويترز».

وقال اقتصاديون في «سيتي» إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي قد تؤدي إلى ارتفاع أولي وسريع في قيمة الروبية، يعقبه استقرار نسبي.

وأضافوا، في مذكرة صدرت يوم الاثنين، أن الحزمة الجديدة ترفع الكلفة قصيرة الأجل للمراهنة على انخفاض الروبية، لكنها لا تعالج الضغوط الأساسية في ميزان المدفوعات.

كان بنك الاحتياطي الهندي قد أعلن، يوم السبت، سلسلة تدابير تستهدف مصدرين رئيسيين للضغوط على العملة: الطلب المستمر على الدولار من شركات تسويق النفط، الذي تفاقم بفعل ارتفاع أسعار الخام، وطلب الشركات على التحوّط من مزيد من التراجع بقيمة الروبية.

وقد دفعت توقعات استمرار ضعف العملة المستوردين إلى زيادة مشتريات الدولار عبر العقود الآجلة إلى مستويات قياسية، خلال الشهر الماضي، تحسّباً لارتفاع تكاليف الاستيراد مستقبلاً. وأسهم هذا الطلب على التحوّط، بدوره، في زيادة الضغوط على الروبية، ضمن حلقة متصاعدة من توقعات انخفاض العملة وزيادة التحوّط، بما يعزز ضعفها.

إجراءات أكثر تشدداً من «المركزي»

وفي إطار هذه التدابير، حظر البنك المركزي على الشركات إعادة حجز عقود المشتقات المرتبطة بالروبية التي سبق إلغاؤها، وخفّض الحد المسموح به للمعاملات التي لا تستند إلى تعرّض فعليّ لمخاطر الصرف، كما ألزم المصارف بتخصيص احتياطي نقدي يعادل 20 في المائة من قيمة بعض عقود الصرف الأجنبي. ومِن شأن هذه الخطوات أن ترفع كلفة التحوّط ضد تراجع الروبية.

وأوضح مصرفيون أن متطلبات الاحتياطي لا تشمل جميع معاملات الصرف الأجنبي، بل تقتصر على المعاملات المرتبطة بالحساب الجاري، كما أنها لا تنطبق على الشركات التي تتحوّط من مخاطر القروض التجارية الخارجية، ولا على المستثمرين الأجانب في المحافظ المالية الذين يتحوّطون من مخاطر استثماراتهم في الهند.

وقد تؤدي هذه المتطلبات إلى زيادة كلفة التحوّط لدى المستوردين بما يتراوح بين 80 و150 نقطة أساس، وفق حجم التكاليف الإضافية التي ستنقلها المصارف إلى عملائها، وفقاً للمصرفيين.

استدامة تعافي الروبية لا تزال موضع اختبار

وعلى الرغم من الارتفاع الحاد الذي سجلته الروبية، عقب إعلان الإجراءات، يرى محللون أن استدامة التعافي ستتوقف على مدى انحسار الضغوط الأساسية التي تتعرض لها العملة.

وقال محللون في بنك «إيه إن زد» إن التراجع التدريجي للروبية مرجَّح أن يستأنف مساره ما لم تتحسن الضغوط على ميزان المدفوعات على نطاق أوسع، وذلك بعد انحسار الأثر الأولي للإجراءات الجديدة.

وأبقى البنك على توقعاته بتراجع الروبية على المدى المتوسط، مشيراً إلى أنه سيعيد تقييم توقعاته لمستويات العملة بعد مراجعة بيانات التحوّط من مخاطر الصرف واحتياطات النقد الأجنبي خلال الأسابيع المقبلة.

في هذا السياق، انخفضت احتياطات الهند من النقد الأجنبي إلى 734 مليار دولار، في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بعدما سجلت مستوى قياسياً بلغ 785 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الاحتياطات قد تعززت بتدفقات تجاوزت 140 مليار دولار، جُمعت من خلال تدابير حكومية استهدفت جذب رؤوس الأموال من الهنود المقيمين بالخارج، إلى جانب الاقتراض الخارجي للمصارف والشركات المملوكة للدولة.