خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: تخزين الكهرباء ينتقل من الحل المساند إلى بنية تحتية أساسية

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
TT

خلف الشمس والرياح... السعودية تستثمر في «الطاقة المخزنة»

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)
«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

خلف مشروعات الشمس والرياح التي تعيد رسم خريطة الطاقة في السعودية، تتشكل سوق جديدة عنوانها تخزين الكهرباء. فمع اتساع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تبرز البطاريات كحلقة أساسية في المنظومة، تحفظ الكهرباء عندما تتوفر وتعيد ضخها إلى الشبكة عندما تشتد الحاجة إليها.

ولا يقتصر هذا التحول على إضافة تقنية جديدة إلى قطاع الكهرباء، بل يؤسس تدريجياً لنشاط استثماري قائم بذاته، تتحول فيه البطاريات من حل مساند لمشروعات الطاقة المتجددة إلى جزء من البنية التحتية اللازمة لإدارة الكهرباء وتعزيز مرونة الشبكة وموثوقيتها.

وتتقدم السعودية خطوة جديدة في هذا المسار مع توقيع الشركة السعودية لشراء الطاقة أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة بالبطاريات، بإجمالي سعة يبلغ 2000 ميغاواط لمدة 4 ساعات، واستثمارات تتجاوز 4.35 مليار ريال (1.16 مليار دولار)، بحضور الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية ورئيس مجلس مديري الشركة، أربع اتفاقيات لمشروعات مستقلة لتخزين الطاقة باستخدام البطاريات.

4 مشروعات ترسم سوق التخزين

تتضمن المجموعة الأولى ثلاثة مشروعات جرى توقيعها مع تحالف «الشركة السعودية للطاقة» و«أكوا» وشركة «الشريف للمقاولات والتنمية التجارية»، وهي «الموية» و«حضن» في منطقة مكة المكرمة، و«الكهفة» في منطقة حائل، بسعة 500 ميغاواط لكل مشروع ولمدة 4 ساعات.

كما تشمل المجموعة مشروع «الخشيبي» في منطقة القصيم، بالسعة نفسها، وجرى توقيع اتفاقيته مع تحالف شركة «إنجي» وشركة «الحاج عبد الله علي رضا وشركاه المحدودة».

وتأتي هذه المشروعات ضمن أول مجموعة من مشروعات تخزين الطاقة التي يجري تنفيذها بنموذج البناء والتملك والتشغيل، في إطار جهود منظومة الطاقة لتعزيز موثوقية وكفاءة إنتاج الكهرباء في السعودية.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية خلال حضوره توقيع الاتفاقيات (وزارة الطاقة)

«التخزين»... يعزز الطاقة المتجددة

وفي قراءة تحليلية للمشروع، قال كبير مستشاري وزير البترول السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التوجُّه يأتي في صلب احتياجات المرحلة المقبلة لقطاع الطاقة، في ظل التوسع المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة.

وأوضح أن مشروع تخزين الطاقة بالبطاريات يمثل رافعة أساسية لتعزيز مكانة مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية والرياح، ضمن منظومة توليد الكهرباء في السعودية.

وأكد الصبان أن أهمية التخزين تنبع من طبيعة مصادر الطاقة المتجددة، إذ إن الاستفادة من الطاقة التي تنتجها تتركز في نطاق زمني محدود لا يتجاوز عادةً 4 ساعات، مما يجعل تخزينها في البطاريات عاملاً مهماً لإطالة فترة الاستفادة منها وإتاحتها لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء في أوقات لاحقة.

وأشار إلى أن السعة الحالية، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية بمفردها في ظل تقلبات الأجواء وقِصر الفترة التي يمكن خلالها الاستفادة من الطاقة الشمسية، خصوصاً بعد غروب الشمس، وهو ما يعزز أهمية هذه المشروعات في المرحلة المقبلة لرفع كفاءة الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.

«التخزين» يعيد تشكيل منظومة الكهرباء

من جهته، يرى المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن توقيع هذه الاتفاقيات في وقت واحد يحمل دلالة مهمة، وهي أن السعودية لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة باعتبارها مجرد إضافة قدرات إنتاجية جديدة، بل تنتقل إلى بناء منظومة كهرباء متكاملة تشمل التوليد والتخزين وإدارة الأحمال ورفع موثوقية الشبكة.

وأوضح أن التخزين يمثل الحلقة التي تحوّل الطاقة الشمسية والرياح من مصادر متقطعة إلى مصادر يمكن إدارتها والاستفادة منها وقت الحاجة، معتبراً أن ذلك يعكس مرحلة أكثر نضجاً في قطاع الكهرباء، خصوصاً مع التوسُّع الكبير المستهدف في مصادر الطاقة المتجددة.

وأضاف أن هذه المشروعات تسهم اقتصادياً في تحسين كفاءة استخدام الأصول الكهربائية وتقليل الحاجة إلى بناء قدرات تقليدية تعمل فقط خلال ساعات الذروة، إلى جانب تعزيز استقرار الشبكة، مشدداً على أن القيمة لا تكمن في البطاريات وحدها، بل في المرونة التي تضيفها إلى النظام الكهربائي بالكامل.

المليارات... فرصة للمحتوى المحلي

ويرى العطاس أن «قيمة العقود تمثل فرصة جيدة للمحتوى المحلي، مع ضرورة التفريق بين تصنيع البطاريات نفسها وبقية مكونات سلسلة القيمة»، متوقعاً أن تتركز هذه الفرص في المرحلة الأولى في الأعمال المدنية والكهربائية والإنشاءات والتركيب والتشغيل والصيانة، إضافة إلى بعض أعمال التجميع والأنظمة المساندة، بينما تظل الخلايا وتقنيات البطاريات المتقدمة أكثر اعتماداً على الاستيراد في البداية.

وشدد على أن الأهم اقتصادياً هو حجم السوق المستقبلية، فتحوّل السعودية إلى سوق كبيرة ومستقرة لمشروعات التخزين قد يخلق حافزاً حقيقياً لتوطين مصانع التجميع، ثم بعض المكونات، وربما التصنيع بشكل أوسع لاحقاً، لافتاً إلى أن الصناعة لا تنتقل إلى السوق لمجرد وجود مشروع أو مشروعين، بل حين ترى طلباً مستداماً وحجماً اقتصادياً واضحاً، وهو ما يبرز أهمية استمرار برنامج التخزين في السعودية.

أصل استثماري مستقل

ويعتقد العطاس أن هذه المشروعات تمثل خطوة مهمة نحو التعامل مع تخزين الطاقة باعتباره فئة أصول استثمارية مستقلة، وليس مجرد مكون تابع لمحطة شمسية أو رياح، موضحاً أن وجود عقود طويلة الأجل لمدة 15 عاماً، وهيكل تعاقدي واضح، وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها، يجعل هذا النوع من الأصول أكثر جاذبية للمستثمرين وممولي المشروعات.

وأشار إلى أن جاذبية التخزين مقارنة بمحطات التوليد التقليدية تكمن في تقديمه خدمة مختلفة تتمثل في المرونة وتوفير الطاقة عند الحاجة إليها، بينما يعالج، مقارنة بمشروعات الطاقة المتجددة، أحد أكبر تحدياتها، وهو عدم تطابق وقت الإنتاج مع وقت الطلب.

«مشروع بيشة» لتخزين الطاقة بالبطاريات (وزارة الطاقة السعودية)

«أكوا» توسع حضورها في البنية التحتية للطاقة

وتبرز «أكوا» بوصفها أحد الأطراف الرئيسية في المشروعات الثلاثة في مكة المكرمة وحائل، مع حصة تقارب 35 في المائة، ويرى العطاس أن ذلك يعكس توجهاً نحو بناء محفظة أوسع من أصول البنية التحتية للطاقة، وليس الاقتصار على مشروعات إنتاج الكهرباء.

وتستهدف السعودية، من خلال هذه المشروعات، زيادة حصة الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الطاقة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 50 في المائة بحلول 2030، بما يتناسب مع نمو الطلب على الكهرباء، وبما يسهم في تعزيز موثوقية وكفاءة المنظومة ومرونتها التشغيلية.

وتتولى الشركة السعودية لشراء الطاقة، بصفتها «المشتري الرئيس»، إعداد الدراسات التمهيدية وطرح مشروعات توليد الكهرباء وتخزين الطاقة، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء الطاقة واتفاقيات خدمات تخزين الطاقة مع التحالفات المطورة.

ولا تقتصر إعادة تشكيل منظومة الكهرباء على إضافة قدرات التخزين، إذ تتزامن هذه الخطوة مع تحرك موازٍ لتعزيز البنية التحتية للشبكة نفسها، بما يواكب التوسع المتوقع في مصادر التوليد الجديدة. فقد وقَّعت «الشركة السعودية للطاقة» اتفاقية تعاون مع «بي بي آي فرانس» لتمويل مشروعات تطوير وتوسعة شبكة الكهرباء، وتوفير حلول تمويلية للمشتريات والمشروعات التي تنفذها الشركة.

وجرى توقيع الاتفاقية خلال الطاولة المستديرة للاستثمار السعودي - الفرنسي في باريس، بالتزامن مع الزيارة الرسمية للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا.

وتستند الاتفاقية إلى مذكرة تفاهم سابقة لإنشاء تسهيل مالي تصل قيمته إلى 3 مليارات دولار، بهدف دعم برنامج المشتريات ومشروعات البنية التحتية الكهربائية، بما في ذلك المعدات المرتبطة باستقرار الشبكة.

في المحصلة، فإن المشهد الذي يتشكل اليوم لا يتعلق بالبطاريات وحدها، بل بما يمكن أن تصبح عليه منظومة الكهرباء السعودية في السنوات المقبلة: طاقة شمسية ورياح تنتج الكهرباء، وبطاريات تحفظها، وشبكة أكثر قدرة على نقلها وإدارتها وقت الحاجة. وبين هذه الحلقات، تتشكل سوق جديدة قد تكون واحدة من أبرز قصص الاستثمار في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

لبنان يدين محاولة استهداف مكة المكرمة

المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام ملتقياً مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بمقر دار الفتوى في بيروت في وقت سابق (الوكالة الوطنية للإعلام)

لبنان يدين محاولة استهداف مكة المكرمة

دان لبنان محاولة استهداف مدينة مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية بطائرة مسيَّرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق أضواء بدر في دور الفتاة الثرية المدللة بالفيلم (نتفليكس)

«المهايطية»… كوميديا «الأثرياء المفلسين» من هوليوود إلى الرياض

لطالما وجدت السينما في الأثرياء الذين يفقدون ثرواتهم مادة خصبة للكوميديا؛ فالسقوط المفاجئ من حياة البذخ إلى الإفلاس يصنع مفارقاته الخاصة.

إيمان الخطاف (الدمام)
الخليج البيان السعودي أشاد بيقظة قوات الدفاع الجوي التي تصدت لهذا الاعتداء (واس)

السعودية تشدّد على حق الدفاع عن أمنها وتدين محاولة استهداف الحوثي لـ«مكة»

شدَّدت السعودية على حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين وضيوف الرحمن وجميع أراضي المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)

خاص الرياض تفتح الطريق أمام نقل الطرود بلا سائق

تستعد الرياض لتجربة نقل الطرود بلا سائق، مع دخول تقنيات القيادة الذاتية مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة التنقل داخل المدن السعودية.

دانه الدريس (الرياض)
جانب من حفل الإعلان عن إطلاق الخط الجوي الجديد بين الرياض والعقبة (الشرق الأوسط)

«الملكية الأردنية» تطلق رحلات مباشرة بين الرياض والعقبة

أعلنت «الملكية الأردنية» تشغيل رحلات جوية مباشرة بين الرياض والعقبة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تراجع مخزونات النفط الأميركية بأقل من التوقعات

خزانات تخزين النفط الخام في مركز «كوشينغ» النفطي بمدينة كوشينغ في ولاية أوكلاهوما (رويترز)
خزانات تخزين النفط الخام في مركز «كوشينغ» النفطي بمدينة كوشينغ في ولاية أوكلاهوما (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط الأميركية بأقل من التوقعات

خزانات تخزين النفط الخام في مركز «كوشينغ» النفطي بمدينة كوشينغ في ولاية أوكلاهوما (رويترز)
خزانات تخزين النفط الخام في مركز «كوشينغ» النفطي بمدينة كوشينغ في ولاية أوكلاهوما (رويترز)

قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات الخام في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي، بينما ارتفعت مخزونات البنزين ونواتج التقطير.

وذكرت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات الخام تراجعت بمقدار 640 ألف برميل لتصل إلى 423.4 مليون برميل بالأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر (أيلول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، بانخفاض قدره 1.6 مليون برميل.

كما أشارت الإدارة إلى انخفاض مخزونات الخام في مركز التسليم بكوشينغ في ولاية أوكلاهوما بمقدار 342 ألف برميل خلال الأسبوع.

وأوضحت الإدارة أن معدلات تشغيل المصافي انخفضت بمقدار 256 ألف برميل يومياً، الأسبوع الماضي، في حين تراجعت معدلات استغلال الطاقة التكريرية بمقدار نقطة مئوية واحدة لتصل إلى 96.8 في المائة.

وارتفعت مخزونات البنزين الأميركية بمقدار 794 ألف برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 207.7 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين بانخفاض قدره مليون برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.6 مليون برميل لتصل إلى 107.9 مليون برميل، مقابل توقعات بزيادة قدرها 71 ألف برميل.

كما ذكرت الإدارة أن صافي واردات الولايات المتحدة من الخام انخفض بمقدار 1.18 مليون برميل يومياً.


الأسهم الأميركية ترتفع قبيل قرار «الفيدرالي» وسط ترقب لرسائل وارش

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

الأسهم الأميركية ترتفع قبيل قرار «الفيدرالي» وسط ترقب لرسائل وارش

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت مؤشرات الأسهم الأميركية في مستهل تعاملات الأربعاء، بعد تراجعها على مدى جلستين، مع حصول الأسواق على بعض الارتياح من انخفاض أسعار النفط، بينما يترقب المستثمرون قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة وتعليقات رئيسه كيفين وارش في وقت لاحق اليوم.

وصعد مؤشر «ناسداك المركب» 0.43 في المائة إلى 26093.28 نقطة، فيما ارتفع «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.19 في المائة إلى 7599.84 نقطة، بينما تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» 0.19 في المائة إلى 51993.85 نقطة، عند الساعة 9:38 صباحاً بتوقيت نيويورك.

ومن المقرر أن يعلن «الفيدرالي» قراره عند الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت نيويورك، في خطوة تحظى بأهمية كبيرة للأسواق، في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة، واستمرار التضخم فوق مستهدف البنك، وتصاعد تداعيات الصراع في الشرق الأوسط.

وتتجه أنظار المستثمرين، إلى جانب قرار الفائدة، إلى تصريحات وارش بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار التضخم وأسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وكانت الأسواق تسعّر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، احتمالاً يقارب 93 في المائة لرفع الفائدة.

ويأتي ذلك في ظل حساسية خاصة تجاه موقف وارش، الذي اختاره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة «الفيدرالي» وسط توقعات بأن يدفع باتجاه خفض أسعار الفائدة.

وفي المقابل، شدد وارش في تصريحات سابقة على استمرار تركيزه على احتواء ضغوط الأسعار.

وقال يونغ - شين كونغ، رئيس الاستثمار في «ماست إنفستمنتس»، إن تسعير الأسواق لرفع الفائدة «قد يكون مفرطاً في الثقة»، مشيراً إلى أن رفع الفائدة قد يكون أداة محدودة التأثير في مواجهة العوامل الرئيسية التي تدفع التضخم، ومنها الرسوم الجمركية والإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

النفط يمنح الأسواق متنفساً

وفي أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط بعد تقارير أفادت بأن السعودية تعرض شحنات إضافية من الخام عبر سلطنة عُمان، ما خفف المخاوف بشأن حجم اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 1.1 في المائة إلى 107.55 دولار للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط 1.9 في المائة إلى 103.82 دولار.

وانعكس انخفاض أسعار النفط على أسهم شركات الطاقة، التي سجلت أسوأ أداء بين القطاعات الرئيسية لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، متراجعة 2.1 في المائة، مع انخفاض سهمي «ديفون إنرجي» و«كونوكو فيليبس» بأكثر من 3 في المائة لكل منهما.

في المقابل، تصدرت أسهم المرافق والعقارات المكاسب، بارتفاع 0.6 و0.4 في المائة على التوالي، بينما ارتفع سهم «ميتا» 1.1 في المائة، في حين تراجع سهم «مايكروسوفت» بشكل طفيف.

وقفز سهم «إنتل» 5.6 في المائة بعد تقرير أفاد بأن شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية تجري محادثات مع الشركة بشأن تصنيع رقائق الذاكرة في الولايات المتحدة للمرة الأولى. وارتفعت الأسهم المدرجة في الولايات المتحدة لـ«إس كيه هاينكس» 2.5 في المائة.

وبذلك ظل تركيز الأسواق منصباً على اجتماع «الفيدرالي»، ليس فقط باعتباره اختباراً لمسار أسعار الفائدة، وإنما أيضاً لما ستكشفه تصريحات وارش عن مدى استعداد البنك لمواصلة التشديد النقدي في حال استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة.


مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة تقفز 1.2 % خلال أغسطس متجاوزةً التوقعات

أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)
أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)
TT

مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة تقفز 1.2 % خلال أغسطس متجاوزةً التوقعات

أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)
أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

ارتفعت مبيعات التجزئة الأميركية بنسبة 1.2 في المائة خلال أغسطس (آب)، متجاوزة التوقعات، في إشارة إلى استمرار قوة إنفاق المستهلكين رغم ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وذلك قبيل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.

وأظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية، الأربعاء، أن مبيعات التجزئة قفزت 1.2 في المائة الشهر الماضي، بعد تراجعها 0.5 في المائة في يوليو (تموز) وفق القراءة المعدلة. وكان اقتصاديون يتوقعون زيادة المبيعات 0.7 في المائة.

وحتى مع استبعاد مبيعات محطات الوقود، ارتفعت مبيعات التجزئة 1.1 في المائة خلال أغسطس، بينما سجلت المجموعة المستخدمة في احتساب النمو الاقتصادي، التي تستثني خدمات الطعام والسيارات ومواد البناء ومحطات الوقود، زيادة قوية بلغت 1.4 في المائة.

وتشير البيانات إلى أن المستهلك الأميركي لا يزال يمثل أحد مصادر القوة الرئيسية للاقتصاد، رغم تعرضه لضغوط من ارتفاع الأسعار.

وجاءت قوة الإنفاق في أغسطس بعد تراجع ملحوظ في يوليو، الذي ارتبط جزئياً بتوقيت عروض «أمازون برايم داي» والتغيرات الموسمية في مبيعات التجارة الإلكترونية.

وقال مايكل بيرس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «أكسفورد إيكونوميكس»، إن معظم فئات الإنفاق سجلت مكاسب «جيدة» حتى بعد أخذ العوامل الموسمية في الاعتبار، مع تصدر قطاعات الإنفاق التقديري، مثل خدمات الطعام والإلكترونيات والرياضة والترفيه.

وقالت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في «نافي فيدرال كريديت يونيون»، إن المستهلكين الأميركيين «ما زالوا ينفقون ويشترون»، عادّةً أن بيانات أغسطس أظهرت ارتداداً قوياً بعد ضعف الإنفاق في يوليو.

الوقود يضغط على القدرة الشرائية

ويأتي استمرار الإنفاق في وقت تتعرض فيه الأسر الأميركية لضغوط إضافية من ارتفاع أسعار الطاقة مع تجدد القتال في الشرق الأوسط.

وارتفع متوسط سعر غالون البنزين العادي إلى 4.37 دولار الأربعاء، وفق نادي السيارات الأميركي «AAA»، بزيادة تقارب 47 في المائة عن مستواه قبل اندلاع الحرب، عندما كان السعر أقل من 3 دولارات.

وكانت أسعار الديزل قد ارتفعت بوتيرة أسرع، بنحو 68 في المائة، وهو ما يحمل أهمية خاصة للاقتصاد نظراً لاستخدام الديزل على نطاق واسع في الشحن والنقل والتصنيع.

وتأتي هذه الزيادة في تكاليف الطاقة بعد بيانات أظهرت ارتفاع أسعار المستهلكين 3.4 في المائة في أغسطس على أساس سنوي، وبنسبة 0.4 في المائة مقارنة بيوليو، مقابل زيادة شهرية بلغت 0.1 في المائة في الشهر السابق.

صمود الإنفاق لا يلغي المخاوف

ورغم قوة مبيعات التجزئة، بدأ المستهلكون يصبحون أكثر انتقائية في مشترياتهم، وفق نتائج الشركات الفصلية الأخيرة. كما لجأت بعض شركات التجزئة، ومنها «وول مارت» و«مايسيز»، إلى استخدام جزء من المبالغ المستردة من الرسوم الجمركية لخفض أسعار بعض السلع.

وقال مارك ماثيوز، كبير الاقتصاديين في الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة، إن مبيعات التجزئة جاءت أفضل من المتوقع هذا العام، لكنه أشار إلى أن الفوارق في أنماط الإنفاق بين الأسر ذات الدخل المرتفع والمنخفض بدأت في التراجع خلال الأشهر الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، يتوقع الاتحاد أن يكون سبتمبر (أيلول) أكثر شهور العام ازدحاماً من حيث حجم الواردات في الموانئ الأميركية الرئيسية للحاويات، متجاوزاً شهري يوليو وأغسطس اللذين يشهدان عادة ذروة موسم الاستيراد.

لكن استمرار ارتفاع أسعار الوقود يثير مخاوف بشأن قدرة المستهلكين على الحفاظ على وتيرة الإنفاق الحالية.

وقال ماثيوز إن المستهلك «مستعد للإنفاق»، وكان حتى الآن «قادراً على الإنفاق»، لكنه أضاف أن الصورة تصبح أكثر صعوبة إذا ظلت أسعار البنزين مرتفعة، لأن ذلك يثير تساؤلات بشأن مصدر التمويل اللازم لمواصلة نمو الإنفاق.

ويرى بيرس أن ارتفاع أسعار البنزين سيؤدي إلى ضغط جديد على الدخول الحقيقية، بما قد يدفع الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل إلى تقليص الإنفاق على السلع والخدمات الأخرى.